
مرّت ساعات على سفر زياد...
وفي مصر، كانت الساعة قربت من منتصف الليل.
شركة الألفي كانت شبه فاضية.
معظم الموظفين مشيوا، والأنوار في المكاتب بدأت تطفى واحدة ورا التانية.
لكن في الدور الأخير...
كان معتز لسه قاعد قدام الكمبيوتر.
قدامه مجموعة ملفات.
من ساعة ما زياد سافر وهو مش قادر يتخلص من الإحساس إن فيه حاجة غلط.
كان زياد طلب منه قبل ما يمشي:
"خلي عينك على الشركة."
جملة بسيطة...
لكن معتز كان عارف إن زياد مكنش بيقول كلام من غير سبب.
سمع صوت خطوات في الممر.
رفع عينه.
ـ مين؟
مفيش رد.
قام من مكانه.
فتح باب المكتب.
الممر كان فاضي.
بص يمين وشمال.
ولا حد.
رجع يقفل الباب.
لكن قبل ما إيده توصل للمقبض...
اتسمع صوت عالي من الدور الأرضي.
صوت تكسير.
وبعده مباشرة...
طلقة نار.
اتجمد معتز مكانه.
ثانية واحدة...
وبعدين طلقة تانية.
ضرب نار.
نزل بسرعة على الأرض.
موظف الأمن اللي تحت بدأ يصرخ:
ـ اطلعوا من هنا!
اتسمعت أصوات جري.
وزجاج بيتكسر.
معتز مسك موبايله واتصل بمازن.
ـ رد يا مازن...
رن مرة.
مرتين.
مفيش رد.
بص معتز ناحية السلم.
وبعدين رجع بص للموبايل.
اتصل تاني.
المرة دي...
مازن رد بصوت متوتر.
ـ ألو؟
معتز: ـ إنت فين؟
ـ أنا بره الشركة.
معتز: ـ متقربش!
مازن سكت.
ـ في إيه؟
اتسمعت طلقة في الخلفية.
معتز: ـ في ناس دخلت الشركة.
مازن: ـ إيه؟!
ـ متقربش يا مازن!
مازن: ـ هكلم الشرطة.
ـ كلمهم فورًا.
قفل معتز.
ورجع استخبى داخل المكتب.
صوت خطوات بدأ يقرب.
ببطء.
واحدة...
وراء التانية.
قربت الخطوات من الباب.
وقف الصوت.
معتز حبس نفسه.
مقبض الباب اتحرك.
مرة.
مرتين.
وبعدين...
اتفتح الباب.
لكن المكتب كان فاضي.
الشباك كان مفتوح.
معتز كان خرج منه للطرقة الجانبية قبل لحظات.
مشي بسرعة في الممر.
كان بيسمع أصوات الرجال في الدور الأرضي.
واحد منهم قال:
ـ فتشوا مكتب زياد.
رد التاني:
ـ مفيش حاجة هنا.
ـ دوروا كويس.
معتز وقف.
مكتب زياد.
ليه مكتب زياد؟
هو مسافر.
الشخص اللي دخل الشركة مش جاي يسرق فلوس.
هو جاي يدور على حاجة.
حاجة محددة.
معتز رجع ناحية المكتب بهدوء.
دخل من الباب الخلفي.
فتح درج مكتب زياد.
بدأ يدور بسرعة.
ملفات.
أوراق.
أقلام.
ولا حاجة.
لكن فجأة...
افتكر حاجة.
الدرج السفلي.
فتحه.
كان فيه ظرف أبيض.
سحبه.
بص عليه.
مكتوب عليه بخط زياد:
"في حالة حدوث أي شيء."
اتجمد معتز.
فتح الظرف.
كان جواه فلاشة صغيرة.
وورقة واحدة.
قرأها بسرعة.
وكان مكتوب:
"لو وصلت للورقة دي، متحاولش تفهم لوحدك."
وتحتها...
اسم واحد.
عمر الصياد.
رفع معتز عينه.
ـ عمر؟
وفجأة...
سمع صوت طلقة قريبة جدًا.
اتكسر زجاج المكتب.
وقع معتز على الأرض.
وبص ناحية الشباك.
رصاصة عدت من جنبه.
اتنفس بسرعة.
ضم الفلاشة في إيده.
وفهم إن الموضوع...
