
وثاني يوم صبح طلع، وكانت ألحان واقفة محضرة شنطتها، وواقفة جنبها ليلى وهي ماسكة شنطتها هي كمان وجاهزة. جه معتصم بخطوات سريعة وقال بجدية: ـ "يلا بينا."
كان رحيم واقف على أول السلم بملامح مكسورة وعيون تايهة، متابع كل خطوة بتعملها كأن روحه بتتسحب منه. بصت له ألحان بحزن، ولسه بتتحرك عشان تمشي، فجأة رحيم مد إيده ومسك إيديها بقوة وكأنه بيمسك آخر خيط أمل.
التفتت له ألحان وعيونها لمعت بالدموع، وقالت بصوت مكسور ورجاء: ـ "عشان خاطري يا رحيم.. سبني أمشي، ده أحسن حل لينا كلنا، ولمامتك كمان!"
غمض رحيم عينيه بقوة وعصارة وجعه جواه، وكأنه بيحارب نفسه عشان ما يمنعهاش بالقوة.. وفي لحظة ضعف ويأس، سحبت ألحان إيديها ببطء من إيده، وخرجت بسرعة من قدامه ومعاها ليلى وشنطهم.
كان معتصم لسه هيمشي ويحصلهم، فوقفه صوت رحيم الحاد والمبحوح وهو بينادي عليه: ـ "معتصم!"
التفت له معتصم بعيون مليانة عتاب وجمود، فقال له رحيم بصوت مهتز: ـ "وديهم على الشقة اللي أنا قلت لك عليها.. وخلي بالك منها يا معتصم."
بص له معتصم بحدة وقال بنبرة تحذير قاطعة: ـ "حاضر يا رحيم.. بس لو أختي حصل لها أي حاجة تاني بسببك أو بسبب أمك، صدقني مش هرحم وهبلغ البوليس فوراً!"
سابوهم معتصم وخرج بسرعة عشان يلحق ألحان وليلى، وفضل رحيم واقف مكانه على السلم، ابتسم بسخرية مرة ووجع يعتصم القلب، وحس إن الدنيا كلها بتقف ضده وما بقاش في إيده أي حاجة يعملها.
وخرج المحمدي من أوضته بخطوات بطيئة وثقيلة، وبص لرحيم بملامح كلها عتاب ولوم وهو بيقول بصوت حاد: ـ "ليه يا رحيم.. عملت كده وسبتها تمشي؟!"
رفع رحيم عيونه لأبوه وقال بقهر ووجع: ـ "يعني أنت مش عارف يا أبوي؟! أمي إمبارح كانت هتقتل ألحان قدام عينينا، وأنا واقف مكتوف الأيدي مش قادر أعمل حاجة.. وفي نفس الوقت مستحيل أسيب أمي في الحالة دي وهي تايهة عن وعيها!"
هز المحمدي راسه بأسى وقال بنبرة قاطعة: ـ "وأمك مش هتتغير يا رحيم.. هتفضل طول الوقت كارهة ألحان ومش هتبطّل شر، ولو فاكر أنها هترتاح وتطمن لمجرد أنها مشيت، تبقى غلطان! دي أول ما تفوق وتعرف أنها مشيت، هتبقى عايزة تخلص منها بكل سهولة وفي أي وقت."
فضل رحيم سكت وما ردش على كلام أبوه، وحس إن كل كلمة سكينة بتغرس في قلبه، ولف وطلع على فوق بخطوات مكسورة.
اتسند المحمدي على عصايته ببطء وطلع وراه للدور التاني، وما عدش دقايق حتى وصل أوضة هانم وفتح الباب ودخل.. لقاها نايمة على السرير ، قاعد على الكرسي قصادها.
أما عند هدير، فتحت عينيها وبصت حواليها في الأوضة فما لقتش صفوان، بس سمعت صوت المية جاية من الحمام. قامت اتعدلت بكسل وفتحت الدولاب، طلعت عباية مناسبة ولبستها، وبعدين وقفت قدام المراية تسرح شعرها.
