رواية فرحة علي حافة الهاوية الفصل الثامن عشر18الاخير بقلم أية محمود

رواية فرحة علي حافة الهاوية الفصل الثامن عشر18 الاخير بقلم أية محمود
انتهى مصطفى من كلامه...
وساد صمت ثقيل على البيت.
ولا حد كان قادر ينطق.
حتى صوت عقارب الساعة...
كان مسموع.
أمينة كانت لسه حضنة شغف بكل قوتها.
وكأنها خايفة لو سابتها...
تختفي منها تاني.
أما شغف...
فكانت دموعها بتنزل في صمت.
وقلبها متلخبط.
هي بنت مين؟
البنت اللي اتربت في حضن مصطفى وزوجته...
ولا البنت اللي اتولدت لأحمد وأمينة؟
يمكن الاتنين.
قطع الجد الصمت وقال بصوت هادئ:
"يعني أحمد... كان عارف إن في ناس عايزين يقتلوه؟". 
تنهد مصطفى.
"أيوه."
"بس عمره ما قالي مين."
"كل اللي قاله إن في ناس وراه من فترة..."
"وإنه كان بيحاول يحمي بنته."
سليم عقد حاجبيه.
"والرسالة؟"
"فين الموبايل بتاع بابا؟"
هز مصطفى رأسه بأسى.
"الموبايل اتحرق في العربية."
"والشرطة وقتها قالت إن مفيش حاجة تنفع تتجاب منه."
سليم قبض على إيده بغضب.
"يبقى اللي عمل ده..."
"اختفى من غير أي حساب."
أم شغف كانت لسه بتعيط.
قربت من شغف.
ومسكت وشها بين إيديها.
وقالت وهي بتبكي:
"أنا عارفة إن الحقيقة كبيرة..."
"بس اسمعيني."
"أنا يمكن ما ولدتكيش..."
"لكن أنا أول واحدة سمعِت كلمة ماما منك."
"أنا أول واحدة سهرِت عليكي لما تعبتي."
"وأول واحدة فرحت بنجاحك."
"ولو الزمن رجع بيا ألف مرة..."
"هختارك بنت ليا كل مرة."
شغف ما قدرتش تتمالك نفسها.
حضنتها بقوة.
وقالت وسط دموعها:
"وهتفضلي أمي."
"مهما حصل..."
"وهيفضل البيت ده بيتي."
بكت أم شغف أكتر...
وهي بتطبطب على شعرها.
أمينة كانت بتبص للمشهد...
ودموعها بتنزل.
اقتربت بهدوء.
وقالت بصوت مليان امتنان:
"أنا عمري ما هقدر أوفيكم حقكم."
"إنتوا حافظتوا على بنتي."
"وربتوها أحسن تربية."
بصت لأم شغف.
وأضافت:
"ومش جاية أخدها منكم."
"أنا جاية أعوض السنين اللي راحت."
رفعت شغف رأسها بسرعة.
وبصت للاتنين.
وقالت بحزم:
"أنا مش هسيب حد."
"ولا هسمح إن الحقيقة دي تفرقنا."
"أنا عندي أمين."
لفت ناحية أم شغف.
"أم ربتني..."
ثم بصت لأمينة.
"وأم جابتني للدنيا."
"ومحدش هيقدر يخليني أختار واحدة فيهم."
ساد الصمت.... 
لكن المرة دي...
كان صمتًا مليئًا بالرضا.
وفجأة...
تكلم سليم.
"لسه في حاجة ناقصة.". 
الكل بصله.
قال وهو بيبص لمصطفى:
"إحنا عرفنا ليه خبيت ريتال."
"بس..."
"مين اللي زوّر نتيجة التحليل الأولى؟"
"ومين اللي حاول يمنع الحقيقة تظهر؟"
اتغيرت ملامح مصطفى فجأة.
وشه شحب.
وكأنه افتكر حاجة.
وقف مرة واحدة.
وقال بصوت منخفض:
"الملف..."
استغرب الجد.
"ملف إيه؟"
رد مصطفى وهو بيجري ناحية أوضته:
"في حاجة احتفظت بيها من سنين..."
"يمكن..."
"يمكن تكون هي اللي هتكشف كل حاجة."