أكبر بكتير من مجرد تهديد.
في نفس الوقت...
قدام الشركة.
كانت عربية سوداء واقفة على بعد أمتار.
داخلها كان محمود.
بص للشركة من بعيد.
والرجل اللي جنبه قال:
ـ دخلوا.
محمود: ـ كويس.
ـ ولو لقوا الفلاشة؟
محمود سكت.
وبعدين قال:
ـ مش هيلحقوا.
الرجل: ـ ولو معتز خرج بيها؟
محمود بصله.
ـ يبقى نعرف هو خرج فين.
الرجل سكت.
محمود رجع بص للشركة.
ـ محدش يلمس حد مالوش علاقة.
ـ وأوامرك؟
ـ خدوا اللي جايين عشانه وبس.
الرجل هز رأسه.
لكن محمود كان عارف...
إن الأمور خرجت عن سيطرته من اللحظة اللي أول رصاصة اتطلقت.
داخل الشركة...
وصلت الشرطة.
بدأت أصوات عربياتها تظهر من بعيد.
الرجال اللي دخلوا الشركة بدأوا ينسحبوا بسرعة.
لكن قبل ما يخرجوا...
واحد منهم وقف عند مكتب زياد.
بص للصورة الموجودة على المكتب.
صورة قديمة لزياد وأصحابه.
مد إيده وأخذها.
وبعدين خرج.
بعد دقائق...
كانت الشركة محاصرة.
معتز خرج من الباب الخلفي.
أول ما شاف مازن...
جرى عليه.
مازن: ـ إنت كويس؟
معتز هز رأسه.
ـ أيوة.
ـ إيه اللي حصل؟
معتز فتح إيده.
الفلاشة كانت لسه موجودة.
مازن بص لها.
ـ دي إيه؟
معتز: ـ مش عارف.
ـ وزياد يعرف؟
معتز: ـ واضح إنه كان متوقع حاجة زي دي.
مازن سكت.
وبعدين قال:
ـ لازم نكلم عمر.
معتز: ـ لأ.
مازن: ـ ليه؟
معتز: ـ لأن زياد هو اللي كتب اسمه.
سكت مازن.
بص لمعتز.
ـ يعني إيه؟
معتز: ـ يعني لازم نفهم الأول.
في صباح اليوم التالي...
كانت وتين في الجامعة.
قاعده قدامها الاسكتش.
لكنها مكنتش مركزة.
من امبارح وهي حاسة إن في حاجة ناقصة.
اتصلت بزياد مرتين.
مردش.
قالت لنفسها:
"يمكن لسه في الطيارة."
لكنها مكنتش تعرف...
إن زياد وصل بالفعل إلى ألمانيا.
وإن آخر حاجة شافها قبل ما يقفل موبايله...
كانت صورة من الشركة وصلت له من رقم مجهول.
صورة للزجاج المكسور.
وتحتها رسالة واحدة:
"سافرت بسرعة."
"بس الماضي سبقك."
فضل زياد باصص للشاشة.
لأول مرة...
حس إن سفره مش هيحمي حد.
وإن اللي كان بيهرب منه...
بدأ يقرب منه أكتر.
رفع عينه من شباك الفندق.
المدينة الألمانية كانت هادية.
مختلفة.
باردة.
ومش عارف ليه...
لكن لأول مرة من سنين...
حس إنه فعلًا لوحده.
رن موبايله.
رقم ألماني.
رد.
ـ ألو؟
جاءه صوت رجل عربي:
ـ أستاذ زياد الألفي؟
ـ أيوة.
ـ عندي عرض شغل ليك.
سكت زياد.
ـ مين حضرتك؟
ـ حد عارف إنك محتاج تبدأ من الصفر.
زياد عقد حواجبه.
ـ مش مهتم.
الرجل ضحك بهدوء.
ـ هتكون مهتم لما تعرف إن العرض ده...
ممكن يخليك تبني كل اللي خسرته.
زياد: ـ أنا مش محتاج حد يبنيلي حاجة.
ـ عارف.
سكت لحظة.
ثم قال:
ـ عشان كده اخترناك.
اتقفل الخط.
فضل زياد ماسك الموبايل.
وبص قدامه.
كان فاكر إن ألمانيا هتكون بداية جديدة.
لكن من أول يوم...
بدأ يكتشف إن البداية الجديدة...
