رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الرابع والاربعون44 بقلم ليله عادل
{أحيانا يبدأ الانتقام برغبة في استرداد الحق، وينتهي بخسارة من لا ذنب لهم! فالانتقام حين يعمي القلب، لا يؤذي العدو وحده، بل قد يجعل صاحبه يخسر نفسه وأغلى ما لديه.}
ليلةعادل✍️🌹
الفصل الرابع والأربعون♥️🤫
[بعنوان: إنتقام لا يعرف الشفقة]
اقترب منه سليم بخطوات بطيئة وثابتة، وعلى شفتيه ابتسامة جانبية باردة، تحمل تهديدا أخطر من أي صراخ، وتخبره أن نهايته اقتربت ولا مفر منها
توقف، وأمال رأسه قليلا، ثم قال بنبرة تبث في قلبه الرعب: هالو يا عمدة، وحشتني.
كان عماد يحدق فيه بصدمة، وكأن الكلمات قد سُحبت من حلقه، بينما راحت دقات قلبه تعلو داخل صدره كمعزوفة جنونية، حتى خُيل إليه أن سليم يستطيع سماعها، وبدأ العرق يتصبب من جبينه رغم برودة المكان، كان يعرف جيدا أنه في موقف لا يُحسد عليه! بل إن الموت الآن ربما أرحم بكثير مما سيفعله به سليم.
اتجه سليم نحوه بخطوات هادئة، ثم توقف أمامه مباشرة، وعلى شفتيه تلك الابتسامة الباردة وهو يمد يده ويزيل اللاصق من على فمه: أكيد أنا كمان وحشتك يا عمدة... صح؟
تلعثم عماد، وحاول جاهدا أن يحافظ على ثبات ملامحه، لكن نبرته خانته: سليم، في إيه يا سليم؟ إيه اللي بيحصل؟
اتسعت ابتسامته وقال باستخفاف: لا يا عمده أوعى، إحنا مش هنبدأها من الأول! اللعبة خلصت، وأنت خلاص وصلت للنهاية.
انعقد حاجبي عماد، وهو مازال يحاول تصنع عدم الفهم: نهاية إيه؟
تنهد سليم بهدوء، وأبعد عينيه عنه للحظات، قبل أن يعيدهما إليه مرة أخري بنبرة مخيفه هادئه: إنت ليه مصر تكذب؟! عموما، أنا عرفت إنك كنت بتحط لصافيناز حبوب هلوسة! قولي كنت عايز توصل لإيه؟
ساد الصمت.
ظل عماد ينظر إليه، محاولا استيعاب ما يعرفه سليم، بينما أكمل الأخير بنبرة أكثر هدوءا: أحسنلك تتكلم، ووفر على نفسك الوقت، الكذب مش هيفيدك.
ابتلع ريقه ورد سريعا: أنا محطتش حاجة! وهي أصلا كانت بتاخد حبوب مهدئة بعد اللي حصلها علشان مقدرتش تستحمل..
ضحك سليم ضحكة قصيرة خالية من أي مرح: هو إنت لسه فيك حيل تكذب وتألف؟
مال عليه ونظر داخل عينيه ببرود مخيف: أجيبهالك من الآخر؟ أنا عرفت كل حاجة!
تجمد عماد في مكانه وابتلع ريقه، بينما تابع سليم بنبرة تؤثر الرعب داخله: عرفت إن أنت اللي كنت بتحط الحبوب المهلوسة لصافيناز عشان تدمن، وتوصل في الآخر لمرحلة تنتحر فيها، وساعتها، الورث كله يروح للولاد..
اقترب أكثر، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى مسافة ضئيلة: لإنك طبعا الوصي الوحيد على الولاد، وأبوهم في شهادة الميلاد، يعني ضمنت إن كل حاجة تفضل تحت إيدك، وفي نفس الوقت تحمي نفسك مننا..
صمت لحظة، ثم ابتسم بسخرية وانتصب جسده: خطة ذكية ما يعملهاش غير شيطان زيك..
رفع حاجبه، استرسل: بس لما حسيت إن الأرض بدأت تضيق عليك! رحت اترميت في حضن تيمو، وديته كل الأسهم اللي قعدت تسع سنين بتحيك في المؤامرات عشان توصل لها، عشان تضمن حياتك وحياة ولادك من سارة.
ظل عماد صامتا، عاجزا عن ابتلاع ريقه، وقد جف حلقه كأرض تشققت من شدة العطش، بينما كانت كلمات سليم تتردد في رأسه كحكم صدر وانتهى الأمر..
كاد أن ينطق، لكن سليم لم يمنحه فرصة واصل وهو يشير بيدة: عارف يا عماد؟ إنت مش عدو سهل..
توقفت ابتسامته، وحل محلها شيء أكثر قسوة تابع هو يهز رأسه: إنت عرفت تختفي صح، عرفت تعمل كل حاجة من تحت الترابيزة، من غير ما تخليني لا أنا ولا حد من العيلة يشم ريحتك، أو يشك فيك؟!
مد وجهه وهو يواصل بإعجاب: ورحت حاطط إيدك في إيد إريك! واتفقتوا على الحادثة وإحنا مانعرفش، ده غير بقى قضية الزنا اللي فكرت تدبرها لمراتي، واتفاقك مع محمود عبد القادر زمان! ده غير اللي عملته في رشدي وتمساح وعثمان...
توقف للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باردة قال بمزاح لازع: ما كانتش رصاصة يا عمدة، اللي تخليك تعمل كل ده...
ثم مال برأسه بتحية، وقال بسخرية: بس عارف؟ أنا بقدملك خالص تحياتي يا عماد على ذكائك الخارق ده..
ثم اقترب منه، وقال بهدوء: طبعا يا عماد، أنا مش عايز أفاجئك وأقول لك إنك جاي هنا علشان تدفع تمن كل اللي عملته فيا وفي مراتي.
ثبت عينيه عليه، وأضاف بعينين لا تعرف الرحمة: وهخليك تتمنى الموت، تتمنى إن العذاب ينتهي وأرحمك بس أنا مش هرحمك...
تغيرت ملامح عماد، وقال بسرعة: إنت مش عايز تعرف أنا ليه عملت كده؟
أومأ برأسه نافيا، وقال ببرود: تؤ، إنت الوحيد اللي مافكرتش أسأل نفسي: هو ليه عمل كده؟ لإن الإجابة واضحة، إنت عملت كده لإنك خسيس وواطي، وعايز توصل بسهولة، فبتتسلق على أكتاف غيرك..
تابع باحتقار:
واحد طماع وانتهازي، عنده استعداد يعمل أي حاجة وكل حاجة عشان يوصل لأطماعه.
صمت عماد للحظة، ثم قال بسرعة: إنت ماينفعش تقتلني، لإنك لو موتني، هتخسر كل حاجة، أنا عندي سر... سر أنا الوحيد اللي أعرفه.
رفع سليم حاجبه بدهشة مصطنعة، بينما تابع عماد: لو عرفته هتبوس إيدي علشان أقول لك هو إيه.
ضحك سليم بسخرية، وأخذ يتصنع الرعشة وهو يتحرك بالمكان، مرددا بتهكم ساخر: لا يا عماد، قول والنبي، قول، لا لا، أنا هموت من الفضول.
ضحك عماد نصف ضحكة، ظانا أن اللعبة ما زالت في يده: بنتك اتولدت عايشة، يلا كمل ضحك.
توقفت ضحكت سليم تماما، واتسعت عيناه بصدمة: إيه اللي إنت بتقوله ده؟
عماد، وكأنه يستعيد خيوط اللعبة من جديد، قال بابتسامة تملأ عينه: أيوه، اتولدت عايشة، وأنا الوحيد اللي أعرف هي فين؟! لو قتلتني، مش هتعرف عنها أي حاجة.
ظل سليم صامتا للحظات يحدق بعماد متصنعا الصدمة، بينما ارتسمت على شفتي عماد ابتسامة جانبية بإنتصار
وفجأة وضع سليم يده على فمه: لا، ما تقولش! بنتي حبيبتي اتولدت عايشة؟ يا نهار أبيض! إزاي قول كلام غير ده؟
ظل عماد، يحدق فيه بعدم فهم، ثم قال بنفاذ صبر: هو إنت مش مصدق ولا إيه؟ أقسم بالله بنتك اتولدت عايشة، وكانت شبه أمها كمان.
سليم، وما زالت ابتسامته الساخرة على وجهه: وأنا مصدقك، أنا ما كذبتكش..
ضحك مرة أخرى، ثم اقترب منه حتى وقف أمامه مباشرة: المشكلة يا عمدة إنك لسه فاكر إن عندك ورقة تلعب بيها..
فجأة دون أي مقدمات، أخرج سليم مسدسه وأطلق رصاصة مباشرة في فخذ عماد، صرخ عماد صرخة ألم مدوية.
فانقض عليه سليم في الحال ووضع يده على فمه ليكتم صرخاته، ثم قال بنبرة مرعبة: صوتك عالي، بتصرخ ليه؟ ده إحنا لسة في البداية، أنا قلت لك هخليك تتمنى الموت ومش هتطولوا.
كان عماد يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة، والدم يسيل من فخذه، اقترب سليم من أذنه وهمس: وبنتي اللي إنت عايز تلاعبني بيها أنا وصلت لها خلاص.
اتسعت عينا عماد بذهول ورعب، أومأ سليم برأسه إيجابا، تابع بنبرة أشد رعبا: أيوة، سواقك ماقتلهاش، وهي بقت في حضني دلوقتي، يعني ببساطة مابقاش عندك أي حاجة تساومني بيها.
استقام سليم، ونظر إليه طويلا قائلا بثقة وهو يفتح ذراعيه: واللعبة المرة دي في إيدي أنا، إنت انتهيت يا عماد..
وفجأة، انقضّ عليه سليم كالأسد الذي ينقض على فريسته، وأخذ ينهال عليه باللكمات المتتالية، كانت كل لكمة تحمل معها غضب سنوات، وهو يصيح بكل ضربة: دي عشان المؤامرات إللي عملتها على مراتي!
ثم لكمه مرة أخرى بعنف أكبر: ودي علشان اتفاقك مع إريك!
ثم هبط عليه بعدها بلكمتين متتاليتين كادت أن تحطم فكه: ودول بقى علشان الفكرة القذرة اللي فكرت فيها عشان تأذي مراتي يا واطي.
ولم يكتفي بذلك، بل بدا كأن شياطين الماضي كلها حضرت، فانهال عليه بوابل من اللكمات على وجهه ورأسه بعنف جنوني، حتى لم يعد يُسمع سوى صوت ارتطام قبضته بعظامه.
كان عماد مربوطا بإحكام على المقعد، لا يقوى على الحركة ولا على الدفاع عن نفسه، لا يملك سوى الصراخ المكتوم والتلوي من شدة الألم، حتى بدأت عيناه تزوغ ويفقد وعيه شيئا فشيئا من شدة الضرب.
ثم ابتعد عنه سليم قليلا وهو يلتقط أنفاسه، ونظر إليه بازدراء: إيه يا عماد، هيغمى عليك ولا إيه؟
صاح بخشونه: فوقوه.
أشار لأحد حراسه، فأتى الحارس بخرطوم مياه وبدأ يرش الماء بقوة على وجهه الذي كان يسيل دما.
اقترب سليم منه مرة أخرى وقال ساخرا: فوق كدة يا حبيبي إحنا لسة في أول طلعة.
قال عماد من بين أنفاسه المتقطعة المتعبة، والدم يملأ فمه، وصوته بالكاد يُسمع: أوعى تفكر إني لوحدي، أنا مش لوحدي! أنا معايا تيمو، هو هيخلصني من هنا، وساعتها هتدفع التمن يا سليم..
أخذ نفسا و واصل بتنبيه يملئه التهديد: أحسنلك أهرب وسيبني أمشي من هنا، ونسى كل اللي فات، بنتك بقت في حضنك، انتقامه هيندمك وبس، بلاش تخليها بحر دم.
مال سليم بشفتيه وهو يقول باستهزاء: خفت أنا كده؟
أضاف بلا مبالاة: تيمو؟ إنت لسه فاكر إن تيمو هينفعك؟ تيمو اللي أنت بتتكلم عنه ده زمانه دلوقتي بيتحاسب هو كمان.. ولا إنت فاكرني هسيب حد منكم؟
ثم تغيرت ملامحه فجأة، وعادت تلك النبرة المرعبة بعينين تحمل خطراً، نظر إلى رجاله وأمرهم ببرود: علقوه على الرمانة.
اتسعت عينا عماد برهبة، فور إن قال سليم تلك الكلمة، وصرخ قائلا: لا.. لا.
وبالفعل، قام الحراس بفك وثاقه من المقعد، ثم ربطوه من قدميه وعلقوه رأسا على عقب أحضروا برميلا مملوءاً بالماء وبدأوا يغمرون رأسه فيه، يتركونه حتى تكاد أنفاسه تنقطع، ثم يشدون الحبل يرفعونه ليتنفس للحظات، ويعيدون غمره مرة تلو الأخرى.
كان سليم جالسا على مقعده، واضعا ساقا فوق الأخرى، يشاهد ما يحدث ببرود تام، وعيناه لا تفارقان عماد للحظة واحدة.
ثم نهض واقترب من عماد الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة قال بسخرية لازعة: مالك يا عماد؟ تعبت، إنت بتدوق نفس إللي أنا دقته..
عماد بصوت متقطع بتهديد: هتدفع التمن يا سليم.. صدقني هتدفعه.
ابتسم سليم بسخرية ونظر حوله: إنت شايف إن ده المكان اللي تقدر تقول فيه جملة زي دي؟ إنت مش شايف إنت فين وأنا فين؟ شكلك لسة قادر تهدد.. ماتكسرتش.. بس أنا هكسرك.
وفجأة تحرك سليم، أمسك الكرسي الخشبي واقترب منه، وظل يهوي به على ساقه المعلقة ضربة تلو الأخرى، وعماد يصرخ حتى سُمع صوت كسر إحدى قدميه، وعماد لا يتوقف عن الصراخ.
ثم وضع سليم يده على فمه ليكتم صوت صراخه وقال: لسه.. لسه إحنا في الأول، وفر صراخك..
ثم وقعت عيناه على زرّادية موضوعة على الطاولة، فأمسك بها، اقترب مرة أخرى أمسك بأصابع عماد، هو ينظر إليه بنظرات مستوحشة، وفجأة ضغط عليها بقوة.
صرخ عماد صرخة قوية جهورية اهتزت لها جدران المكان.
ثم قال سليم ببرود: لأ لأ.. مش هيبقى صباع بس، هتبقى إيد كاملة، هات السكينة.
اقترب أحد الحراس وأعطاه سكينا، أمسكها سليم وسحب يد عماد هم بقطعها لكن.. تردد صوت ماسة داخل رأسه: سليم أوعى انتقامك يخليك شبههم، خليهم هما اللي يخلصوا على بعض، أوعى انتقامك يعميك ويخليك تتحول يا سليم، إنت مش كدة..
بدأت عيناه تعودان إلى طبيعتهما، واهتز داخله للحظة، لكنه سرعان ما ابتلع ريقه وهز رأسه، محاولا ألا يركز في الأمر. هم بوضع السكين على يده مرة أخرى ليجرحها، لكن صوت ماسة عاد يتردد في أذنيه:
"انتقام ربنا أقوى، صدقني... ما تلوثش إيدك بدم."
ظل قابضا على السكين حتى ابيضت مفاصله، وعيناه غارقتان في السواد، وهو ينظر إلى عماد؛ الرجل الذي نهش عرض زوجته، ودمر حياته لسنوات، وكان سببا في أن يرى الموت بعينيه، وأن يخسر ابنته لخمس سنوات.
ظل يضغط على السكين، لكن صوت ماسة كان أقوى من نار الانتقام المتأججة في صدره، حتى وهنت قواه ولم يعد قادرا على فعلها.
زفر بضجر، ثم ألقى السكين من يده وتحرك مبتعدا.
اقترب منه مكي ووقف أمامه سأله بتعجب: في إيه؟
أومأ سليم باختناق: مش قادر.. كل ما أمسك إيده عشان أقطعها أسمع صوت ماسة وهي بتقول لي أوعى تبقى زيهم.
مكي بنظرة شرسة: خلاص سيبهولي أنا.
كاد مكي أن يتحرك امسكه سليم من معصمه: لأ يا مكي.. هو خلاص بقى في عداد الموتى..
صمت للحظه ثم أضاف: بص.. فيه شوية ورق ماسكهم عليه هو وأبوه، ومتأكد إن الباشا ماسك عليهم ورق تاني.. هسلمه للنيابة العامة ويتحبس ويعفن في السجن.
أومأ مكي بإيجاب بصمت.
ثم ألتفت إلى الحراس، وتبدلت نبرته إلى أمر حاد لا يقبل النقاش: خدوه.. حطوه في أوضة ضلمة ما يشوفش فيها إيده، بس هاتوا له دكتور، مش عايزه يموت
وبالفعل، بدأ الحراس في فك قيود عماد، فقال بين ألمه وبغضه: صدقني يا سليم، موتي هيفتح الحرب عليك!
لكن سليم لم يهتم بما يقوله، وكأنه غير موجود.
قلب مكي عينيه بغضب: إنت كمان بتهدد؟ ده إنت شكلك لسه عايز تتعلم الأدب!
كاد أن يتحرك نحوه، لكن سليم أمسكه من كتفه: سيبك منه، ولا كأنك سامعه.
مكي بضيق: ده مستفز!
ابتسم سليم بسخرية: حلاوة روح، تعالى بس، خلينا نخرج من هنا.
تحرك سليم ومكي معا إلى الخارج.
سأل مكي: هنعمل إيه دلوقتي؟
أجابه بهدوء: هنروح على الفيلا، لازم اظبطت ورقي اليومين دول، وأشوف الورق اللي مع الباشا،الباشا دلوقتي متعاون معانا، فلازم نستغل ده قبل مايقلب عليا.
أومأ مكي بإيجاب، ثم صعدا إلى السيارتين.
في نفس اللحظة، جر الحراس عماد إلى إحدى الغرف المظلمة ألقوه في الداخل بعنف، وقال أحدهم بصوت رخيم: اتلقح هنا لحد ما نجيبلك الدكتور.
ثم أُغلق الباب.
انغلق كل شيء بعده.. الضوء، والصوت، والأمل.
♥️___________بقلمي_ليلةعادل
فيلا ماسة وسليم5م
الحديقة
كانت حور تلهو في كل مكان بضحكات عالية، بينما جلست ماسة بجوار سعدية ومجاهد أسفل المظلة يتحدثون بهدوء.
في تلك اللحظة، دخل سليم من الباب الزجاجي واقترب منهم.
ما إن لمحته حور، حتى تركت الأرجوحة وركضت إليه بكل قوتها، وارتمت في حضنه.
حور بسعادة: بابااا.
حملها وقبلها من خدها: عاملة إيه يا قلب بابا؟
ردت: كويسة.
توقفت ماسة واقتربت منهما، مسحت على شعر حور قائلة: إحنا قلنا لما حد يسلم علينا نقوله إيه؟
ابتسمت حور: الحمد لله.
ابتسم سليم وقبّلها على خدها: شاطرة.
ثم أنزل حور على الأرض، ونظر إلى ماسة قائلا: عشقي تعالي، عايزك في حاجة.
نظرت إليه للحظة بقلق، فشعرت أن هناك شيء يشغل باله، أومأت برأسها، ثم نظرت إلى حور: أميرتي، خليكي هنا مع تيتة وجدو وخالو أنا هتكلم مع بابا فوق وآجي على طول.
هزت حور رأسها بإيجاب: ماشي ماتتأخريش علشان نعمل كيكة سوا.
ابتسمت ماسة ومسحت على شعرها: حاضر.
وبالفعل، تحركا معا وصعدا إلى الغرفة.
دخل سليم أولا، ودخلت ماسة خلفه وأغلقت الباب، ثم اقتربت منه بقلق واهتمام: خير يا حبيبي مالك؟
فجأة، اقترب منها وسحبها بين أحضانه، ليستعيد هدوءه ويعود إلى اتزانه. أخذت تربت على ظهره بحنان لدقائق، ثم ابتعدت قليلًا ونظرت إليه: بقيت أحسن؟
سكت للحظة، ثم قال على مضض: عارفة أنا كنت فين؟
سألته بهدوء: كنت فين؟
تنهد: كنت مع عماد.
سكتت للحظة، وشعر أن هناك شيء، قالت بهدوء: وبعدين.
أجاب من بين أسنانه بضيق: ضربته كنت عايز أقتله بإيدي، كنت عايز أتفنن في تعذيبه، بس ماقدرتش..
قبض على يده بغضب من نفسه وهو يتابع بنبرةٍ مخنوقة: صوتك كان بيطاردني، كأنه الحاجة الوحيدة إللي بترجعني للواقع، الشعرة إللي بتقولي: أوعى تقع أوعى تتحول من مظلوم لظالم، مع إن إللي عمله فيا كتير.
رمشت بعينيها تفهم اضطرابه، بينما تابع سليم بثبات قاطع: ربنا قال: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب» يعني ليا حق أقتله...
مالت شفتيه وهو يهز رأسه: بس سبته، سبته لإني ماقدرتش أخلف عن وعدي ليكي، عشان مكنش النسخة اللي إنتِ خايفة منها..
نظرت له متأثرة، تعرف كم هذا صعب عليه، بينما سليم بتوضيح: أنا ماسك عليه شوية ورق كده، وهقدمهم للنيابة العامة وقتها يتحبس ويتعفن بسجن، وأكيد إريك مش هايسيبه.
اقتربت منه ماسة وأمسكت يده بحنان، وضغطت عليها برفق وهي تركز النظر في ملامحه قالت بعقلانية ممزوجة بنبرة حنونة: روحي اللي عملته هو ده الصح، انتقامك منه مش هيريحك بشكل اللي متصوره، والدم مش بيجيب غير الدم، انتقام ربنا أقوى بكتير صدقني، كفاية حسبي الله ونعم الوكيل، وشوف بقى ربنا هيعمل فيهم إيه! وأنا متأكدة إنك «هتشوف فيهم ٱية»... بس إنت أصبر..
نظر إليها سليم، وقد بدا الألم واضحا في عينيه، وانعقد حاجباه بغضب مكتوم، قال بقلب محروق وصوته يختنق: قلبي محروق أوي يا ماسة، عماد آذاني كتير، كان هيتسبب في موتي وموتك وموت حور، ولولا إن عاطف كان عنده شوية شفقة كان ممكن يقتلها، وبسببه فضلت عاجز عن المشي والخلفة سنين، حياتي كانت على المحك بسبب الرصاصة اللي في ضهري، دمر حياتي وحياتك، طعن في شرفك وكان بيفتخر بقذراته...
تابع من بين أسنانه، بعينتين تحملان: أنا مش عارف إزاي سبته! إزاي اكتفيت باللي عملته بس؟!
كان لازم أعمل فيه أكتر من كده..
ابتسمت له بحنان وربتت على يده، تحاول أن تهدئ النار المشتعلة في صدره، قالت بصدق: صدقني، ربنا هيجيبلك حقك، وحقي.
لم يقتنع تحديثها فتنهدت وسألته: طب قولي إنت عملت فيه إيه بالظبط؟
سكت للحظة، وشد على قبضته، ثم زفر بضيق وأجاب وهو ينظر بعيدا كأنه لا يريد مواجهة عينيها: كسرت رجله، وشلت ضوافر إيده، وغرقته في مية لحد ما كان خلاص هيموت، وبعدين سبته في أوضة ضلمة لوحده، وكنت على وشك إني اقطع إيده، بس تراجعت.
اتسعت عيناها بصدمة، وتراجعت يدها لا إراديا من فوق يده، من قسوة ما فعل من وجهه نظرها.
فهم نظراتها فقطب جبينه، رد بحدة موضحا: اللي أنا عملته فيه ولا حاجة جنب اللي عمله فيكي، خصوصا الفكرة القذرة اللي عملها معاكي، هو إنتِ فاكرة إن فكرة إنه ياخدك ينيمك جنب مصطفى ويصورك ويخلي رجالته تقلعك دي حاجة عادية؟ أنا المفروض اقتلة.
هزت رأسها وردت بهدوء عقلاني: بس اللي أنت عملته فيه برضوا كتير، سيبه لربنا وهو هيوريك هيعمل فيه إيه؟!
أخذت نفسا عميقا تحاول أن تتمالك نفسها وأكملت وصوتها يرتجف: وبعدين هو ماكانش لوحده، أختك هي اللي قلعتني مش عماد، وباباك إللي جاب الرجالة، ومامتك إللي عجبتها فكرة عماد وايددتها، عماد كان مجرد فكرة اتقالت، لكن هما اللي نفذوا كل حاجة.
مدت يدها مرة أخرى وأمسكت يده برفق، ونظرت في عينيه موضحه بهدوء: ومش معنى كلامي إني بقولك روح أعمل كده في باباك ومامتك، علشان أنا أول واحدة همنعك عن أذيتهم، مهما كان دول الأب والأم، أنا بس عايزاك تفهم إن كفاية إللي عملته، ما تفضلش حاسس بالغضب ده.
ثم وضعت يدها على قلبه، واقتربت منه أكثر وقالت برجاء: سليم أرجوك كفاية، أنا مش عايزة انتقام تاني، أسجنه زي ماقولت، وكفاية لحد كده.
هز رأسه بعناد، وعيناه تلمعان بالقهر: أنا ماعملتش فيه ربع إللي اتعمل فينا.
ربتت على صدره بحنان وقالت وهي تحاول أن تزرع الطمأنينة في قلبه: عارفة، إنت سايبها لربنا والله يا سليم، أنا متأكدة إن ربنا هيورينا فيهم أكبر مما نتخيل، علشان خاطري كفاية..
توسعت ابتسامتها: خلينا نفرح وننبسط بحور والبيبي إللي جاي، نجهز لجواز سلوى ومكي، نخرج ونسافر نستمتع بحياتنا اللي اتحرمنها منها.
تنهد بعمق وأومأ لها، ثم قال بصوت منخفض: حاضر يا ماسة، بس فاضل بس حاجة واحدة.
سألته بقلق: إيه؟
أجاب بثبات: أسجن عماد وعزت، وإريك ياخد جازه،
عشان أحس إن قلبي ارتاح.
شهقت بدهشة: هتسجن أبوك؟
رد دون تردد: آه، ده أقل عقاب.
نظرت إليه للحظة، تعلم أن الحديث مع سليم الآن لن يُجدي نفعا، فشعرت أنه من الأفضل تأجيل الحديث قليلا، ثم سألته: قولي صح، عرف نتيجة التحليل؟
أومأ سليم: آه. اتأكد إن البنت بنتنا، ومن الحمل كمان.
اتسعت عيناها بتوتر: طب عمل إيه؟
تنهد وهو يتحرك، ثم جلس على الفوتيه وقال موضحا وهو يخلع حذائه: لسه مش فاهم الحكاية حصلت إزاي؟! إزاي حور بنتنا وأنا مابخلفش؟
صمت للحظة، ثم تابع بتوضيح: وماقالش لفايزة أي حاجة، وهددها إنها لو حاولت تعمل أي حاجة هو اللي هيقفلها، ده غير إنه طلب من حد يحمينا.
تهللت أساريرها وقالت وهي تجلس بجواره: طب حلو ده، أهو أثبت إنه قد الثقة اللي أنت اديتهاله، يعني مش محتاج إنك تسجنه سليم ده باباك.
نظر إليها بغضب دون أن رد، فتنهدت وأمسكت بيده وقالت بعقلانية: بص يا سليم هي مش طيبة مني، بس أنا دايما بشوف إنه مهما الأب والأم عملوا ماينفعش نأذيهم، سيبهم لربنا، لكن إنك تأذيهم أو تشارك في أذاهم ماينفعش، حرام، إنت خسرت باباك فلوس كتير، ولسه هيخسر تاني، ومامتك لما تلاقي كل حاجة حواليها بقت فاضية والقصر فضي عليها هيكون أكبر عقاب ليها.
ثم تشبثت بذراعه برجاء: أسمع كلامي وجرب، إنت مش بتثق فيا؟ كمل الخطة على تفكيري أنا مش هتخسر حاجة.
مالت شفتيه بابتسامة متهكمة ساخرة: ماهو على تفكيرك إنتِ، مافيش خطة هتم..
أخذ نفس نفسا عميقا قال بقرار: عموما يا ماسة، أنا هعملك إللي إنتِ عايزاه، بس هسجن عزت..
كادت أن تنطق، لكنه قاطعها وهو يشير بيده: وده قرار..
أضاف بتوضيح عملي: وأوعي تكوني فاكرة إن بعد مايعرف اللي عملته فيه، وموضوع المقبرة، هيبقى عادي معايا! تبقي طيبة أوي، اللي يفكر ويوافق يطعن في شرف مرات ابنه مايستاهلش السماح، وبعدين أنا شايف إن ده عقاب بسيط أوي، وأوعي تكوني فاكرة إنه هيتعامل معاملة المساجين العاديين، ده هيتعامل VIP.
قطبت جبينها وقالت باستنكار: بس اسمه سجن.
نظر لها نظرة أخيرة حاسمة: هو ده إللي أنا هعمله.
صمت للحظه، ثم عادت خصلات شعرها إلى الخلف وقالت بابتسامة: ماشي يا سليم، طب يلا غير هدومك بقى وأنا هنزل أعمل كيك مع حور لإني وعدتها.
أومأ بإيجاب، بينما خرجت ماسة إلى الخارج.
روما/ قصر التابيلو5م
في إحدى الغرف الجانبية، كان إريك يلعب البلياردو بهدوء مستفز، وتيمو يراقبه، بينما انتشر الحراس في صمت.
وفجأة، انفتح الباب ودخل ذراعه الأيمن مسرعا يلهث بتوتر واضح قال: سيدي إريك، لقد وصل سليم إلى عماد.
توقف إريك عن اللعب في منتصف الضربة، ثم التفت إلى الرجل وعيناه متسعتان قال بصدمة: بهذه السرعة؟
أومأ الرجل: يبدو أن سليم كان يتحرك في الخفاء منذ فترة.