دخل مصطفى أوضته بسرعة...
وفتح الدولاب الخشبي القديم.
فضل يطلع ملفات...
وصور...
وأوراق صفر لونها من الزمن.
وهو بيقول لنفسه:
"فين...؟"
"أنا حطيته هنا."
"أكيد هنا."
في الصالة...
كان الكل مستني.
ولا حد نطق.
شغف كانت ماسكة إيد أم شغف...
وبإيدها التانية ماسكة إيد أمينة.
وكأنها خايفة تسيب واحدة فيهم.
بعد دقائق...
خرج مصطفى.
وفي إيده صندوق خشب صغير.
كان واضح إنه قديم جدًا.
حطه على الترابيزة.
وبص للجميع.
وقال:
"الصندوق ده..."
"أحمد اداهولي قبل الحادث بكام شهر."
سليم اتوتر.
"بابا؟"
هز مصطفى رأسه.
"قالي..."
"لو حصلي حاجة... افتحه."
فتح الصندوق ببطء.
كان جواه صور قديمة.
صورة لأحمد وهو شايل ريتال.
وصورة لمصطفى مع شغف وهي رضيعة.
وصور ليهم كلهم في رحلة.
ابتسمت أمينة وسط دموعها وهي بتشوف الصور لأول مرة من سنين.
لكن في آخر الصندوق...
كان فيه ظرف بني.
مقفول.
وعليه بخط أحمد:
"لا يفتح إلا لو اختفيت."
اتسعت عيون الجميع.
فتح مصطفى الظرف.
طلع منه جواب.
بدأ يقراه...
لكن صوته كان بيرتعش.
"لو إنت بتقرأ الرسالة دي..."
"يبقى غالبًا أنا مبقتش موجود."
شهقت أمينة.
أما سليم...
ففضل باصص للورقة كأنه سامع صوت أبوه.
كمل مصطفى القراءة:
"يا مصطفى...
أنا واثق فيك أكتر من أي حد.
ولو جرالي حاجة... أعرف إن اللي حصل مكانش صدفة.
في ناس بتراقبني من فترة.
وأخطر حاجة إنهم موجودين قريب جدًا... أكتر مما تتخيل."
سكت مصطفى.
ورفع رأسه.
الكل كان مصدوم.
كمل:
"أنا مش عارف هما مين بالظبط...
لكن كل ما أقرب أعرف الحقيقة... ألاقي حد سبقني بخطوة."
"ولو بنتي عاشت...
أوعى تخلي حد يعرف إنها ريتال."
"لأنهم مش هيوقفوا غير لما يتأكدوا إنها ماتت."
سليم قبض على إيده بغضب.
"يعني بابا كان عارف إنه مهدد."
أومأ مصطفى.
لكن قبل ما يكمل القراءة...
وقعت من الظرف ورقة صغيرة على الأرض.
انحنت شغف وأخدتها.
كان فيها عنوان...
ورقم خزنة.
وفي آخرها جملة واحدة بخط أحمد:
"كل الحقيقة موجودة هناك."
بصت شغف لسليم.
وسليم بصلها.
ثم قال بهدوء:
"واضح إن رحلة البحث..."
"لسه هاتبدأت."
فضلت الأنظار كلها متعلقة بالورقة الصغيرة...
العنوان...
ورقم الخزنة.
سليم أخدها من إيد شغف، وقرأها أكتر من مرة.
ثم قال:
"العنوان ده..."
"هو فرع بنك."
رفع الجد حاجبه باستغراب.
"بنك؟"
هز سليم رأسه.
"أيوه..."
"واضح إن بابا كان مأجر خزنة هناك."
أمينة بصت لمصطفى بسرعة.
"إنت عمرك ما عرفت عنها؟"
تنهد مصطفى.
"والله أول مرة أشوف الورقة دي."
"أنا فتحت الرسالة قبل كده..."
"لكن الظرف نفسه ما فتشتوش."
"يمكن الورقة كانت لازقة فيه."
شغف كانت باصة للعنوان في شرود.
ثم قالت:
"يبقى لازم نروح."
لكن الجد هز رأسه بحزم.
"لأ."
"مش النهارده."
"إحنا لسه تحت صدمة كبيرة."
"وأي قرار هيتاخد دلوقتي هيكون غلط."