ممكن تكون أخطر من النهاية القديمة.
بعد يومين...
في مصر.
كان عمر الصياد واقف في مكتبه.
قدامه مازن ومعتز.
حط معتز الفلاشة على المكتب.
عمر بص لها.
وبعدين رفع عينه.
ـ زياد سابها معاكم؟
معتز: ـ لأ.
ـ أمال؟
ـ لقيتها في مكتبه بعد الهجوم.
سكت عمر.
مد إيده.
لكن قبل ما يلمسها...
رن موبايله.
بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد.
ـ ألو؟
صوت هادي قال:
ـ متفتحهاش.
عمر سكت.
ـ مين؟
ـ لو فتحتها...
هتفتح باب مش هتعرف تقفله.
عمر: ـ وإنت فاكر إني بخاف؟
جاء الرد:
ـ لأ.
سكت لحظة.
ـ عشان كده أنا بكلمك إنت.
وقفل.
رفع عمر عينه لمعتز ومازن.
ثلاثتهم فضلوا ساكتين.
ثم قال عمر:
ـ افتحوها.
معتز: ـ متأكد؟
عمر: ـ جدًا.
وصل معتز الفلاشة بالكمبيوتر.
ظهر ملف واحد.
PROJECT ALFA
فتحوه.
ظهرت ملفات قديمة.
صور.
مخططات.
تقارير.
وأسماء.
بدأ معتز يقلب.
وفجأة...
وقف.
وشه اتغير.
مازن: ـ في إيه؟
معتز ما ردش.
قرب عمر من الشاشة.
قرأ أول اسم.
وبعدين الثاني.
وبعدين الثالث.
وفي آخر القائمة...
كان فيه اسم يعرفه كويس.
حامد الألفي.
رفع عمر عينه ببطء.
وقال:
ـ دي مش قضية زياد.
سكت لحظة.
ـ دي قضية أبو زياد.
وفي نفس اللحظة...
وصل إشعار جديد على الشاشة.
ملف جديد ظهر لوحده.
اسمه:
"محمود."
اتجمد الثلاثة.
معتز: ـ هو اللي بعت الملف؟
عمر بص للشاشة.
ـ لأ.
مازن: ـ أمال مين؟
عمر سكت.
وبعدين قال:
ـ حد عايزنا نعرف إن محمود...
مش لوحده.
فضل الثلاثة واقفين قدام الشاشة.
اسم محمود كان لسه ظاهر قدامهم.
معتز قرب من اللابتوب أكتر.
ـ يعني إيه "مش لوحده"؟
عمر فضل ساكت.
مازن بصله.
ـ عمر؟
رفع عمر عينه ببطء.
ـ مش كل حاجة لازم يكون لها إجابة دلوقتي.
معتز: ـ بس إحنا محتاجين نفهم.
عمر: ـ وأنا محتاج أفهم أكتر منكم.
قفل معتز الملف.
ـ طيب نعمل إيه؟
عمر: ـ ناخد نسخة من كل حاجة.
مازن: ـ وبعدين؟
ـ محدش يتصرف لوحده.
بص لهم واحد واحد.
ـ وأي حاجة تخص زياد... تتقال لي فورًا.
معتز عقد حواجبه.
ـ بس زياد مش هنا.
عمر: ـ عشان كده بالذات.
سكتوا.
كان واضح إن عمر بدأ ياخد الموضوع بجدية مختلفة.
مش كقضية شركة.
لكن كحاجة ممكن توصل لزياد نفسه.
في ألمانيا...
كان زياد واقف قدام مبنى قديم.
في إيده ورقة عليها عنوان.
المكان كان مكتبًا صغيرًا لشركة هندسية.
دخل.
استقبله رجل في الأربعينات.
ـ أستاذ زياد؟
ـ أيوة.
مد إيده.
ـ أنا دانيال.
صافحه زياد.
ـ أهلًا.
ـ اتفضل.
دخل زياد المكتب.
المكان مكنش فخم.
ولا قريب حتى من شركة الألفي.
لكن فيه حاجة شدته.
كل الناس هنا كانوا شغالين.
مفيش حد مهتم هو ابن مين.
ولا اسم عيلته.
ولا الشركة اللي كان جاي منها.
قعد قدام دانيال.
حط الرجل ملف على المكتب.