تدخل تيمو موضحا بضجر: قلتلك إريك، عماد جاء إليّ وأخبرني، لكنني لم أصدقه!
جز إريك على أسنانه، وقال بعتاب حاد: كان عليك أن تخبرني يومها، لقد أخطأت تيمو.
خفض تيمو عينيه في صمت، بينما مسح إريك على شعره بتوتر، ثم اقترب من ذراعه الأيمن متسائلا: هل تحدث عماد؟
ضم الرجل شفتيه في حيرة: لا نعرف بعد، لكنه لا يزال معه.
ضرب إريك الكرة بعنف، فارتطمت بالكرات الأخرى وتبعثرت في كل مكان، وهو يهتف بضجر كمجنون: كيف وصل سليم إليه قبلنا؟ وكيف استطاع أن يرسله إلى مصر بهذه السرعة؟
تيمو بتفكير: من الواضح أن هناك من يساعده من داخل روما.
نظر إريك إليه، ثم قال وكأنه وجدها: لا يوجد سواه ماركو، صديقه المقرب.
أومأ تيمو بنظرة حاسمة: إذن يجب أن نقتل سليم قبل أن يقتلك انتقاما لما فعلته به في الماضي.
هز إريك رأسه رافضا: قلت لك من قبل، أنا لا أريد قتل سليم الآن، إذا قتلته فسأشعل الحرب مع عائلة الراوي بأكملها.
ضيق تيمو عينيه، ثم سأل: وماذا عن صافيناز؟ قلت إنك ستقتلها؟
اعتدل إريك، وألقى عصا البلياردو على الطاولة، ثم قال ببرود: كنت سأقتل صافيناز لو لم يكن سليم قد وصل إلى عماد بعد.
سأله تيمو: وما الذي تغير الآن؟
تحرك إريك قليلا، ثم قال موضحا: كنت سأفعل، لكن اختفاءها يعني أن سليم سبقنا إليها وأخفاها، لن يتركها حية إذا عرف أنها تواطأت مع عماد.
ضيق تيمو عينيه متسائلا: وماذا ستفعل بهم؟
تحرك إريك في الغرفة مفكرا، ثم التفت إليهما وقال بمكر: عماد لن يعترف بسهولة؛ لأنه يعلم أن كلامه سيقوده إلى الهاوية، لذلك سآخذ أبناءه..
ابتسم ابتسامة شريرة، ثم تابع: سواء تكلم أم لم يتكلم، سآخذ سارة وأبناءها. ليست رسالة إلى عماد فحسب، بل إعلان حرب على سليم؛ فإذا فكر في إيذائي، فستدفع عائلته الثمن، وفي الوقت نفسه، ستكون رسالة إلى عزت بأنني ما زلت قويا، وأنني لا أريد الحرب، لكنني مستعد لها.
نظر إليه تيمو بعدم فهم: لا أفهم طريقة تفكيرك.
أومأ إريك باستنكار: ليس من المهم أن تفهمني راقب فقط، والتزم الصمت.
ثم نظر إلى ذراعه الأيمن بصرامة وقال: أريد سارة وأبناءها، حتى نرى ماذا سيفعل عماد.
أومأ الرجل بإيجاب، ثم تحرك إلى الخارج، بينما كانت في عيني إريك نظرة متوحشة شيطانية.
فيلا سليم وماسة،5ونصف.
كانت رائحة الفانيليا قد بدأت تملأ المكان، وكانت ماسة واقفة في المطبخ ببيجامة قطنية بسيطة، ترفع شعرها في كعكة عشوائية، وبجانبها حور تقف على كرسيها الخشبي الصغير.
وفجأة، انفتح باب المطبخ ودخل سليم، كان يرتدي تيشيرت وبنطال منزلي، توقف عند الباب وعقد ذراعيه، ورسم على وجهه ملامح الصدمة المصطنعة.
سليم: أوعوا تكونوا بدأتوا من غيري!
التفتت إليه ماسة وحور في نفس اللحظة.
ضحكت ماسة ثم أشارت إلى حور التي كان فمها لا يزال ملطخا بالجبنة: لا يا حبيبي مابدأناش حاجة لسه، رورو كانت جعانة، أكلتها الأول ولسه هنبدأ أهو.
حور ببراءة: أنا ماكلتش كتير يا بابا، دي ماما اللي أكلت ساندوتشين!
ماسة شهقت: أنا ماشي يا حور..
ضحك سليم ثم اقترب منهما، وخلع ساعته ووضعها جانبا قال بحماس: طيب يلا بينا نعملها سوا.
فتحت ماسة الخزانة وأخرجت الدقيق، وفتح سليم الثلاجة ليُخرج البيض والحليب، ربطت ماسة شعر حور وقالت: مهمتك يا شيف حور، أن تكسري البيض، اتفقنا؟
أجابتها بحماس شديد: اتفقنا!
اقترب سليم منها وهمس: وأنا مهمتي إيه يا شيف ماسة؟
نظرت إليه بطرف عينها وقالت بدلال: مهمتك إنك ماتبوظش المطبخ زي كل مرة.
ضحك وقال: حرام عليكي، ده أنا أحسن واحد بيعمل كيك في العيلة دي.
أخرجت لسانها له بمداعبة، ثم وضعت ماسة الدقيق، وبدأت تعلم حور كيف تكسر البيض، أمسكت بيدها الصغيرة فوق البيضة وقالت : بصي يا حور، براحة... تك... كده.
كسرت حور البيضة، فسقط جزء من القشر داخل الوعاء
وضعت حور يدها: كده باظت!
ألتقط سليم بسرعة القشرة بطرف إصبعه بمهارة قائلا: ولا باظت ولا حاجة عادي، إنتِ شاطرة يا قلب بابا، المرة جاية متأكد إنك هتاخدي بالك.
نظرت له ماسة بحب، فهو دائما يجعل حور تشعر أنها بطلة، حتى في أخطائها.
تبسمت حور، وبدأت بالفعل تكسر البيض ولم تُخطئ.
في حين بدأ سليم يصب الحليب، كانت ماسة تقلب الخليط، تأخذ المقادير وتضعها واحدا تلو الآخر، ثم أضافت الشوكولاتة وبدأت تخفق.
وفجأة، ومن دون أي مقدمات، غمست حور إصبعها الصغير في الخليط وتذوقته.
صاحت ماسة: يا حور! لسة ني!
حور وهي تفتح عينيها بدهشة: الله! طعمه حلو أوي!
ضحك سليم ثم غمس إصبعه هو الآخر وتذوق، ونظر إلى ماسة بتحدي: عندها حق، حلو فعلا.
ماسة بشدة لطيفة: إنت كمان!
سليم بابتسامة: أصلها حلوة فعلا يا قطعة السكر.
تبسمت ماسة بحماس وراحت هي الأخرى تغمس إصبعها وتتذوقه، فأنفجر ثلاثتهم ضاحكين.
رفعت ماسة حاجبها متظاهرة بالغضب وقالت: آه.. بتضحكوا عليا؟ طيب.
وما هي إلا لحظة حتى أخذت ماسة حفنة من الدقيق ونثرتها برفق على وجه سليم وحور.
صرخت حور: ماما!
وفجأة انقلب المطبخ إلى ساحة معركة بيضاء، أمسكوا بالدقيق وأخذوا يرشون بعضهم بعضا وهم يضحكون.
صاحت حور وهي تقفز على كرسيها: يلا يا بابا نحدف على ماما!
وتحالف الأثنان معا عليها.
غمر الدقيق وجوههم وثيابهم، فصاروا كثلاثة تماثيل بيضاء.
وفجأة أخذ ينظر سليم إليهما طويلا بابتسامة، وشعر في تلك اللحظة أن كل انتقامه، وكل حربه مع العائلة والمافيا، كان لأجل هذه اللحظة تحديدا، لأجل أن تبقى هذه السعادة.
أشارت ماسة بيدها محاولة إيقاف الحرب: خلاص يا حور كفاية، إنتو كسبتو، سليم قولها كفاية، عشان العجينة ماتبوظش..
عاد سليم من شروده، وهو يقول بإبتسامة: خلاص كفاية يا حور...
ثم تابع بسعادة غمرت صوته: تعرفي أنا بقالي سنين ماضحكتش الضحكة دي من قلبي.
لمعت عينا ماسة بابتسامة: أن شاء الله كل اللي جاي سعادة وبس.
تبادل النظرات لوهلة بصمت عاشق، فجأة، اقترب سليم منها بعينين لا ترمش، مثبتة عليها بنظرة ثقيلة تخطف الأنفاس، نظرة رجل عاد من حرب، ولا يريد من الدنيا سوى هذه اللحظة.
كانت حور منشغلة بلعق الملعقة، تضحك وتدندن، لا تدري أن أبويها على وشك أن ينسيا وجودها.
مد سليم يده ببطء، كانت أصابعه لا تزال ملطخة بقليل من الدقيق، ومسح بطرف إبهامه بقعة صغيرة من الشوكولاتة كانت قد استقرت على زاوية شفتي ماسة.
تجمدت ماسة في مكانها، كانت أنفاسه قريبة، قريبة جدا، حتى شعرت بحرارة جسده، ورأت انعكاسها في سواد عينيه.
همس لها بصوت خافت، خشن، بالكاد سُمع: طعم الشوكولاتة من على شفايفك أحلى من أي حاجة دوقتها في حياتي.
ثم وضع قبلة صغيرة ساخنة على طرف شفتيها، ارتجفت شفتا ماسة، واحمرت وجنتاها فورا، رغم كل سنوات زواجهما، لا تزال نظرة واحدة منه قادرة على إرباكها كمراهقة.
أخفضت عينيها بخجل، وعضت على شفتها السفلية.
ماسة بصوت مبحوح: سليم... حور واقفة بس.
ابتسم سليم ابتسامة جانبية، تلك الابتسامة التي تعرفها جيدا، ابتسامة لا تظهر إلا لها.
ولم يبتعد، بل ظل قريبا، وإبهامه لا يزال يلامس طرف شفتها، ثم قال بنبرة أهدأ وأخطر: ما هي مشغولة بالكيكة..
تابع بمداعبة وهو يغمز لها: وبعدين أنا بشيل شوكولاتة من على شفايف مراتي، فيها إيه؟
شردت ماسة في نظراته لوهلة، ونسيت العالم من حولها. تبادلا النظرات في صمت، واقتربا من بعضهما، حتى بدا وكأن العالم كله قد اختفى من حولهما اقتربا أكثر كان على وشك تبادل قبلة..
لكن حور رفعت رأسها والملعقة في فمها: بتعملوا إيه؟
ارتبكت ماسة وتراجعت خطوة للخلف بسرعة، وهي تمسح فمها: مافيش يا روح ماما، بابا... بابا كان بيشيل الشوكولاتة، عشان لازقت فيا!
ضحك سليم ضحكة قصيرة، وعينه لا تزال على ماسة بنبرة ذات مغزى: آه، كانت لازقة... ولازقة أوي كمان، بس أنا عارف هشيلها إزاي؟!
ضربته ماسة على كتفه بخفة، وكانت لا تزال حمراء الوجه من الخجل، ثم حركت شفتيها دون صوت، بكلمة واحدة: بطل.
قرأها سليم وابتسم أكثر، تلك الابتسامة المستفزة التي تشعل جنونه.
في تلك اللحظة، كانت حور تراقبهما بعينيها الواسعتين، والملعقة لا تزال في فمها، لم تفهم شيئا
مما يدور.
ضحكت حور وعلقت: إنتو بتقولوا إيه؟!
ارتبكت ماسة أكثر، بينما تبسم سليم وفي حركة واحدة سريعة، انحنى وحملها عاليا فوق رأسه، فصرخت حور بفرحة وضحكة عالية ملأت المطبخ كله.
سليم وهو يلف بها: بنقول إن أحلى كيكة في الدنيا هتعملها أحلى حور!
ضحكت حور عاليا، بينما وضعت ماسة الخليط أخيرا في القالب، وطرقت عليه طرقتين خفيفتين لتخرج الهواء منه، ثم وضعته في الفرن بحذر.
أغلقت باب الفرن، واشتعل الضوء البرتقالي من الداخل.
ثم جلست ماسة وسليم على أرضية المطبخ الباردة، وكانت حور بينهما.
أسندت حور ظهرها الصغير إلى صدر سليم، ورأسها إلى كتف ماسة، وعيناها معلقتان بزجاج الفرن، تراقبان الكعكة وهي ترتفع ببطء.
كان سليم ينظر إلى انعكاسهم الثلاثة في زجاج الفرن، رأى نفسه، لم يرى رجل الأعمال القاسي، ولا المنتقم الذي كان يعذب عماد منذ ساعات، رأى فقط رجلا يجلس على الأرض، بجانب زوجته وابنته، وكأنه نسي كل شيء، نسي إريك، والعائلة، وعماد، والانتقام، نسي كل الخيوط التي كان يحيكها.
هو الآن يعيش الحياة التي أرادها، الحياة التي حارب لأجلها أكثر من عشر سنوات كاملة.
مد سليم يده دون أن ينظر، وبحث عن يد ماسة على الأرض، فوجدها، فتشابكت أصابعهما بقوة.
ماسة بصوت خافض، وهي تنظر على حور التي بدأت تغفو: شايف يا سليم؟
نظر لها وهو يقول بصوت رجولي حنون: شايف إيه يا عشقي؟
بعينين تلمع بالحياة والسعادة: شايف إحنا كنا فين وبقينا فين؟! أنا كنت فاكرة عمري ما هشوفك كده تاني، بتضحك من قلبك ومطمن.
ضم سليم حور إليه أكثر، وقبل رأس ماسة بحب ثم قال: أنا بعمل كل ده عشان نفضل عايشين اللحظة دي، وطول ما إنتِ وقلب بابا جنبي، أنا مش عايز حاجة تانية من الدنيا وهضحك من قلبي.
تبسمت ماسة بحب: ربنا يخليك لينا ومايحرمناش منك أبدا.
قالت حور بصوت نعسان، وعيناها تثقلان شيئا فشيئا: ريحة الكيكة حلوة أوي يا ماما...
ضحكت ماسة وملست على شعرها: نامي يا روح ماما، لما تستوي هصحيكي تاكلي أول حتة.
أمالت حور رأسها ونامت بالفعل على كتفهما، بينما بقيت الكيكة تنتفخ في الفرن، ورائحة الفانيليا تملأ المطبخ، وتملأ قلبيهما معها.
الفيلا التي يمكث بها مصطفى6م
نرى مصطفى وآلاء ونبيلة وأنهار يجلسون حول مائدة الطعام، يتناولون طعامهم في صمت. كانت آلاء تجلس في مواجهة مصطفى، تحاول أن تجمع شتات ما تبقى من علاقتهما.
قطعت هي الصمت أولا، بصوت حاولت أن تجعله مرحا: إيه رأيك؟ أنا اللي عاملة المكرونة النهاردة والفراخ.
رفع مصطفى رأسه للحظة، قائلا باقتضاب: تسلم إيدك.
لم تكن تلك الإجابة التي انتظرتها، فابتلعت ريقها حاولت مرة أخرى: عارف، أنا راجعت الامتحان تاني، ولقيت إني ماغلطتش.
هز كتفيه، وعاد ينظر في طبقه: طب كويس.
كان يجيب باقتضاب غريب، وكأن كل كلمة تخرج منه عبء ثقيل،حتى شعرت آلاء بأنها تتحدث إلى حائط.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، وفجأة تغير وجهه تماما، رد: أيوة يا دكتورة سمر؟ عاملة إيه؟ طمنيني عليكي.
اعتدل في جلسته وقال بابتسامة لم ترها آلاء منذ أسابيع: لا اتفضلي، أنا فاضي.
ثم نهض من على السفرة، وابتعد قليلا، وبدأ يتحدث ويضحك، ضحكة عالية صافية.
تجمدت آلاء في مكانها، والملعقة في يدها.
لم تشعر إلا بنفسها وهي تقوم ببطء، توقفت خلفه مباشرة، تنظر إليه وهو يضحك بغيره.
كان لا يزال يتحدث: آه، لا، ابعتيلي الحالة على الواتساب وأنا هبص عليها...لا مافيش حاجة، بس بلاش سندوتشات تونة.. ههههه ماشي.
ألتفت للخلف، فتفاجأ بها واقفة في وجهه، وجهها أحمر وعيناها تلمعان بالغيرة.
أنهى المكالمة سريعا: طيب هكلمك تاني يا دكتور.
اغلق مكالمة ثم سألها متعجبا واقفة هنا ليه؟
أجابت بصوت يرتجف تحاول أن تسيطر عليه: هي مين سمر دي؟
رفع حاجبه متعجبا: نعم؟
قالت بغيرة تلقائيه: بقالي كذا مرة أشوفك بتكلمها، لدرجة إنك قمت من على الأكل عشانها!
مصطفى ببرود: مش فاهم السؤال.
آلاء وقد انفجرت: يعني إيه مش فاهم! بقولك قمت من على الأكل عشان تكلمها! هي مين دي عشان تقوملها بالشكل ده!
دقق مصطفى في ملامحها، شعر بغيرتها بوضوح، هو ناضج كفاية ليفهم، لكنه تجاهل قال باقضتاب: دكتورة معايا في القسم، إنتِ بتسألي ليه أصلا؟
ابتلعت ريقها وقالت بتوتر وهي تعبث بطرف اسدالها: بسأل لأنك قمت من على الأكل، ماينفعش تقوم مهما حصل.
نظر لها طويلا، ثم قال بنفس البرود الذي يقتلها: لا والله؟ طيب أنا راجع تاني للأكل.
وتركها واقفة، وعاد ليجلس على السفرة أمام أطباق المكرونة الباردة، بينما بقيت هي واقفة مكانها، تشعر لأول مرة أن الغيرة أوجع من الخصام نفسه.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
فيلا ياسين ولوجين الجديدة7م.
وصل ياسين وهبة ونالا أولا إلى الاستراحة، وضع الحراس الحقائب وخرجوا.
التفت ياسين من حوله: ها إيه رأيك يا هبة؟ فرشتها على ذوقك، لو فيه حاجة ناقصة قوليلي.
أومأت هبة: كويسة.
هز ياسين برأسه: طب تعالوا أفرجكم على الأوض.
دخلوا غرفة نالا، كانت باللون الأوف وايت، مليئة بالرسومات والألعاب التي تحبها.
ياسين بحماس: إيه رأيك يا نالا؟
تبسمت نالا: أيوة حلوة اوي.
ياسين: جبتلك كل حاجاتك من القصر.
هنا سكتت نالا لحظة، وعينها راحت على الطرقة الطويلة قالت فجأة: أنا عايزة أشوف أوضة النونو.
عقد ياسين حاجبيه: اشمعنى؟
نالا: كدة.
أومأ وأخذوها إلى غرفة الطفل بالفيلا، كان السرير جديدا، والألعاب لا تزال داخل أكياسها، وكأن الغرفة أُعدت للتو ولم تُستخدم من قبل.
هنا انفجرت نالا: حلوة اوي.. كل حاجة فيها جديدة! هو ليه كل حاجاته جديدة وأنا عندي حاجات قديمة؟ أنا عايزة كل حاجة جديدة زيه!
ياسين بهدوء: يا حبيبتي مش أنا قولت لإنه ماعندوش حاجة خالص، أنا جبتلك اللي بتحبيه.
نالا بغيرة ودموع محبوسة: لأ، إنت مش بقيت تحبني، بقيت بتحب النونو الجديد بس!
اتسعت عينا ياسين بصدمة تبادل النظرة هو وهبه باستغراب، ثم جلس على ركبتيه حتى أصبح في مستواها، ومسح على شعرها: إزاي تقولي كده؟ إنتِ بنتي حبيبتي.. ليه تقولي كده؟
مدت نالا شفتيها بحزن: علشان إنت زعقتلي لما زقيت جوجا وكمان مابقيتش تجيبلي حاجات كتير، بتجيب للنونو.
تنهد ياسين، وسارعت هبة إلى ضمها قبل أن تبكي، وقالت وهي تحتضنها وتربت عليها بعقلانية: لا يا قلب ماما، مين قال كده؟ إحنا اتفقنا إن النونو ده لسه صغير وماعندوش أي حاجة، علشان كده بيجيب له، لكن إنتِ أوضتك دي بتاعة الأميرة نالا وبس، وماحدش هياخد مكانك أبدا، إنتِ فاهمة؟
أومأ ياسين بتأييد وهو يمسح على شعرها: أكيد، ولما زعقتلك عشان لوجين، أنا كنت خايف عليها علشان بطنها فيها نونو، زي ما هخاف عليكي بالظبط لو حد زقك.
نظرت نالا لياسين بدموع: يعني إنت لسة بتحبني زي الأول؟
أومأ ياسين وهو يقبلها من خدها: طبعا زي الأول وأكتر كمان.
تابع بنبرة مرحة: وبعدين تعالي هنا، إنتي الكبيرة، مين هايساعدني ياخد باله من النونو الجديد ويلعب معاه؟
ابتسمت نالا وهي تمسح دموعها: أنا!
تبسمت هبه بتوسع: شطورة يا نالا، يلا نروح أوضتك ونلعب فيها، وأنا عارفة إن بابا عاملك أوضة أحلى من النونو، صح يا بابا؟
توقف ياسين وقال: طبعا.
أخذتها هبة من يدها برفق وأجلستها وسط ألعابها في غرفتها بالفيلا وقالت: يلا أقعدي ألعبي هنا يا ملاكي هكلمك بابا واجيلك.
خرجت هبة وأغلقت الباب بهدوء، فوجدت ياسين أمامها.
ياسين بصوت خافض: أنا عايز أفهم إيه إللي بيحصل ده؟
هبة موضحة: ولا حاجة، البنت غيرانة وخايفة، طبيعي.
ياسين معارضا: لا مش طبيعي، مش أول مرة، يعني هي مش محرومة من حاجة عشان تغير!
سكتت هبة قليلا ثم قالت: خلاص، ممكن نروح لثيرابيست.
أومأ بتأييد: تمام، بس المهم ماتكونيش إنتِ ورا إللي بيحصل ده.
نظرت له من أعلى لأسفل بإختناق وقالت: أنا مش هرد عليك، أنا لو كنت عايزة أعمل كده ماكنتش حاولت جوة الصلح الموقف، ياسين قولتلك كانت غلطة مني وانتهت، خلاص بقى.
في تلك اللحظة، اقتربت لوجين، لكنها توقفت للحظة، وكأن منظرهما معا أثار في داخلها شيئا من الغيرة لكن سرعان ما أخذت نفسا عميقا وتقدمت نحوهما قائلة بابتسامة: إنتوا هنا؟
نظر إليها ياسين في الحال، ثم اقترب منها ومسح على خدها بحنان: آه، بقيتي كويسة؟ لسه دايخة؟
أومأت برأسها، ثم قالت: لا، خلاص، نالا عجبتها الأوضة؟
هز رأسه بإيجاب: آه، عجبتها.
هبة، وهي تهم بالتحرك: طب أنا هروح الاستراحة.
تحركت هبة مبتعدة، لكنها توقفت للحظة عندما سمعت صوت ياسين خلفها.
ياسين باهتمام وهو يمسك يد لوجين: شكلك لسة تعبان.
لوجين، بإبتسامة: ده طبيعي، علشان لسه في الأول.
وفجأة، حملها ياسين بين ذراعيه وقال بحنان: طب تعالي يا روحي، ارتاحي.
توقفت هبة للحظة، وشعرت بانقباض غريب في قلبها، لم تفهم سبب تلك الغيرة التي باغتتها، ولا لماذا أثّر فيها المشهد إلى هذا الحد، لكنها أخذت نفسا عميقا، ثم تابعت طريقها دون أن تلتفت.
الفيلا التي يمكث بها مصطفى7م
كانت آلاء تجلس في غرفتها، منهمكة في المذاكرة، تحاول التركيز في أوراقها، لكن ذهنها كان يتشتت بين الحين والآخر.
وبعد دقائق، دخلت أنهار وهي تحمل بين يديها كوب من الليمون.
رفعت آلاء عينيها إليها، وما إن رأتها حتى ابتسمت.
أنهار بحنان وهي تقترب: عملتلك كوباية ليمون علشان تروقي دمك وتساعدك على المذاكرة.
أخذت آلاء الكوب بسرعة، ووضعته على الطاولة أمامها: تسلم إيدك، بس تعبتي نفسك، تعالي أقعدي وأرتاحي.
ابتسمت أنهار وجلست على جانبها، ثم نظرت حولها براحة: والله يا آلاء أنا مرتاحة الحمد لله، القعدة هنا مريحة يا بنتي، كفاية لما نفتح الشباك نشوف الزرع قدامنا والريحة الحلوة دي، ربنا يا رب يكرمنا ويوسع رزقنا ونقعد في بيت حلو كده ويكون ملكنا.
ضحكت آلاء بمزاح: شكلك مش عايزة تمشي يا أنهار.
أنهار بابتسامة: بصراحة آه! حد يسيب مكان حلو زي ده ويرجع للبيت اللي كنا فيه؟ بس أهم حاجة عندي راحتك.
تبسمت آلاء وهي تضع يدها على فخذها: وأنا كمان حاسة والله إن صحتك ردت على العيشة الحلوة هنا.
نظرت إليها أنهار باهتمام وسألتها: طب قوليلي بقى إيه اللي غير رأيك؟ إنتِ كنتي معاندة ومبوظة الدنيا.
آلاء سألتها: قصدك على موضوع مصطفى؟
أومأت أنهار بتأييد: هو فيه غيره؟
تنهدت آلاء، وتركت القلم من يدها، ثم قالت: بعد مالبست وروحت علشان أتكلم معاه، لقيته بيقول لمامته إنه بيحبني، وإنه مش عارف يقولي، وخايف لأحسن أصده، وإن معاملتي معاه في الفترة الأخيرة والجفاء اللي كنت فيه قتلت كل أمل كان جواه.
سكتت لحظة، ثم تابعت بحزن: فساعتها حسيت إني كنت غبية أوي...
واصلت، وهي تعبث بأصابعها في طرف الورق، قبل أن ترفع عينيها إلى أنهار من جديد:
كان المفروض أبقى عارفة إنه راجل ناضج، مش عيل تصرفاته بتكون محسوبه، بس صدقيني يا أمي، أنا كل اللي كنت عايزاه إني أبقى مطمنة، كل اللي كنت عايزاه إنه يصرخ في وشي ويقول لي: بطلي غباء، أنا بحبك!
ابتسمت بحزن وهي تهز رأسها: يمكن أنا حسبتها غلط، يمكن كنت عايزة حاجة من شخص مش دي شخصيته، مش معنى إنه كبير وناضج إنه لازم يتصرف بالطريقة اللي أنا متخيلاها، بس أنا كنت محتاجة ده يا ماما..
انخفض صوتها، وكأنها للمرة الأولى تعترف لنفسها قبل أن تعترف لأمها بما كان يؤلمها حقا أضافت: أنا ماتجوزتش مصطفى بطريقة طبيعية، كنت محتاجة أحس إنه اختارني بإرادته، وإنه عايز يتجوزني فعلا، ولما حصل اللي حصل في الساحل، أنا اتكسفت، لما جريت منه ودخلت الحمام، كنت مكسوفة يا ماما، كان نفسي يفهمني، كان نفسي يقف شوية ويقولي إنه عمل كده عشان بيحبني، وإنه نفسه جوازنا يكون حقيقي..
تنهدت وأكملت بضجر، وعيناها تلمعان بالدموع: كل مرة كنت بقوله طلقني، وكل مرة كنت بقوله أنا همشي، كان نفسي يمسك إيدي ويقولي: ماتمشيش، أنا بحبك، أنا عايزك، كان نفسي أطمن بس، أنا لا نكدية ولا بكبر الموضوع، أنا بس كنت عايزة أحس بكرامتي كزوجة، وأحس إني مرغوبة من جوزي.
سكتت أنهار للحظات، ونظرت إلى ابنتها بحنان، وكأنها أدركت أخيرا حجم ما كانت تخفيه خلف عنادها، تنهدت، ومدت يدها تمسك يدها بحنان: أنا فاهماكي يا آلاء، بس مش كل الناس يا حبيبتي بيعملوا اللي إحنا عايزينه، خصوصا الرجالة، مش كلهم بيفهموا إن لما الست تقول: أنا عايزة أمشي، يبقى قصدها أوقات إنها عايزة تفضل، بس عايزة تسمع منه إنه عايزها تفضل ويتمسك بيها وتعرف غلاوتها عنده، بس إنتِ غلطي يا آلاء.
نظرت إليها آلاء باهتمام، بينما تابعت أنهار بعقلانية: إنتِ ومصطفى لسه ماعرفتوش بعض كويس علشان تعرفي هو بيفكر إزاي وبيعمل إيه؟! الرجالة مش زي بعض، هو راجل محترم وجدع، وده اللي إحنا عرفناه عنه، لكن الحاجات التانية دي هتعرفيها لما تعاشريه..
ثم ابتسمت وقالت: وإنتِ عرفتي خلاص إن الراجل كان بيحبك، وهو كمان كل ما كان يحاول يفهمك، كان بيلاقي منك وش مكشر وجفاء، فكان بيتراجع ويخاف يقرب أكتر..
ضغطت على يدها برفق، وتابعت: إنتوا الأتنين مش فاهمين بعض، ولازم تفهموا بعض.
تنهدت آلاء وسألتها بتوتر: طب يا ماما، دلوقتي أعمل إيه؟ أنا خايفة أضيعه مني، أنا غيرت أوي عليه لما جه يتكلم مع اللي اسمها سمر دي، وبعدين أنا مش عارفة هو ماله... رايح جاي مع أي واحدة!
اتسعت ابتسامة أنهار، وكأنها كانت تنتظر منها هذه الجملة تحديدا قالت: ما إنتِ بقى توبيه عن الكلام ده وغيريه!
زمت شفتيها بحيرة: طب أعمل إيه؟
ربتت أنهار على كتفها: الموضوع لسة في إيدك إنتِ، بس زودي الجرعة وفكيها شوية.
آلاء باستغراب: شوية إزاي؟
تبسمت بمكر وقالت: يعني أنا شايفاكي أربع وعشرين ساعة لابسة له إسدال، وأخوه مش بييجي كتير، بيروح الشغل أكتر مابيقعد هنا، طول ما إيهاب مش موجود... ألبسي براحتك.