وافقه مصطفى.
"بكرة الصبح."
"أنا وسليم وشغف هنروح."
سكت لحظة.
ثم بص لأمينة.
"ولو حبيتي تيجي..."
"فده حقك."
أمينة مسحت دموعها.
وقالت:
"هكون أول واحدة هناك."
في نفس اللحظة...
على بُعد عدة كيلومترات.
داخل فيلا فخمة.
كان رجل في منتصف الخمسينات قاعد في مكتبه.
قدامه شاشة كبيرة.
وفجأة...
دخل عليه أحد رجاله.
وقال بقلق:
"باشا..."
رفع الرجل رأسه.
"خير؟"
رد الرجل:
"في خبر وصلنا."
"البنت..."
"طلعت عايشة."
اتغيرت ملامح الرجل.
وقام واقف فجأة.
"بتقول إيه؟!"
"إحنا كنا متأكدين إنها ماتت."
هز الرجل رأسه.
"واضح إن في حد خدع الكل."
ساد الصمت.
ثم اقترب الرجل من الشباك.
وقال بصوت بارد:
"يعني..."
"أحمد كسب الجولة الأولى."
لف ناحية رجله.
وعيناه امتلأتا بالقسوة.
"لكن الجولة دي..."
"مش هيسيبوها تكمل."
ثم قال بحزم:
"راقبوا كل تحركاتهم."
"خصوصًا..."
"البنت."
"أول ما تتحرك..."
"بلغوني."
خرج الرجل من المكتب.
أما صاحب الفيلا...
فنظر إلى صورة قديمة موضوعة داخل إطار.
ابتسم ابتسامة غامضة.
وهمس:
"بعد عشرين سنة..."
"رجعتي تاني يا ريتال."
ثم أغلق الإطار...
لتظل هوية ذلك الرجل...
وسبب عدائه لأحمد...
لغزًا لم يُكشف بعد.

💦💦💦💦💦💦

كان الليل نزل على الفيلا...
والهدوء مسيطر على المكان كله.
مريم كانت قاعدة في الصالون المقابل للمكتبة.
قدامها ياسر.
أول مرة من فترة طويلة يقعدوا مع بعض من غير خناق.
من غير صراخ.
ومن غير دموع.
مريم كانت باصة له بثبات.
وقالت:
"عايزة أعرف الحقيقة."
ياسر رفع عينه ليها.
"أي حقيقة؟"
"سبب جوازك مني."
اتوترت ملامحه فورًا.
"مريم..."
"أنا مش عايز أفتح الموضوع ده."
هزت رأسها بإصرار.
"لا."
"لازم أعرف."
"إنت اتجوزتني ليه؟"
سكت.
ثواني طويلة.
ثم تنهد.
وقال:
"لو حكيت..."
"مش هتحبّي اللي هتسمعيه."
ردت بسرعة:
"حقّي أعرف."
فضل يبصلها للحظات.
ثم أومأ برأسه.
"تمام."
"هحكيلك."
وقبل ما ينطق بحرف واحد...
دوّى صوت صرخة مرعبة في أرجاء الفيلا.
"الحقووووووني!"
مريم انتفضت من مكانها.
وياسر قام بسرعة.
"الصوت جاي من فوق!"
جروا ناحية السلم.
وصوت الصراخ بيتكرر.
وصلوا لممر غرف الطابق العلوي.
واتجمدوا مكانهم.
الخدامة كانت راكعة على الأرض.
بتعيط بهستيريا.
"ست هانم!"
"ست هانم!"
وعلى الأرض...
كانت الجدة ممددة بلا حراك.
مريم شهقت.
وجريت ناحيتها.
"تيتة!"
أما ياسر فركع بسرعة.
وحاول يفوقها.
"تيتة... سامعاني؟"
لكن مفيش استجابة.
في اللحظة دي...
وصلت أم ياسر وإيمي بعد ما سمعوا الصريخ.
أول ما شافت أم ياسر والدتها...
صرخت.
"ماما!"
ركضت ناحيتها.
ثم فجأة توقفت.
وعينيها اتسعت.
"استنوا..."
"إيه ده؟"
الكل بص ناحية اللي بتشاور عليه.