ـ قرأت عن شغلك.
زياد: ـ في مصر؟
ـ أيوة.
زياد: ـ وقرأت عن المشكلة؟
دانيال ابتسم.
ـ قرأت أكتر مما تتخيل.
زياد سكت.
دانيال فتح الملف.
ـ بس أنا مش مهتم بالماضي.
رفع عينه له.
ـ أنا مهتم أنت تقدر تعمل إيه دلوقتي.
فضل زياد باصص للملف.
ثم قال:
ـ وأنا كمان.
ابتسم دانيال.
ـ كويس.
مد له ورقة.
ـ عندنا مشروع صغير محتاج حد يشتغل عليه.
زياد: ـ صغير قد إيه؟
ضحك دانيال.
ـ صغير لدرجة إنك ممكن تشتغل عليه بنفسك.
زياد أخذ الورقة.
بص للتصميم.
وبدأ يقرأ.
بعد ثواني...
رفع عينه.
ـ فيه مشكلة هنا.
دانيال: ـ فين؟
زياد أشار لنقطة في المخطط.
ـ التوزيع ده هيعمل ضغط على الجزء ده.
قرب دانيال.
بص.
سكت.
وبعدين ابتسم.
ـ عشان كده اخترتك.
زياد: ـ اخترتني ليه؟
ـ لأنك بصيت للمشكلة قبل ما تسأل عن قيمة المشروع.
سكت زياد.
ولأول مرة من فترة...
ابتسم ابتسامة حقيقية.
ـ أقدر أبدأ إمتى؟
دانيال: ـ بكرة.
في مصر...
كانت وتين خارجة من الجامعة.
بسنت ماشية جنبها.
وميـار ماسكة مجموعة أوراق.
بسنت: ـ أنا مش مصدقة إنك بقيتي بتخرجي من الجامعة من غير ما تتكلمي عن زياد.
وتين بصتلها.
ـ وأنا مالي؟
ميار ضحكت.
ـ وشك بيقول غير كده.
وتين: ـ أنتوا الاتنين محتاجين تتعالجوا.
ضحكوا.
لكن ضحكتهم توقفت لما شافوا مجموعة موظفين واقفين عند بوابة الجامعة.
واحد منهم كان ماسك كاميرا.
بسنت: ـ هو في إيه؟
ميار: ـ معرفش.
قرب منهم أحد الموظفين.
ـ لو سمحتي... الآنسة وتين علي؟
وتين: ـ أيوة.
ـ في مقابلة صحفية بسيطة بخصوص البرنامج.
وتين اتفاجئت.
ـ أنا؟
ـ أيوة.
بصت لبسنت وميار.
بسنت: ـ روحي.
وتين: ـ مش عارفة أقول إيه.
ميار: ـ قولي الحقيقة.
ابتسمت وتين.
ومشت معاهم.
في المساء...
كانت وتين قاعدة قدام اللابتوب.
الفيديو بتاع المقابلة بدأ ينتشر.
تعليقات كتير.
ناس بتشجعها.
وناس بتتكلم عن التصميم.
وناس بتقول إنها تستحق الفرصة.
ابتسمت وهي بتقفل الصفحة.
لكن عينيها وقعت على اسم قديم في قائمة المحادثات.
زياد.
فتحت الشات.
آخر رسالة منه كانت:
"كملي كل اللي بدأتيه."
فضلت باصة لها.
وبعدين كتبت:
"بدأت."
مسحتها.
كتبت:
"أتمنى تكون بخير."
مسحتها برضه.
وفي الآخر...
قفلت الموبايل.
وقالت لنفسها:
ـ أكيد بخير.
لكنها مكانتش تعرف...
إن الشخص اللي كانت بتفكر فيه في اللحظة دي كان في غرفة صغيرة بألمانيا، قاعد قدام تصميم جديد، وبيشتغل لأول مرة من غير اسم الألفي.
على غير ميعاد
الفصل العشرون
كانت الساعة قربت على منتصف الليل في ألمانيا.
المكتب الصغير كان هادي جدًا، لدرجة إن صوت القلم وهو بيتحرك على الورق كان واضح.
زياد كان قاعد قدام التصميم.
ورقة جنب ورقة.
مخطط فوق مخطط.
ومرة كل شوية يرجع يبص لنفس النقطة اللي عدلها من شوية.