اتسعت عينا آلاء: براحتي إزاي يعني؟
أنهار مفسرة، وهي تحرك يدها بحماس: يعني ألبسي فستان شكله حلو أو بيجاما، وسيبي شعرك، وهزري معاه، أعملي نفسك بتقعي، وقوليله: رجلي وجعاني أوي، مش عارفة وجعاني ليه تعال بص عليها،
فيه حاجة شبكت في شعري ممكن تشلهالي، تعالى أفتح لي البرطمان، مش عارفة أفتحه، حسسيه إنك محتاجاه، واهتمي بيه، مثلا روحيله وقوليله: حسيت إنك مصدع، عملتلك شاي، لو شوفتيه بقاله كتير ما بيكلش، أعمليله ساندوتش. اسأليه: عملت إيه النهاردة؟ بتكلم مين؟ بتكلمها ليه؟ عايزة منك إيه؟
ثم ضحكت وهي تشير إليها: وابقي رفعي صوتك، أضحكي، هزري معاه، لو عملتي كده هتلاقي الراجل أتحرك.
سكتت آلاء للحظات، وهي تحدق في أمها بعدم تصديق، ثم انفجرت ضاحكة: إنتِ طلعتِ مش سهلة يا ماما.
ضحكت أنهار وربتت على يدها: أتعلمي يا بنتي،
ثم قالت بحكمه: بصي يا بنتي، طول ما هو بيحبك وعايزك فإحنا كده في الأمان، أي حاجة بعد كده سهلة.
اتسعت ابتسامة آلاء، وقد تبدل شيء كبير في قلبها، وعاد إليها الأمل من جديد بأن تعيش مع مصطفى الحياة التي لطالما تمنتها
في فيلا ماسة وسليم7م.
الحديقة
كان المساء جميلا؛ نسيم الهواء يداعب الأشجار، ورائحة الورد تمتزج برائحة الفانيليا المنبعثة من الكعكة، جلست عائلة ماسة بأكملها أمام النيل، يستمعون إلى أغنية قديمة لأم كلثوم، بينما وضع الشاي على السبرتاية، كان «مكي» شاركهم جلستهم.
توقفت حور أمامهم بفخر وقالت: إيه رأيكم بقى؟ أنا إللي عاملة الكيكة دي كلها لوحدي!
تذوقت سعدية قطعة منها، ثم ابتسمت: حلوة يا حور، جميلة أوي، تسلم إيدك يا قلب تيتة.
زمت حور شفتيها بملل، ونظرت حولها: هو مفيش عيال صغننين قدي خالص هنا عشان ألعب معاهم؟
عبست ماسة وجهها قليلا، وقالت: لا، مافيش يا قلبي.
تنهدت حور بحزن: وأنا عند تيتة كنت بلعب مع صحابي في الشارع، كانوا بييجوا عندي وأنا بروح ألعب معاهم، أنا هنا ماعنديش حد، أنا عايزة أروح الحضانة وعايزة يبقى عندي صحاب!
ابتسم سليم، وسحبها من كتفها لتقف بين قدميه، ثم قبّل خدها بحنان: يا أميرتي، إحنا هنروح الحضانة وهيبقى عندك صحاب كتير، بس لما المدرسة تبتدي، دلوقتي مفيش مدارس استنى شوية.
زفرت حور بضجر: يعني لسه هستنى؟
مسح سليم على شعرها وقال: معلش يا حبيبتي، وبعدين إنتِ عندك لعب كتير هنا، وماما بتلعب معاكي، وأنا ويوسف وعمار وسلوى موجودين.
فكرت ماسة قليلا، ثم قالت: هو إحنا مينفعش نجيب لها صحابها هنا؟
صمتت لوهلة، وكأنها وجدت الحل، ثم تابعت: بقولك إيه... طب ماتجيب «نالا» تلعب معاها؟ هما قد بعض، وبينهم كام شهر بس.
سألت حور بفضول: مين نالا دي؟
ابتسم سليم وقرص خدها برفق: دي بنت عمو ياسين، أخويا.
اتسعت عينا حور بدهشة: هو إنت عندك إخوات؟
أومأ بابتسامة: آه، عندي إخوات كتير، وكلهم عندهم أولاد، عندي ياسين وفريدة...
صمت لوهلة، ثم نظر بعيدا، وكأنه يجبر نفسه على الحديث، قبل أن يتابع: ورشدي وطه وصافيناز...
أخرج نفسا عميقا، ثم قال: بس عمتو صافيناز ماتت، وعندها ولاد، بس هما كبار، ونالا هي الوحيدة الصغيرة.
تبسمت حور بحماس: هتها تلعب معايا وحياتي يا بابا.
ضحك سليم وهو يحرك أصابعه على خدها: حاضر يا نور عيني، هجيبها تلعب معاكي، يلا روحي ألعبي باللعب بتاعتك.
نظرت إليه حور بحزن، ثم قالت: هو رشدي مش بيجي ليه؟ أنا عايزة أشوفه! هو قالي إنه هييجي وماجاش، أنا زعلانة منه وهخاصمه يوم ويوم ويوم! وبعدين... هو صاحبك ولا أخوك؟
نظر سليم إلى ماسة للحظة، رمش بعينه وكأنه يفكر هل يقول لها الحقيقة أم لا، ثم أخرج نفسا طويلا ثم نظر لها وقال: عمو رشدي مسافر، وهو أخويا مش صاحبي.
سألته حور باستغراب: أمال هو ليه كان بيقول إنه صاحبك وصاحب ماما؟
أجاب سليم موضحا: كان عاملك مفاجأة، يلا روحي ألعبي.
ثم نظر إلى إحدى الخادمات وقال: خلي بالك منها.
ابتعدت الخادمة مع حور، بينما اقتربت ماسة قليلا من سليم وسألته بصوت منخفض: بقولك إيه؟ هو إنت هتقول لهم إن البنت موجودة؟
أومأ سليم بتأكيد: مش بالظبط هقول لياسين بس، وهسيبهم فاكراني متبنيها لحد ما هشوف هيحصل إيه؟.
وجه مجاهد حديثه إلى سليم: قولي يا ابني، إنت كده خلاص ولا لسة؟
فهم سليم مقصده، فقال موضحا: يعني مش بالظبط، فيه شوية حاجات كده، بس اعتبرنا خلاص.
سعدية بتحذير: أهم حاجة تاخد بالك من نفسك، ودايما تحط في دماغك إنك مابقيتش لوحدك.
قاطعتهم ماسة بفرحة: بقولكم إيه؟ إحنا مش عايزين نتكلم في أي حاجة تضايق، عايزين نتكلم في حاجة مفرحة...
نظرت بعينيها نحو مكي وسلوى، اللذين كانا يجلسان إلى جوار بعضهما، ثم قالت وهي تشير بيدها:
الأتنين إللي هناك دول لازم يتجوزوا قريب..
نظرت الى سليم وسألته بحماس: إيه رأيك يا سليم ناخدلهم فيلا جنبنا هنا؟ ولو مافيش، ممكن نبنيلهم واحدة في الجنينة الخلفيه، مساحتها كبيرة.
ابتسم سليم وهو يحتسي الشاي: بس كده، هما بس يوافقوا.
رفعت ماسة حاجبها بشدة، وأشارت بيدها نحوهما:
هو حد فيهم يقدر يعترض ولا يفتح بقه؟ والله العظيم كنت دبحته!
أنفجر الجميع بالضحك.
ثم تابعت وهي تفكر: وممكن برضوا يقعدوا معانا لحد ما الفيلا تجهز نسيب لهم الدور التاني من الناحية الشمال دي، وخلي يوسف وعمار يقعدوا تحت.
ضحك سليم: إنتِ عمالة تاخدي عنهم قرارات وهم قاعدين يتفرجوا بس!
ماسة بتهكم ساخر: ما هو إحنا لازم ناخد عنهم القرارات، لو ماخدناش قرارات، هيفضلوا قاعدين كده.
نظر مجاهد لسلوى متسائلا: إنتِ إيه رأيك يا سلوى؟!
تبسمت سلوى بخجل: أنا موافقة، أنا مع ماسة.
ضحك سليم ونظر إلى مكي: شكلهم متفقين مع بعض.
أجاب مكي: أنا بقول كده برضو.
مجاهد وهو يتناول ما في الشوكة: طب ما دمتوا متفقين يا ولاد، ما تتجوزوا على طول!
أجاب مكي بعقلانية: والله أنا ماعنديش مانع، أنا عندي استعداد أتجوزها حالا، بس الفكرة إن الفترة دي أنا مشغول مع سليم وهسيبها كتير، وأنا بصراحة محتاج آخد أجازة طويلة عشان أعوضها، كمان هي من حقها تسافر، وإني أبقى موجود معاها.
سعدية بتأييد: الراجل عنده حق يا أبو عمار. يعني يتجوزها النهاردة وبعد بكرة يسافر؟ وأنا عارفة إنه مش هيسيب سليم حتى لو سليم قاله خليك.
ماسة بحماس: خلاص، هو سليم قرّب يخلص الحوارات إللي وراه، نحضر بقى من دلوقتي، نختار شكل الفيلا والعفش والفستان والكلام ده..
نظرت لسلوى:إيه رأيك يا سلوى؟
ابتسمت سلوى: ماشي.
ألتفتت ماسة إلى سعدية وقالت بحماس: ما تسمعينا زغرودة يا سعدية!
أطلقت سعدية زغرودة عالية، فضحك الجميع، وعادوا إلى تناول الكعك وشرب الشاي، بينما أستمر صوت أم كلثوم في الخلفية، واكتملت أجواء السهرة العائلية الدافئة.
وبعد قليل، أخذ مكي سلوى وابتعدا قليلا، وجلسا معا على الأرض أمام النيل.
سألها مكي هامسا: إنتِ هتتضايقي لو إحنا فعلا اتجوزنا وقعدنا شوية معاهم لحد ما الفيلا بتاعتنا تجهز؟
هزت سلوى رأسها نافية بحماس: بالعكس خالص، ماعنديش أي مشكلة، ما إحنا كلنا قاعدين معاهم، وعلى الأقل هكون قاعدة مع ماما وماسة لما تكون مشغول مع سليم، ممكن نفضل معاهم لحد ما نبني فيلا صغيرة على قدنا في الجنينة زي ما ماسة قالت، أنا مش عايزة حاجة كبيرة أوي.
مكي موضحا: بس عقبال ماتتبني هتاخد وقت.
نظرت إليه سلوى وضيقت عينيها بمكر: شكلك إنت اللي مش حابب إننا نقعد كلنا مع بعض.
ضحك مكي وهو يؤمي برأسه: يعني مش بالظبط، بس ماعنديش مشكلة نقعد جنبهم، بس نبقى مستقلين، إحنا هنبقى لسه عرسان جداد، عايزين نبقى براحتنا..
ثم مال نحوها قليلا وتابع ممازحا وهو يغمزولها: عايز أبقى براحتنا، مثلا أجري وراكي، ألعب معاكي، وأديكي بوسة كده...حضن كده
اتسعت عيناها بدهشة قالت: إيه ده؟ إنت أخلاقك اتغيرت خالص! فين مكي أبو ورد في الشنطة والكلمة إللي بتطلع منه بالعافية؟ وبيقولها وعينه بالأرض، بوسة مرة واحدة
ضحك مكي ثم قال بغزل: لا، أنا لسه بجيب ورد في الشنطة عادي، بس ممكن اقول كلام حلو برضوا
ضحكت سلوى: شوف إنت عايز إيه وأنا معاك؟ أنا بصراحة عايزة أتجوز بسرعة.
ابتسم مكي ثم قال بهدوء: بصي، هو إحنا فعلا خلاص، أنا تقريبا بدأنا نخلص كل حاجة، مسألة شهر أو شهرين.
ثم تابع بجدية: فأنا هتأكد لو فيه فيلا جنبنا هاخدها. لو مافيش، نقعد في الاستراحة، الاستراحة كبيرة جدا نقعد فيها لحد ما الفيلا تتبني، كمان أنا ناوي ناخد شهرين تلاتة هاني مون، أنا محتاج أجازة طويلة المدى.
ابتسمت سلوى بحماس: تمام، ولحد ما إنت تخلص إنت وسليم الحاجة، أنا هبدأ أختار شكل الفيلا والديكورات والفستان والفرح، أنا بجد متحمسة أوي!
ابتسم مكي وهو ينظر إليها، ثم أمسك يدها برفق و ضع قبله ثم وقال: من النهاردة نبدأ نحضر لحياتنا سوا.
ابتسمت سلوى بخجل، وأسندت رأسها إلى كتفه، بينما ظلت أنظار الأثنين معلقة بمياه النيل، وكأنهما يتخيلان الأيام القادمة التي ستجمعهما.
♥️___________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي8م
كانت غرفة طه غارقة في الظلام، لا يضيئها سوى ضوء خافت يتسلل من خارج النافذة، امتلأت الطاولة أمامه بأعقاب السجائر وأكواب القهوة، وإلى جوارها زجاجة خمر لم يبقى منها إلا النصف تقريبا.
كان طه جالسا وحده، شاردا، يبدو وكأنه شاخ مئة عام في أيام قليلة.
لم يستطع حتى الآن أن يخرج من صدمة ما فعلته منى، ولا أن يستوعب أن المرأة التي أحبها طوال تلك السنوات كانت بتلك القذارة
بعد قليل، طرق الباب، ثم فُتح، ودخل مراد، ابنه الأكبر، وخلفه تيم الذي مد يده وأشعل النور.
مراد بهدوء: بابا، إحنا عايزين نتكلم معاك أنا وتيم.
مسح طه دموعه سريعا قبل أن يراهما، ثم أشاح بوجهه وقال بضيق: مش عايز أتكلم مع حد..
اقترب مراد منه أكثر: إحنا عايزين نعرف ماما فين؟
طه بحدة: قلتلكم اتخانقنا مع بعض وهي مشيت، كلموها واسألوها هي فين.
تبادل مراد وتيم نظرة قصيرة، ثم قال تيم بهدوء:
طب وحضرتك بتزعق ليه؟
رفع طه صوته: أطلعوا بره! أنا عايز أبقى لوحدي.
وفي تلك اللحظة، ظهر عزت عند الباب، قال بصرامة: مراد، تيم... سيبونا لوحدنا.
نظر الأثنان إلى والدهما للحظة، ثم أومآ برأسيهما وخرجا.
أغلق عزت الباب خلفهما، ثم اقترب من طه وجلس أمامه، ألقى نظرة على الطاولة المليئة بالسجائر والخمر، ثم زفر بضيق وقال باستياء: إيه اللي إنت عامله في نفسك ده؟ دي واحدة تتنسي يا طه، وتكمل حياتك كأنها ما كانتش موجودة..
رفع طه عينيه إليه، وكانت الدموع لا تزال عالقة بهما، ثم قال بمرارة: الكلام ده عندك إنت والهانم، المشاعر عندكم ملهاش قيمة، بتنسوا كل حاجة في لحظة وكأنها ماحصلتش.
هز عزت رأسه ببطء ثم قال بعقلانية: لأ، إحنا عندنا مشاعر، بس بنعرف نتحكم فيها عشان ما تتحكمش هي فينا، لأنك لو خليت مشاعرك هي إللي تتحكم فيك، هتدفع تمنها طول عمرك، سليم حكلي كل حاجة فاللي زي منى دي يداس..
اقترب قليلا منه، وتابع بنبرة خاليه من أي عطف: أنا يمكن بعد السنين دي كلها، أكتر حاجة بشكر عليها جدك وجدتك إنهم عرفونا ازاي نقدر نتحكم في عواطفنا..
صمت طه، فتابع عزت بنطق فلسفي: الحب عندنا دايما نقطة ضعف، وإحنا اتعلمنا نخبي نقطة الضعف دي..
تنهد، ثم تابع بمرارة: حبك لمراتك خلاك تتغاضى عن أذاها وتسـامحها مرة ورا مرة، لحد ما خانتك مع أخوك الصغير، ووصل الأمر بأختك إنها تتفق مع جوزها على قتل أخوك.
خفض طه عينيه أكمل عزت وهو يزم شفتيه: وخلى سليم نفسه يبقى فريسة في إيد أعدائه، عشان الكل أصبح عارف إن ماسة نقطة ضعفه..
ثم نظر إليه مباشرة وقال بحسم: الحب نقمة على إللي زينا يا طه...
رفع طه عينيه إليه تابع عزت بصوت أكثر هدوءا، بحكمه: الناس العادية ممكن تحب من غير حساب لأنها لا تملك غيره! إنما إحنا؟ عندنا فلوس وسلطة واسم ونفوذ، ودايما هتفضل تسأل نفسك: اللي حواليك بيحبوك إنت، ولا بيحبوا اللي عندك؟
سكت لحظة، ثم أضاف: وحتى لو اتنين حبوا بعض بجد زي ماسة وسليم، دايمًا بيظهر اللي يخرب عليهم، عداوة، مؤامرة، طمع، انتقام...
ابتسم ابتسامة باهتة واصل: الحب للي زينا عمره مابييجي لوحده، دايما بييجي ومعاه تمن.
ظل طه صامتا للحظات، ينظر إلى زجاجة الخمر أمامه، ثم قال بصوت منكسر: يا ريتني كنت زيكم..
رفع عزت حاجبه أكمل طه وهو يمسح وجهه بيده:
يمكن كنت أعرف أنسى، وماكنتش أبقى بالشكل ده.
ثم ابتسم بسخرية موجوعة واضاف: بس إنت عندك حق يا بابا... الحب في عيلتنا لعنة، يمكن عشان أنت وماما ما حبيتوش بعض، واللي بينكم كان مصلحة، قدرتوا تحافظوا على علاقتكم طول السنين دي.
رفع عزت عينيه إليه، وقال بحسم: يبقي خلاص، فوق بقى، لو عايز تقتلها، اقتلها، مكالمة واحدة وتنهي كل حاجة.
ابتسم طه بمرارة، وهز رأسه بيأس: يا ريتني أقدر أعمل كدة!
ضيق عزت عينه متعجبا: ومتقدرش ليه؟
رد بصوت مخنوق: عشان ولادي. مش هينفع أشوه صورتها في عينهم، دول شباب وحاجة زي دي ممكن تأثر عليهم نفسيا.
عزت باقتراح: خليها تموت موتة طبيعية، حادثة مثلا، ووقتها الولاد هيفضلوا طول عمرهم يدعوا لها بالرحمة، من غير مايعرفوا إنها كانت خاينة.
أومأ طه بعدم معرفة باختناق: مش عارف يا بابا مش عارف آخد قرار، أنا بجد قلبي وجعني.
عزت بحسم: خد قرار، وأنا معاك.
ظل طه صامتا، وعيناه غارقتان في شرود ثقيل، بينما تابع عزت بصرامة: المهم فوق لنفسك، احلق دقنك، خدلك حمام، كل حاجة فيك بتقول إنك انهرت..
ثم أمسك كتفه ونظر إليه مباشرة: إنت ابن عزت الراوي، ماينفعش تبقى ضعيف كده.
سكت لحظة، ثم قال ببرود قاس: مني؟ دي مجرد حشرة، وإحنا بندوس على الحشرات بجزمتنا.
نظر إليه طه بعينين مثقلتين بالحسرة، ثم ألقى بنفسه بين أحضان عزت وبكى. ربت عزت على ظهره بحنان أبوي، وهو يشعر بالغضب لأجله..
فيلا سليم وماسة11م
كانت ماسة تجلس على الفراش، بينما جلس سليم خلفها يدلك رقبتها بهدوء، فشعرت بالاسترخاء والراحة.
اقترب منها وقال بنبرة دافئة: ها، أحسن؟
أومأت ماسة بإيجاب، ثم أمسكت يده وقبّلتها قائلة بابتسامة: تسلم إيديك يا حبيبي.
ابتسم سليم، ثم استلقى بجانبها وجذبها إلى حضنه، متشابكا أصابعه بأصابعها قال بحماس: متحمس أوي إني أعرف نوع البيبي بكرة، يا ترى هيكون إيه؟
ابتسمت: وأنا كمان متحمسة جدا.
نظر إليها وقال مازحا: على فكرة، الدكتورة بكرة لو ماقالتليش إدأنت خلصت اجازتك هلعب معاها لعبة الصياد.
قالت بمشاكسة ودلال: ده أنت حالتك بقت صعبة خالص يا كرملتي.
أومأ: آه والله، صعب اوي، بذمتك ماوحشكش المساج بتاعي؟
ابتسمت بمداعية: ما أنت لسه عاملهولي.
عمو لها: اقصد التاني.
ضحكت قائلة: وحشني بصراحة.
وفجأة انفتح الباب، وظهرت حور وهي تحمل ارنوبها.
أنا هنام جنبكم.
سليم باستغراب: مش هتنامي في أوضتك ليه؟
اقتربت منه وقالت: عايزة أنام في حضنك يا بابا.
ابتسم: طيب تعالي.
صعدت حور إلى السرير واستقرت بينهما، ثم دفعت ماسة قليلا وهي تقول بجدية طفولية: أوعى! بابا بتاعي أنا بس.
رفعت ماسة حاجبها وقالت ممازحة: لا، وحياتك! بابا ده بتاعي أنا قبلك.
نظرت إليها حور بغيرة طفولية، ثم احتضنت سليم بتملك: بابا احضني أنا، مش تحضن ماسة.
اتسعت عينا ماسة: على فكرة ده جوزي.
ضيقت حور عينيها وقالت: وبابايا! اكتر منك
نظر سليم إليهما وظل يضحك دون أن يتدخل.
رفعت ماسة حاجبيها وهي تنظر إليه بتهكم: إنت بتضحك ومبسوط وإحنا بنتخانق عليك؟
ابتسم سليم: مافيش راجل مايتبسطش من اللحظة دي.
مدت ماسة وجهها وقالت بنبرة ذات مغزى: طب خليها تنفعك.
اتسعت عينا: لا عيب كله إلا ده.
ضحكت ماسة وأخرجت لسانها بمشاكسة
حور وهي تقبله: سيبها يا بابا يلا ننام.
ضحك وقال: طب يلا ناموا.
احتضن حور وضمها إليه، بينما استقرت ماسة بجانبهما لكنها كانت تمسك يد سليم.
حور وهي تسحب يده من ماسة: بابا، ابعد ايدك عنها؟
زمت ماسة وجهها ثم التفتت بظهرها وهي تقول: اشبعي بيه.
ضحك سليم، ثم احتضن حور بحنان وقال: يلا يا وردتي، نامي.
وبعد لحظات، مد يده الأخرى نحو ماسة، ليظل قريبا منها أيضا؛ فكانت دائما طفلته الأولى وحب حياته، وكأن وجودهما معا أكثر ما يشعره بالراحة والامتنان.
مزرعة عائلة منى،11ص
في حديقة المزرعة، جلست منى أمام أحد الرجال الذين يبدو من هيئته إنه بلطجي، بينما كان يحدق فيها منتظرا أوامرها.
أخرجت ظرفا أبيض ووضعته أمامه، ثم قالت ببرود: خليك محتفظ بالمبلغ ده معاك، أنا عايزة بكرة بالكتير كل حاجة تكون بدأت، تدخل لرشدي من غير ما يحس، ومن غير ما حد ياخد باله.
تناول الرجل الظرف، ثم قال بثقة: اعتبريه حصل يا ست هانم، أنا اتفقت مع واحد من الممرضين هناك، هايزود له جرعة المخدر في الدوا، بس كل شهر لازم ياخذ 10000جنيه.
هزت راسها وقالت: مش مهم الفلوس أهم حاجة أن رشدي ما يخفش.
أومأ بإيجاب، بينما نظرت إليه منى للحظات، ثم سألته: طب وبالنسبة لسليم؟
هز الرجل رأسه: سليم بيه موضوعه أصعب. حراسته قوية، والراجل أللي ظهر معاه آخر مرة كان شغال في القوات الخاصة، بياخدوا بالهم من أي حد يراقبهم..
منى ببرود بعينين تحمل كراهية: أنا عايزة أعرف بيروح إمتى المجموعة, مش عايزة أعرف حاجة ثانية.
أومأ بابتسامة: لو ده كل اللي عايزاه سهله، أقعدلك حد قصاد باب الشركة أول ما يطب، يكلمك ويديكي ألو.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تقول بحسم: وفيه حاجة تانية..
رفع عينيه إليها بدهشة، فتابعت هي تنظر له بعينتين تحملان شرا شيطانيا: بقولك إيه! عايزة نوع سم، لو حد خده واتشرح، مايبانش هو مات من إيه؟!
ابتسم ابتسامة غامضة: اديني يومين، وأنا هتصرف.
أجابته بحسم: مش أكتر من يومين.
أومأ وهو ينهض حاملا الظرف معه: اتفقنا.
ظلت منى تتابعه بعينيها حتى ابتعد، ثم عادت بنظرها إلى الحديقة، وارتسمت على وجهها ابتسامة باردة، وكأنها كانت قد بدأت بالفعل تحرك أول قطعة في خطتها.
في أحد العيادات الخاصة،2م
استقلت ماسة على سرير الفحص، بينما جلست حور على مقعد تتابع الشاشة أمامها بعينين فضوليتين تحاولان فهم أين يوجد شقيقها الصغير؟ بينما وقف سليم يمسك يد ماسة باحتواء، وهما ينظران إلى الشاشة بابتسامة.
ابتسمت الطبيبة وهي تحرك جهاز الفحص على بطنها: الجنين صحته كويس جدا، والأمور مستقرة، والمرحلة اللي كنا خايفين منها الحمد لله عدت على خير.
سليم باهتمام: يعني كده عدينا مرحلة الخطر؟
أومأت بابتسامة: الحمد لله.
ثم سألتهما بابتسامة: المرة دي عايزين ولد ولا بنت؟
سليم وماسة في الوقت نفسه: ولد.
ضحكت الطبيبة: هو فعلا ولد! ألف مبروك، وإن شاء الله هيكون زي القمر.
ابتسمت ماسة ابتسامة واسعة، بينما أخذ سليم يزرع عدة قبلات متفرقة على وجهها بسعادة وجنون، وكأنه نسى العالم من حوله، وهو يردد: مبروك يا عشقي.
ابتعد قليلا ينظر لها بعينين تلمعان بالدموع، وهو يضم وجهها بإحدى يديه، بينما أمسك يدها باليد الأخرى وضغط عليها بحنان، قبل أن يقول بفرحة واضحة: ولد يا ماسة الحمد لله.
ابتسمت وهي تراقب سعادته، ثم قالت بمشاكسة: جالك الولد اللي كان نفسك فيه.
أومأ بحماس بعينين تغرد من الفرحة: الحمد لله ألف مبروك يا حياتي.
ماسة وعيناها تلمعان بالدموع: الله يبارك فيك يا حبيبي، أقصد يا أبو جاسر.
مسح على خدها بحنان، ثم نظر إلى حور وقال وهو يداعب أنفها: حور، هيجيلك أخ قمر زيك.
رفعت حور حاجبيها بفرحة: يعني طلع نونو ولد؟
ابتسمت ماسة: أيوه.
حور بحماس: الله! اسمه إيه؟
أجابها بابتسامه: جاسر، عجبك؟
رفعت عينيها إلى أعلى تفكر، ثم قالت: آه، حلو.
ثم سألت بفضول وهي تنظر للشاشة: بس هو فين؟!
أشارت الطبيبة إلى الشاشة: أهو...
حدقت في الشاشة لثواني، ثم عقدت حاجبيها: أنا مش شايفاه خالص!
ضحك سليم: عشان صغنن، بس لما يكبر شوية هتشوفيه.
سألته بحماس: إمتى هيكبر؟
ضحكت الطبيبة: يعني شهرين تلاتة، وهتبدأ ملامحه تبان أكتر.
أومأت حور وكأنها أخذت المعلومة على محمل الجد
أغلقت الطبيبة جهاز الفحص، ثم أعطت ماسة بعض المناديل الورقية: كده خلصنا.
نهضت ماسة ببطء، وفي اللحظة نفسها كان سليم بجوارها يمسح بطنها برفق، ثم ساعدها في تعديل ملابسها وترتيبها.
ثم التفت إلى حور: حور، هاتي الشوز بتاع ماما ولبسيهولها.
هبطت حور من على المقعد بسرعة: حاضر.
أحضرت الحذاء، وجلست أمام ماسة، تساعدها في ارتدائه، بينما بقي سليم إلى جوارها، يحيطها بعنايته، ويرتّب ملابسها برفق، وبعد أن انتهوا، خرجوا جميعا من غرفة الفحص.
حيث؛ جلست حور على قدم سليم، بينما جلست ماسة بجواره، تمسك بيده وهي تتسأل بقلق: ها يا دكتورة، طمنيني.
ابتسمت الطبيبة: الحمد لله، إنتِ والبيبي كويسين، هنوقف الحقن ونكمل على الفيتامينات، ونهتم بالأكل كويس، وطبعا أنت إفرج يا سليم بيه بس برضوا ناخد بالنا بلاش إجهاد.
تبسم سليم: تمام.
سألت ماسة بحماس: يعني أتحرك براحتي؟
ضحكت الطبيبة: آه، بس برضو ناخد بالنا، إيه يا ماسة هي دي أول مرة؟
ضحك سليم: معلش يا دكتورة، إنتِ عارفة هي عندها فرط حركة.
نظرت إليه ماسة بغيظ: فرط حركة إيه بس؟ بجد زهقت عايزه اتحرك براحتي
ضحكت الطبيبة: معلش كلها كام شهر هتكوني براحتك، إن شاء الله على معادنا المرة الجاية.
ابتسمت ماسة: شكرا يا دكتورة.
نهضوا جميعا وتحركوا إلى الخارج، متوجهين إلى السيارات، حيث كان مكي والحراس بانتظارهم.
فتح مكي باب السيارة، فدخلت ماسة وسليم وحور إلى المقعد الخلفي، بينما جلس هو في المقعد الأمامي.
تنفست ماسة براحة: الحمد لله، سمعت الدكتور قالت إيه! عشان تبطل قلقك الزيادة ده بقى.