كان فيه أثر مادة بيضا خفيفة على جانب شفايف الجدة.
سكت الجميع.
أما إيمي...
فبدأ الخوف يظهر على وشها.
أو يمكن...
شيء تاني.
قالت بسرعة:
"لازم المستشفى حالًا!"
بعد دقائق...
كانت سيارة الإسعاف منطلقة.
مريم كانت قاعدة في الخلف.
ماسكة إيد الجدة.
وقلبها بيرتعش.
أما ياسر...
فكان واقف جنب السرير.
ملامحه متوترة بشكل مرعب.
بعد ساعة...
في المستشفى.
كان الجميع واقفين قدام غرفة الكشف.
والتوتر بيخنقهم.
فتح الطبيب الباب أخيرًا.
خرج بملف في إيده.
سأله ياسر فورًا:
"خير يا دكتور؟"
تغيرت ملامح الطبيب.
وقال بجدية:
"الحالة مستقرة حاليًا."
تنفس الجميع الصعداء.
لكن الدكتور أكمل:
"بس في مشكلة."
"إيه؟"
"التحاليل أثبتت وجود مادة سامة دخلت جسم المريضة."
ساد الصمت.
ثانية...
اتنين...
تلاتة.
ثم قالت أم ياسر بصدمة:
"يعني إيه مادة سامة؟"
رد الطبيب:
"حالة ت. س. م. م."
اتسعت عيون الجميع.
أما مريم...
فشعرت أن الأرض بدأت تميد تحت قدميها.
وفجأة...
قال الطبيب:
"آخر حاجة أكلتها أو شربتها المريضة كانت إيه؟"
الخدامة ردت بسرعة:
"القهوة يا دكتور."
سأل الطبيب:
"ومين اللي حضرها؟"
هنا...
التفتت كل الرؤوس في اتجاه واحد.
اتجاه...
مريم.
اتجمدت ملامحها.
أما إيمي...
فوضعت يدها على فمها وكأنها مصدومة.
ثم قالت بصوت مرتفع:
"القهوة؟!"
"بس القهوة دي..."
"مريم هي اللي عملتها!"
وقع الكلام كالقنبلة.
أم ياسر رجعت خطوة للخلف.
والخدامة بصت لمريم في ذهول.
أما ياسر...
فكان واقف ساكت.
لا يتكلم.
ولا يتحرك.
فقط ينظر إلى مريم.
ومريم كانت تشعر أن قلبها سيتوقف.
همست بصوت مرتجف:
"أنا..."
"أنا معملتش حاجة."
ساد صمت ثقيل في ممر المستشفى...
ولا حد كان قادر ينطق.
كل العيون كانت متعلقة بمريم.
أما هي...
فكانت واقفة مكانها، وشها شاحب، وعينيها مليانة صدمة.
مش بس من الاتهام...
لكن من اللي حصل للجدة.
وفجأة...
ياسر اتحرك.
ببطء...
لحد ما وقف قدام مريم.
كان باصصلها في عينيها مباشرة.
عينيه كان فيهم وجع...
وحيرة...
وصدمة.
قال بصوت مبحوح:
"مريم..."
رفعت عينيها ليه.
فضل ساكت ثواني...
ثم رفع يده للاعلى بقوة
ترددت في الهواء للحظة...
وكأنها تحمل غضبه... وخوفه... وحيرته كلها.
مريم أغمضت عينيها تلقائيًا.
كانت متأكدة...
إن الكف هينزل على وشها.
لكن...
لأول مرة...
يد ياسر ما نزلتش بعنف.
أنزلها برفق...
ولمس خدها بأطراف أصابعه.
كان بيبص في عينيها...
كأنه بيدور على الحقيقة.
وقال بصوت مبحوح:
"بصيلي يا مريم."
رفعت عينيها ببطء.
كانت الدموع محبوسة فيها.
قال وهو يكاد يختنق:
"قوليلي..."
"إنتِ عملتي كده؟"
"حتى لو بالغلط..."
"قوليلي."
هزت رأسها بسرعة.
"لأ."
"والله العظيم لأ."
"أنا معملتش أي حاجة."
فضل يبصلها.
كأنه بيحاول يقرأ روحها.
فكملت وهي بتبكي:
"أنا عملت القهوة بإيدي..."