من غير سكرتير.
من غير موظفين يدخلوا عليه.
من غير تليفونات شركة مبتبطلش.
من غير اسم "الألفي" مكتوب على باب مكتبه.
كان هو...
وبس.
رفع عينه عن الورق وبص حواليه.
المكان بسيط.
مكتب خشب صغير.
كمبيوتر قديم نسبيًا.
رف عليه كام كتاب هندسة.
وشباك بيطل على شارع هادي.
الغريب إن كل ده كان المفروض يخليه يحس بالغربة.
لكنه حس بحاجة تانية.
راحة.
راحة غريبة.
يمكن لأول مرة من سنين محدش مستني منه يكون ابن حامد الألفي.
ولا مدير شركة.
ولا الشخص اللي لازم يعرف كل إجابة.
هو مجرد مهندس بيحاول يحل مشكلة في تصميم.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
ورجع يكمل.
بعد حوالي ساعة...
خلص الجزء اللي كان شغال عليه.
بص للتصميم مرة أخيرة.
وقال لنفسه:
ـ كويس.
حط القلم.
فتح اللابتوب.
وكان أول حاجة ظهرت قدامه إشعار جديد.
إيميل من مصر.
اتردد يفتحه.
فضل باصص له ثواني.
ثم ضغط.
لكن الرسالة مكنتش من أبوه.
ولا من مازن.
ولا من معتز.
كانت من إدارة الشركة.
عنوانها:
"تحديث بخصوص شركة الألفي."
قرأ أول سطر.
ثم الثاني.
وملامحه بدأت تتغير.
الأوضاع المالية للشركة بدأت تتأثر.
بعض العملاء أوقفوا مشروعاتهم مؤقتًا.
وشركتان كانوا مرتبطين بعقود طويلة بدأوا يراجعوا موقفهم.
زياد ساب الشاشة.
وسند ضهره للكرسي.
كان متوقع إن غيابه يعمل ضغط.
لكن مش بالسرعة دي.
فتح الرسالة كاملة.
وفي آخرها كان فيه سطر:
"نحتاج إلى توجيهاتكم."
ضحك بسخرية خفيفة.
ـ توجيهاتي؟
هز رأسه.
ـ وأنا حتى مش عارف إيه اللي بيحصل هناك.
قفل الإيميل.
لكن قبل ما يقفل اللابتوب...
وصل إيميل تاني.
المرة دي من عنوان شخصي.
مازن.
فتح الرسالة.
كانت قصيرة.
"مفيش حاجة تقلقك دلوقتي. إحنا ماسكين الشركة. ركز في اللي أنت فيه."
فضل زياد باصص للرسالة.
كان عارف مازن.
وعارف إنه لما يقول "مفيش حاجة تقلقك"، غالبًا فيه حاجة فعلًا تستاهل القلق.
كتب:
"إيه اللي حصل؟"
فضل باصص للشاشة.
ثم مسحها.
كتب:
"طمني."
مسحها برضه.
وفي الآخر قفل اللابتوب.
وقال:
ـ لو في حاجة كبيرة... هعرف.
لكنه مكنش يعرف إن في مصر فعلًا...
كانت فيه حاجة كبيرة.
في شركة الألفي...
كان مازن قاعد في مكتب زياد.
ومعتز واقف قدامه.
على المكتب كانت الفلاشة.
والملفات اللي لقوها جواها.
معتز:
ـ أنا مش فاهم ليه عمر طلب إننا منبلغش الشرطة بكل اللي موجود.
مازن:
ـ قال لازم نتأكد الأول إن الملفات أصلية.
معتز:
ـ وإنت مصدقه؟
مازن بصله.
ـ لأ.
سكت معتز.
ثم قال:
ـ وأنا كمان.
في اللحظة دي...
دخل عمر الصياد.
وقف عند الباب.
بص للاتنين.
عمر:
ـ كويس إنكم لسه صاحيين.
مازن:
ـ كنا مستنيينك.
عمر دخل وقفل الباب.
قعد قدامهم.
ـ وروني كل حاجة.
معتز حط اللابتوب قدامه.
فتح الملفات.
الصور.
التقارير.
المخططات.
الأسماء.
عمر كان ساكت.
لكن كل ما يقلب صفحة...
ملامحه كانت بتتغير أكتر.