رفع حاجبه بصرامة: مفيش الكلام ده، لما تولدي بالسلامة تعملي اللي إنتِ عايزاه، الدكتور نفسها قالت بطلي دلع
ضحكت ماسة: متبرقش طيب
ثم مالت نحوه وقبلت خده بدلال: بالراحة يا كراميلي، متزعش بدل ماجسوري يطلع عصبي زيك.
ابتسم رغما عنه، بينما كانت حور غارقة في مشاهدة الشارع من النافذة.
نظر سليم إلى حور: أميرتي عارفة إحنا رايحين فين دلوقتي؟
أجابته: البيت؟
أومأ بلا: تؤ، عندي مفاجأة حلوة أوي.
اتسعت عيناها بحماس: الله.
واندفعت تعانقه بحماس، فضحك سليم وهو يضمها إليه بينما كانت ماسة تراقبهما بابتسامة، واضعة يدها على بطنها بحنان.
♥️_____________بقلمي_ليلة_عادل.
روما3م
في أحد المنازل المعزولة، في منطقة نائية من ريف روما، كان الهدوء يخيم على المكان، بينما انتشر الحراس في محيط الفيلا، يراقبون كل شيء من حولهم بحذر
وفجأة، بدأ الحراس يتساقطون واحدا تلو الآخر كأوراق الخريف دون أن ينبه أحد، كان كل شيء يجري في صمت تام، وكأن يدا خفية تتحرك من الظلام.
وفي أعلى أحد المباني البعيدة، ظهر قناص يراقب المكان بعينين ثابتتين، قبل أن يخفض سلاحه ويختفي عن الأنظار.
وبعد لحظات، ظهر عدد من الرجال يرتدون ملابس سوداء، يتحركون بخطوات هادئة ومنظمة، واقتربوا من الفيلا بعدما أصبح محيطها خاليا من الحراسة.
دخل الرجال إلى المبنى في هدوء، وانتشروا في أرجائه، حتى وصلوا إلى غرفة المعيشة.
كانت سارة تجلس مع أبنائها أمام التلفاز، تتابع معهم أحد البرامج، دون أن يخطر ببالها أن شيئا خطيرا يحدث خارج المنزل.
وفجأة، ظهر الرجال أمامها.
انتفضت صارخة: أنتم مين؟! كارما! مازن!
لكن قبل أن تتمكن من إكمال صرختها، سبقتها يد خشنة باردة، أطبقت على فمها وكتمت صوتها، بينما أحاط بها بقية الرجال.
كاد أن يركض مازن نحوها، إلا أن أحد الرجال أمسك به وأبعده عنها، بينما أسرع آخر بإخراج بخاخ مخدر واستخدمه عليه، فسكن جسده وغاب عن الوعي، ثم اتجهوا نحو كارما، التي لم تستطع سوى التراجع بخوف، قبل أن تفقد وعيها هي الأخرى.
حاولت سارة المقاومة بكل ما أوتيت من قوة، لكن جسدها بدأ يثقل شيئا فشيئا، وخارت مقاومتها أمام تأثير المخدر.
وكان آخر ما رأته قبل أن يغمرها الظلام، ابنائها ممددين أمامها بلا حراك.
وبعد دقائق قليلة، أُخرجت سارة وأبناؤها من المنزل،واقتيدوا إلى السيارات التي كانت تنتظر في الخارج
تحركت السيارات، تاركة المنزل خلفها غارقا في صمت ثقيل.
وفي أثناء الطريق، أخرج أحد الرجال هاتفه وأجرى اتصالا.
الرجل: تم الأمر، سيدي.
اتاه صوت إريك من إتجاه اخر: اتركوهم حتى يظهر عماد، وسأعطيكم الأوامر التالية بعد ذلك.
الرجل: أمرك، سيدي.
أغلق إريك الاتصال، بينما استمرت السيارات في طريقها، حاملة سارة وأبناءها إلى المجهول.
القلج،4م
توقفت سيارة سليم أمام منزل أسعاد، وما إن لمحت حور المكان من النافذة حتى صرخت بفرحة: جبتني عند تيتة!
احتضنته بفرحة، بينما نظرت ماسة إليه باستغراب وتسألت بخفوت: هي حور كانت عايشة هنا؟
أومأ لها، ثم ابتسم لحور: يلا يا روحي.
هزت رأسها بحماس، وبمجرد أن هبطوا من السيارة، ركضت نحو باب المنزل دون أن تنتظر ماسة أو سليم، اللذين تحركا خلفها وهما يبتسمان.
وما إن فتحت إسعاد الباب، حتى اتسعت عيناها فرحا: يا روحي! تعالي في حضن تيتة!
اندفعت حور نحوها، فأخذتها إسعاد بين ذراعيها، وظلت تقبلها وهي تقول بلهفة: وحشتيني، وحشتيني يا قلب تيتة! عاملة إيه؟ كده تسيبيني كل ده؟
ضحكت حور وهي تتشبث بها: معلش يا تيتة، أنا جيتلك أهو.
رفعت إسعاد رأسها ونظرت لماسة وسليم: أهلا وسهلا يا ابني، اتفضلوا.
تقدمت ماسة واحتضنتها بابتسامة: خالتو إسعاد عامله إيه وحشتيني؟!
ثم همست في أذنها: هي عارفة إننا عارفين بعض.
أومأت أسعاد بتفهم: الحمد لله، كويسة.
ثم ابتعدت عنها قليلا تأملتها بدهشة: سبحان الله! دي حتة منك، تعالو اتفضلوا.
دخل الجميع إلى المنزل، بينما وضع الحراس بعض الحقائب التي بدت وكأنها تحتوي على أغراض مختلفة.
نظرت إسعاد إلى الحقائب: إيه اللي عملتوه ده؟
ابتسمت ماسة: دي حاجة بسيطة.
التفتت حور حولها: أومال فين رحمة؟
أجابتها إسعاد: في بيتها.
حور بحماس: طب أنا عايزة أروحلها!
سليم بهدوء: استني، هخلي حد يروح يجيبها.
هزت حور رأسها: لا هروح اناديها!
ثم توجهت إلى مكي المتوقف عند الباب: عمو مكي، تعالى نروح ننادي رحمة.
ضحك وحملها بين ذراعيه: يلا بينا، إنتِ عارفة بيتها؟
أجابته بثقة: أيوه، ساكنة هنا جنبنا، بعد بيتين.
وبالفعل، خرج مكي بها، بينما اعتدلت ماسة في جلستها، وأمسكت يد إسعاد وقالت بصدق وامتنان: أنا بشكرك أوي على كل حاجة عملتيها مع حور، أنا مديونة ليكي بحياتي وسعادتي.
مسحت إسعاد على يدها بحنان: متقوليش كده يا حبيبتي، دي كانت زي حفيدتي بالظبط.
هزت ماسة رأسها بإصرار: بس برضو اللي عملتيه معاها كبير أوي، كفاية إنك خليتي شخصيتها بالشكل ده، ومحرمتهاش من حاجة..
تبسمت إسعاد بتردد: بصراحة، رشدي كان له أفضال كبير.
نظرت لها ماسة باستغراب وهي تضيق عينيها، بينما أشاح سليم وجهه بضجر.
تابعت إسعاد وكأنها تريد أن تبرئ ذمتها أمام الله: أنا عارفة اللي حصل، بس كلمة حق هو علطول كان بيسأل عليها، ويجيبلها كل حاجة، وكان بيبعت فلوس كل أول شهر، حتى لما قعد فترة كبيرة ميجيش، برضو كان بيبعت..
أخذت نفسا وتابعت: وكان بيتضايق أوي لما جنة بدات تتكلم بطريقه مش حلو وتردد كلام العيال في الشارع، وفضل وراها لحد ما بطلت، حتى هو اللي فكر في موضوع الجوابات والمكالمات اللى كان بيعملها هو ورحمه عشان متزعلش، يعني الله أعلم لولا رشدي كانت جنة - قصدي حور - كان هيبقى حالها عامل إزاي.
شهقت ماسة بصدمة: رشدي عمل كده؟!
أومأت إسعاد: آه والله، أنا آه زعلانة منه من يوم ماعرفت الحقيقه، بس الواحد يقول اللي يخلصه قدام ربنا.
اومأت ماسة بتفهم، واقتربت منها أكثر، وقد ظهر الشوق واضحا في عينيها: طب بصي، أنا قعدت معاها شوية، فهمت حاجات كتير في شخصيتها وعرفت حاجات كتير بتحبها، بس إنتِ ممكن تقوليلي كل حاجة؟ يعني أول مرة قالت «ماما» كان عندها قد إيه؟ ومشيت الأول ولا اتكلمت الأول؟ وكانت عاملة إزاي معاكي؟ وصورها وفيديوهاتها، أنا مشتاقة أوي أشوف الحاجات دي.
ابتسمت إسعاد بحنان وهي تتذكرها: آه ليها صور وفيديوهات، بس مع رحمة هبقي اخليها تديهالك، هي كانت ما شاء الله عليها جميلة كده ومتعبتنيش، بس كانت يا حبيبتي كل شوية تتعب بسبب اللوز، بس رشدي عملهلها من كام شهر.
وضعت ماسة يدها على قلبها بحزن: يا عمري عملت عملية؟!
أومأت إسعاد: بس هي بقت زي الفل.
قاطعتها ماسةبسرعة: لا لا، إنتِ هتاخديني في دوكة وتقوليلي كلمتين! أنا عايزاكي تقوليلي تفاصيل بسرعة قبل ماتيجي، قوليلي بتحب إيه أكتر أكلة؟ وأكتر حاجة بتشربها؟ أنا خدت بالي إنها بتحب الفراخ والمكرونة، وبتحب ظهر العيش زي سليم..
ثم ابتسمت بحنين: أنا مشتاقة أوي أشوف طفولتها.
ضحكت إسعاد وربتت على يدها بحنان: حاضر يا بنتي، هحكيلك كل حاجة.
وظلت تروي لها عن طفولة حور، بينما كانت ماسة تستمع إليها باهتمام شديد، وتسألها عن كل تفصيلة صغيرة وكأنها تحاول تعويض السنوات التي فاتتها.
وبعد قليل، دخلت رحمة وهي تحمل حور، بينما كان مكي يسير خلفهما: السلام عليكم.
رد الجميع: وعليكم السلام.
ابتسمت ماسة وهي تقترب منها بتمثيل متقن: إزيك يا رحمة؟ عاملة إيه؟ ما شاء الله كبرتي، ده أنا بقالي زمان مشوفتكيش!
ضحكت رحمة وتناغمت معاها:ما إنتم كنتوا مسافرين من سنين، حمد لله على السلامة، أخباركم إيه؟
ماسة: كويسين الحمد لله.
إسعاد بابتسامة: رحمة، هاتي لأم جنة ألبوم الصور بتاعها والفيديوهات، عشان هي عايزة تشوفها.
أومأت رحمة: حاضر، هروح أجيبهم.
انزلت حور، وخرجت مرة أخري بيننا نظرت ماسة إلى إسعاد باهتمام: هو حضرتك قاعدة مع مين هنا؟
أجابتها بتنهيده: لوحدي يا بنتي، زي ما إنتِ شايفة.
سألتها بتعجب: معندكيش إخوات؟ قرايب؟
ابتسمت بحزن خفيف: لا والله، أنا مقطوعة من سجرة، معنديش غير سميحة، أم رحمة، ورحمة وحبايبي هنا.
نظرت إليها بتأثر للحظات، ثم نظر إلى سليم فأومأ لها بإيجاب كاشارة لحديث بينهما، فقالت ببساطة: طب إيه رأيك تيجي تعيشي معانا؟
رفعت إسعاد حاجبيها بدهشة: أعيش معاكم؟
وقبل أن تجيب ماسة، ركضت حور نحوها، وقالت بحماس: أيوه يا تيتة، تعالي عيشي معانا! ورحمة تيجي تعيش معانا كمان.
ابتسمت ماسة، بينما قال سليم مؤكدا: حضرتك لازم تيجي تعيشي معانا، أنا كنت قايلك قبل كده، بس كنت مستني أظبط أموري.
نظر لحور وقال بمشاكسه: اعتقد القعده مع حور أحسن بكتير من قعدتك لوحدك هنا.
احتضنتها إسعاد بقوه: أه والله يا ابني، كانت ماليه عليا الدنيا كلها، ومن ساعه ما مشيت والبيت ملوش حس.
ثم نظرت إليه وتابعت بتردد ممزوج بالحياء: أنا بس مبحبش أبقى تقيلة على حد، إنتوا بس كل يومين تلاتة كده تعالوا شقروا عليا، وهاتوا جنه معاكوا.
هزت ماسة رأسها بإصرار: لا، إنتِ هتيجي تعيشي معانا، وده قرار، إحنا مش بناخد رأيك!
ثم نظرت إلى حور: يلا يا جنه، قولي لتيته.
حور باعتراض: اسمي حور! إنتِ شوية تقولي حور وشوية جنة.
ضحكت ماسة: عشان تيتة إسعاد بتحب إسم جنة.
نظرت حور إلى إسعاد: بتحبي إسم جنة؟
ابتسمت إسعاد: لا خلاص، أنا حبيت حور.
سليم بابتسامة: خلاص بقى يا حاجة، تعالي عيشي معانا، والله هتنبسطي جدا.
إسعاد بتردد: أصل يا ابني...
قاطعها سليم بهدوء: أنتِ معترضة على إيه؟
إسعاد بحيرة: أنا اتعودت على هنا، وبقيت بحب المكان ده، كمان أنا عندي هنا حبايبي باشوفهم ويشوفوني، فاهمني.
سليم مطمئنا: وقت ماتحبي تشوفي أي حد، أنا هجيبهولك لحد عندك بالعربية، ولو إنتِ حابة تيجي هنا برضو، بالعربية هتيجي تشوفي اللي إنتِ عايزاه، بس مش هينفع تقعدي لوحدك، تعالي اقعدي وسطنا، وعشان حور كمان، ولا إنتِ عايزة تزعليها منك؟
ربعت حور ذراعيها أمام صدرها وعبثت: أيوه يا تيتة! لو مجيتيش تعيشي معانا، هزعل منك يوم ويوم ويوم، ويوم كتير!
ضحكت إسعاد باستسلام: خلاص ماشي يا ولاد، هاجي.
ابتسمت حور بسعادة، واحتضنتها وهي تهلل: هييي!
ضحكت ماسة ونهضت من مكانها بحماس: طب أقوام أنا أحضر لك حاجاتك؟
أومأت إسعاد: اقعدي يا بنتي وارتاحي، متتعبيش نفسك، أنا هقوم اعمل كل حاجه.
هزت ماسة رأسها بحزم: لا والله العظيم، ما إنتِ قايمة من مكانك، أنا اللي هعمل كل حاجة..
ثم أشارت بيدها: دي أوضتك؟
أومأت إسعاد وهي تبتسم، بينما تحركت ماسة ودخلت للغرفة وأخذت نفسا عميقا، ثم بدأت في ترتيب أغراضها.
جلس سليم إلى جوار إسعاد، وقال مبتسما: أنتِ هتنورينا، والمكان هيعجبك أوي.
تدخلت حور بحماس: عندنا جنينة كبيرة يا تيتة، فيها النيل وحمام سباحة أكبر من بتاع النادي، وبابا جابلي لعب كتير وعمو مكي عملي اوضه زي بتاعه سندريلا في الفيلم
إسعاد: ربنا يخليهملك يا حبيبتي.
في الداخل، بدأت ماسة في تجهيز الحقائب والأغراض، وفي تلك اللحظة عادت رحمة، فنظرت إليها إسعاد: خشيلها جوه يا رحمة، هي بتوضب الشنط.
دخلت رحمة إلى الداخل، ثم اقتربت من ماسة ومدت إليها ماتحمله: أنا جبتلك الألبوم.
التفتت إليها ماسة، ونظرت إلى الألبوم بين يديها بلهفة: هو ده اللي فيه الصور؟
جلست رحمة إلى جوارها ومدت إليها الألبوم: أيوه، هو ده.
أخذته منها بيد مرتجفة، وكأنها لا تصدق أن حلم عمرها أصبح بين يديها أخيرا، وقالت بعينين تلمع بالدموع: أنا متوترة أوي، وحاسة إني مخنوقة، إزاي أجمل فترة في حياة أي أم، هعيشها في مجرد صور؟
زمت رحمة شفتيها بحزن: بس لسه عندك وقت انك تبني معها ذكريات، بصي، بصراحة الصور مش كتير، ولا حتى الفيديوهات، بس أحسن من مفيش.
هزت ماسة رأسها، بينما لمعت عيناها أكثر، وبدأت تقلب صفحات الألبوم ببطء.
كانت الصور تجمع حور في مراحل مختلفة من طفولتها؛ مرة وهي لا تزال رضيعة، ومرة بعمر عام، وأخرى بعمر عامين، صور لها وهي تلعب، وأخرى في أوضاع مختلفة، صورة تحملها رحمة، وأخرى تحملها إسعاد.
لكن ما أثار انتباه ماسة حقا، هو عدد الصور الكبير الذي يجمعها برشدي، في أعمار وأوضاع مختلفة، كانت الصور تنطق بحب وقرب كبير؛ هي تحتضنه، وهو يقبلها، يحملها بين ذراعيه وكأنها قطعة منه.
أمسكت ماسة إحدى الصور بيد مرتجفة، كانت صورة له وهو يحتضنها بقوة وهي تقبله من خده، ونظرت إلى رحمة بدهشة.
ماسة: إيه ده؟ كل الصور دي مع رشدي؟
ابتسمت رحمة وهي تنظر للصورة بحنين: آه، هي بتحبه أوي، ومتعلقة بيه جدا، بصراحة كان بيعاملها كأنها بنته بالظبط، أنا أوقات كنت بشك إنها بنته بجد من طريقته معاها.
صمتت ماسة، واتسعت عيناها بعدم تصديق، ثم أومأت ببطء وهي لا تزال تمسك الصورة.
تابعت رحمة بتلقائية: على فكرة، هو معاه صور وفيديوهات كتير أوي ليها، هو كان بيحب يصورها طول الوقت، أصلا فكرة الألبوم دي كانت فكرته هو من الأول.
رفعت ماسة حاجبيها: بجد؟
رحمة: اممم.
عادت تقلب في الألبوم مرة أخرى، حتى توقفت عند إحدى الصور، كانت لحور وهي رضيعة، لا تكاد تتجاوز أيامها الأولى..
ابتسمت ولمست الصورة بأطراف أصابعها بحنان: يا قلب ماما...
رحمه: كان عندها هنا تقريبا أسبوعين، كنا لسه راجعين من التطعيم.
رفعت ماسة عينيها إليها، بابتسامتها تحمل امتنانا صادقا: على فكرة، حور بتحبك اوي، مبتبطلش كلام عليكي وعلى إخواتك، ومن قلبي بشكرك على كل اللي عملتيه معاها.
هزت رأسها بصدق: وأنا والله بحبها اوي، وكنت واخده بالي منها على قد مقدر، مش عشان خاطر رشدي يعني كان بيديني فلوس أو حاجة.
ابتسمت ماسة وربتت على يدها: أنا عارفة، الحب اللي جواها ليكي ده حب حقيقي، مستحيل يكون عشان كنتي واخدة بالك منها بمقابل حاجة..
ثم سألتها باهتمام: هو إنتِ بتشتغلي إيه؟ بتعملي إيه في حياتك؟
أجابتها: أنا ممرضة، بشتغل في المستشفى، وفي عيادة جنبنا.
ابتسمت ماسة بحماس: حلو اوي! طب أنا ممكن أكلم سليم يشغلك في المستشفى بتاعه، عنده مستشفى خاصة وكبيرة جدا، وأكيد هتاخدي فيها مرتب كبير.
ترددت رحمة: بس أنا معهد متوسط، والإنجليزي بتاعي مش قد كده.
ضحكت ماسة بثقة: بقولك جوزي صاحب المكان، متقلقيش، أنا هكلم سليم، ظبطي إنتِ بس ورقك.
ابتسمت رحمة بامتنان: شكرا جدا، والله مش عارفة أقولك إيه.
لوحت ماسة بيدها: مقوليش أي حاجة، أنا اللي بشكرك، ولو عوزتي أي حاجة كلميني علطول هاتي تليفونك.
أخذت هاتفها، وكتبت رقمها، ثم أعادته إليها: ده رقمي، كلميني في أي وقت، تمام؟
أومأت رحمة، بينما قالت ماسة بحماس وهي تنظر إلى الهاتف: ابعتيلي بقى الفيديوهات.
بدأت رحمة في إرسال الفيديوهات إليها، واحدا تلو الآخر، بينما كانت ماسة تتابع وصولها باهتمام، وبعد لحظات، سألتها رحمة: مش هتتفرجي؟
هزت ماسة رأسها بابتسامة: لا لا، هتفرج عليهم مع سليم.
نظرت إليها وتسألت: إنتم هتاخدوا خالتي معاكم؟
أومأت: آه، هناك أحسنلها، بس لما تحبي تيجي، تعالي.
رحمة بابتسامة: إن شاء الله.
ثم نهضت: استني، أساعدك.
وبالفعل ساعدتها حتى انتهوا من تحضير الحقائب، ثم خرجوا للخارج.
ماسة: حبيبي خلي حد ياخد الشنط.
أومأ بإيجاب ثم أشار للحارس حتى يحملون الحقائب
بينما اقتربت رحمة: أنا يا خالتي سبتلك عباية وطرحة بره عشان تغيري فيهم، تعالي أساعدك تلبسي.
إسعاد: تسلمي يا بنتي.
دخلت إسعاد مع رحمة الأوضة، بينما اقتربت ماسة من سليم: كلمهم بقى خليهم يحضرولها أوضة.
أومأ: كلمتهم.
تابعت ماسة: انا قولت لرحمه إنك هتشغلها في المستشفى بتاعتك، عايزاك تصرفلها مرتب كويس، هما بيقولوا إن رشدي كان بيبعتلهم فلوس كل أول شهر وهما أكيد اتعودوا على المبلغ ده.
هز رأسه بإيجاب: هعمل كده من غير ما تقولي.
اقتربت حور: هي كده رحمة هتيجي تعيش معانا؟
نظر لها سليم بلطف: لا رحمة مش هتعرف تعيش معانا عشان هي عندها ماما وبابا وإخواتها، بس وقت ماتحبي تشوفيها هجيبهالك، وهي كمان هتيجي تشوفك.
حور: أنا عايزة أروح أشوف أروى صاحبتي وداليا.
سألها سليم: إنتِ عارفة بيتهم؟
هزت رأسها بإيجاب: أيوه عارفة، احنا كلنا ساكنين هنا.
التفت نحو مكي: معلش يا مكي روح معاها لأصحابها تسلم عليهم، ومتتأخروش علشان نمشي.
نظر لحور: أميرتي هتسلمي عليهم وتمشي علطول اتفقنا.
أومأت: حاضر..
التفتت حولها تتسأل: فين اللعب اللي أنا جبتهالهم؟
تبسمت ماسة وهي تشير بيدها: في الشنطة اللي هناك دي.
أخذها مكي واصطحب معه أحد الحراس الذي كان يحمل الحقيبة، وخرجا معا، وبالفعل، ذهبت حور وسلمت على صديقاتها، وأعطتهن الألعاب التي اشترتها لهن.
وما إن انتهت إسعاد، حتى اقترب سليم من رحمة ومد يده إليها بظرف: خلي المبلغ ده معاكي.
هزت راسها برفض: لا لا مش هاخد حاجة.
تبسم بإصرار: لا هتاخدي، ده مقدم من المرتب بتاعك، ولا مش عايز تيجي تشتغلي معايا ولا إيه؟ من بكره تقدري تيجي تشتغلي ولو احتاجتي أى حاجه كلميني.
أخفضت وجهها بخجل: مش عارفه اقولك إيه، متشكره جدا بجد.
امسك سليم يدها ووضع الظرف بين كفها وقال بحسم لطيف: متقوليش حاجه واسمعي الكلام، أنا زي أخوكي الكبير بالظبط.
كادت أن تعترض، فتدخلت ماسة:ماخلاص بقى يا رحمة، اسمعي الكلام.
اخذتهم رحمه بخجل، فنظر سليم لماسة وإسعاد: يلا إحنا.
وبالفعل خرجوا واستقلوا السيارات وانتظروا حتى جاءت حور، ثم انطلقوا
♥️___بقلمي_ليلةعادل
لمصحة،6م
كان رشدي يجلس داخل غرفته بملامح عابسة، وقد بدا عليه الضجر الشديد، بينما كان أحد الممرضين يمسك بذراعه لمساعدته على تلقي الدواء.
وفي الخارج، كانت فايزة تقف برفقة أحد الأطباء، تستمع إليه بقلق، بينما لم ينتبه رشدي إلى وجودها، بسبب انفعاله وانشغاله بما يحدث حوله.
الطبيب بأسف: للأسف يا فندم، رشدي مش متعاون خالص معانا، وده بيخلي نسبة تحسنه قليلة جدا، والعلاج هياخد وقت أطول.
سألته باستغراب: غريبة جدا ده كان متحمس للعلاج وهو اللي طلب مننا يدخل المصحة.
أومأ مفسرا: هو فعلا كان عنده دافع قوي في البداية، وكان عنده سبب مخليه عايز يتعالج ومتمسك بالعلاج، لكن السبب ده دلوقتي مش موجود!
تغيرت ملامحها وسألته بقلق: طيب، حضرتك شايف إيه؟
أجاب بجدية: أولا، لازم يرجعله الأمل، لازم يفهم إنه بيتعالج عشان نفسه، مش عشان شخص أو ظرف معين وعشان كمان لازم الزيارات تزيد الفترة الجاية.
سألته باهتمام: ليه؟
أجابها موضحا: لأني لاحظت إن أكتر حاجة بيخاف منها إنه يبقى لوحده، دي نقطة حساسة جدا عنده، هو مش بيتكلم كتير، إحنا طبعا بنحاول نعمل معاه جلسات نفسية ونقرب منه، لكن للأسف مش متعاون؟
تنهدت، ثم قالت: تمام يا دكتور، ممكن أشوفه؟
أومأ: طبعا بس من بره، وكلميه من خلال السماعة.
هزت رأسها، ثم تحركت نحو الغرفة الزجاجية
كان رشدي قد تناول دواءه، وجلس على المقعد بهدوء نسبي، وقد بدت عليه علامات الإرهاق.
وقفت أمام الزجاج، وظلت تتأمله للحظات بصمت.
رفع رشدي عينيه بالصدفة، فتوقفت نظراته عليها للحظه، فجأة نهض من مكانه، واتجه نحو الزجاج، وقال من خلفه، دون أن يصل صوته إليها: أنتِ واقفة هنا ليه أمشي؟
لم تسمعه فنظرت له بتعجب، ثم أمسك بالسماعة، وما إن وضعتها على أذنها، حتى جاءها صوته غاضبا: إيه اللي جابك؟ أنا مش عايز أشوفك وشك أمشي من هنا.
قال كلماته، ثم ألقى السماعة جانبا، وأدار ظهره، وتحرك مبتعدا عن الزجاج.
ظلت فايزة واقفة مكانها، تراقبه بصمت، ثم طرقت على الزجاج بخفة مرة أخرى، كان ظلها ينعكس على الأرض أمامه، فاقتربت أكثر، وأخذت تناديه، لكنه لم يكن يسمع شيئا.
توقف للحظة، وأغمض عينيه بضيق، ثم استدار وعاد إليها بخطوات ثقيلة.
أمسك بالسماعة بقوة، حتى برز التوتر في يده، ورفعها إلى أذنه قائلا من بين أسنانه: عايزة إيه؟
أجابته بصوت هادئ، رغم نظراته الغاضبة: عايزة أطمن على ابني، وأشوفه عامل إيه؟
رفع حاجبه بسخرية: جايه تطمني على ابنك؟ هو إنتِ فاكرة إن عندك ابن اسمه رشدي أصلا؟
أخرجت أنفاسا مثقلة: طول عمرك فاكر إن محدش شايفك، وحاطط نفسك في الدايرة دي، لحد ماوصلت للي إنت فيه دلوقت...
صمتت لحظه، ثم تسألت: قولي عامل إيه؟ وليه مش بتاخد العلاج؟
رد بقسوة: ملكيش دعوه.
ردت بنبرة راجية: رشدي من فضلك خد العلاج واتعالج عشان تبقى كويس لنفسك، إنت خسرت مي، بس لسه تقدر تكسب نفسك.
تغيرت ملامحه، وقال بحدة: وياترى معرفتيش أنا خسرت مي ليه؟
هزت رأسها: لا، معرفتش.
قال بعينتين مشتعلتين بإتهمام: بسببكم، أنا كنت جاي عشان أقتلك إنتِ وجوزك، بس للأسف عملت الحادثة..
ضيقت عينيها بتعجب، بينما تابع بتهديد صارم: ولو خرجت من هنا هقتلكم إنتوا الاتنين، عشان إنتوا السبب في كل اللي أنا فيه.
ساد الصمت للحظات، ظلت تنظر داخل عينيه، وكأنها ترى خلف غضبه كل ماعجز عن قوله طوال السنوات الماضية.
أخذت نفسا عميقا، ثم قربت السماعة منها أكثر وقالت بصوت هادئ عقلاني: بص يا رشدي، أنا هكون صريحة معاك، أنا عارفه إني مكنتش الأم اللي إنتوا كنتوا محتاجينها، لاني اتعاملت معاكم زي ما اتعاملت معايا جدتك، فاقد الشيء لا يعطيه..
مدت وجهها بعدم اقتناع: جايز في ناس بتتعلم إنها تدي لغيرها الحاجة اللي اتحرمت منها، لكن أنا للأسف مكنتش منهم..
صمتت لحظة، ثم تابعت بنبرة مهتز قليلا لكنها مازالت تحافظ على ثابتها: أنا مدتكوش الحب والحنان اللي كنتم محتاجينهم، مش عشان كنت مستكتراه عليكم! لكن لأني ببساطة متعلمتهوش، كنت شايفه الطريقه اللي انا بتعامل معاكم بيها صح، لان العواطف الزياده بتضعف، وبتبني شخصيات ضعيفه، وهشه..
تابعت وهي تلوح بيديها باقتناع: مفيش واحد من إخواتك اتعامل بالطريقة اللي إنت كنت محتاجها، ومع ذلك محدش فيهم طلع زيك، إنت الوحيد اللي اخترت طريق مختلف، وانت الوحيد اللي عندك يقين اننا مبنحبكش..