في اللحظة دي، خرج صفوان من الحمام وكان عاري الصدر وماسك الفوطة بينشف بيها وشه، وكان باصص في الناحية التانية فما شافش هدير اللي كانت متابعاه وعينيها عليه من خلال المراية.
اتحركت هدير بخطوات بطيئة ناحية الحمام، وخبطت في كتفه «عمداً» وهي معدية، ودخلت الحمام وقفلت الباب وراها بقوة.
ابتسم صفوان بخفة على حركتها، وراح ناحية الدولاب طلع هدومه وبدأ يلبسها. وما عداش دقيقتين وكان واقف قدام المراية بيسرح شعره.
فتحت هدير الباب وخرجت، وكانت لسه هتحرك وتزل تحت، فنده عليها صفوان بصوت جاد: ـ "رايحة فين؟!"
بصت له هدير بطرف عينيها وقالت: – "نازلة تحت." رد صفوان بحدة ورفض: – "وهتنزلي بالمنظر ده؟!"
بصت هدير لنفسها في المراية باستنكار وقالت: – "وماله منظري؟! عريانة وأنا مش عارفة ولا إيه؟!"
اتضايق صفوان من جرأتها ورد ببجاحة وغيظ: – "يا ريتك كنتِ عريانة.. أما أنتِ لابسة لي عباية مجسمة، وفاردة شعرك، وحاطة لي مكياج وشوية حاجات!"
رفعت حاجبها وردت ببرود: – "وأيه المشكلة؟! دي طريقة لبسي العادية، عندك مشكله؟! وكمان ما تنساش إن أنا عروسة يعني."
ضحك صفوان بسخرية وقال: – "لما أنتِ عارفة إنك عروسة، إمبارح كنتِ ربطة لي دماغك ليه ولابسة العباية السوداء المقفولة؟!" ردت هدير وهي بتزق إيديه بتهكم: – "مزاجي كده!"
وكانت لسه هتلف وتفتح الباب عشان تخرج، ففاجأها صفوان وشالها زي شوال البطاطس فجأة، ورماها بقوة على السرير وهو بيقول بحزم واعتراض: – "ما فيش نزول باللبس ده فاهمة ولا لا؟! يلا قومي عدلي هدومك، والبيسي الطرحة، وامسحي اللي في وشك ده.. وبالذات رسمة عينيكِ دي!"
ضحكت هدير بدلال وتحدي وهي قاعدة على السرير وقالت: – "طب أيه رايك بقى إني مش همسح حاجة ومش مغيره لبسي؟!"
قعد صفوان على الكرسي قدامها ببرود وقال: – "براحتك.. يبقى ما فيش نزول خالص."
قالت هدير بابتسامة خبيثة: – "طيب.. مش هنزل."
ومن جوه نفسها، كانت طايرة من الفرحة ومبسوطة جداً إن طريقته دي معناها إنه قاعد معاها ومش هينزل يسيبها لوحدها.. وفضلت قاعدة تدندن وتغني بصوت هادي وهي بتستفزه بابتسامتها.
بعد وقت قصير، وصل معتصم والشقة كانت هادية ومرتبة. دخلت ألحان ومعاها ليلى وبدأت تتفرج على الشقة وتشوف تفاصيلها بعيون تايهة، ودخل معتصم الشنط وراهم وقال وهو بيدي المفتاح لألحان: ـ "اتفضلوا دي مفاتيح الشقة.. وأنا عشر دقائق وراجع لكم تاني."
بصت له ألحان وقالت بجدية: ـ "معتصم.. أنا لازماً نتكلم."
رد معتصم وهو بيتحرك للباب: ـ "هنتكلم براحتنا، اليوم لسه طويل بينا.. بس لازم أنزل أجب لكم شوية حاجات ضرورية وراجع فوراً." هزت ألحان راسها بامتنان، وخرج معتصم وقفل الباب وراه.