لحد ما وصل لملف قديم جدًا.
فتح.
كانت صورة لمشروع ضخم.
وتحتها تاريخ قديم.
منذ سنوات.
مازن:
ـ المشروع ده إيه؟
عمر فضل ساكت.
معتز:
ـ عمر؟
رفع عمر عينه.
وقال:
ـ مشروع انتهى من زمان.
مازن:
ـ واضح إنه منتهيش.
عمر قفل الملف.
ـ مش هنا.
معتز:
ـ أمال فين؟
عمر بصله.
ـ في الماضي.
معتز:
ـ الماضي ده هو اللي جاب محمود؟
سكت عمر.
السكوت كان إجابة كفاية.
مازن قرب منه.
ـ أنت تعرف محمود من قبل؟
عمر رفع عينه.
ـ أعرفه.
ـ من إمتى؟
عمر سكت لحظة.
ثم قال:
ـ من قبل ما تعرفوا أنتم إن اسمه موجود أصلًا.
اتبادل مازن ومعتز النظرات.
معتز:
ـ يعني إيه؟
عمر وقف.
ـ يعني إنكم لو عايزين تحموا زياد...
لازم تبطلوا تدوروا على محمود بس.
مازن:
ـ أمال ندور على مين؟
عمر بص له.
ـ على اللي كان معاه.
سكت.
ثم خرج من المكتب.
فضل مازن واقف مكانه.
بص لمعتز.
ـ هو عارف حاجة.
معتز:
ـ أكيد.
ـ ومش عايز يقول.
ـ أكيد أكتر.
في اليوم التالي...
وصل زياد المكتب بدري.
كان أول واحد تقريبًا.
دانيال كان موجود.
أول ما شافه ابتسم.
ـ صباح الخير.
زياد:
ـ صباح النور.
دانيال حط قدامه كوب قهوة.
ـ جاهز؟
زياد بص للقهوة.
ـ دي إيه؟
ضحك دانيال.
ـ قهوة.
ـ أنا قصدي ليه؟
ـ عشان شكلك محتاجها.
ابتسم زياد.
ـ واضح إني بدأت أبقى ألماني.
ضحك دانيال.
ـ استنى لما تتعود على البرد.
قعدوا.
بدأوا الشغل.
ومع مرور الساعات...
زياد بدأ يندمج أكتر.
كان بيشتغل بتركيز شديد.
كل ما يواجه مشكلة يرجع يحللها.
مش مستعجل.
مش مضغوط.
ولأول مرة...
اكتشف إنه بيحب الشغل بالشكل ده.
في نص اليوم...
دخل أحد المهندسين.
ـ دانيال، العميل طلب تعديل كبير.
دانيال:
ـ إيه هو؟
ـ عايز نغير التصميم بالكامل.
زياد رفع عينه.
دانيال:
ـ وليه؟
ـ بيقول إن الشكل الحالي مش مناسب.
زياد رجع بص للتصميم.
ثم قال بهدوء:
ـ مش محتاجين نغيره.
المهندس بصله.
ـ العميل قال...
زياد:
ـ عارف.
قام من مكانه.
ـ بس لو غيرناه بالطريقة دي، هنخسر الفكرة الأساسية للمشروع.
دانيال كان ساكت.
زياد فتح التصميم وبدأ يشرح.
دقائق قليلة...
والغرفة كلها كانت ساكتة بتسمع.
لما خلص...
دانيال ابتسم.
ـ ابعتله النسخة دي.
المهندس:
ـ حضرتك متأكد؟
دانيال:
ـ جدًا.
خرج الرجل.
دانيال بص لزياد.
ـ أنت بدأت تتعود بسرعة.
زياد:
ـ على إيه؟
ـ إن محدش هنا بيسأل أنت ابن مين.
سكت زياد.
الكلمة لمسته.
دانيال كمل:
ـ هنا يا تعمل شغلك كويس... يا متعملوش.
زياد ابتسم.
ـ يمكن ده اللي كنت محتاجه.
في مصر...
كانت وتين قاعدة في المرسم.
قدامها مجموعة رسومات.
ميار قاعدة جنبها.
وبسنت على الناحية التانية.
الدكتورة دخلت.
بصت للرسومات.
ثم قالت:
ـ عندي اقتراح ليكم.
وتين:
ـ إحنا؟
ـ أيوة.