تابعت بنبرة حنونه منطقية: لو أنا مش بحبك، مكنتش دافعت عنك كتير قدام سليم وقدام الباشا، ومكنتش خليت الباشا يديك أكتر من فرصة..
صمت لوهلة ثم تابعت: أنا لو غلطت في حقك، فأنت كمان ظلمت نفسك أكتر وأكتر يا رشدي، لأنك كنت تقدر تختار طريق تاني، لكنك في كل مرة كنت بتختار الطريق الأصعب، ولو أنا غلطت في حقك، فأنا مش ههرب من ده، بس متحاسبنيش لوحدي، إنت كمان ظلمت نفسك أكتر..
لم يتوقع منها ذلك الحديث؛ ظل ينظر إليها بدهشة، فهي المرة الأولى التي تحدثه فيها بهذه الصراحة، وكأن شيئا في طريقتها معه قد تغير.
رفع عينيه إليها وقال باستغراب: إنتِ بتقوليلي الكلام ده ليه دلوقتي؟
أجابته بصدق ونبرة مبحوحة، وكأنها للمرة الأولى تسمح لمشاعرها أن تتحدث: عشان عايزاك تكون كويس، صدقني، أنا زعلانة عليك، ومش حابة أشوفك بالشكل ده..
اقتربت من الزجاج أكثر، وظلت تركز نظرها داخل عينيه، ثم قالت باعتراف صادق: إنت فضلت سنين طويلة بتتعامل بعناد، نقولك يمين تروح شمال، نحذرك من حاجة تعمل عكسها، كنت فاكر إن كل ما تغلط وتتمادى في غلطك هتثير انتباهنا، أو إننا في الآخر هنضطر نقرب منك ونفضل وراك، أوعى تكون فاكر إني مكنتش واخدة بالي، أنا كنت شايفة وفاهمة ألعابك النفسية دي، وعشان كده أوقات كتير كنت بسكت، كنت فاكره إني كده بخليك توقف السلوك الغلط بس للاسف خليتك تتمادى..
تابعت، وكأنها تحاول إزالة اتهاما ظلت تحمله لسنوات: لكن لو ركزت شوية هتلاقينا كنا كتير بنقف جنبك ونحميك، وإنت مشاكلك مكنتش عادية، فلو مكناش مهتمين بيك زي ما طول عمرك مقتنع، كنا سبناك لمصيرك، أو ننفيك زي ما حصل مع أعمامك..
ابتلعت غصتها، ثم أضافت بصدق: كان فيه حلول كتير أسهل من إننا نفضل نلم وراك، لكن إحنا معملناش كده، لأنك ابننا وبنحبك، لازم تصدق إن حمايتنا ليك من كل مصيبة بتقع فيها معناها إننا بنحبك وبنخاف عليك.
هز رأسه رافضا باقتناع تام: كنتوا بتخافوا على سمعه العيلة مش عليا!
أومأت بتأييد: أيوه، كنا بنخاف على سمعة العيلة اللي أنت جزء منها، وحمايتك وحماية اسم العيلة حاجة واحدة..
ظل صامتا للحظات، ثم انخفضت عيناه، وبدأت الدموع تنزل منه دون إرادة، مسح وجهه بسرعة، وقال بصوت مكسور: بس أنا مكنتش عايز كل ده...
رفع عينيه إليها، وكأن الكلمات أصبحت أثقل من أن تخرج منه، حاول أن يتماسك، لكنه تحدث بصعوبة، بنبرة مبحوحة تختنق بالمشاعر: كنت عايزك تطبطبي عليا وتاخديني في حضنك وتقوليلي: «بحبك يا رشدي»، حتى لو فشلت أو غلطت، تقوليلي: 《معلش، المرة الجاية هتنجح، إيه المشكلة لما تفشل؟ أنا عارفه إن عندك حاجات تانية شاطر فيها》
ابتلع كلماته بصعوبة، ثم تابع: زي الأشكال اللي كنت بعملها، فكرتي مرة تقوليلي برافو؟ وتشجعيني أطور من نفسي؟ يمكن الحاجة اللي أنا بعملها دي كانت تنفعنا في تصميم جديدة في تجارة الألماس والذهب..
ارتجف صوته، وأضاف بمرارة: بس إنتِ معملتيش ده، كنتي ديما تقللي مني، وكنتي بتستعري مني، كأني مش إبنك، لدرجة إنك كنتي بتنسيني!
صمت للحظة، ثم أطرق برأسه قبل أن يرفع عينيه إليها من جديد: سبتيني لوحدي في القصر واخداتي أولادك وخرجتكم علشان خايفه علي مظهرك الاجتماعي وسط الناس من شقاوتي، صحيت لقيت القصر كله فاضي، قعدت أنادي وأصرخ، ومحدش كان بيرد عليا..
ارتعشت شفتاه، وكأنه يستعيد ذكرى لم يستطع التخلص منها: عارفة إية اللي حصل وقتها؟! من يومها وأنا بخاف أبقى لوحدي، بقيت عايش بالخوف ده، خايف إن ده يكون مصيري في الآخر..
خفض عينيه، وقال بصوت خافت: عشان أنا عارف إن محدش بيحب رشدي، محدش بيفتكر رشدي، وجودي زي عدمه، لو غبت شهر، محدش هياخد باله أصلا..
اغرورقت عينيها بالدموع من حديثه، بينما واصل رشدي بعينين تحملان وجع سنوات كاملة: عشان كده كنت بعمل كل اللي بعمله ده، مش عشان الشر، ولا عشان ألفت نظر الناس، كنت عايز أفضل في حساباتكم، عايزكم تفضلوا خايفين عليا، عايز أحس إن ليا مكان عندكم، وإنكم مش هتسيبوني..
ارتجفت ملامح فايزة، بينما تابع رشدي بصوت أكثر خفوتا: شوفي إنتِ دلوقتي بتقولي إيه، بتقولي إنك عملتي كل ده عشان تحميني، وإنك كان ممكن تنفيني، بس معملتيش ده؟!
أخذ نفسا متقطعا، ثم قال بقهر: أنا بقى اللي كان واصلني من كل معاملة منك ومن الباشا إني في أي لحظة ممكن أبقى منفي ومحدش بيحبني إني نكرة..
صمت قليلا، ثم أضاف بصراحة موجعة: لما فضلت هنا كام يوم ومحدش سأل عليا... خوفت تكونوا خلاص نسيتوني، وخدتوا قرار إنكم تنفوني وأعيش لوحدي، شوفتي وصل بيا التفكير لفين؟! أنا كنت محتاج شوية حب وحنان وأحس إني موجود مش أكتر!
أغمضت عينيها للحظة، وظلت كلماته تتردد في ذهنها، لم تكن تتوقع أن يكون خلف كل ذلك الشغب خوف قديم من الوحدة، وأن تكون بعض تصرفاته التي طالما رأتها تمردا ومحاولة للفت الانتباه، نابعة من احتياجه لأن يشعر بأنه مهم بالنسبة إليهم.
فتحت عينيها ونظرت إليه طويلا، للمرة الأولى، بدأت ترى تصرفاته الماضية من زاوية مختلفة، وتساءلت في داخلها كم مرة كان ينتظر منها شيئا بسيطا ولم تنتبه إليه.
مررت أصابعها على السماعة دون أن تتحدث للحظات، ثم قالت بخفوت: يمكن إحنا أخطأنا في طريقتنا معاكم، وأنا مش هنكر ده، بس أنا بأكدلك حاجة واحدة: أنا بحبك يا رشدي، وبحبكم كلكم، تعنتي معاك مكانش قسوة، أنا كنت عايزة أخليك قوي، عايزاك تبقى زي إخواتك، متقلش عنهم في حاجة.
صمتت للحظة، ثم رفعت يدها وأزاحت خصلتين من شعرها تساقطا على وجنتيها، قبل أن تضيف بنبرة أكثر هدوءا: كنت عايزاك تتغير لأحسن، وتعتمد على نفسك زي سليم، لكن يبدو إني أخطأت في الطريقة، ومانتبهتش إن اللي كنت فاكرة إني ببنيه جواك كان بيهدمك من غير ما أقصد..!
زمت شفتيها بضيق: ولو في حد فيكم كان واخد مني حب زيادة شوية، فصدقني ده طبيعي إن يكون في ولد مفضل عن ولد، غلطتي إني أظهرت ده بوضوح..
مسح رشدي دموعه لكنه لم يتأثر بحديثها البتة، بينما تابعت هي بحنان ممزوج برجاء: اسمعني لو لمرة وخد علاجك، خليك كويس عشان نفسك، وخلي مي تشوف إنك اتغيرت.
رفع عينيه إليها بسرعة: عايزه تفهميني إن فارق معاكي رجوعي لمي؟!
أجابته بتأكيد: قولتلك قبل كده إني حابه جدا جوازك منها، لأنها غيرتك بشكل كبير وواضح، بس بعد اللي حصل، كان لازم آخد موقف حازم معاها.
رشدي بحدة: متقربيش منها عشان صدقيني هتندمي.
أومأت بضجر: رشدي كفاية، أنا جاية وبحاول أصلح معاك، وبقولك لازم تفوق، ولو شايف إن محدش يستحق ده حتى إنت! خلاص أعمل ده عشان ترجع لمي.
هز رأسه بيأس: مي مستحيل ترجعلي، أنا خسرتها للأبد بعد اللي عرفته.
فايزة باستغراب: عرفت إيه؟
صمت وأدرك في تلك اللحظة أنها ما زالت لا تعرف الحقيقة كاملة، أغمض عينيه للحظة، ثم قال: إني خونتها بعد ماتجوزنا.
أومأت ببساطه: لو على الموضوع ده، بسيطة، فأنا هقدر أتكلم معاها، لكن هي لازم تشوفك اتغيرت الأول، عشان يوم مانتكلم معاها، تكون واقف على أرض صلبة.
ضحك بسخرية: فاكرها عديمه المشاعر زيك، بتعدي الخيانة عادي؟
تغيرت ملامحها، وقالت بحزم: اتكلم بأدب يا رشدي.
ابتسم ابتسامة باهتة: مش كل الستات بتغمض عينها عن الخيانة زيك يا فايزة هانم.
تبسمت بعملية: انا مش عديمة المشاعر او بغمض عيني، أنا ست بتفكر صح!
تنهد وقالت: المهم دلوقتي خد علاجك، وأنا أوعدك إن أنا وعزت هنجيلك باستمرار، انا همشي دلوقتي عايزه المره الجايه لما اجي اعرف إنك بتاخد علاجك بشكل طبيعي، وندخل نشوفك من غير حاجز..
قالت كلماتها، ثم كادت أن تضع السماعة، لكنها توقفت حين سمعت صوته يخرج بلهفة كطفل صغير يخشى عدم عودته أمه: أنا هستناكم، وخلي ياسين ييجي يشوفني، وفريدة كمان.
التفتت إليه، وارتسمت على وجهها ابتسامة مطمئنة، ثم قالت: هنيجيلك يا رشدي، ونخلي إخواتك يزوك أوعدك بده.
وضعت السماعة وتحركت، ظل رشدي يتابعها من خلف الزجاج وهي تبتعد، وكأن جملة واحدة فقط من حديثها استقرت في داخله: هنيجي نطمن عليك!
ولأول مرة منذ دخوله المصحة، لم يشعر بأنه منبوذ وحده.
الفيلا التي يمكث بها مصطفى6م
جلس عائشة وإيهاب في الحديقة، يتحدثان في الهاتف مع ماسة، بينما اقتربت منهم نبيله تتسأل باستغراب: بتكلموا مين، وعايزين مكان إيه؟
نظر إليها إيهاب إليها: كنا بنكلم ماسه، بنطلب منها مكان نعمل فيه مفاجأة لمصطفى وآلاء.
عقدت حاجبيها وهي تجلس: طب واشمعني ماسه؟ بطلوا تطلبوا منها عشان جوزها ميفتكرش إننا بناخد مقابل اللي عملناه معاها زمان؟
عائشة بسرعة: مستحيل ماسة أو سليم يفكروا كده.
نبيلة بجدية: برضوا متطلبيش منها حاجة، كفاية أوي إننا قاعدين في فيلتهم، عايزين منها ايه تانى؟
عائشة بحماس: أصل كنا عايزين مكان حلو لمصطفي وآلاء نعملهم مفاجأه فيه هناك!
عقدت نبيله حاجبيها: مفاجأه أزاى يعني مش فاهمه؟
عائشه بتوضيح: يعني مثلا أنا هقول لآلاء إنه عيدميلاد مصطفي وعاملينله حفله هو ميعرفش، وإيهاب يقول نفس الكلام، والاتنين يروحوا بقي يلاقوا المكان متزين وكله ورد وبالونات، ومحدش هناك غيرهم، فيتحطوا قدام الأمر الواقع ويعترفوا بحبهم لبعض وسط الجو الرومانتيكي ده.
نبيلة بتهكم ساخر: لا والله! فكرة مين دي؟
تبادل إيهاب وعائشة نظرة سريعة، قبل أن يقول إيهاب: فكرة بنتك.
نبيله بتهكم: دى فكره هبله مش حلوه!
ثم تابعت موضحة بعقلانية: الكلام ده ينفع لو الاتنين متجوزين أو بيحبوا بعض وواحد فيهم زعلان من التاني، لكن دول الاتنين محدش فيهم عايز يعترف بمشاعره...
هزت رأسها: وأنا عارفة ابني، لو السما اطبقت على الأرض مش هينطق، لأنه حاسس ان هي مش عايزاه
تنهدت، وتابعت باستهجان: وهي زودت ده عنده لما كانت قافشة الفترة الأخيرة، أنا نفسي اتضايقت منها، وروحت اتكلمت معاها، وقولتلها افتحيلي قلبك وقوليلي مالك، فضلت تقولى مفيش وصممت على الطلاق.
عائشة بابتسامة: خلاص بقى يا ماما قلبك أبيض، البت اعترفت وبتحاول.
اومأت نبيلة: أنا مقولتش حاجة، بس الفكرة اللي أنت بتقوليها دي مش هتنفع.
سألها إيهاب: طب أنت شايفة إيه؟
تنهدت وقالت بحكمة: شايفه إننا نسيب الاتنين يحسوا بمشاعر بعض، هو لازم يحس إنها بتديله مشاعر وبتحبه فعلا، وهي خلاص اتأكدت من مشاعرها، بس برضوا محتاجة تحس إن مصطفى فك شوية معاها، لأن لو كل مرة فضلت تتكلم معاه وهو يرد بكلمتين، هتزهق وهتقولك: كرامتي! ونرجع تاني لنفس الدايرة، لكن اللي إنتوا بتعملوه ده مش هيعمل حاجة.
عائشة باستهجان: طب وهم بقى إن شاء الله هيفهموا مشاعر بعض إزاي؟
تبسمت نبيلة وهي تشرح فكرتها: ببساطة، ترجع زي زمان، لا أكتر ولا أقل، وتسيب قلبها هو اللي يحركها، الموضوع مش تمثيل ولا خطط الموضوع كله مشاعر، وإحنا مهمتنا بس نخلق المواقف اللي تظهر المشاعر.
ثم ابتسمت وهي تتذكر: أنا خدت بالي إنها امبارح لما سمعته بيكلم الدكتورة زميلته، وشها اتغير وجريت عشان تسمع المكالمة، إحنا بقى نخليها تحضر مواقف زي دي كتير، وغصب عنها هتلاقي نفسها بتغير وتسأله: بتكلم مين؟ وبتكلمها ليه؟ وعايزة منك إيه؟ وهو نفس الكلام، نحطه في مواقف تخلي مشاعره تبان، مثلا نقوله إن آلاء من ساعة مارجعت من الامتحان مخرجتش من أوضتها، ونخليه يروح يسأل عليها.
عائشة بمزاح: ما إنت عاملة خطط أهو يا ست ماما!
ضحكت نبيلة: اسمها خلق مواقف تبين المشاعر.
عائشة: يعني ننسى موضوع المفاجاه؟
نبيلة: آه، ملوش لازمة دلوقت.
إيهاب مؤيدا: ماما بتتكلم صح.
ضحكت عائشة: خلاص، نعمل كده، ياكش الحجرين ينطقوا بقي.
فيلا سليم وماسة.4م
توقفت السيارة أمام الفيلا، وخلفها سيارات الحراسة، ثم بدأ الجميع بالترجل.
التفتت ماسة إلى أسعاد بابتسامة ودودة: اتفضلي، إنتِ هتنورينا.
اسعاد بابتسامه: بنورك يا حبيبتي.
تحركت أسعاد خلفها إلى الداخل، لتجد أفراد عائلة ماسة جميعهم مجتمعين، وكأنهم كانوا ينتظرون وصولها.
بدأ الجميع بمصافحتها والترحيب بها، وهم يتعاملون معها بصورة طبيعية، مرددين: الله يسلمك يا خالتي.
وتمكنوا ببراعة من التظاهر أمام حور بأنهم يعرفون أسعاد منذ زمن، حتى لا تشعر بأي شيء غريب أو تكتشف حقيقة الأمر.
أمسكت ماسة يد أسعاد برفق: تعالي معايا اوريكي اوضتك.
توجهت بها إلى إحدى الغرف في الطابق الأول، وكانت تطل مباشرة على الحديقة.
فتحت ماسة الباب وقالت بحماس: دي أوضتك، بصي كده من الشباك.
اقتربت أسعاد من النافذة، ففتحت ماسة الزجاج لتدخل نسمات الهواء: إيه رأيك؟ شايفة الجنينه؟ والهوا حلو أوي هنا.
ثم أشارت إلى الحمام: وده الحمام، والدولاب أهو، وأنا هبعت ليزا دلوقتي تعلقلك هدومك وترتبلك حاجتك.
ابتسمت أسعاد بخجل: شكرا يا بنتي، والله مع إن يعني...
قاطعتها ماسة، وأمسكت يدها: أرجوكي متقوليش حاجة، والله ما هتحسي لحظة إنك غريبة هنا، احنا كنا زيك كده على قد حالنا لولا أن سليم اتجوزني، موضوع كبير هبقى احكيهولك بعدين، اعتبري نفسك في بيتك، واتعاملي براحتك، أنتِ زي ماما بالظبط..
هزت أسعاد رأسها بابتسامة خجولة: ربنا يعزك يا بنتي.
ربتت ماسة على يدها: ارتاحي دلوقتي، وأنا هبعت حد يظبطلك هدومك، بعد اذنك.
نهضت ماسه وتحركت للخارج، بينما تنهدت أسعاد ونظرت من حولها بسعادة
في الخارج
خرجت ماسه تتسأل بدهشه: أمال حور واخواتي فين؟
أجابها سليم: قاعدين في الجنينه.
بينما تسألت سعديه بفضول: عملتي إيه عند الدكتوره يا ماسة؟ قالتلك بنت ولا ولد؟!
ابتسمت ماسة: ولد.
اتسعت عينا سعدية، ثم رفعت يديها: ما شاء الله! الله أكبر، الله أكبر!
وانطلقت زغرودة منها، رن صداها في الفيلا بأكلمها.
بينما ربت مجاهد على ظهرها بحنان: مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك.
ابتسمت ماسة: الله يبارك فيك يا بابا.
سعدية بحماس: والله أنا قولتلها مناخيرك كبرت الفتره دى، فأكيد ولد مصدقتنيش!
تبسم سليم: الحمد لله، المهم إنه يكون كويس.
نظر إليه ماسة بمشاكسة: قولهم إن فرحتك بجاسر فضحت ميولك الفلاحيه الذكريه.
ضحك سليم عاليا، بينما قالت سعديه مدافعه: أيوه طبعا حقه يفرح مش ولي العهد اللى هيتسند عليه في المستقبل إن شاء الله.
رفعت ماسة حاجبيها بتهكم ساخر: دافعي عنه ياختي، طول عمرك معاه ضددي، كانك أمه..
احاط سليم سعدية من كتفها وقبل رأسها: ربنا يخليها ليا، الله اكبر من عينيكي الزرق دول.
ضحك الجميع، بينما قالت سعدية: طب يلا اطلعوا غيرو هدمكم وارتاحوا، عقبال ماحضر الغدا، هي صحيح كده الحاجه إسعاد هتقعد معانا علطول؟
أومأ سليم: اه، إن شاء الله.
ماسة برجاء: والنبي يا ماما، خديها كده واقعدي اتكلمي معاها، عشان هي مكسوفة اوي
سعدية: عيني.
صعد سليم وماسة إلى الأعلى، متجهين إلى غرفتهما، بينما اتجه مجاهد لابناءه في الجنينه، وسعديه للمطبخ.
في الأعلي
ما إن دخلا الغرفة، حتى جذبها سليم إلى أحضانه بقوة، وأغلق الباب بيده.
نظرت إليه باستغراب في البداية، ثم ضمته وظل هكذا لدقائق، ثم ابتعدت لحظة وهما لا يزالان متلاصقين، فلفت ذراعها حول رقبته، ومررت أصابع يدها الأخرى على لحيته وقالت بنعومة: ده اسمه إيه بقى؟
أجابها بابتسامه عاشقه: اسمه فرحة، وسعادة، يعني معرفتش أعمل أي حاجة معاكي واحنا في العيادة عشان حور والدكتور، أنا مبسوط أوي.
وضع يده على بطنها: أخيرا هيبقى عندي ابن.
قالت باستغراب ممزوج بدلال: للدرجة دي مبسوط إن هيبقى عندك ولد؟
أومأ موضحا وهو يمرر اصابع يده على بطنها: مش قصة ولد وبنت، أنا مبسوط إن هيبقى عندي عيلة كبيرة، فيها الولد والبنت، هي تكون أمه وأخته والحنان، وهو يكون الأب والاخ، سندها وأمانها، يكملوا بعض..
تبسمت، وأخذت تتأمل ملامحه للحظات بعشق وكأنها تتشرب ملامحه، فسألها: بتبصيلي كده ليه؟
قالت بدلال: بتوحم عليك، عشان يطلع قمر شبهك وعيونه خضرا.
ضحك عاليا: تاني؟
ضحكت بدلال: تاني وتالت ورابع؟ اقتنع بقى إن عينك خضرا؟
قرصها من أنفها بدلال: مش عسلي مخضر يعني؟
ضحكت وعضت أصبعه بمزاح: لأ، شلهاء.
ضحكا معا، فقد تذكرا حوارهما القديم عن لون العينين.
أنزل سليم يده وأحاط خصرها وقربها منه أكثر وقال بعينين لا ترمش: مخدتيش بالك من الدكتورة لما قالت لنا النهاردة افراج.
تمايلت بين يديه بدلال وهي تعض اسفل شفتيها وقالت: أيوه أخدت بالي.
صمتت لوهلة ثم قالت: بس اللي في دماغك مش هيحصل يا كراملتي
رفع حاجبه بمزاح: ليه يا حبيبتي؟ عندك موانع ولا إيه؟
ضحكت وهو تمرر اصابع يدها على لحيته بنعومة: عشان حور.
رفع كتفه ببساطه: تنام في أوضتها.
زمت شفتيها بأسف: مش هترضى، امبارح مرضيتش تنام غير في حضنك.
هز رأسه بإصرار: لا هتنام النهاردة في أوضتها، أو حتى ننيمها مع مامتك أو مع أختك، مليش دعوة.
اتسعت عينيها برفض: أكيد يعني مش هروح لماما أو أختي وأقولهم خلوا حور تنام معاكم النهاردة، هتبان أوي وهتكسف.
ضحك بجرأة: أنا بجح، هقولهم أنا عادي.
لم تتوقع هذا الرد، فضحكت: يخرب عقلك!
جذبها من خصرها حتى كادت أنفاسهما أن تختلط وقال بعشق: أعمل إيه؟ وحشتيني، موحشتكيش ولا إيه؟
قالت بهمس ودلال متقطع: لا وحشتني أوي أوي.
اقتربت وطبعت قبلة رقيقة على جانب شفتيه، فالتقت أعينهما في لحظة عشق وشوق للحظات
تبادلا النظرات طويلا، ثم اقترب أكثر، وتبادلا قبلات هادئة عاشقه مشتاقة للحظات.
شعرت ماسة أنه لن يتوقف، فابتعدت عنه قليلا: استنى يا سليم..
نظر إليها بشوق وصدر يعلو ويهبط من فرط اللحظه: لا مش هنستنى.
مد يده وأغلق الباب بالمفتاح، وسحبها برفق إلى الحائط أحاطها بذراعيه، ونظر إليها نظرة مليئة بالشوق والحنان، والرغبة ثم وضع شفتيه على شفتيها وتبادلوا قبله ساخنه مشتاقه و و
وبعد وقت..
كانا على الفراش، يغطيهما نصف غطاء، وعلى وجهيهما هدوء يوحي أنهما انتهيا للتو من لحظة حميمة خاصة بهما.
كانت ماسة نائمة على صدره، وهو يحيطها بذراعه، ويسند رأسه على رأسها، ثم قال بصوتٍ هادئ: كنتي وحشاني أوي لسه مشبعتش منك.
رفعت عينيها إليه، وهي تمرر يدها على صدره: وانت كمان وحشتني أوي، وبرضو مشبعتش منك.
سليم بابتسامه مشاكسه: خلاص احنا بالليل هننيم حور عند طنط، أنا هقول لسعدية خلي حور معاكي النهاردة، وهي هتفهم وهتعمل معايا أحلى واجب.
ضحكت: آه، أنا أمي معاك في أي حاجة ضدي، حاسة إنها أمك انت.
أومأ بتأييد: أيوه، ربنا يخليهالي.
أمسكت يده وظلت تتأمل ملامحه بعينين عاشقتين: أنا بحبك أوي يا سليم، حاسة إني محتاجة قلب فوق قلبي عشان يكفيك، وأعتقد برضوا مش هيكفيك.
نظر إليها بعشق، ومرر يده على شعرها، وطبع قبلة على رأسها ثم استنشق عطرها: وانا محتاج عمرين على عمري عشان بس اقدر اوصل انا بحبك قد إيه يا احلى واطعم قطعة السكر.
جذبها إلى حضنه بقوة: أنا بحبك وبموت فيكي.
ضحكت بين ذراعيه، ثم دفعته بخفة: طب يلا بقى نقوم، قبل مابنتك تقفشنا.
ضحك ونهضت ثم حملها فجأة بين يديه، فشهقت: يا مجنون نزلني!
قال وهو يتوجه بها إلي المرحاض: أنا اللي هديكي الشاور بنفسي.
بعد وقت...
كانت العائلة مجتمعة في الحديقة المطلة على النيل، ومكي معهم وبالطبع إسعاد، وقد امتلأت الأجواء بالضحكات والأحاديث العائلية.
جلست ماسة إلى جوار سليم، بينما أحاط سليم ظهرها بذراعه، وتشابكت أصابعهما معا، كانت ماسة تضحك من حديث سعدية، بينما جلست حور بالقرب منهم تلعب بألعابها، تارة تركض في الحديقة وتارة تعود إليهم وهي تضحك.
وبعد قليل، اجتمع الجميع حول مائدة الغداء في الحديقة، وبعد الإنتهاء اخذت حور تلعب أمامهم.
ظلت ماسة تراقبها بابتسامة، ثم قالت فجأة وهي تتابعها بعينين شاردتين: حبيبي
التفت إليها: نعم؟
ترددت للحظة، ثم قالت بحزن خفيف: أنا متضايقة أوي.
سألها باهتمام: ليه؟
أشارت بعينيها إلى حور: عشان قطعت حاجات السونار بتاعتها، كنت نفسي أحطها مع صور جاسر، أنا كنت غبية أوي ياريتني احتفظت بيهم.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم ابتسم بهدوء: تعالي معايا.
نظرت إليه باستغراب: فين؟
نهض ومد يده إليها: تعالي بس.
قادها إلى داخل الفيلا، ثم توجه بها إلى مكتبه أخرج مفتاحا صغيرا من درج مكتبه، واتجه إلى الخزنة.
نظرت إليه بفضول: إيه ده؟
ابتسم دون أن يجيب، ثم فتح الخزنة وأخرج منها صندوق خشبي صغير ووضعه أمامها، ففتحته ببطء، وما إن رأت مابداخله حتى اتسعت عيناها.
كان هناك السونار القديم، وبعض الأشياء الصغيرة التي تخص طفولة حور، إلى جانب دبدوب صغير احتفظ به منذ سنوات.
رفعت عينيها إليه بصدمة ممزوجة بالفرحة: إيه ده يا سليم؟
أجابها بهدوء: مهانش عليا أرمي أي حاجه تخصها، كنت محتفظ بيهم في اوضه فيها حاجات قديمه في الفيلا، ولما اشتريت الفيلا دي جبتهم هنا.
صمت لحظه، ثم قال بتأثر: فضلت محتفظ بيهم كل السنين دى وأنا معتقد إن دى آخر حاجه باقيه لى منها.
ظلت ماسة تنظر إلى الأشياء أمامها، ثم احتضنته بسعادة: الله يا سليم بجد كويس إنك عملت كده.
ابتسم وربت على ظهرها: كان قلبي حاسس هيجي الوقت وهتحتاجي تشوفيهم، ايه رايك نعلقهم على الحيطه مع صور جاسر زي المره اللي فاتت.
ابتعدت عنه قليلا، ونظرت إلى السونار والدبدوب، ثم قالت بخوف: لا أنا مش عايزة أرجع أعلق الصور في الأوضة، بصراحة أنا اتشائمت منها بعد اللي حصل.
أومأ بتفهم وهو يمسح على خدها بحنان، تابعت بحماس: بس ممكن نعمل ألبوم كبير، ونحط فيه صور السونار بتاعها مع جاسر.
ابتسم سليم: موافق جدا، اعملي اللي إنتِ عايزاه.
ثم ابتسم بمكر: أنا بقول الحق أروح اقول لسعديه بقي، قبل ماتطلع تنام.
ضحكت وامسكت ذراعه بسرعة: لا يا سليم! مش قدام الكل كده، وبالطريقة دي تفضحنا! استنى لما تبقي لوحدها طيب.
قبلها من خدها: أمرك يا ماستي الحلوة.