"بس ما حطتش فيها غير البن والسكر..."
"وقهوة تيتة كانت سادة... علشان السكر."
"أنا مستحيل أأذيها."
"دي أكتر واحدة كانت بتعاملني كويس في البيت ده."
خرجت الكلمات متقطعة من بين شهقاتها.
"لو كنت بكره حد..."
"فأنا عمري ما أقدر أأذي ست كبيرة بتحبني."
ساد الصمت.
ياسر سحب إيده من على خدها ببطء.
وكان واضح إن الحرب اللي جواه أكبر من أي حد.
قال بصوت منخفض:
"أنا نفسي أصدقك."
شهقت مريم من الوجع.
"يعني... لسه شاكك فيا؟"
غمض عينيه للحظة.
ثم قال بصراحة موجعة:
"أنا مش شاكك فيكي..."
"أنا شاكك في كل حاجة."
"اللي حصل أكبر من إنه يكون صدفة."
"بس كل الأدلة... واقفة ضدك."
مريم مسحت دموعها بعنف.
ورفعت رأسها بثبات لأول مرة.
وقالت:
"يبقى دور على الحقيقة."
"لكن أوعى تدور عليها فيا."
"لأني بريئة."
وفي تلك اللحظة...
قطع الصمت صوت إيمي وهي بتقول بحدة:
"يعني ال. س. م نزل لوحده؟!"
لفت لمريم وهي بتكمل:
"كلنا شربنا من نفس الصينية."
"والوحيدة اللي كانت تقدر تفرق بين الفناجين..."
"هي إنتِ."
مريم بصتلها بقوة.
وقالت:
"بتتهميني؟"
إيمي عقدت دراعاتها.
"أنا بقول الحقيقة."
قبل ما مريم ترد...
اتكلم ياسر بصوت حازم لأول مرة:
"بس."
بص لإيمي.
"محدش هيتهم حد..."
"قبل ما التحقيق يخلص."
استغربت إيمي.
"يعني إنت مصدقها؟"
ياسر فضل ساكت ثواني.
ثم قال من غير ما يبعد عينه عن مريم:
"أنا سألتها..."
"وهي جاوبت بصدق ."
"ودلوقتي..."
"الكلمة هتكون للأدلة."
مريم بصتله.
ورغم إن كلامه مكانش إعلان براءتها...
إلا إنه كان أول مرة...
ما يحكمش عليها قبل ما يسمعها.
وفي آخر الممر...
كانت أم ياسر تراقب الجميع بصمت.
لكن في داخلها...
بدأ سؤال يفرض نفسه بقوة:
"لو مريم بريئة... يبقى مين اللي حط ال. س.م في فنجان أمي؟"
وقف ياسر في آخر ممر المستشفى...
كان كل اللي حواليه بيتكلم.
لكن هو...
ما كانش سامع غير صوت مريم وهي بتقول:
"أنا بريئة."
تنهد بقوة.
وأخرج هاتفه.
اتأكد إن محدش متابعه...
ثم اتصل برقم محفوظ من غير اسم.
جاله الرد بعد ثوانٍ.
"أوامرك يا دكتور."
قال ياسر بصوت منخفض:
"عايز الحقيقة."
"مهما كانت."
جاله الرد:
"عن إيه؟"
أجاب وهو بيبص من خلال زجاج الممر:
"عايز أعرف..."
"مين اللي حط السم."
سكت لحظة...
ثم أكمل:
"فتش كل كاميرا في الفيلا."
"راجع دخول وخروج أي حد للمطبخ."
"واسأل الخدم واحد واحد."
"ولو اضطريت..."
"اعمل تحليل لبقايا القهوة."
"أنا مش عايز شك."
"أنا عايز دليل."
رد الرجل بثقة:
"اعتبره حصل."
وأغلق الخط.
مرت ساعات...
ثم يوم كامل.
ومريم ما زالت تحت نظرات الاتهام.
لكن ياسر...
لم يواجهها مرة أخرى.
كان ينتظر نتيجة التحقيق.
في مساء اليوم التالي...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
هو.
رد بسرعة.
"ها؟"
جاءه الصوت الجاد:
"وصلنا للحقيقة."
شد ياسر الهاتف بقوة.
"اتكلم."