وما إن انقفل الباب، لحد ما ألحان ما قدرتستمسك نفسها أكتر من كده، وانفجرت في عياط حارق وانهارت تماماً. جريت عليها ليلى وحضنتها بقوة وهي بطبطب عليها بحنان وتقول بوجع: ـ "اهدأ يا حبيبتي.. بس ليه قررتي إننا نمشي؟! كنتِ سبتيكِ جنبه وتحملتوا مع بعض!"
ردت ألحان وهي بتعيط بمرارة ودموعها نازلة كطوفان: ـ "صعب يا ليلى.. ما كانش ينفع أفضل دقيقة زيادة، وأنتِ عارفة اللي فيها كويس." طبطبت عليها ليلى بحزن وقالت: ـ "ربنا يصبر قلبك على اللي أنتِ فيه.. بس تفتكري بعد الخطوة دي، هتقدري تستمري؟ شكلنا كده هنتطلق منه." قالت ألحان وهي بتمسح دموعها بضعف: ـ "مش عارفة.. بجد مش عارفة يا ليلى، دماغي واقفة." تنهدت ليلى وقالت بهدوء عشان تخرجها من الجو ده: ـ "طب خلاص.. احنا لازم ننتبه لدراستنا ولمستقبلنا، ما تنسيش إن الامتحانات ما فاضلش عليها غير أسبوعين بالظبط." ردت ألحان بصوت مهتز وهي بتحاول تتماسك: ـ "حاضر يا ليلى."
وفي الناحية التانية.. في قصر المحمدي.
بدأت هانم تفتح عينيها بصعوبة بالغة، وحاسة بوجع شديد ودماغها تملأها التنهيدات والثقل نتيجة المهدئ. اتعدلت ببطء شديد على السرير، وفجأة اتفاجئت بوجود المحمدي قاعد قدامها وبهدوء بيراقبها.
قالت هانم بصوت متبوع بدهشة واستغراب: ـ "أنت.. صباح الخير يا محمدي! إيه اللي جابك الأوضة هنا؟ هو في حاجة؟!"
رد المحمدي بصوت جاد وحاد كالصاعقة: ـ "أيوه في.. في إنك خلاص عديتِ كل حدودك، وبقيتِ تتعدي على الكل، وتعملي مؤامرات وعايزة تقتلِ البنت وعينك باردة كده!"
بصت له هانم بتحدي وقالت ببرود: ـ "وأنت جاي دلوقتي تحاسبني على اللي عملته؟!"
وقف المحمدي وبص لها بقرف وقال: ـ "مش هحاسبك.. بس أنا خلاص تعبت منك ومن طريقتك وقرفت! حتى ابنك اللي حيلتك مسلمش من شرك، وعشان خاطر يحميكِ ويستر عليكي، ضحى بسعادته وقرر يسيب مراته تمشي من هنا!"
أول ما سمعت هانم الكلام ده، لمعت عينيها بنظرة فرحة طاغية وشريرة، وقالت بصوت متهلل: ـ "بجد؟! مشيت؟!"
بص لها المحمدي باشمئزاز وقال: ـ "إيه الفرحة والشماتة دي كلها؟! طب شوفي منظر ابنك وحالته وشكله وبعدين ابقي افرحي كويس لو قدرتي!"
ردت هانم بجبروت وعناد: ـ "وأيه المشكلة يعني؟! بكره ينساها ويتجوز ست ستها اللي تنسيه اسمها.. المهم عندي إنها ولّت ومشيت من قدام عيني وريحتني."
قرب منها المحمدي خطوة وبص لها بنظرة تحذير نارية وقال: ـ "ده تاني تحذير ليكِ يا هانم.. لو عملتِ أي تصرف طائش أو أذيتها تاني بأي شكل، صدقني ما هسمي عليكِ وهيكون ليا تصرّف تاني خالص معك!"