صمت لحظة، ثم قال: أنا أصلا بفكر أجيب حد يساعد في الاهتمام بحور، سحر مش هتقدر عليها طول الوقت.
رفعت حاجبها بمزاح: كلام ده هناك في القصر هنا مفيش الكلام ده يا حبيبي؟ أنا هاخد بالي من بنتي.
ضحك مفسرا: وده الطبيعي، بس فكري فيها...
قال بنبرة ونظرة ذات مغزى: لو عايزين نقعد سوا شوية، أو أقرألك حدوته قبل النوم، لازم يبقى في حد معاها بدل ماتيجي تقطع علينا نص الحدوته.
فهمت مقصده فقهقهت عاليا: أنت ملكش حل يا سليم!
تابع: ولو حبينا نخرج سوا ونقضي وقت حلو، برضوا لازم يبقى في حد يهتم بيها، مامتك وإخواتك مش دايما هيكونوا فاضيين لها.
أومأت بتأييد: عندك حق يا كراميل.
سألها: تعرفي حد كويس عندكم في البلد؟
أومأت: بصراحة أنا معرفش حد، بس ماما تعرف ناس كتير، هي لحد دلوقتي بتروح البلد علطول وعارفة كل الناس هناك.
ابتسم: خلاص، هكلمها، وإن شاء الله لما الدنيا تهدى شوية، آخدك وآخد حور ونروح البلد، ونختار حد مناسب.
ابتسمت ماسة: إن شاء الله.
عادا إلى الحديقة، وقضيا بقية اليوم وسط العائلة، بينما ظلت حور تركض وتلعب بينهم، وكلما مرت بجوار والديها كانت ماسة تفتح ذراعيها فتندفع نحوها، ثم تعود إلى لعبها من جديد.
ومع حلول المساء، بدأت أجواء الفيلا تهدأ تدريجيا، حتى جاء وقت النوم.
دخلت حور الغرفة وهي تحمل دبدوبها، ثم اتجهت نحو سرير ماسة وسليم: أنا هنام معاكم النهارده كمان.
وقبل أن تجيب ماسة، ظهرت سعدية عند الباب: لا يا حبيبتي، تعالي نامي معايا النهارده.
نظرت إليها حور: ليه؟
ابتسمت سعدية: عشان أحكيلك حواديت كتير، إيه رأيك أحكيلك حدوته الفرخة اللي بتبيض دهب؟
اتسعت عينا حور بحماس: حلو دي؟
ضحكت سعدية: اوي يلا بسرعة.
نظرت حور إلى ماسة، ثم إلى سليم، وقالت باستسلام لطيف: ماشي خلاص بكره هنام جنبكم.
ضحكت ماسة وقبلت رأسها: تصبحي على خير يا حبيبتي.
ركضت حور نحو سعدية، ثم التفتت قبل أن تخرج: بس بكرة تحكوالي إنتوا كمان حدوته!
ضحك سليم: حاضر يا أميرتي.
خرجت حور مع سعدية، وأُغلق الباب خلفهما، بينما تبادل سليم وماسة نظرة قصيرة، ثم انفجرا بالضحك.
اقترب سليم منها وقال بنبرة ذات معنى: تعالي بقى يا ماستي الحلوة، أحكيلك حدوتي أنا، ثم سحبها إليه، و...و
في صباح اليوم التالي، ألغى سليم كل أعماله واتصالاته، فقد أراد أن يكون اليوم لماسة وحدها، احتفالا بخبر حملها في صغيرهم، قضى اليوم بأكمله إلى جوارها في الحديقة، يضع يده على بطنها، ويتحدث إلى جاسر، بينما كانت حور تتنقل حولهما بمرح، كان يوما هادئا، وكأنهما ابتعدا عن العالم بكل ما فيه.
وفي المساء، أعطى سليم أوامر لرجاله بإخراج عماد من المكان الذي كان محتجزا فيه
منزل عماد وسارة القديم10م
دخل عماد مستندا إلى الجدار بجسده المنهك، يجر قدمه بصعوبة، والدم الجاف يلطخ وجهه وثيابه، وصل إلى المقعد وجلس عليه، ثم أخرج هاتفه بيد مرتعشة واتصل بأحد رجاله: احجزلي أول طيارة لروما، وتعالي هنا حالا، وهات معاك مسكنات قوية.
أنهى المكالمة، ثم أسند رأسه إلى ظهر المقعد، ولم تمضِ دقائق حتى غلبه الإعياء.
على اتجاه اخر
كانت سيارة متوقفة أمام العمارة، بداخلها رجلان يراقبان المكان، التقط أحدهما عدة صور لعماد وهو يدخل، ثم أجرى اتصالا: عماد لسه داخل دلوقتي وصلته عربية فيها شوية رجالة ومشيت، بس هو نزل مش قادر يسند نفسه، صورتلك كذا صورة وهبعتهملك حالا.
بعد وقت
وصل جابر إلى الشقة، وبيده حقيبة صغيرة، وجد عماد جالسا بصعوبة، فوضع أمامه المسكنات.
جابر بقلق: مين اللي عمل فيك كده يا عماد بيه؟
أخذ عماد حبوب المسكن بسرعة: هات ميه.
دخل جابر وأحضر له الماء، فتناول الحبوب سريعا، ثم شرب الماء دفعة واحدة.
نظر إليه بعدها وسأله: حجزت الطيارة؟
أومأ: أيوه، بكرة الساعة12ص
أومأ عماد، ثم أخرج هاتفه واتصل بسارة، لكنها لم تجب، فتنفخ باختناق.
روما/ في إحدى المزارع
وقف إريك أمام أهداف الرماية، ممسكا ببندقيته، بينما وقف تيمو إلى جواره، وأحاط بهما عدد من الحراس.
رن هاتف إريك، فأجاب وظل يستمع بصمت، وكانت عيناه تضيقان بين لحظة وأخرى بنظرة غامضة، قبل أن يقول: حسنا، أرسل إلي كل جديد.
أغلق الهاتف، ثم وضع البندقية جانبا، ونظر إلى تيمو قائلا: كما قلت لك، لقد تحدث عماد، سليم تركه منذ ليلة أمس، وقد جاءه طبيب، كما أنه حجز تذكرة عودة إلى روما، هل يعقل أن يحدث كل ذلك وسليم لم يعرف وتركه حيا؟ بالتأكيد تحدث عماد.
سأله تيمو: وماذا ستفعل؟
ابتسم إريك ابتسامة باردة وقال: سأرسل إليه رسالة تجعله يجن، سأتركه ينتظر قليلا، ثم أعطيه ما يستحقه
تيمو بنبرة سيكو: ولماذا لا تنتظر حتى يأتي إلى هنا؟ عندما يفتح باب منزله، يجدهم أمامه مذبوحون.
هز إريك رأسه: لا لا أريده أن يأتي إلى هنا، سأقتله في مضجعه، لكني سأجعله يتذوق الخوف أولا.
ثم نظر إلى أحد الحراس وأمره: جهزوا السيارات، سنغادر حالا.
وبالفعل، تحركت السيارات، حتى وصلوا إلى مخزن واسع تحيط به مجموعة من الحراس.
دخل إريك، فوجد سارة وأطفالها مقيدين، وقد بدت على وجوههم علامات الرعب.
ابتسم إريك ابتسامة باردة: لا تخافوا، سنلتقط صورة صغيرة لوالدكم.
أخرج هاتفه، والتقط لهم صورة، ثم سجل مقطعا قصيرا، قبل أن يغادر المكان، وبعد لحظات، أرسل المقطع إلى عماد.
في اتجاه آخر، في مصر
كان الليل ثقيلا في الشقة، جلس عماد على طرف السرير، جسده يرتجف، عرقه بارد، وعيناه غائرتان من التعب، بينما جابر يميل فوقه، يفرغ الحقنة ببطء في وريده.
أغمض عماد عينيه من الوخزة، وتنهد تنهيدة موجوعة.
انتهى جابر، ومسح مكان الحقنة بقطنة، ثم اقترب منه وربت على كتفه بقلق: هتقدر يا باشا تسافر؟ ولا تستنى لحد ماترتاح شوية؟ شكلك مش قادر تقف على رجلك حتى.
هز رأسه بإصرار: لا، لازم أرجع لسارة والولاد، لازم أطمن عليهم، محدش بيرد علي من الصبح، قلبي مقبوض يا جابر، حاسس إن في حاجة غلط.
وقبل أن يكمل كلمته، اهتز هاتفه على الطاولة، رسالة.
نظر إلى الهاتف باستغراب، أضاءت الشاشة ثم خفت ضوؤها.. رقم غريب، لكنه يعرفه جيدا... رقم إريك.
فتحها سريعا، وقلبه يدق بعنف.
وما إن ظهرت الصورة أمام عينيه حتى تجمد الدم في عروقه، اتسعت عيناه على آخرهما، شفتاه ترتعشان، وكأن الصدمة سلبت منه القدرة على الكلام، والتنفس.
كانت صورة لسارة وأولاده.
صرخ، صرخة خرجت من أعماقه مذبوحة: لا...إريك، لا!
انتفض جابر واقترب منه بقلق: في إيه يا باشا؟ مالك؟ حصل إيه؟
لم يجيبه، بل رفع الهاتف إلى أذنه بيد مرتعشة، يطلب تيمو مرة واثنين وعشرة، لكن الخط مغلق.
فتح محادثة إريك، وضغط على زر التسجيل الصوتي، وصوته يرتجف، والدموع تنهمر بلا توقف: أرجوك يا إريك... أرجوك اسمعني، أنا لم أتحدث! أقسم لك أنني لم أتحدث! سليم لم يعرف شيئا، أنت فهمت الأمر خطأ، لقد أخذني بسبب الأسهم التي أعطيتها لتيمو، وبسبب المخدرات التي كنت أعطيها لصافيناز، لا أكثر، أنا رجلك يا إريك، لقد كنت رجلك طوال تلك السنوات الماضية.
شهق باكيا، وصوته يتكسر: إذا أردت معاقبة أحد، فعاقبني أنا... اضربني، اقتلني، افعل بي ما تريد، لكن سارة وأولادي لا ذنب لهم..
تابع بتوسل، وهو يضم ركبتيه إلى صدره: أرجوك، اتركهم وشأنهم، وسآتي إليك، أقسم لك أنني سآتي إليك بقدمي، فقط دعهم وشأنهم...
انتهى التسجيل وهو يجهش بالبكاء؛ بكاء رجل قوي انكسر فجأة تحت وطأة الخوف والعجز، ثم سقط على الأرض من شدة الانهيار، وقد استقرت جبهته على البلاط البارد، وجسده ينتفض بعنف.
لم يصله أي رد، علامتان زرقاوان فقط... تمت القراءة.
فتح هاتفه مرة أخرى بأنفاس متقطعة، وبدأ يكتب إلى تيمو، وكانت أصابعه تخطئ الحروف من شدة ارتجافها: أنت وعدتني بالحماية... وعدتني بأنهم لن يقتربوا من عائلتي...
ثم أرسل الرسالة.
وبعد ثانية واحدة فقط، ظهرت أمام عينيه كلمة واحدة كانت كفيلة بقتله من الداخل: تم الحظر.
فقد وضعه تيمو على قائمة الحظر.
هنا انفجر كل شيء بداخله، صرخ بغضب ويأس، وضرب الحائط بقبضته حتى أدماها: يا ولاد الكلب... كلكم ولاد كلب! أعمل إيه دلوقتي؟ أعمل إيه؟ محدش هيقدر عليهم...
صمت فجأة، ووضع رأسه بين يديه، يهمس لنفسه كالمجنون، وعيناه شاخصتان إلى السقف: فكر يا عماد، فكر.. فكر
اقترب منه جابر: قول بس يا باشا إنت عايز إيه، وإحنا معاك، نقدر على أي حد.
ضحك عماد بمرارة ورفع عينه نحوه: أي حد إيه؟ دول محدش يقدر عليهم... دول اللي مشغلين اللي مشغلك.
جابر بسرعة: طب خد، كلمهم من رقم غريب يمكن يردوا..
أخذ عماد الهاتف وحاول الاتصال، رغم أنه كان يعلم في داخله أن المحاولة بلا أمل، لكن لم يجبه أحد.
لم ينتظر أكثر، ونهض بصعوبة، متحاملا على ألمه، وتحرك نحو الخارج، بينما أسرع جابر خلفه: يا باشا، استنى!
دخل المصعد أولا، وبدأ يهبط بلا توقف، بينما كان قلبه يحترق من الألم، فلم يعد الألم الذي كان يشعر به في قدمه بسبب تلك الإصابة سوى شيء بسيط أمام ما يعتمل داخله من وجع.
خرج من المصعد، وتوجه نحو السيارة.
صعد عماد السيارة، وجلس جابر خلف المقود: عايز تروح فين؟
صاح عماد: اطلع بس اطلع.
تحرك جابر، بينما ظل عماد يحدق أمامه شاردا، يكرر بصوت خافت: أعمل إيه؟ أعمل إيه؟
ظل يحاول الاتصال بإريك وتيمو، مستخدما كل رقم يمكنه الوصول إليه، لكنه لم يتلق أي رد، أخذ يفكر فيما يمكنه فعله، كان يشعر وكأن حية تلتف حول عنقه وتخنقه ببطء، وكأنه يموت شيئا فشيئا. لم يكن يعرف إلى أين يذهب، ولا إلى من يلجأ لينقذه؛ فلم تعد هناك قوة قادرة على الوقوف في وجه إريك وتيمو الآن.
وفجأة، اتسعت عيناه، وكأنه تذكر شيئا... سليم!
تذكر الرجل الذي أبقاه حيا، ورفض أن ينهي حياته رغم كل ما فعله. كان يعلم أن سليم هو الوحيد القادر على إنقاذه؛ فهو بينه وبينهم ثأر، كما أنه لا يزج بالأطفال الأبرياء في أي شيء.
أمسك هاتفه، ثم توقف: بس أنا معيش رقم سليم الجديد أعمل إيه؟
حاول الاتصال بمكي، ثم عزت، ثم فايزة، لكن لا أحد أجاب.
صرخ بيأس: اطلع على المجموعة!
وبالفعل، اتجه جابر إلى المجموعة، دخل عماد مسرعا وهو يجر قدمه، ثم أخذ يسأل عن سليم وعزت وفايزة، لكنه لم يجد أحدا منهم.
وحين علم أن ياسين موجود، أسرع إليه، دخل مكتب ياسين دون استئذان، كان ياسين يجلس مع أحد الموظفين، فرفع رأسه بضيق: إيه اللي دخلك هنا؟ اطلع بره.
اندفع عماد نحوه، وأمسك يده وقبلها: أبوس إيدك يا ياسين... قولي سليم فين؟
نظر إليه ياسين بدهشة وشيء من القلق: في إيه يا عماد؟
هز عماد رأسه، والدموع تملأ عينيه: مفيش وقت! سليم فين؟ قولي عنوان بيته.
أومأ ياسين بإيجاب: طيب، طيب... اهدى، هقولك.
وبالفعل، أعطاه العنوان، فانطلق عماد مسرعا، بينما ظل ياسين واقفا ينظر خلفه باستغراب، ثم أخرج هاتفه واتصل بسليم: بقولك يا سليم في موقف غريب كده حصل، عماد...
علي اتجاه آخر، أمام فيلا سليم القديمة؟!.
توقفت سيارة عماد أمام الفيلا، وضغط جابر على كلاكس التنبيه، فأشار أحد الحراس إلى البوابة، وكأنه كان يعلم بوصوله.
فتحت البوابة، ودخلت السيارة.
استقبلهم عشري، وبدأ بتفتيش عماد وجابر، بينما كان عماد يقول بتوتر: معيش حاجة يا عشري، أنا مش جاي أعمل حاجة... أنا عايز أقابل سليم بس.
عشري بحزم، وهو ينظر إلى جابر: إنت هتستنى هنا، هو هيدخل لوحده.
دخل عماد إلى المكتب، فوجد سليم جالسا بهدوء، وبجواره مكي.
وما إن رآه حتى اندفع نحوه بتوسل وذل: أبوس إيدك يا سليم، ساعدني! اعمل فيا اللي إنت عايزه اسجني، موتني، اعمل أي حاجة، بس ساعدني!
نظر إليه باستغراب، وقال بجمود: أساعدك؟ أساعدك ليه؟
عماد والدموع تملأ عينيه بانكسار: إريك خطف سارة وولادي... هيقتلهم.
رمش سليم بعينيه، محاولا ألا يهتز أو يضعف، ثم قال بثبات: وأنا مالي؟ مش إنت اللي اخترت تترمي في حضنهم؟ مش إنت اللي كنت واقف قدامي من كام يوم وبتقولي إن تيمو وإريك هيحموك؟
هتف بضجر ومرارة: طلعوا خونة ولاد كلب؟
سليم بهدوء معاتب: لسه واخد بالك؟ اللي بيرمي نفسه في حضن المافيا، ده بيكون مصيره.
هوى عماد على ركبتيه، وأمسك بساق سليم بتوسل وقهر اب: أبوس رجلك هما ملهمش ذنب، ولادي ملهمش ذنب، اقتلني أنا، اعمل في اللي إنت عايزه، بس سيبهم، وحيات بنتك يا سليم ساعدني، ولادي لا.
نظر إليه سليم طويلا، وخفق قلبه، وحاول أن يجمد قلبه، وذكر نفسه بأن هذا الرجل الذي يقف أمامه الآن ذليلا؛ هو الرجل نفسه الرجل الذي حاول قتله أكثر من مرة، وحاول النيل من شرف زوجته، وحرمه من ابنته لسنوات، فقال بجمود: امشي يا عماد، أنا مش هعملك حاجة، وإنت عارف ده، واستحالة أدخل نفسي في مشاكل عشان واحد زيك، إنت بتذوق من نفس الكاس اللي سقيته لغيرك، وده مصير أمثالك يا عماد.
بكى عماد بحرقة، كرجل مقهور خسر كل شيء، ولم يعد يحتمل فكرة أن يرى حكم الإعدام ينفذ في أبنائه.
نهض بصعوبة، ومسح دموعه، ثم تحرك نحو الخارج بخطوات مثقلة.
ظل سليم يراقبه بصمت، وقلبه يعصف داخله، تبادل نظرة سريعة مع مكي، وكانت النظرة وحدها تحمل الكثير، فقد كان كلاهما يعرف أن الأمر لم يكن يتعلق بأبناء عماد؛ لم تكن الخطة تهدف إلى إيذائهم، بل كان هدفهما عماد وحده، ومع ذلك، بدأ شيء ما في داخلهما يهتز، وبدأ كلاهما يرغب في مساعدته،لكن حين التقت عيناهما، أراد كل واحد منهما أن يقول للآخر: لا تساعده.
وظلا صامتين، وكأن أيا منهما لم يستطع أن ينطق بها.
أغمض سليم عينيه لحظة، وهو يجز على أسنانه، وكأنه يستوعب القرار الذي اتخذه رغم صعوبته؛ كان يعلم أنه القرار الصحيح. فرغم ما ارتكبه عماد في حقه من أفعال مشينة، لم يكن سليم مثله؛ فعندما يتعلق الأمر بأبناء، لا ذنب لهم في أخطاء آبائهم، لا يمكنه أن يسمح بأن يدفعوا ثمن صراعات الكبار.
تنهد بعمق، ونهض مسرعا، وخرج خلف عماد، الذي كان قد وصل إلى الحديقة ووقف هناك كأنه فقد القدرة على الحركة، والهاتف في يده.
ناداه سليم: استنى يا عماد! هساعدك بس مش عشانك، عشان أني مش هحب إن الأولاد يحصلهم حاجة في خناقه ملهمش ذنب فيها.
في تلك اللحظة استدار عماد ببطء، وكانت يده ترتجف بشدة، سقط الهاتف من يده، انهمرت دموعه، ثم هوى إلى الأرض وأطلق صرخة مدوية مزقت سكون المكان
تجمد سليم ومكي في مكانهما، فاندفع سليم نحوه، والتقط الهاتف من الأرض، ثم نظر إلى الشاشة واتسعت عيناه في صدمة
أمسك سليم الهاتف، وما إن نظر إلى الفيديو حتى تجمدت ملامحه، ظهرت سارة، ومازن وكارما، ملقين على الأرض، فقد كانوا مذبحون مغرقون في دمائهم.
اتسعت عيناه بصدمة، واغرورقتا بالدموع،وانقبض قلبه بألم.
وقف مكي خلفه، وما إن رأى الفيديو حتى تبادل نظرة حزينة مع سليم، ثم التفتا إلى عماد الجالس أرضا يبكي بحرقة.
شعر سليم بوجع حقيقي من أجله؛ فليس هناك ما هو أقسى على الإنسان من أن يرى أبناء مقتلون بوحشية، في تلك اللحظة، لم يكن للشماتة مكان، ولا كانت يوما من شيمتهم.
اقترب سليم منه بخطوات بطيئة، وانحنى قليلا، وقال بصوت خافت: أنا آسف يا عماد.
رفع عماد عينيه إليه ببطئ، وقال من بين دموعه بمرارة: أكيد شمتان فيا.
أومأ سليم بنفي صادق قائلا بنبرة هادئة: مستحيل أشمت فيك، صافيناز قالت لي إنك مارضيتش تموت بنتي، وإنها ماهنتش عليك، أكيد ده شيء عندي كبير، صدقني كان نفسي أساعدك، رغم كل اللي عملته فيا، بس ماكنتش أتمنى النهاية دي.
أومأ عماد بصمت، ابتلع غصة مؤلمة قال بصوت متهدج بندم: سامحني يا سليم، أنا حقيقي ندمان، سارة قالتلي كتير: كفاية خلينا نمشي، بس طمعي كان عاميني، وده كان الثمن..
سكت للحظات، ثم نظر إليه بعينين منكسرتين اضاف: هما هيقتلوني، وأنا عارف، فخد بالك من مريم وزين، أنا عارف إنهم مش ولادي، لكني بحبهم، أنا عشت معاهم سنين بربيهم، وأنا فاكرهم ولادي، وحبيتهم بجد..
ارتجف صوته أكثر: كنت هاخدهم معايا، يمكن ربنا خلاني أتأخر علشان مايحصلهمش نفس اللي حصل..
قالها بدموع وشجن: زي ماحصل لمازون وكارما،
خد بالك منهم يا سليم، هما مالهمش ذنب، ماتخليش إريك يموتهم، ولا تخليهم مع صافيناز خليهم معاك، علشان مايكنش ده مصيرهم لما يكبروا يموتوا على إيد المافيا.
قالت كلماته تلك، نهض ببطء، وتحرك مبتعددا
اقترب منه جابر: رايح فين يا باشا.
ألتفت اليه عماد بنبرة محشرجة: عايز أكون لوحدي إنت مهمتك انتهت.
تابع عماد طريقه بخطوات ثقيلة متثاقلة، كأنه يعرف جيدا إلى أين يمضي« إلي الموت».
ظل سليم ومكي ينظران إلى آثاره، وقد خيم الأنين على ملامحهما.
مسح سليم وجهه ثم قال بصوت مخنوق: أنا مش عارف أنا ليه حاسس بالخنقة دي، رغم إن عماد عمل فيا كتير، بس فكرة إن الاولاده اتاخدوا منه بالطريقة دي وجعتني.
ربت مكي على كتفه قائلا بهدوء: طبيعي إنت إنسان، عندك قلب لازم تتأثر.
مسح دمعته، ثم تنهد بحزن وأضاف: ودي النهاية المتوقعة لأي واحد زي عماد.
أومأ سليم بإيجاب: خلينا نمشي.
وبالفعل، تحرك سليم برفقة مكي والحراس، ركبوا السيارة وأثناء تحركهم، رن هاتفه؛ كان المتصل ياسين.
أجاب سليم: ألو.
جاءه صوته قلقا: إيه يا سليم عماد كان عايز إيه؟! أنا اضطريت أدي له عنوان الفيلا القديمة، عشان عارف إن الجديدة مينفعش حد يعرف مكانها ها فيه إيه؟
أجابه بصوت مثقل: مفيش مراته وولاده اتخطفوا. كان بيطلب مني مساعدته.
رد باستغراب: مراته وولاده؟
أجابه بتأكيد: أيوة، وولاده من ن سارة.
سأله بقلق: وإيه حصل؟!
رد باقتضاب: إريك دبحهم.
ياسين بصدمة: يانهار أبيض! طب هتعمل إيه؟! دلوقتي؟
تنهد سليم، وأسند رأسه إلى المقعد: مش عارف يا ياسين، مش قادر أفكر دلوقتي. عموما، إنت مالكش دعوة بالحرب دي، إنت بعيد عنها.
ياسين بقلق: أنا خايف عليك.
سليم محاولا طمأنته: ما تخافش، أنا كويس، ها أروح وأبقى أكلمك، أصلا أنا كنت عايزك علشان عايز نالا تتعرف على حور.
عقد ياسين حاجبيه باستغراب: حور مين؟
سليم بضحكة ساخطة: ما أنا بنتي طلعت عايشة! هبقي أفهمك لما أشوفك. سلام.
أنهى سليم المكالمة قبل أن يتمكن ياسين من الرد، أسند رأسه إلى مقعد السيارة، وشيء ثقيل يضغط صدره، كأنه لم يستطع تجاوز ما حدث الأبناء عماد.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
أحد شوارع القاهرة3م.
كان عماد يسير في الشوارع كالمجذوب، تائها ودموعه لا تتوقف،صورة زوجته وأولاده غارقين بدمائهم لا تفارق ذهنه، والفيديو يعيد نفسه أمام عينيه.
يستعيد ما حدث، يتذكر كل أخطائه التي تراكمت فوق صدره دفعة واحدة، ليدفع ثمنها الآن بأقسى صورة.
لم ينتبه للسيارة التي تراقبه عن قرب، وحين وصل لشارع هادئ، توقفت السيارة، وأُخرج رشاش من نافذتها، انطلقت طلقات مباغتة استقرت في ظهره.
اختفت السيارة، تاركة عماد غارقًا بدمائه، بينما تعالت أصوات الناس حوله.
أحد المستشفيات الخاصة4م.
غرفة المناظير
مصطفى يجري منظارا لأحد المرضى، وقد بدا عليه الإرهاق من طول ساعات العمل، وما إن خرج المريض من الغرفة، حتى دخلت إحدى الطبيبات، ذات الوجه الجميل سمر، تحمل بين يديها كوبين من القهوة.
قالت بإبتسامة: عملتلك قهوة.
أخذها منها وقال بطريقته المعتادة: جاتلي في وقتها شكرا.
وفي تلك اللحظة، نظر إلى الممرضة التي كانت قد دخلت خلفها قال مصطفي: ماتقوليليش إن عندي حالة تانية؟
ابتسمت: لا يا دكتور، دي كانت آخر حالة.
أومأ بإيجاب وهو. يجلس على مقعد مكتبه: تمام، نص ساعة وهكون في العيادة.
سألته سمير: عندك عيادة كمان؟
تنهد وقال بتعب: للأسف بس أنا محدد ١٠حالات بس.
جلست سمر بابتسامة: ربنا معاك،. تعرف ماكنتش عارفة إنك متجوز؟
أومأ وهو يرتشف من قهوته: آه، فعلا متجوز.
ابتسمت: قالوا لي كمان إنك لسة متجوز قريب، يعني لسة عريس مبروك.
قال بابتسامة لم تصل إلى عينيه: الله يبارك فيكي، المهم، إنتِ لسه حاسة بالغربة؟
أومأت: يعني شوية.
وفي أثناء ذلك، طُرق الباب، ودخلت آلاء، نظرت سمر إليها باستغراب، بينما رفعت آلاء حاجبيها بغيرة قالت: مساء الخير.
سمر بحده: دخلتي كده إزاي من غير ماحد يبلغ الدكتور؟
أجابتها بتهكم: المطلوب استأذن وأنا داخلة على جوزي؟!
توقف سمر بحرج: أنا آسفة جدا، عاملة إيه؟ أنا لسة كنت بتكلم مع الدكتور عنك، إني يعني لسة عارفة إنه متجوز قريب وكدة، مبروك.
آلاء بغيرة مبطنه: الله يبارك فيكي، عقبالك ولا إنتِ متجوزة؟
أومأت بنفي: لا، أنا مش متجوزة.
آلاء بزدارء: إن شاء الله تتجوزي قريب.
ابتسمت سمر بلطف توقفت: ميرسي، طيب أسيبكم بقى على راحتكم، بعد إذنكم.
غادرت سمر، بينما ظلت آلاء واقفة أمام مصطفى، الذي ينظر إليها باستغراب.
تحركت آلاء وجلست وهي تسأل: هي مين دي؟
أجابها على مضض: دكتورة سمر.
سألته وهي تحاول أن تخفي غيرتها: ودكتورة زميلتك ماله أدخل وأنا مخبطة ولا وأنا مش مخبطة؟
ضيق عينيه باستغراب: مش فاهم! وبعدين إنتِ إيه إللي جابك هنا؟
تبسمت بهدوء وقالت بنبرة ناعمة: إيه المشكلة يعني لما أجي؟ أصل قولت أعدي عليك وأنا راجعة من الجامعة؟
مال برأسه متسأل بتعجب: هي أكيد مش مشكلة، بس محتاج أفهم السبب.؟!
حكت في خدها بتوتر: عادي يعني، كنت قريبة.
رفع حاجبه بسخرية: قريبة!! ده اللي هو إزاي؟ إيه جاب الجيزة لمدينة نصر؟
رمشت بعينيها وقد زاد توترها وهي تبعث بأهداب فستانها: عادي يعني يا مصطفى؟ خلصت اللي الامتحان وقلت أعدي عليك نروح سوا، إحنا بقالنا كتير مانشوفش بعض ومابنتكلمش، وكمان كنت عايزة أعتذرلك عن الفترة اللي فاتت، يعني ماكنتش بتعامل معاك أحسن حاجة وكمان أشوف المستشفي اللي بتشتغل فيها؟!
تأملها وهو يتحرك بالمقعد يمينا ويسارا، وكأنه يحلل طريقتها، قال بنبرة غير مصدقة: بس كده؟
ابتلعت ريقها: آه، بس كده.