حطت ملف على الترابيزة.
ـ الجامعة داخلة في مشروع تعاون مع شركة الألفي.
وتين سكتت.
اسم الشركة خلى إيدها توقف مكانها.
الدكتورة كملت:
ـ الشركة محتاجة فريق من الطلبة يساعد في تطوير جزء من مشروع قديم.
ميار:
ـ مشروع قديم؟
ـ أيوة.
بسنت:
ـ وإحنا هنكون الفريق؟
الدكتورة:
ـ أنتم التلاتة بالذات.
بصت لهم.
ـ وتين، ميار، بسنت.
وتين أخدت نفس.
ـ والمطلوب إيه؟
الدكتورة فتحت الملف.
ـ نشتغل على إعادة تصميم جزء من المشروع.
وتين بدأت تقرأ.
كل ما تقرأ سطر...
ملامحها تتغير.
ميار قربت منها.
ـ في إيه؟
وتين:
ـ المشروع كبير.
بسنت:
ـ يعني؟
وتين:
ـ يعني لو نجح...
ممكن يساعد الشركة ترجع تقف على رجلها.
ساد الصمت.
الدكتورة بصت لهم.
ـ عشان كده اخترتكم.
وتين رفعت عينيها.
ـ وإمتى نبدأ؟
ـ من بكرة.
بعد المحاضرة...
خرجت التلاتة من المرسم.
بسنت:
ـ أنا حاسة إننا دخلنا في حاجة أكبر مننا.
ميار:
ـ وأنا حاسة إنك هتخافي أول يوم وبعدين هتتحمسي.
بسنت:
ـ أنا؟
ضحكت.
ـ أنا أصلاً أكتر واحدة متحمسة.
وتين كانت ساكتة.
ميار بصتلها.
ـ إنتِ ساكتة ليه؟
وتين:
ـ مش عارفة.
بسنت:
ـ زياد؟
وتين بصتلها.
ـ لأ.
بسنت:
ـ أمال؟
وتين سكتت.
ثم قالت:
ـ اسم الشركة.
ميار:
ـ شركة الألفي؟
هزت رأسها.
ـ حاسة إن كل حاجة حصلت حوالينا... ولسه مخلصتش.
بسنت:
ـ يمكن عشان الشركة نفسها لسه بتواجه مشاكل.
وتين:
ـ يمكن.
وبعدين ابتسمت.
ـ بس لو في حاجة نقدر نعملها...
أنا عايزة أعملها.
ميار ابتسمت.
ـ وأنا معاكي.
بسنت:
ـ وأنا طبعًا.
مدت إيدها في النص.
ـ الفريق؟
وتين حطت إيدها فوق إيدها.
ـ الفريق.
ميار حطت إيدها فوقهم.
ـ الفريق.
وضحكوا.
من غير ما أي واحدة فيهم تعرف...
إن المشروع اللي هيبدأوه بكرة...
هيكون أول خطوة في طريق طويل جدًا.
في ألمانيا...
كان زياد راجع لشقته الصغيرة.
حط المفاتيح على الترابيزة.
خلع الجاكت.
فتح اللابتوب.
دخل على إيميله.
كان فيه رسالة جديدة.
من رقم غير معروف.
فتحها.
مفيش كلام كتير.
صورة واحدة.
صورة قديمة.
زياد نفسه فيها.
محمود واقف جنبه.
والشخص الثالث...
واقف بعيد.
تحت الصورة جملة واحدة:
"افتكرت إنك بدأت حياة جديدة؟"
ثبت زياد مكانه.
ثم وصل إيميل آخر.
"لسه عندك وقت ترجع."
زياد فضل باصص للشاشة.
وبعدين قفل اللابتوب بهدوء.
لأول مرة من ساعة ما وصل ألمانيا...
الغضب ظهر في عينيه.
وقال بصوت منخفض:
ـ لو عايزني أرجع...
هترجعني ليه؟
سكت.
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
ـ بس المرة دي...
أنا اللي هختار إمتى أرجع.
وفي مكان آخر...
كان محمود واقف قدام نافذة كبيرة.
الموبايل في إيده.
جاله اتصال.
رد.
ـ أيوة.
جاءه الصوت:
ـ زياد بدأ شغل.
محمود:
ـ عارف.