سابهالك وخرج بغضب، وهي فضلت قاعدة مكانها بابتسامة خبيثة ومبسوطة جداً إنها تخلصت منها أخيراً!
خبط الباب بهدوء، فقامت هانم وفتحت، لتلاقي أحلام في وشها بابتسامة صباحية وهي بتقول: ـ "صباح الخير يا هانم."
ردت هانم بصوت جاف نوعاً ما: ـ "صباح النور يا أحلام.. في حاجة ولا إيه؟"
قالت أحلام بترحيب: ـ "أنا عملت فطار العرايس وجهزت كل حاجة، عشان لما تروحوا تباركوا لـرقية." ردت هانم باختصار: ـ "شكرا يا أحلام.. تعبتِ معايا."
قالت أحلام بلطف: ـ "ما فيش تعب ولا حاجة يا هانم.. يلا عشان ننزل نفطر." سألتها هانم بعيون فيها لمعة فضول واستفسار: ـ "قولي لي.. هو رحيم فين؟" ردت أحلام وهي بتظبط هدومها: ـ "في الأوضة بتاعت فوق.. من ساعة ما مراته مشيت وهو قافل على نفسه جوه وما خرجش." رجعت سألتها هانم: ـ "طيب.. أنتِ هتروحي لهدير دلوقتي؟" هزت أحلام راسها بالنفي وقالت: ـ "لا.. أنا هروح أنا ومعتصم وحماد بعد الظهر." قالت هانم بجمود: ـ "طيب."
مشيت أحلام ونزلت لتحت، وفي اللحظة دي اتحركت هانم بخطوات بطيئة لحد ما وصلت أوضة رحيم. خبطت الباب خبطات خفيفة ودخلت على طول، وعلى وشها ابتسامة مصطنعة وهي بتقول بنبرة حنونة مقصودة: ـ "إيه يا رحيم.. مش هتيجي معايا عشان نصبح على اختك ونسلم عليها؟"
بص لها رحيم، وبان على ملامحه الإرهاق الشديد، لكنه وقف بقوة وصلابة مفاجئة وقال بصوت جاف: ـ "حاضر.. ادخلي جهزي نفسك، وأنا كمان هجهز، وهننزل مع بعض."
ابتسمت هانم بسعادة داخلية وشريرة وهي بتقول: ـ "ماشي يا حبيبي." وخرجت بسرعة من الأوضة، بينما رحيم رمى نفسه على الكرسي وطلع تنهيدة حارقة من قلبه وهو حاسس إن روحه بتتسحب منه.
وعند ألحان، كانت قاعدة قصاد معتصم في الشقة الهادية، وبصت له بابتسامة صادقة وهي بتقول: ـ "بصراحة كده يا معتصم.. أنا مش عارفة أقول لك إيه، بس أنا مبسوطة جداً إني عملت بوصية أمي ورجعت لك، وعرفت الحقيقة كلها."
ابتسم معتصم بحنان وقال: ـ "وأنا كمان مبسوط جداً إن ليا أخت دكتورة، وشاطرة، وشبهي كمان."
ابتسمت ألحان بوجع وهي بتلعب في إيديها وقالت: ـ "بس يا يوسف.. أنا مش هقدر أعيش هنا أكتر من كده. أنا بعد ما أخلص الترم ده، هبيع الأرض وهسافر أنا وليلى بره.ا."
بص لها معتصم بقلق وقال: ـ "ليه يا ألحان؟ أنتِ عارفة إن رحيم مش هيقدر على بعدك، وهو بيموت من غيرك."
ردت ألحان بنبرة حاسمة وصوت مكسور: ـ "كده أحسن حل لينا كلنا.. ويا ريت يا معتصم ما تقولوش حاجة عن موضوع السفر ده."
تنهد معتصم بقلة حيلة وقال: ـ "حاضر.. اللي تشوفيه، بس أهم حاجة خلي بالك من نفسك ومن ليلى."