ثم أضافت باستهجان: وبعدين إنت لازم تبطل طريقتك دي مع الدكاترة صاحباتك، عندك مشكلة جامدة، محتاج تغير أسلوبك مع الجنس الناعم؟؟
توقف عن التحرك بالمقعد: مش فاهم؟
مالت نحوه بتوضيح: طريقتك مع الدكاترة صاحباتك والممرضات، مش حلوة بتتكلم معاهم بلطافة
زايدة حتى الهزار ماينفعش، إنت راجل متجوز، لازم تحط حدود.
رد بتهكم ساخر، وهو يرفع حاجبه: بس أنا كنت فاكر إن جوازنا مجرد إتفاق، مش ده كلامك.
هزت رأسها سريعا، تحاول أن تبدو ثابتة: ما هو آه، إتفاق، بس يعني لحد ما ينته لازم برضو تحترم ده وتحط حدود، ولا إيه؟
ظل ينظر إليها للحظات، وكأنه يزن حديثها ثم تنهد وقال: أنا عندي مرضى دلوقتي ولازم أروح أكشف عليهم.
نهض من مكانه وتحرك نحو الباب، ثم توقف وألتفت إليها سألها: هتستني هنا ولا هتروحي؟
نهضت وتحركت نحوه وهي تقول: لا هاجي معاك، أتعلم وأستفيد.
نظر إليها باستغراب، وعقد حاجبيه: تستفيدي من إيه؟ إنتِ مابتحبيش الباطنة.
اقتربت منه حتى توقفت أمامه، وهي تنظر داخل عينه بابتسامة تحاول فيها أن تقول كل شيء داخلها: ما هو أنا حبيتها منك، وقررت أدخل القسم ده وأبقى معاك وأساعدك.
ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم مال برأسه قليلا نحوها، وقد زاد استغرابه، وبدت الحيرة في عينيه: هو في إيه؟
ابتلعت ريقها قالت بتوتر يفضحها: فيه إيه؟ في إيه؟
مال نحوها أكثر حتى أصبح في مستواها، وقال بنبرة هادئة ذات معنى: يعني المعاملة متغيرة... لا وكمان بتغيري، أوعى تكوني فاكرة اني مش واخد بالي! ها فيه إيه؟
أهتز ما بداخلها، وتوترت أصابعها وهي تجيب بسرعة: مفيش حاجة.
اقترب منها خطوة أخرى، وهو يراقب ارتباكها باهتمام مال أكثر حتى اختلطت أنفاسهما: متأكدة إنه مفيش؟
عادت خطوة إلى الخلف، وابتلعت ريقها وقليها يخفق بسرعة بسبب ذلك القرب، هزت راسها بإيجاب: أيوة، مفيش.
نظر إليها لثوانٍ، وكانه مستمتع بارتباكها، فجاه ارتسمت على شفتيه إبتسامة جانبية ثم انتصب في وقفته وأبتعد عنها، قائلا بنبرة هادئة: يبقى مفيش، أنا رايح أكشف على المرضى، وإنتِ خليكي هنا، أقعدي ذاكري أفيدلك مادام مفيش يا لولو.
قال كلمته تلك، ثم خرج إلى الخارج.
ظلت آلاء تحدق في الباب تفكر كيف تحدث معها بتلك الصراحة، ثم ضغطت على أسنانها بتوتر وهي تتمتم بغيظ: ماشي يا مصطفى ماشي.
وفي الخارج، كان مصطفى يتحرك في الممر، والابتسامة ترتسم على شفتيه؛ فهو يعرف جيدا وكيف يلاعبها.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل.
فيلا سليم وماسة5م
كان سليم مستلقيا على صدر ماسة، ويدها تمر على شعره وظهره بحنان، تحاول التخفيف عنه.
ماسة بهدوء ونبرة حنونة: حبيبي إنت مالكش ذنب في اللي حصل، إنت ماكنتش تعرف.
أغمض عينيه للحظات، ثم قال بصوت مثقل معارضا: لا يا ماسة، أنا عارف الناس اللي زي دول بيتعاملوا إزاي! مابيحاسبوش الشخص لوحده؛ بيوجعوه بأقرب حاجة ليه، ويفضلوا يتفرجوا عليه وهو بيموت قصادهم بالبطيء.
أومأت بتفهم ثم قالت بعقلانية: بس هو اللي كان لازم يحميهم، مش إنت، إنت كنت هتعمل لهم إيه طيب؟ هتحميهم إزاي؟ هو أفتكر إنه جوة أنيابهم هيلاقي الحماية، لكن أنيابهم أول ما غدرت! غدرت بيه هو..
تنهد بصوت خافت، ثم قال دون أن يرفع رأسه بشعوره بالذنب: يمكن لو ما كنتش فكرت في فكرة إني أسلم عماد لإريك، كان ممكن مايحصلش كدة لأولاده!
هالت وهي تمرر يدها على لحيته وكأنه أبنها وتريد أن لا تعجبه يعاقب نفسه: حبيبي، ماتشيلش نفسك ذنب مش ذنبك، عماد هو اللي اختار يدخل الطريق ده، وزي ماقولتلك، إنت ما كنتش تعرف، ولا حطيت في نيتك إن ده ممكن يحصلهم، وبعدين ما هو أكيد عارف أنهم لما بيقلبوا على حد بيحصل له إيه؟! هو مش عبيط، بس طمعه عماه خلاه بيفكر إنهم ها
يشتروه.
سكتت لحظة، وظلت يدها تمر بين خصلات شعره، ثم قالت بهدوء: وأعتقد بعد اللي حصل ده، المفروض يخليك توقف كل اللي عايز تعمله.
ظل صامتا للحظات، ثم تنهد واعتدل وجلس أمامها، ونظر إليها بعينين أنهكهما كل ما مر: مافيش حاجة تانية هعملها يا ماسة، اللي كنت عايزه عملته، كنت بكرة هقدم للنيابة اورق تدين عماد، بس بعد اللي حصل بقيت متردد.
مد شفتيه جانبا قليلا وهو يضيف: يعني بعد اللي حصل له، بقيت متردد أكمل ولا كفاية عليه كدة! أصلا هما مش هيسيبوه يعيش، ولو سابوه عايش، هيبقى عقاب ليه، أكبر بكتير من عقاب الموت..
ثم هز رأسه بتعب، وكأنه أنهكته كل تلك السنوات، وما حملته من أحداث، وقال بصوت خافت وهو يمسك يدها: أنا خلاص مابقتش عايز أعمل حاجة تاني، إنتِ عندك حق، لازم أفكر في المستقبل وأرمي الماضي ورا ظهري، اللي عملته أو اللي كنت هعمله مش هيرجع سنين عمري اللي راحت مننا، لازم أفكر أستمتع وأستثمر كل ثانية جنبك، إنتِ وحور والبيبي إللي جاي
راغت عيناه بالدموع، ومد يده ووضعها على خدها بحنان، وقال بصوت متهدج وهو يركز النظر داخل عينيها: أنا كل اللي عايزه دلوقتي إننا نعيش مع بعض مبسوطين وبس، من غير خوف ولا مطاردات، نعوض كل ثانية، راحت مننا، مش هننسى كل حاجة، بس هنسيب اللي فات ورا ضهرنا، هنركز في البيبي إللي جاي وفي حور، وبس.
نظرت إليه ماسة بعينين امتلأتا بالراحة، فاقترب منها وسحبها إلى حضنه، وضمها إليه بشدة، وكأنّه للمرة الأولى منذ وقت طويل يسمح لنفسه بأن يختار السلام.
المزرعة التي تمكث بها منى،5م.
في حديقة المزرعة، وسط الخضرة، كانت منى تجلس برفقة تيم ومراد، بينما ارتسمت علامات الاستغراب على وجهيهما.
مراد بضجر: يعني إيه يا ماما تطلقوا؟ إزاي تاخدوا قرار زي ده من غير ماترجعوا لنا؟
ردت بهدوء: بقالنا فترة بينا مشاكل كتير، وحاولنا نحلها أكتر من مرة، بس ماقدرناش، وفي الآخر شوفنا إن ده القرار المناسب لينا.
قطب تيم حاجبيه، وقال بقلق: بس بابا تعبان جدا بيشرب كتير، ودايما قاعد في أوضته، وحالته صعبة.
أخفت ابتسامتها الشامتة وقالت: طبيعي يا تيم إحنا بقالنا عشر سنين، أكيد الموضوع مش هيعدي عليه بسهولة.
هز تيم رأسه باعتراض، وقال بحزم: إحنا مش موافقين خالص على اللي بيحصل، إحنا بقينا كبار، مش صغيرين عشان تاخدوا قرارات تخص حياتنا من غير منعرف.
نظرت إليه بثبات، وقالت بحسم: تيم، القرار اللي أنا وباباك خدناه مش هينفع نرجع فيه، فلو سمحتوا، أحترموا قرارنا، المهم دلوقتي إنكم تاخدوا بالكم من شغلكم ودراستكم، وماتخلوش الدراسة تأثر على الشغل.
سكتت لحظة، ثم تابعت بنبرة أكثر جدية ممزوجة بطمع: ولازم تبقوا جنب جدكم الفترة دي بالذات، دي الفترة اللي هتقدروا تثبتوا فيها إنكم فعلا من عيلة الراوي، وإنكم تستاهلوا المكانة إللي إنتوا فيها، الحرب والصراع مع أولاد عمامكم وعمتكم مش هيكون سهل، ولازم تبقوا قد المسؤولية وتكسبوها، أنا دايما هفضل جنبكم وادعمكم لازم واحد فيكم يكون الامبراطور الجديد ومن دلوقتي لازم تحطوا الموضوع ده في دماغهم حتى لو لسه بدري عليه.
ثم نظرت إليهما وسألتهما: قولي لي سليم بييجي؟
أجاب مراد: تيم عنده امتحانات الفترة دي، أنا اللي بروح، آه سليم بييجي، بس مش كتير.
منى بهدوء: تمام لما يجي كلمني وقول لي عشان محتاجة أتكلم معاه، بس بس ماتقولش لحد
أومأ مراد بإيجاب ثم تابعت: ركز في شغلك يا مراد، وخليك جنب جدك حتى لو لسه ماكملتش ١٨سنة وأخوك ماكملش ١٦بس إنتم لازم من دلوقتي تاخده وضعكم.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يسأل مراد بتردد:
طب مافيش أمل إنك إنتِ وبابا ترجعوا لبعض وتصلحوا إللي بينكم؟
نظرت منى أمامها للحظات، ثم أجابت ببرود حاسم:
لا.
تبادل تيم ومراد نظرة حزينة، بينما ظلت منى صامتة، تخفي خلف ملامحها الهادئة شيئا آخر تماما.
فهي لم تكن تنظر إلى طلاقها باعتباره نهاية زواج...
بل باعتباره بداية الطريق الذي اختارته للانتقام.
الفيلا التي يمكث بها مصطفى6م
دخلت آلاء الفيلا، وكان مصطفى خلفها بخطوات قليلة.
وما إن وقعت عينا عائشة عليها، حتى أشرقت ملامحها، ونهضت تستقبلها بحماس.
مصطفى بإبتسامة: إيه يا شوشو؟ عاملة إيه؟
ابتسمت عائشة وهي تجيبه: الحمد لله يا صاصا، إنتوا جايين سوا؟
أجاب باقتضاب: إنتِ شايفه إيه؟ أنا هروح أتغدى، علشان عندي عيادة الساعة تسعة.
قالها وهو يتحرك مبتعدا، تاركا خلفه عائشة وآلاء تنظران إلى أثره لوهلة،ثم التفتت عائشة إلى آلاء، وسألتها بابتسامة متحمسة: إيه الأخبار؟
عبست آلاء وجهها: زفت.
قطبت عائشة حاجبيها باستغراب: ليه كده؟
آلاء وهي تعقد ذراعيها: رحت له زي ماتفقنا، بس كان بيتعامل معايا بطريقة جافة جدا.
ثم أشاحت بنظرها بضيق، وأضافت: بس دي مش المشكلة.
عائشة: أمال المشكلة إيه؟
مدت آلاء وجهها بتعجب: فضل يقرب مني ويقول لي: «هو فيه إيه؟ التغييرات دي سببها إيه؟ وفيه غيرة وحاجات كدة؟ أوعي تكوني فاكره إني مش واخد بالي»
اتسعت ابتسامة عائشة، وقالت بحماس: طب حلو أوي!
نظرت إليها آلاء باستنكار: حلو إيه؟!
ضحكت عائشة: يا مجنونة! ده معناه إنه واخد باله منك ومن تصرفاتك. قولي له بقى إنك بتحبيه، وعايزة تصلحي الهبل اللي عملتيه.
أحمر وجه آلاء فورا، وهزت رأسها بسرعة: لا طبعا! أتكسف أقول الكلام ده.
ضربت عائشة كفا بكف وهي تضحك: يخرب بيت الكسوف! هنفضل كده لحد إمتى؟
نظرت إليها آلاء بحيرة، ثم سألت: إنتِ لو مكاني، كنتي هتعملي إيه؟
عائشة دون تردد: هصرخ في وشه وأقول له: «أنا بحبك يا حمار!»..
ضحكت آلاء رغما عنها، بينما تابعت عائشة: طبعا أخويا مش حمار، بس قولي له يا حمار عادي وقتها..
ثم أشارت بأصابعها بتنبيه: ولعلمك مصطفى هارشك، بس واضح إن في حاجة في دماغه.
عقدت آلاء حاجبيها بقلق: حاجة زي إيه يعني؟
هزت عائشة كتفيها: ماعرفش، بس واضح إنه فاهم إن فيه حاجة، ومستني يشوف هتوصلي لإيه.
تنهدت آلاء وهي تخفض عينيها: أنا مش عارفة أعمل إيه؟!
ابتسمت عائشة وربتت على يدها: كملي على اللي بتعمليه بس، وهي شكلها قربت.
الاء بتسأل: قربت ازاي ؟
عائشة وهي تغمز لها: مادام واخد باله تبقى قربت بشوف كدة في الروايات.
تنهدت آلاء بحيرة، دون أن تنتبه أي منهما إلى أن مصطفى الذي يتوقف خلف أحد الأبواب القريبة، وقد توقف في مكانه منذ لحظات، كان يستمع إلى كل كلمة، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة، وكأنه حصل للتو على الإجابة التي كان ينتظرها.
أحد المستشفيات الخاصة7م
كانت عائلة عماد، والده ووالدته وأشقاءه وشقيقته يقفون أمام غرفة العمليات، وقد بدت على وجوههم علامات الخوف والقلق والألم.
كان جابر يقف معهم، بينما نظر إليه فيصل وسأله: عماد مقالكش مين اللي عملوا فيهم كده؟
هز جابر رأسه نافيا: لا، ماقاليش، كل اللي قاله إن هما كبار أوي، و راح لسليم الراوي علشان يساعده، بس للأسف كانوا قتلوا مراته وولاده، بعدين مشي، ومارضيش ياخدني معاه أنا كنت وراه من بعيد بس ماعرفتش أعمل حاجة.
صاحت به والدته همت: إزاي ماتدخلش إزاي؟
تدخل فيصل، وقال بحدة: مش من رجالته يا همت ، ده واحد، إبنك مأجره علشان يساعده بالقرف اللي كان بيعمله..
تابع بضجر شديد وهو يلوح بيديه: كذا مرة طلبت منه يبطل اللي بيعمله ده، وقلت له إن اللي معانا مش قليل، لكنه كان طماع في كرسي الراوي، أكيد المافيا صفته.
اقتربت همت وأمسكت كتفه وهي تبكي: فيصل ده مش وقته، المهم عماد يبقى كويس بيقول لك سارة، ومازن وكارما اتقتلوا عارف يعني إيه؟!
فيصل باختناق وهو يعود بظهره على الحائط: أكيد عارف.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يُفتح باب غرفة العمليات ويخرج الطبيب، فتوجهت إليه العائلة بسرعة.
الطبيب بجدية: لازم تدوني موافقتكم على العملية فورا.
نظر إليه فيصل بقلق: موافقتنا على إيه؟
تنهد الطبيب وقال: للأسف، الرصاصات اخترقت منطقة حساسة جدا، وقريبة من النخاع الشوكي، حالته حرجة، وممكن تحصل مضاعفات خطيرة، ولو عاش، فهناك احتمال كبير إنه يعاني من شلل ومشاكل حركية دائمة.
ساد الصمت اللحظات بحزن،ثم تقدم فيصل دون تردد، وقال بحزم: أعمل العملية، وأنا همضيلك على كل الإقرارات.
أومأ الطبيب ودخل إلى غرفة العمليات من جديد.
ظل فيصل واقفا مكانه، ثم مرر يده على وجهه في ضيق واختناق، وقال بصوت مكسور: ضيعت نفسك يا عماد، وضيعت ولادك معاك، وبرضو ماوصلتش لسهم واحد من أسهم عيلة الراوي، اللي فضلت سنين بتخطط علشان تاخدها.
تبادلوا النظرات فيما بينهم بحزن وأسف، وقد أثقل الصمت ملامحهم.
فيلا سليم وماسة11م.
غرفة حور
كانت ماسة ممددة تحتضن حور وتمرر يدها على شعرها، بينما جلس سليم جوار السرير ممسكا بيد حور يستمع للحكاية، كان مستمتعا بالحكاية وكأنه طفل صغير.
ماسة وهي تواصل الحكاية: وبس يا ستي... وفضل الذئب عايش في الغابة مع الكلب والقطة والأرنب، وكانوا دايمًا ياخدوا بالهم منه، يدوق الحنان والأمان، ولما كبر الذئب وبقي قوي، بقى هو إللي يحميهم، من أي حد يقرب منهم من الحيوانات المفترسة، إللي يقف قصادهم بيقول لهم دول إخواتي عيلتي، وعدت الأيام والشهور لحد ما الذئب لقى أهله، رجع لهم وعاش معاهم، وعاشوا كلهم مبسوطين الأرنب والقطة والكلب ها أشوف كلهم مع بعض.
ثم ابتسمت وقالت: توتة توتة، خلصت الحدوتة.
اتسعت عينا حور بإعجاب وقالت بحماس: حلوة أوي! أنا عايزة ذئب زي ميلو.
سليم مبتسما: هجيبلك ذئب، حاضر.
رفعت حور رأسها وسألته بفضول: هو الذئب موجود فين؟
ضحكت ماسة، بينما أجابها سليم: موجود في الغابات، وكمان في البلاد إللي فيها تلج.
اتسعت عينا حور أكثر قالا بحماس: أنا عايزة أشوف التلج واتزحلق عليه زي الفيلم.
نظر إليها سليم بدهشة، بينما انفجرت ماسة في الضحك قال معلقا: حتى دي كمان واخداها منها؟! أقول إيه بس؟! نفسي تفرحيني وألاقي حاجة مني.
ماسة بتهكم ساخر: طالعة امتلاكية زيك يا حبيبي،
ده بكل اللي واخداه مني.
ضحك سليم ثم انحنت نحو حور وقبلت جبينها:
يلا نامي يا حبيبتي، وإن شاء الله قريب هنروح نشوف التلج، تلعبي فيه وتعملي كمان راجل التلج.
هزت حور رأسها بإيجاب، ثم نظرت إلى سليم:
تصبح على خير يا بابا.
اقترب منها سليم وقبّل خدها: وإنتِ من أهله يا قلب بابا.
ثم قبلت حور خد ماسة، وعادت لتستلقي بجوارها، بينما ظلت ماسة تمسح على شعرها حتى هدأت أنفاسها وبدأت تغفو.
ظل الأثنان بجوارها لبعض الوقت، حتى اطمأنا إلى نومها، ثم تحركا بهدوء نحو غرفتهما.
وأثناء ذلك، رن هاتف سليم، نظر إلى الشاشة، ثم تنهد بضيق وقال: ده عرفان... أكيد عنده أخبار زفت. ما بيكلمنيش غير في الأخبار الزفت.
تبسمت ومسحت على كتفه بتهوين بينما فتح سليم المكالمة: أيوه يا عرفان؟
جاءه صوت عرفان متوترا: سليم بيه، ضربوا عماد بالنار، وراح المستشفى، وحالته حرجة جدًا. الدكاترة بيقولوا إن احتمال يحصل شلل
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يقول سليم بجدية:
تمام، بلغني بأي جديد.
أنهى المكالمة، فاقتربت منه ماسة وسألته بقلق:
في إيه؟
تنهد سليم: عماد اتضرب بالنار حالته حرجة.
أومأت ماسة بهدوء، ثم مررت يدها على كتفه وقالت: مش قلت لك؟ انتقام ربنا عظيم ده إسمه العدل.
تنهد سليم، ثم أومأ قائلا: عندك حق... بقولك، عندك مانع نجيب مريم وزين يعيشوا معانا؟
ابتسمت وهي تومئ برأسها: لا طبعا، كويس إنك فكرت كدة، حتى يلعبوا مع حور. أنا فاكرة إن الولاد دول كانوا مؤدبين أوي.
ابتسم ومسح على كتفها: تمام يا حبيبتي، يخلصوا امتحانات وهجيبهم. هما في القصر بأمان، وهضاعف عليهم الحراس، وهننبه الباشا..
تأملها بامتنان: شكرا يا ماسة.
أومأت باستغراب: بتشكرني ليه؟! هما ملهمش ذنب، وربنا هيدينا ثواب كبير.
ابتسم سليم، واقترب منها ووضع قبلة طويلة على جبينها، ثم أمسك كفها وقال: طب تعالي ننام، أنا تعبان أوي.
ابتسمت ماسة: يلا.
بعد وقت...الساعة3:00فجرا.
كانت ماسة تجلس إلى جوار سليم، وهو مستغرقا في نوم عميق، بينما أمامها صينية كبيرة من الطعام تضم محشي مشكل وبط ومخلل، وكانت تأكل منه بتلذذ واضح.
تحرك سليم أثناء نومه، ومد يده نحوها، وكأنه يبحث عنها، لكنه وجد مكانها فارغا.
انتبهت له، فابتسمت ومدت يدها نحوه.
أمسك سليم يدها وقربها منه، وقبلها دون أن يفتح عينيه، لكن ما إن وصلت رائحة الطعام إلى أنفه حتى تبدلت ملامحه فجأة.
فتح عينيه وقال بنعاس: إيه ده؟ إيه الريحة دي؟
بدأ ينهض من مكانه، ثم أشعل الأباجورة الموجودة بجوار السرير، ونظر إليها.
ابتسمت له ابتسامة واسعة: صحيت؟
دعك سليم عينيه، ثم بدأ يستوعب ما أمامه.
إنتِ بتاكلي؟
أجابته ماسة تضع ورق عنب في فمها ببساطة: آه.
في مشكلة؟
جلس سليم، ونظر إلى الصينية، ثم إلى الساعة الموضوعة على الكومودينو، وعاد ينظر إليها بعدم تصديق: بتاكلي محشي؟
أشارت إلى الطعام: أيوة تحفة خدلك صباع.
رفع حاجبه: الساعة تلاتة الفجر، وإنتِ قاعدة تاكلي محشي!
أجابته وهي تكمل أكلها: جعت... وهفتانة.
ضحك بعدم تصديق: جعانة وهفتانة، تاكلي ساندوتش جبنة، مش محشي وفراخ!
نظرت إليه بضيق مصطنع: إنت بتعد عليا الأكل ولا إيه؟ مالكش دعوة، آكل اللي أنا عايزاه، بعدين ده بطمش فراخ.
ظل ينظر إليها للحظات وهي تاكل بشراه، ثم قال باستسلام: أنا عايز أعرف جبتي المحشي ده منين؟ إحنا النهاردة ما كناش عاملين محشي.
ابتسمت بفخر: ما إحنا بكرة عاملين محشي، فخدت حبة في حلة صغيرة، وخدت صدر من البطة وسويته، إيه رأيك؟
ظل محدقا بها في صمت، وكأنه لا يعرف ماذا يقول ثم قال بذهول: هو إحنا مش المفروض عدينا المرحلة دي؟
ضحكت: لا، المرحلة دي بتفضل موجودة لحد ما أولد ولا عايز الواد يطلع فيه محشيايا في وشه
ولا كوساية في مناخيره.
هز رأسه بيأس وهو يضحك: لا إزاي مايرضنيش، كلي يا ماسة... براحتك. كلي.
تبسمت وهي تطلع لسانها بمشاكسة: ما أنا هاكل.
ثم مدت يدها أسفل السرير وأخرجت زجاجة مشروب غازي، وبدأت تشرب منها.
نظر إليها بدهشة، ثم انفجر ضاحكا: وإيه كمان؟!
ضحكت وهي تكمل أكل: ببلع مابلعش.
سليم بمزاح: بلع يا أبو دوما بلع..
بظب ينظر إليها وهو يضحك، مستسلمًا تمامًا أمام شهيتها الغريبة التي قررت أن تستيقظ في الثالثة فجرا وتتناول المحشي.
وبعد أن انتهت ماسة من طعامها، نهضت بهدوء، وغسلت فمها ويديها، ثم عادت إلى الغرفة واتجهت إلى الفراش.
استلقت بجواره، وما إن وضعت رأسها على الوسادة حتى بدأت تقترب منه وتداعبه بدلال، تارة تمسك بيده، وتارة تعبث بشعره، حتى نظر إليها سليم وهو يضحك: إنتِ فكرّتيني بأيام حور بس كان في فرق.
نظرت إليه باستغراب: فرق إيه؟
ابتسم وهو يتذكر: وقتها كنتي بتقوليلي ابعد عني. متقربيش مش طليقه ريحتك.
ضحكت وهي تدفعه بخفة: قريب هعمل فيك كده.
ضحك سليم وهو يقول برجاء: ابوس ايدك لا، أنا مستعد اصحى في نص الليل ولف على أكله نفسك فيها، بس إنك تقوليلي ابعد عني مش طايقه رايحتك بلاش.
ضحكت، ثم نظرت إليه بدلال وقالت: ماتجيب بوسة يا كراميل.
ضحك سليم من طريقتها، ثم اقترب منها، وتبادلا قبلة عاشقة حنونة لدقائق، ابتعدا وهما يأخذان أنفاسها، وقال سليم بمداعبة: لا أنا حبيت الوحم ده أوي.
ضحكت ماسة ثم أستقر برأسها على كتفه وتضم نفسها إليه، لف ذراعه حولها، وأغمض عينيه من جديد، تنهدت هي براحة واستسلمت للنوم.
♥️_______________بقلمي_ليلةعادل
العيادة النفسية1م
كانت مي تجلس أمام شريف، يتبادلان الحديث بهدوء.
شريف بابتسامة هادئة: أنا مبسوط بالتغيير اللي حصل معاكي، إنك بداتي تنفضي تراب الماضي وبتركزي في المستقبل، بس في نفس الوقت قلقان منه.
مي باستغراب: ليه؟
أجابها وهو يعود بظهره على المقعد موضحا: لإنه سريع، أحيانا الإنسان بيهرب من مشاعره، ويقنع نفسه إنه بقى كويس، مع إن الوجع لسة موجود جواه.
صمتت قليلا، ثم قالت: يمكن كلامك صح، بس حاسة إني بقيت أحسن.
تأملها لوهلة ثم سألها: مش بتفكري تروحي تزوري رشدي؟ وتسأليه كان هيقول ولا لأ؟
هزت رأسها: لا، مش عايزة.
سألها بنبرة ذات معنى: مش عايزة ولا خايفة؟
ردت بثبات: مش خايفة، أنا واجهته قبل كدة،
صمتت لحظة، ثم أضافت: حتى لو كلام ماسة وترني للحظة بس كل اللي متأكدة منه، إن إحساسي بالضيق منه بيزيد، والمسافة بينا بتكبر أكتر وأكتر.
مال برأسه متساءل بإستفاهم: كرهتيه؟
هزت رأسها نافية: كلمة «كره» كبيرة أوي؟ أنا حتى بطلت أحس بالكره تجاهه.
أومأ بإيجاب ثم قال: بقولك كفاية كلام النهاردة، تعالي نعمل تمرين صغير قبل ماتمشي.
رفعت حاجبها باستغراب: تمرين إيه؟
ابتسم: هتعرفي لما نبدأ.
نهضت معه وتحركت للخارج.
إيطاليا /صقلية3م
على أطراف صقلية الهادئة، بين أشجار الزيتون، جلس ماركو محاطا بحراسه، يراقب الطريق يبدو إنه بانتظار أحدهم.
بعد قليل، وصلت سيارات سوداء، توقفت قريبا منه، وترجل منها إريك مع حراسه، وتقدم بخطوات ثابتة حتى وقف أمامه.
رفع ماركو عينيه إليه وقال ببرود: ماذا تريد إريك؟ أنت تعرف أنني لا أحبك، فلماذا أردت لقائي؟
خلع إريك نظارته بهدوء، وقال: أعلم ذلك، وأنا أيضا لا أحبك، لكن هناك شيئا أريدك أن توصله إلى صديقك المقرب، سليم.
تغيرت ملامح ماركو قليلا، وسأله: وماذا تريد من سليم؟
كاد إريك أن يجيب، لكن ماركو توقف أمامه مباشرة، وأشار بأصابعه بحسم، وقال: ولابد أن تعلم شيئا! سليم لم يعد وحده الآن، وما فعلته في الماضي أصبح الجميع يعرفه.
ابتسم إريك ابتسامة خافتة، وقال بهدوء واثق يعكس هيبته: الماضي أنتهى ماركو، وهذا هو سبب مجيئي إليك، لقد قتلت زوجة عماد وأبناءه، وأطلقت الرصاص على عماد، وهو الآن في المستشفى بين الحياة والموت، وحتى إن بقي على قيد الحياة، فلن يعود كما كان..
صمت للحظة، ثم تابع بتوضيح: أنا لا أريد الدخول في حرب مع سليم، في الماضي، قام بمداهمة سياراتي، وقام أحد رجاله بقتل أبي..
كاد ماركو أن يتحدث، لكن إريك أوقفه، وهو يومئ بإيجاب: ونعم، أطلقت الرصاص عليه وعلى زوجته، ولكنهما خرجا أحياء..
ظل ماركو يتأمله بصمت، بينما أخذ إريك نفسا عميقا، قال: ولابد أن تعلم ماركو، لو كنت أريد قتل سليم، لكنت فعلت ذلك منذ زمن، كان سليم أمامي، هدفا سهلا، أو أتخلص من زوجته حين كانت مختبئة في الإسكندرية، بينما كان هو كالمجنون يبحث عنها ولا يجدها..