قال الرجل:
"راجعنا تسجيلات الكاميرات."
"مريم دخلت المطبخ..."
"وعملت القهوة."
"وبعدين خرجت."
سكت لحظة.
ثم أكمل:
"بعد خروجها بدقيقتين..."
"دخلت الآنسة إيمي."
اتسعت عينا ياسر.
"إيمي؟"
"أيوه."
"دخلت وهي فاكرة إن المطبخ فاضي."
"وقفت قدام صينية القهوة."
"ومدت إيدها ناحية فنجان الجدة."
"وبعدين خرجت بسرعة."
قبض ياسر على الهاتف.
وقلبه بدأ يدق بعنف.
لكن الرجل لم ينتهِ بعد.
"وده مش كل حاجة."
"الخادمة قالت إنها شافت إيمي راجعة للمطبخ، لكنها افتكرت إنها بتدور على حاجة."
"وكمان..."
"المعمل قدر يحدد إن المادة السامة كانت مركزة في فنجان واحد فقط."
ساد الصمت.
ثم قال الرجل:
"الدليل كله بيشير لشخص واحد."
همس ياسر:
"...إيمي."
جاءه الرد الحاسم:
"أيوه."
"كل الأدلة اللي جمعناها بتؤكد إنها هي اللي عبثت بفنجان الجدة."
أغلق ياسر الهاتف ببطء.
وقف مكانه...
غير قادر على الحركة.
تذكر دموع مريم.
وتذكر سؤاله لها:
"إنتِ عملتي كده؟"
وتذكر نظرتها المكسورة.
أغمض عينيه بألم.
وهمس لنفسه:
"سامحيني يا مريم..."
"أنا اتأخرت في تصديقك."
وفي الجهة الأخرى من المستشفى...
كانت إيمي تبتسم وهي تظن أن خطتها نجحت...لكن تفاجأت بياسر وافق قدامها
وعينيه مليانة غضب لأول مرة.
إيمي حاولت تبتسم.
وقالت بتوتر:
"ياسر... "
رفع إيده يمنعها من الكلام.
"لا."
"المرة دي..."
"إنتِ هتسمعيني."
رما قدامها ملف التحقيق.
ولقطات من كاميرات المراقبة.
وصور تقرير المعمل.
اتغير لون وشها.
وعرفت...
إن كل حاجة انتهت.
قال ياسر بصوت بارد:
"إنتِ حاولتي تقتلي جدتي."
"واتهمتي مراتي ظلم."
إيمي هزت رأسها بسرعة.
"أنا... أنا ما كنتش عايزة أموتها."
"كنت عايزة مريم تخرج من البيت."
"بس."
صرخت أم ياسر:
"بس؟!"
"يعني تخلي أمّي تموت علشان غيرتك؟!"
إيمي انهارت في البكاء.
"أنا كنت بحبه."
وأشارت ناحية ياسر.
"كنت فاكرة إنه لو مريم اختفت..."
"هيرجع يبصلي."
نظر إليها ياسر باحتقار.
وقال:
"اللي عملتيه..."
"قتل كل احترام كان باقي ليكي."
ساد الصمت.
ثم قال بهدوء:
"أنا مش هبلغ الشرطة."
اتسعت عينا إيمي.
"بجد؟"
رد ببرود:
"مش علشانك."
"علشان جدتي..."
"هي أكتر واحدة بتكره الفضايح."
"وكمان لأن حالتها الصحية متستحملش قضية ومحاكم."
ثم أكمل بنبرة حاسمة:
"لكن من النهارده..."
"انتهى وجودك في البيت ده."
التفت إلى والدته.
"احجزي لها أول طيارة."
"وترجع لأهلها في تركيا."
"ومن اللحظة دي..."
"ملهاش مكان وسط العيلة."
انفجرت إيمي في البكاء.
"ياسر... أرجوك."
"اديني فرصة."
هز رأسه بالنفي.
"أنا اديت فرص كتير."
"إنتِ اللي ضيعتيها."
بعد ساعات...
كانت إيمي تغادر الفيلا...
وسط نظرات صامتة من الجميع.
ولم يلتفت إليها ياسر حتى مرة واحدة.
في المساء...
وقف ياسر قدام أوضة مريم.