ـ وبدأ يبني نفسه.
سكت محمود.
ثم قال:
ـ خلوه يبني.
ـ ليه؟
ابتسم محمود.
ـ عشان لما نهده...
يبقى وقع من مكان أعلى.
وقفل الخط.
لكن الشخص اللي كان واقف خلفه...
قال بهدوء:
ـ وأنت متأكد إنه هيقع؟
محمود لف له.
ابتسم.
ـ زياد؟
سكت لحظة.
ـ ابن حامد الألفي مش بيقع بسهولة.
ثم أضاف:
ـ عشان كده...
مش هنكسره.
هنخليه يقع لوحده.
في صباح اليوم التالي...
وصلت وتين الجامعة بدري.
كانت شايلة ملف كبير، وفي إيدها اسكتشات كتير.
من أول ما صحيت وهي بتفكر في المشروع الجديد.
مش بس لأنه متعلق بشركة الألفي...
لكن لأنها لأول مرة حاسة إن شغلها ممكن يكون له تأثير حقيقي على حاجة أكبر منها.
دخلت المرسم.
لقيت ميار قاعدة على الترابيزة، قدامها اللابتوب مفتوح.
ميار:
ـ صباح الخير.
وتين:
ـ صباح النور.
بصت للساعة.
ـ بسنت فين؟
ميار:
ـ قالتلي جاية.
قعدت وتين جنبها.
ـ بدأتي؟
ـ أيوة، بس مش فاهمة جزء هنا.
لفت اللابتوب ناحيتها.
وتين قربت.
بدأت تقرأ.
ـ هنا الفكرة مش غلط... المشكلة إنهم عاملين التصميم على أساس إن المستخدم هيتحرك من الناحية دي.
ميار:
ـ أيوة.
وتين:
ـ بس لو غيرنا المدخل...
سكتت.
بدأت ترسم بإيدها على الورقة.
ـ هنا.
ميار بصت للرسمة.
ـ كده المساحة هتتحل.
وتين:
ـ بالظبط.
ميار ابتسمت.
ـ إنتِ بتشوفي التصميم كأنك جوه المكان فعلًا.
وتين ضحكت.
ـ ما أنا قولتلك قبل كده... لازم تدخلي المكان في دماغك الأول.
ميار:
ـ وأنا أقول إيه؟
ـ قولي إن عندي دكتورة صغيرة.
ضحكوا.
في اللحظة دي دخلت بسنت.
كانت شايلة أكواب قهوة.
بسنت:
ـ صباح الخير يا مهندسات المستقبل.
ميار:
ـ أخيرًا.
بسنت حطت الأكواب على الترابيزة.
ـ متشكرين.
وتين أخدت كوبها.
ـ إنتِ عارفة إنك أحسن حاجة حصلت للمرسم؟
بسنت:
ـ عارفة.
ـ غرورك بيزيد.
ـ أنا عندي ثقة بالنفس مش غرور.
ضحكوا.
لكن الضحكة انتهت لما دخل الدكتور كمال.
حط ملفه على المكتب.
وبص للتلاتة.
ـ خلصتوا قراءة المشروع؟
وتين:
ـ بدأنا.
الدكتور:
ـ كويس.
فتح الملف.
ـ لأن عندكم أسبوع واحد.
اتسعت عيون بسنت.
ـ أسبوع؟!
الدكتور:
ـ أيوة.
ميار:
ـ بس المشروع كبير.
ـ عشان كده هتشتغلوا كفريق.
بص لتين.
ـ وتين مسؤولة عن التصميم الأساسي.
وبص لميار.
ـ ميار مسؤولة عن الدراسات والتفاصيل.
وبسنت.
ـ وإنتِ مسؤولة عن العرض والتنسيق.
بسنت:
ـ يعني أنا اللي هتعب في الآخر؟
الدكتور ضحك.
ـ بالظبط.
ضحكوا.
ثم قال:
ـ ولو نجحتوا...
سكت لحظة.
ـ النسخة النهائية هتترفع مباشرة للإدارة المسؤولة عن تطوير المشروع.
وتين بصت للملف.
ـ يعني ممكن تتنفذ؟
ـ لو كانت قوية.
هزت رأسها.
ـ هتكون.
الدكتور ابتسم.
ـ ده اللي مستنيه منك.
خرج.
وبدأ الشغل.