ابتسمت ألحان ابتسامة خفيفة وراضية، وفضلوا قاعدين يتكلموا في تفاصيل كتير، وكان معتصم بيسألها بحنين عن والدتهم ناديه وذكرياتها معاها وحنيتها وطريقتها اللي كانت بتوحشه. وفي الوقت ده، كانت ليلى قاعدة بعيد شوية بتتابعهم بابتسامة دافية، ومبسوطة من جواها وهي شايفاها بتبدأ تندمج وترجع لروحها شوية وسط العاصفة دي.
مرت أسبوعين بحالهم، وكانت الحياة فيهم اتغيرت تماماً وانقلبت رأس على عقب..
ألحان كانت منتظمة في الكلية بتروح بانتظام مع ليلى، وطول النهار قاعدة تذاكر وتضغط على نفسها عشان تنسى، بس بالليل ما بتعرفش تنام ولحظة واحدة من كتر التفكير المستمر في رحيم وشوقها ليه. وفي الخفاء، كانت خلصت كل إجراءات السفر، وما بقاش ناقص غير حجز التذاكر ليها وليلى.
أما رحيم، فالوضع عنده ما اختلفش كتير؛ كان عايش زي الميت ماشي على رجله، بيروح الجامعة بانتظام عشان يشوف ألحان من بعيد من غير ما تقترب منه، ومركز في شغله بكل طاقته، وطول الوقت ما بيقعدش في البيت وما بيرجعش غير على وقت النوم بس.. بل والأكتر من كده، كان أوقات كتير بيقعد بالعربية بالساعات قدام بيت ألحان في المحافظة من غير ما يطلع، بس عشان يكون قريب منها.
وفي القصر، كانت هانم في أقصى درجات الانبساط والسعادة، ورجعت لطبيعتها وشخصيتها القديمة، وبقت كل يوم تجيب لرحيم عروسة شكل ورشحة له بنات عائلات، وهو بيرفض بكل برود.
وعند معتصم، علاقته بالمحمدي اتحسنت وبقى يتعامل معاه كويس زي زمان، ورجع اشتغل في العيادة بتاعته اللي في البلد. وكل يوم والثاني كان بيروح يزور ألحان في الشقة، يتطمن لو محتاجة أي حاجة، ويقعدوا يتكلموا ساعات طويلة عن ناديه وذكرياتها. وخلال الأيام دي، حب ليلى كبر وعمل جذور أعمق جوه قلبه، وبقى مأخد قرار إنه يصارحها بحبه ويفتحها في موضوع الجواز قريب.
أما هدير وصفوان، فكانوا عاملين زي «القط والفار» طول الوقت؛ هدير بجنونها وتصرفاتها العفوية بتجننه وتطلع عينه، وصفوان دايماً بيرد عليها بقوة وبحزم ظاهر، بس من جوه قلبه بيكون طاير من الفرحة ومبسوط إنها بقت في حضنه ومكتوبة على اسمه، مع إنه رافض تماماً يعترف بده قدامها. ده غير إن هدير بقت متعلقة ببنت صفوان جداً وبتحبها كأنها بنتها الحقيقية.
وعلى الناحية التانية، كانت حياة رقية وبدر مستقرة وهادئة وما فيهاش أي تغيير يذكر.
في صباح يوم الامتحان، كانت ليلى وألحان نازلتين متوجهتين للكلية، وألحان كانت حاسة بتعب خفيف وإرهاق مالي جسمها، بس ضغطت على نفسها وحاولت تداريه عشان ما تقلقش ليلى.
أول ما وصلوا سور الكلية وبدأوا يدخلوا، قالت ليلى بقلق وهي ماسكة الورق في إيدها: ـ "أنا مش عارفة المادة دي هنحل فيها إزاي أصلاً.. شكلنا هندخل نلخبط وخلاص!"
ابتسمت ألحان ابتسامة شاحبة وقالت بهدوء: ـ "يا بنتي اعقلي، أهي مادة زي كل المواد، هتعدي."