رفع إيده...
وتردد.
ثم طرق الباب.
جاءه صوتها الهادئ:
"ادخل."
دخل ببطء.
كانت مريم واقفة في البلكونة.
بتبص للحديقة.
من غير ما تلتفت له.
قال بصوت منخفض:
"مريم..."
فضلت ساكتة.
قرب منها خطوة.
وقال:
"أنا جيت أعتذر."
لفت تبصله.
ولأول مرة...
شافت الدموع في عينيه.
قال بصوت مكسور:
"أنا ظلمتك."
"شكيت فيكي."
"وسألتك السؤال اللي وجعك."
تنهد.
"وأنا كنت المفروض أول واحد يدافع عنك."
سكت لحظة.
ثم أكمل:
"أنا عارف إن كلمة آسف..."
"مش هتمحي اللي حصل."
"ولا هتمحي الأيام اللي عيشتيها معايا."
"لكن..."
"أنا ندمان."
"ندمان على كل دمعة نزلت منك بسببي."
اقترب منها أكثر.
وقال بصوت يكاد يختنق:
"أنا بحبك يا مريم."
"يمكن اتأخرت في الاعتراف."
"بس دي الحقيقة."
"ولو هقضي باقي عمري أصلح اللي عملته..."
"أنا موافق."
"بس..."
"متبعديش."
"اديني فرصة أخيرة."
"أثبتلك إني اتغيرت."
مريم نزلت عينيها.
وافتكرت كل اللي عاشته...
الإهانة.
الضرب.
الشك.
والوحدة.
ثم افتكرت أيضًا...
اعتذاره.
ودفاعه عنها في النهاية.
رفعت رأسها.
وقالت بهدوء:
"أنا مش هقدر أنسى بسهولة."
هز رأسه.
"ومش هطلب منك تنسي."
كملت:
"الثقة لما بتتكسر..."
"بتحتاج وقت."
"ولو رجعت كسرتها مرة تانية..."
"هكون أنا اللي ظلمت نفسي."
اقترب خطوة.
وقال:
"أوعدك..."
"عمري ما هكرر أخطائي."
نظرت في عينيه طويلًا...
وكأنها تبحث عن صدقه.
ثم قالت بهدوء:
"هديك فرصة أخيرة."
"لكن الفرصة دي..."
"مش معناها إن كل حاجة رجعت زي الأول."
"إنت اللي هتثبت بأفعالك..."
"إنك تستحقها."
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه ياسر...
كانت أول ابتسامة صادقة منذ وقت طويل.
همس:
"أنا بحبك صدقيني و عندي استعداد أعمل اي حاجة بس تسامحيني." 

ثم مد يده إليها بتردد.
وبعد لحظة صمت...
" سامحتك بس توعدني إنك مش هتعمل حاجة تأذيني تاني "
رد عليها بفرحه و وعد صادق 
"اوعدك. "  
و أخيراً وضعت مريم يدها في يده.
ليس لأنها نسيت الماضي...
بل لأنها قررت أن تمنح المستقبل...
فرصة أخيرة.

( و أخيراً يا ولاد الله يهني سعيد بسعيده 🥳🥳) 

احمم احمم يلا نكمل سوري فصلتكم 🫣

💦💦💦💦💦💦

كان الصباح هادئًا...
لكن بيت الحاج مصطفى لم يكن كذلك.
كل ركن فيه كان يحمل ذكرى...
وكل ذكرى كانت تشد قلب شغف، أو بالأحرى...
ريتال.
كانت حقيبتها الصغيرة موضوعة بجوار الباب.
وقفت تنظر إلى غرفتها طويلًا.
السرير...
مكتب المذاكرة...
الصور المعلقة على الحائط...
والمصحف الصغير الذي كانت تقرأ فيه كل ليلة.
مدت يدها ولمست إطار صورة قديمة تجمعها بالحاج مصطفى وأمها التي ربتها.
ابتسمت وسط دموعها.
وهمست:
"هفضل بنتكم... مهما حصل."
في الخارج...
كانت سيارة أمينة وسليم والجد تنتظر.
لكن لم يكن أحد مستعجلًا.
الجميع كان يعرف...
أن هذه اللحظة ليست سهلة.
خرجت أم شغف من المطبخ وهي تحمل كيسًا صغيرًا.
اقتربت من شغف.
وقالت وهي تحاول أن تبتسم:
"عملتلك الكحك اللي بتحبيه."
"عارفة إنك كل ما تزعلي... تاكلي منه."
ضحكت شغف وسط دموعها.
ثم حضنتها بقوة.
"هفضل أجيلك كل أسبوع."
بكت أمها وهي تربت على ظهرها.
"حتى لو ما جيتيش..."
"إنتِ في قلبي كل يوم."
اقترب الحاج مصطفى.
كان يحاول يبدو قويًا.
لكنه فشل.
فتح ذراعيه.
فجرت شغف عليه.
حضنها بقوة.
وقال بصوت مكسور:
"سامحيني..."
"لو يوم خبيت عنك الحقيقة."
هزت رأسها بسرعة.
"أنت أنقذت حياتي."
"وربيتني."
"وعلمتني الصح من الغلط."
"أنا عمري ما أزعل منك."
نزلت دموع مصطفى لأول مرة أمام الجميع.
وقبّل رأسها.
وقال:
"مهما الناس قالوا..."
"إنتِ بنتي."
"ودي حاجة عمرها ما هتتغير."
اقتربت أمينة بخطوات مترددة.
وقالت لأم شغف:
"أنا مش جاية أخدها منكم."
"أنا جاية أشارككم فيها."
مدت يدها إليها.
فأمسكتها أم شغف.
ثم تعانقتا...
وهما تبكيان.
قالت أمينة:
"شكرًا...
إنك خليتي بنتي تطلع بالخلق ده."
ابتسمت أم شغف وسط دموعها.
"هي بنتنا إحنا الاتنين."
كان سليم واقف بعيد.
ينظر إلى المشهد بصمت.
اقترب من شغف وقال بابتسامة خفيفة:
"يلا..."
"لو اتأخرنا...
جدي هيقول إننا بنمثل فيلم."
ابتسم الجد رغم دموعه.
"تعالوا يا أولاد."
أخذت شغف حقيبتها.
ومشت عدة خطوات.
ثم توقفت فجأة.
لفت بسرعة...
وجرت نحو الحاج مصطفى مرة أخرى.
حضنته بقوة.
ثم حضنت أمها.
وقالت وهي تبكي:
"أنا هرجع."
"كتير."
"أوعوا تحسوا إني سبتكم."
قال مصطفى وهو يمسح دموعه:
"البيت ده مفتوح ليكي في أي وقت."
"مفيش يوم هيعدي إلا وإحنا مستنيينك."
ركبت شغف السيارة بجوار أمينة.
أما سليم فجلس في المقعد الأمامي.
والجد بجواره.
تحركت السيارة ببطء.
وشغف ظلت تنظر من الزجاج.
كانت ترى مصطفى وزوجته واقفين أمام البيت...
يلوحان لها.
فرفعت يدها هي الأخرى...
والدموع تملأ عينيها.
حتى اختفى البيت عن أنظارها.
وضعت أمينة يدها برفق فوق يدها.
وقالت بصوت دافئ:
"عارفة إن الطريق صعب."
"بس أوعدك..."
"عمري ما هحاول أمحي حياتك القديمة."
ابتسمت شغف ابتسامة باهتة.
وأجابت:
"لأنها جزء مني..."
"زي ما إنتوا جزء مني."
ساد الصمت داخل السيارة...
لكن هذه المرة...
لم يكن صمت حزن فقط.
بل كان بداية حياة جديدة...
تحمل اسم ريتال...
دون أن تنسى أبدًا...
الفتاة التي عاشت سنوات طويلة باسم شغف.

يا ترا حياة ريتال هتكون  عامله ازاي في البيت الجديد
 وهل عيلتها الحقيقية هتتقبلها 
وهتعيش حياة سويه ولا هيكون في مشاكل 
طب اي السر اللي كان في الخزنة 

كل ده هنعرفه في الجزء الثاني من الرواية واللي هيكون مليئ بالاحداث والصدمات 
والكثير من الحقد والغيرة 
                   تمت بحمد الله 
عزيزي القارئ عود زيارتنا لمتابعة الجزء الثاني 

تعليقات



<>