بصت لها ليلى باستنكار وقالت: ـ "يا بنتي دي مادة صعبة جداً والمعيد معقدها! بس أنا بكلم مين؟ واحدة شاطرة وما شاء الله عليها، دايماً بتطلع التانية على الكلية."
ردت ألحان وهي بتحاول تبتسم وتخفف التوتر: ـ "يا سلام! لو أنا بطلع التانية، ما أنتِ دايماً بتطلعي الأولى على الدفعة.. يبقى أنا اللي أقر عليكِ مش العكس!"
ضحكت ليلى بصوت عالي وقالت بتهريج: ـ "لا وعلى إيه، الطيبة أحسن.. بقولك، أحب اجيب لك سندوتش معايا ؟"
هزت ألحان راسها بتعب وقالت: ـ "لا، هاتي لي قهوة عشان أفوق، دماغي مش قادرة."
عقدت ليلى حواجبها برفض وقالت بحزم: ـ "لا طبعاا، مش هجيب لك قهوة! أنتِ شربتِ قهوة كتير إمبارح . أنا هجيب لك سندوتش غصب عنك، ولازم تاكليه كله.. فاهمة ولا لأ؟!"
ضحكت ألحان على طريقتها وقالت بخضوع مصطنع: ـ "حاضر يا ماما ليلى!"
رفعت ليلى حواجبها بانتصار وقالت بهزار: ـ "أيوه كده.. عيال ما بتجيش غير بالعين الحمراء والسيطرة!"
ضحكوا هما الاتنين بصوت عالي وخففوا شوية من توتر الامتحان. وفي الوقت ده، كان رحيم واقف بعربية بعيد شوية، مراقبهم بعيون مليانة شوق ووجع، وابْتسم بحرقة وهو شايف ضحكتها اللي منورة وشها، وحس إن روحه بترجع له لمجرد أنه شافها قدامه بتضحك.
دخل الدكاترة جوه المدرج وبدؤوا يفرقوا أوراق الامتحان، ووقف دكتور المادة وقال بصوت هادئ: ـ "لو احتجتوا أي حاجة أو في نقطة مش واضحة، أنا موجود معاكم النهاردة."
رفعت ألحان وشها بسرعة عشان تركز في الكلام، وهنا كانت الصدمة الكبيرة.. لقت إن رحيم هو دكتور المادة نفسه، وقاعد على المكتب قدام الكل، وعينيه متثبتة عليها هي لوحدها!
توترت ألحان بشكل كبير، وخافت لدرجة إنها رجعت بصّت لورقتها بسرعة وبدأت تهرب من نظراته. رحيم بسرعة لبس النظارة الطبية بتعته عشان يخبي عيونه وما يخليش أي حد يلاحظ نظراته العاشقة والموجوعة ليها.
كل ما تيجي ألحان تحل وتندمج في السؤال، عينيها تترفع غصب عنها تبص له.. كانت مشتاقة له بجنون، وحست قد إيه الأسبوعين اللي فاتوا غيروا فيه، ملامحه كانت متعبة ومرهقة. وفجأة، حست ألحان بألم شديد وقوي بيضرب في بطنها، حاولت تضغط على نفسها وتتجاهله وترجع تحل الامتحان عشان تخلص.
كانت ليلى قاعدة جنبها وباصّة عليها، وشايفاها بتتحرك في مكانها باسترخاء ومش متبتة، فقالت لنفسها ببرود: "يمكن متوترة عشان رحيم هو اللي بيراقب وموجود في المدرج"، فرجعت بصّت في ورقتها هي كمان وكملت حل.
وما عدش نص ساعة عذاب على ألحان، لحد ما جسمها ما قدرش يستحمل أكتر من كده.. صرخت بصوت عالي من شدة الوجع، ورمت القلم من إيديها. وأول واحد نط من مكانه وجري عليها بسرعة الصاروخ بدون تردد كان رحيم!
يتبع