أضاف بنبرة مريبة: وكان بإمكاني قتله الآن، هو وزوجته الحامل وابنته، لكنني لا أريد ذلك، لا أريد حربا..
ماركو بسخرية: إلى هذه الدرجة أنت خائف؟
أجابه بهدوء لا يتزعزع: أنا لا أخاف من الحرب ماركو، لكنني أعرف ثمنها جيدا..
ثم تابع بضجر عقلاني: الحرب لا تمنح أحدا نصرا كاملا، بل تنتزع من كل طرف شيئا لن يستطيع استعادته، قد أخسر زوجتي، أو أحد أبنائي، أو أخي، وسليم أيضا سيخسر أشخاصا يحبهم، وفي النهاية، ماذا سنحصل؟ مزيدا من الدم، ومزيدا من الخسائر، وماض لن يتغير مهما فعلنا..
تنهد، وهو يهز رأسه تابع: لذلك أريد السلام فقط، لكن إن بدأ هو! فسيكون مصيره مثل مصير عائلة عماد..
صمت للحظات، ثم تابع بعقلانية: قول له: الدم لن يجلب سوى المزيد من الدم، لنبق على علاقة طيبة، ولينس ماحدث، ويكمل حياته، وأنا أيضا سأفعل الشيء نفسه..
ثم أضاف بهدوء: وإن أراد أن نلتقي في مكان ما، فلا مانع لدي، لا أريد منه سوى وعد واحد أتمنى أن تصل إليه تلك الرسالة.
ابتسم ماركو ابتسامة خفيفة، مؤيدا كلامه: أعجبني كلامك، وأنت محق، سليم، حتى لو أُصيب بالرصاص في الماضي، فقد خرج حيا هو وزوجته، وعليه أن يفكر في المستقبل.
ثم تغيرت نبرته إلى تحذير: سأبلغه بكل شيء، لكن عليك أن تكون صادقا في كلامك، هذه المرة سليم ليس وحده، وأي شيء سيحدث له، سيعرف الجميع أن تيمو وراءه، أو أنت وعشيرتك.. وحينها ستبدأ الحرب
تقدم خطوة، وقال بحزم، وعيناه تحملان تهديدا: وعندها لن تحاربوا عائلة الراوي وحدها، ستجدونني أنا وعشيرتي، وكريس وريمون، جميعنا إلى جانب سليم..
رد بثقة: أعطيك عهدي وشرفي أنني لن أخون، وكذلك أخي.
أومأ ماركو ببطء: سأوصل رسالتك إلى سليم.
أومأ إريك بإيجاب، بينما استدار ماركو وركب سيارته. ظل إريك واقفًا يتابع السيارات حتى اختفت عن أنظاره، ثم قال لأحد رجاله بهدوء: لنبدأ الاستعداد للعودة... أتمنى ألا يختار سليم الحرب.
ثم استقل سيارته وغادر المكان مع رجاله.
على إتجاه آخر في فيلا سليم
وقف سليم أمام النيل، و هو ينهى مكالمته ثم وضع هاتفه في جيبه، وظل يتأمل المياه في صمت اقترب منه مكي وسأله: هتعمل إيه يا سليم؟
التفت إليه سليم وصمت لحظات، قبل أن يقول بحيرة: مش عارف، بس أنا عارف إريك، لما يطلب إنه ينهي القصة بالشكل ده، ويدخل ماركو كوسيط، يبقى صادق...
تنهد بموافقه تابع: أنا موافق على الإتفاق ده، كدة كده باولو مش هيسيبه، هيقتله، وهيبقى بعيد عننا...
صمت للحظة، ثم تبدلت ملامحه قليلا قائلا بنبرة أكثر جدية: بس هو كمان لازم يخاف.
عقد مكي حاجبيه: إزاي؟!
أومأ سليم مفسرا: هو هددني بشكل غير مباشر، بيقول لي هعمل فيك زي عماد ومراته وولاده لو فكرت تبدأ الحرب..
نظر له مكي بتركيز، بينما ابتسم سليم ابتسامة خفيفة لا تخلو من المكر وقال بنبرة ذات مغزى: إريك زمان ما كانش عنده حد يخاف عليه، لكن دلوقتي عنده... عنده كتير، هخلي ماركو يبلغه، إنه يخلي باله من عيلته،وأن بنته لسة صغيرة وطالعة شبه مليس خالص، وباريس بقت وحشة خصوصا لو الواحد عايش لوحده هناك زي مليس، مش كده؟ ويبقى يطمني على إنتريكي، سمعت إن المصحة إللي هو فيها مش أحسن حاجة.. وآه ومبروك، عرفت إن إنزو إبنه الأصغر فاز بمسابقة الخيل.
ثم أضاف بهدوء وحسم: أنا مش بهدده، أنا بوضح إنه هو كمان هدف سهل، هو يبعد عني وعن عائلتي، وأنا أبعد عنه وعن عائلته انا اصلا هبلغ الاعضاء الترابيزة مش عايزه اكمل كفايه لحد هنا..
أومأ مكي بإيجاب إنت كده صح.
المصحة التي بها رشدي4م
جلس رشدي بهدوء داخل غرفته، ممسكا بكتاب بين يديه، يقرأ صفحاته بتركيز، وقد بدت على ملامحه حالة من السكون لم تكن معتادة عليه.
وبعد لحظات، فُتح الباب ودخل الطبيب، فتوقف قليلا يتأمله قبل أن يبتسم بإعجاب: هايل يا رشدي،
بصراحة ماكنتش متوقع إن مقابلتك لوالدتك هتغيرك مية وتمانين درجة كده.
رفع عينيه عن الكتاب، وابتسم بهدوء، ثم أغلقه ووضعه إلى جواره توقف أمامه: يمكن كنت محتاج كلمة... أمل...
أضاف برجاء: أنا عايز أبقى كويس يا دكتور.
ابتسم الطبيب، وقال بنبرة مشجعة: صدقني، طول ماجواك إرادة قوية، إنت كده عديت نص العلاج، المرحلة الجاية هتكون صعبة، هتحس بتعب جامد، لإن جسمك هيبدأ يتخلص من تأثير المخدرات اللي كنت بتاخدها علشان كده عايزك تكون قوي وقد الفترة دي.
أومأ رشدي بتفهم: أنا عارف يا دكتور، أنا أصلا حاولت أتعالج في البيت، بس ماعرفتش أكمل بس المرة دي أنا مستعد.
تبسم الطبيب، ثم أشار الطبيب إلى الممرض، فتقدم نحوه وبدأ يعطيه الأدوية الحقن، ثم وضع بعض الأدوية إلى جواره مع الطعام.
تسأل رشدي: ينفع أخرج أقعد في الجنينة؟ والزيارات مسموحة؟
الطبيب: آه طبعا، بس خلينا نعدي عشر أيام، لأنه مهم جدا في بداية العلاج، وبعدها نقدر نزود لك وقت الخروج والزيارات بالتدريج.
أومأ رشدي: ماشي، وفيه كمان مجموعة كتب كنت عايزهم.
ابتسم الطبيب: أكتبلي أسماءهم، وأنا هجيبهملك أي حاجة تساعدك تعدي الفترة دي، أنا هحاول أوفرهالك.
تبسم رشدي بامتنان: شكرا يا دكتور.
خرج الطبيب من الغرفة، بينما بقي رشدي في مكانه بهدوء.
تناول طعامه وأخذ الأدوية التي تركها له الطبيب، ثم عاد إلى كتابه، وأكمل القراءة فأنه أخيرا بدأ أن يعود من جديد
لم يكن يعلم أن ما ظنه بداية طريقه نحو التعافي، كان يخفي خلفه شيئًا آخر تمامًا.
على إتجاه آخر في ممرات المصحة.
بعد أن خرج الممرض من غرفة رشدي، ابتعد عدة خطوات ثم خرج هاتفه ويتأكد أن المكان خالي من الأنظار.
أجرى اتصالا، وما إن جاءه الرد حتى قال بصوت خافت: النهاردة كانت تالت مرة، هو لسه مش حاسس، بقول لك إيه، المبلغ مش عاجبني أنا عايز فلوس زيادة هاخد عشرين كل أول شهر، وإنت اللي تجيب التموين..
فجاه الصوت مزنجرا: إنت بتغير بالاتفاق؟!
رد عليه: آه، أنا ممكن أروح في داهية لو الدكتور خد باله من اللي بعمله.
جاءه صوت حاسما: خلاص، هبلغها، طلعت طماع.
أجابها بابتسامة: لازم أكون طماع وأستغل الفرصة وألا أكون غبي.
أنهى المكالمة سريعا، ونظر حوله بحذر، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه وعاد إلى عمله وكأن شيئا لم يحدث.
أحد العيادات النفسية4م
نرى ياسين وهبة والمربيه نالا يجلسون أمام غرفة الطبيب النفسي، بينما كانت نالا بالداخل تخضع لجلسة قصيرة معه، وبعد دقائق، انفتح الباب، وخرجت نالا.
نهض ياسين فور رؤيتها، وانحنى أمامها قليلا، ثم سألها بحنان: حبيبتي، ها قوليلى؟ انبسطتي؟
هزت رأسها بابتسامة: أممم... عمو عسول أوي واداني شوكولاته.
ابتسمت هبة وقالت بهدوء: طب خليكي مع الناني شوية، أنا وبابا هاندخل للدكتور نتكلم معاه.
أومأت نالا، واتجهت إلى المربيه وجلست بجوارها.
دخل ياسين وهبة إلى غرفة الطبيب، وجلسا أمامه.
سألته هبة بقلق: خير يا دكتور؟
ابتسم الطبيب مطمئنا: مافيش حاجة تقلق، نالا بنت طبيعية جدا، وتصرفاتها الفترة الأخيرة ومش معناها إن عندها مشكلة نفسية.
تنفست هبة براحة، بينما تابع الطبيب: نالا كانت واخدة قدر كبير من اهتمامكم، وكل اللعب والمدح كان ليها، لكن مؤخرا بدأت تحس إن ده بيتغير، خصوصا بعد ما عرفت إن زوجتك التانية حامل.
أوضح ياسين: بس أنا لما بجيب حاجة للطفل الجديد، بجيبلها، مش بنفس الكمية، لأني بحضر لوضعه، بس مافيش معاملة اتغيرت، وأنا مش حابب أربي بنتي على الأنانية أو الاستحقاقية، وإن كل حاجة تبقى ليها وبس.
هز الطبيب رأسه بتفهم: أنا فاهمك، بس هي بتفكر بطريقة بسيطة تناسب سنها، هي مش بالضرورة غيرانة من البيبي نفسه، هي خايفة تفقد مكانتها عندك، هي بتفكر: لو البيبي جه، بابا هيبقى مشغول بيه، ولو بابا مشغول بيه... أنا هبقى فين؟
صمت لحظة، ثم أضاف: هي محتاجة تطمن إن وجود طفل جديد مش معناه إن مكانتها عندكم هتتغير.
أومأ ياسين بتفهم، فقال الطبيب: عشان كده الفترة الجاية حاولوا تكونوا موجودين معاها أكتر، أخرجوا سوا، أقعدوا مع بعض، وأعملوا نشاط عائلي بسيط هي محتاجة تشوف إن بابا وماما موجودين جنب بعض، وإن علاقتكم بيها مستقرة.
ثم تابع وهو يشير بتنبيه: وممكن زوجتك التانية تشاركها في حاجات تخص البيبي، زي انها تخليها تختار له لعبة أو حاجة من حاجاته، خليها تحس إن ليها دور، وإنها جزء من الموضوع، مش إن الطفل الجديد جاي ياخد مكانها.
أومأ ياسين: ماشي يا دكتور، هنعمل كده.
ابتسمت هبة: شكرا يا دكتور.
خرج الاثنان من الغرفة، وتبادلا نظرة قصيرة.
ياسين بهدوء: أنا هاخد البنت وأروح عند سليم .
هزت رأسها: تمام..
ياسين بهدوء: إحنا عايزين الفترة الجاية تظبطي مواعيد شغلك عشان نتقابل ونقعد مع بعض يعني مرة نتعشى ومرة نتغدى ومرة نفطر... المهم نحس إننا عيلة واحدة.
ثم نظر إليها باهتمام: وفكري كمان إنك تكوني معانا جوة الفيلا الفترة الجاية، علشان تبقي قريبة من نالا.
ابتسمت هبة: ماشي، هحاول أظبط وقتي.
ثم اتجها نحو المكان الذي تجلس فيه نالا.
فتح ياسين باب الغرفة، فوجد نالا تجلس إلى جوار المربيه. وما إن رأتهما حتى رفعت عينيها إليهما.
اقترب منها ومد يده: يلا يا حبيبتي، نروح؟
أومأت نالا وأمسكت يده، بينما تبادلت هبة وياسين نظرة هادئة، وكأنهما اتفقا دون كلمات على أن تكون الفترة القادمة مختلفة.
♥️_________بقلمي_ليلةعادل
المستشفى التي بها عماد6م
كان عماد مسطحا على الفراش، جسده موصول بالأجهزة والمحاليل، وصوت جهاز مراقبة القلب هو الشيء الوحيد الذي يقطع صمت الغرفة.
كانت عائلته تقف حوله في ترقب بحزن.
دخل الطبيب، ألقى نظرة سريعة على الأجهزة، ثم قال مطمئنا: الحمد لله، العلامات الحيوية مستقرة.
في تلك اللحظة، بدأ عماد يحرك جفنيه ببطء، ثم فتح عينيه.
شهقت والدته واقتربت منه مسرعة: عماد حبيبي ؟
نظر إليها عماد بعينين مرهقتين، وحاول أن يتكلم، فخرج صوته ضعيفًا متقطعا: ماما...
اقترب منه فيصل بلهفة: عماد يا ابني حمد لله على السلامة، خضتنا عليك.
اقترب الطبيب منه أكثر، وسلط ضوء كشافه الصغير على عينيه، ثم قال بهدوء: عماد، حرك إيدك.
ظل عماد ينظر إليه، حاول بكل ما أوتي من قوة، لكن لا شيء تحرك، ارتسم الرعب على وجهه.
الطبيب أخرج دبوسا طبيا صغيرا، وشكه شكة خفيفة في يده اليمنى ثم اليسار، لم يبد عماد أي رد فعل شكه مرة أخرى في ذراعه، ثم في قدمه.
لا شيء.
هنا بدأ القلق يظهر على وجه همت: في إيه يا دكتور؟
نظر عماد إلى الطبيب، وإلى يده التي لا يشعر بها، ثم قال بصوت متعب، بالكاد يُسمع: أنا... أنا مش حاسس بحاجة... مش حاسس بإيدي ولا برجلي... هو في إيه؟
ساد الصمت الغرفة.
نظر الطبيب إلى فيصل نظرة ذات معنى، ثم غطى يد عماد برفق وخرج من الغرفة، وأشار إلى فيصل أن يتبعه.
خرج فيصل خلفه وقلبه يكاد يتوقف، وأغلق الباب خلفه: خير يا دكتور؟
تنهد بأسف: للأسف زي ما كنا خايفين الرصاصة اخترقت النخاع الشوكي في منطقة حساسة جدا الإصابة عملت شلل رباعي
اتسعت عينا فيصل بصدمة: يعني إيه؟ نسفره! هنوديه أحسن مستشفى برا مصر!
هز الطبيب رأسه بأسى: للأسف إصابة النخاع الشوكي بالشكل ده مالهاش علاج لحد دلوقتي، لا جوا ولا برا، إحنا هنعمل علاج طبيعي عشان نحافظ على جسمه من التيبس، بس للأسف الحركة مش هترجع أنا آسف... بعد إذنك.
قالها الطبيب ودخل ليكمل عمله، تاركا فيصل واقفا في مكانه كالتمثال.
سمع عماد كل شيء من خلف الباب، فاختنق صدره وصرخ بانهيار: لا الموت أرحم من إني أعيش كدة سبوني أموت وأروح لعيالي.
دخل فيصل مسرعا وأمسك بيده وانحنى عليه وهو يبكي: أهدى يابني وأحمد ربنا إنك خرجت منها حي، وإنك لسه وسطينا.
عماد وهو يبكي بانهيار: خرجت منها حي إيه يا بابا؟ هي دي حياه؟ أنا مش حاسس بجسمي! أنا انتهيت! ياريتني موت معاهم! ياريتني موت مع سارة وولادي!
كان الجميع ينظر إليه بحزن، حتى فيصل نفسه، فهذا هو الثمن ثمن كل ظالم نسي أن هناك يومًا سيدفع فيه الحساب ظن أن الكرسي والسلطة ستدوم، ونسي أن دعوة المظلوم لا تضيع، وأن الله يمهل ولا يهمل، فقد انتهى عماد ليس بالموت، بل بما هو أقسى من الموت
فيلا سليم وماسة،6م
توقفت سيارة ياسين أمام الفيلا، ترجل منها وهو يمسك بيد نالا الصغيرة.
استقبله سليم وماسة في الحديقة، وعلى وجهيهما ابتسامة واسعة.
سليم بفرحة: يا أهلا يا أهلا، عامل إيه؟
ياسين بابتسامة: الحمد لله.
ماسة وهي تنحني لنالا: إزيك يا نالا؟ كبرتي وبقيتي قمر.
نالا بخجل: الحمد لله.
في تلك اللحظة، ظهرت حور من الداخل، تركض بخطوات صغيرة، وتوقفت أمام ياسين تنظر إليه بفضول.
حور ببراءة: أنت عمو ياسين أخو بابا؟
ابتسم ياسين وانحنى لمستواها: آه يا حبيبتي أنا، ودي بنتي نالا، أنتِ عاملة إيه؟ أنتِ جميلة أوي.
حور: أنت كنت مسافر معاهم؟
ارتبك ياسين للحظة، ونظر بطرف عينه إلى سليم وماسة، فبادله سليم نظرة سريعة فهمها.
ياسين: آه يا حبيبتي، كنت مسافر.
حور بتعجب طفولي: إيه ده؟ هو أنتو كلكم كنتو مسافرين؟
سليم وهو يتدخل بسرعة: آه يا قلب بابا، كلنا كنا مسافرين.
ياسين وهو يفتح ذراعيه: ممكن أسلم عليكي وأبوسك؟
حور: ماشي.
حملها ياسين وقبّلها بحنان، ثم أنزلها وقال: تعالي بقى أعرفك على نالا.
أمسكها من يديها وقال: بصي يا نالا، دي حور بنت عمو سليم وطنط ماسة.
اقتربت حور من نالا وسلمت عليها: إزيك؟
نالا: الحمد لله.
مدت حور يدها تمسك شعرها: شعرك حلو أوي زي شعري، مين اللي عاملك التسريحة دي؟
نالا بابتسامة: ماما.
حور بحماس: أنا كمان ماما اللي عملتلي شعري!
ضحك سليم: يلا يا حور خدي نالا روحوا العبوا في الجنينة، فرجيها على أوضتك والألعاب.
حور وهي تمسك يد نالا: ماشي، تعالي.
ركضت الاثنتان، وبقي ياسين واقفا ينظر إليهما غير مصدق.
التفت ياسين إلى سليم وعيناه متسعتان: إيه ده يا سليم؟ هي دي بجد حور اللي ماسة كانت حامل فيها ساعة الحادثة؟
تنهد سليم وأشار نحو البرجولة: تعالى نقعد وأنا هحكيلك.
جلسا، وبدأ سليم يقص عليه كل ما حدث، وحين انتهى كان ياسين يهز رأسه غير مستوعب.
ياسين: أنا مش مصدق اللي أنت بتقوله ده يا سليم، إحنا كنا عايشين وسط عصابة؟ طب الباشا والهانم عرفوا؟
سليم بحزم: لا، ومش هيعرفوا حاجة، الموضوع ده ما يتحكيش.
ياسين: لا أكيد مش هحكي لحد.
تساءلت ماسة: قولي، لوجين عاملة إيه؟ ما جبتهاش ليه؟
ياسين بأسف: تعبانة شوية، أصلها حامل.
ثم نظر إلى بطن ماسة: شكلك حامل كمان يا ماسة؟
ماسة بضحكة: أكيد حامل، مش كرش يا ياسين، اتلم.
ياسين ضاحكا: مبروك يا ستي.
ماسة: هروح أشوف البنات.
نهضت ماسة، على بعد كانت تجلس حور ونالا على الأرض وسط الألعاب، تتبادلان الضحكات.
أعطت حور نالا دمية: خدي دي ليكي يا نالا.
نالا بفرح: الله، ميرسي!
اقتربت ماسة تحمل الكيك: ها يا نالا مبسوطة؟
نالا وهي تحضن الدميه: أوي يا طنط! أنا حبيت حور أوي.
عانقت حور نالا: وأنا حبيت نالا خالص، خليها تيجي كتير! ونروح عندهم نلعب مع الحصان.
ماسة وهي تمد يدها بالكيك: حاضر يا قلبي، يلا كلوا الكيك ده.
هزت رأسها بالإيجاب، وبدأتا تناول الكيك وماسة تنظر لهما بابتسامة واسعة.
وظلت نالا تلعب مع حور، وقضتا وقتا معا
ياسين ولوجين10م.
تمددت لوجين على الأريكة يبدو عليها التعب، ووالدتها بجانبها.
اقترب ياسين وجلس أمامها: إيه يا حبيبتي لسة تعبانة؟
لوجين بتعب: اممم..
والدتها نهى: بطلي دلع يا لوجين، كل الستات كدة أول حمل، حموضة وترجيع، امال هتعملي إيه في الشهور الجاية؟
لوجين: إنتِ بتطمنيني ولا بتخوفيني؟
نهى وهي تنهض: أنا هروح أشوف نغم، ياسين جه أهو خلي بالك من مراتك.
خرجت نظرت لوجين إليه: ماما ونعم هيقعدوا معانا كام يوم، عندك مانع؟
أومأ بتفهم: بالعكس كدة افضل.
سألته باهتمام: عملت إيه عند الدكتور؟ روحت لسليم.
تنهد وهو يمسح بيده على بطنها: زي ماقولتلى خايفة البيبي ياخد مكانها، لازم أبات عند هبة مره وهي تيجي الفيلا، مرة أفطر ومرة أتغدى معاها كدة ونخرج كتير عشان تحس إن مكانتها زي ما هي.
صمتت لوجين للحظة، فقد أثار الأمر غيرتها، لكنها تذكرت أنها هي من اختارت أن تتزوج رجلا كان متزوجا من قبل، وأن زوجته السابقة ستظل جزءًا من حياتهما بسبب ابنتهما. وضعت يدها على قلبها، ثم قالت: ماشي... المهم نالا تكون كويسه
أومأ بايجاب وهو يهم بتحرك هروح أغير هدومي. واجاي احكيلك عملت ايه عند سليم.
أومأت بابتسامة لم تصل بعينيها..
إيطاليا،12م
في الغابة، وقف باولو بجانب حفرة عميقة، وفي يده هاتف كان خلفه صراخ امرأة مكتوم، في أواخر الثلاثين من عمرها، حيث كان الحراس يكممون فمها بأيديهم.
باولو في الهاتف بهدوء أريد أن ألتقي بك لنتحدث في امرا هاما.
جاءه الصوت من إتجاه آخر: أين؟
نظر باولو إلى ساعته: بعد ساعه في المزرعة المطلة على البحيرة. لا تتأخر إريك.
أغلق باولو الهاتف وأشار بعينه إلى رجاله، جرّ الرجال المرأة نحو صندوق خشبي، وضعوها فيه وأغلقوا الغطاء، ثم بدأوا يهيلون عليه التراب، بينما كان صراخها يعلو ثم يخفت شيئا فشيئا حتى اختفى.
نظر باولو إلى الحفرة لثواني بصمت، ثم استدار وركب سيارته وانطلق، وفي مرآة السيارة كان التراب يغطي الصندوق تماماً.
بعد ساعه.
في أحد الأكواخ المطلة على البحيرة
كان باولو يجلس في بيت صغير يطل على بحيرة، والمائدة أمامه مليئة بالطعام والشراب، دخل إريك بعد قليل.
نظر إليه باولو وقال باقتضاب: أجلس.
جلس إيريك وقال: ماذا تريد؟
باولو وهو يقطع اللحم: ماذا فعلت مع عماد؟ كيف تأخذ مثل هذا القرار دون أن ترجع لي؟
إريك وهو يعود بظهره على المقعد: سليم علم بشأن الحادثة، والجميع بدأ يعرف الحقيقة.
باولو وهو يتناول ما في شوكته: كنت أظنها مجرد إشاعة.
أومأ إيريك باتزان مفسرا: بل حقيقة، لذلك قتلت عماد وعائلته، حتى أرسل رسالة إلى سليم، تعني، لا تجعل هذه نهايتك، كما أرسلت رسالة مع ماركو، إنني لا أريد حربا، أريد سلاما.
باولو وهو يبتسم بخبث: لقد فعلت الصواب، أنا أيضا أريد أن أنهي هذا الخصام!
ضيق حاجبيه وهو ينظر الى إريك الذي لم يتناول شيء قال: لماذا لا تأكل؟
أومأ إريك، ثم بدأ يتناول الطعام والشراب.
باولو بتساؤل: متى ستصل الشاحنات؟
إريك وهو يتناول ما في الشوكة:ستأتي في المساء.
سأله: نفس الكمية التي اتفقنا عليها؟
إريك بنفي: لا، لم أستطع تجهيز الكمية كاملة، سأعطيك نصفها الآن، وبعد ثلاثة أيام سأعطيك النصف الآخر.
أومأ باولو بالإيجاب، ثم أمسك كأسه وقال: دعنا نحتسي هذا الكأس لإتمامنا تلك المهمة.
تبسم إيريك، وتصادمت كأساهما، فشربا نخب الاتفاق، ثم عادا لإكمال طعامهما بهدوء.
في تلك اللحظة، على الجهة الأخرى في الخارج.
كانت رجال إريك تحيط بالمكان، وفجأة، بدأوا يتساقطون واحدا تلو الآخر، دون أن يشعر أحد فقد كان هناك قناصان متمركزان في الأعلى، يصطادانهم بصمت ودقة، حتى سقط الجميع بما فيهم ذراعه الأيمن، وكل شيء حدث في غمضة عين.
على إتجاه آخر في الداخل.
كانت إريك ولاول مازال يتناولون الطعام..
فجأة وضع إريك يده على صدره وبدأ يختنق.
تراجع باولو بظهره على مقعده وقال: ما بك؟
إريك بصوت مختنق: أشعر بالاختناق.
باولو بابتسامة خبيثة: احتسي الماء.
احتسى إيريك رشفة من الماء، لكن اختناقه زاد فجأة، وسقط على الأرض يتلوى.
نهض باولو ببطء، وقف فوقه ينظر إليه ببرود وهو يختنق، ثم قال بغضب مكتوم: هذا جزاء خيانتك؟ لقد علمت بكل شيء، لقد ضاجعت زوجتي أيها الحقير، وهذا هو ثمن ما فعلت.
قال إريك بصعوبة وقد بدأ سائل أبيض يخرج من فمه: عشيرتي لن تتركك أيها العجوز القذر..
تبسمت باولو ابتسامة جانبيه ذات هيبة وسخرية:
عشيرتك لن تستطيع فعل شيء..
في تلك اللحظة دخل حراس باولو، حملوا إريك ووضعوه في سيارة، ركب أحدهم وبدأ أن يقودها بسرعة وقبل أن تصل السيارة إلى حافة الجبل، قفز السائق منها، فهوت السيارة من فوق الجبل وسقطت في البحر.
ظل باولو متوقفا يراقب حتى جاءه خبره، فأومأ برأسه وبدأ يركب سيارته، وما إن تحركت حتى انفجرت السيارة بأكملها !!!
على إتجاه آخر عند الهضبة
كان هناك رجل متوقف فوق الهضبة، ومعه مجموعة من الرجال، يراقب مايحدث من بعيد بمنظار، ويداه خلف ظهره بثبات زعيم.
أجرى اتصالا وصوته بارد وقال: سيدي، لقد نفذنا المهمة.
أتاه صوت كريس ذلك الرجل الأنجليزي الذي قابله سليم وأعطاه المقبرة، بنبرة حادة وهو يشعل السيجار الفاخر: هل تأكدت أن الجميع قد مات؟
أومأ الرجل بثقة: نعم سيدي، انتهى أمرهم.
أخرج كريس الدخان وقال ببرود: أرحل إنت ورجالك، لقد انتهت المهمة.
في تلك اللحظة، تقدم أمام كريس رجل في منتصف الخمسينات من رجال المافيا يدعه مارسيلو، قال بلهجة تحذير: ما فعلته سيضع سليم في خطر.
قطب كريس حاجبيه: لماذا؟
أجابها: الجميع يعلم أن سليم يريد قتلهم بعد ما علم بما فعلوا معه، لا أحد يعلم بأنه لا يريد الاستمرار في الخطة، ما فعلته كان خطا
تنهد كريس وتقدم خطوه مفسرا بهدوء: أنا أريد ذلك المقعد، ولن أحصل عليه إلا بموت باولو، كان لا بد أن يموت اليوم، فالانتخابات قريب
تنهد مارسيلو هو يشير بيده: لا بد أن تخبر سليم ليحمي نفسه.
أخرج كريس نفسا من دخانه في الهواء وقال بثقة الزعيم: سليم له الحماية، ليست مني فقط، بل منا جميعا. هذا اتفاقنا لن يمسه شيء.
سأله بتعجب: كيف زرعت تلك القنابل؟
ابتسم بمكر وقال: شراء بعض الرجال سهل، وخصوصا أن باولو كان بخيلا على رجاله، أعطيت بعضهم بعض المال، فساعدوا رجالي في زرع القنابل، ثم قتلتهم حتى لا يبقى دليل.
ثم امسك كاس من الطاوله التي امامه ورفع كأسه نحو مارسيلو وهو يقول بإنتصار: هيا بنا يا مارسيلو، لنحتفل ونحتسي كأساً لربح المقعد الذي طال انتظاره لسنوات، وتخلصنا من ذلك العجوز الخائن، تبسم مارسيلو وضربوا كاسها مع ببعض.
مجموعة الراوي،1م
كان سليم يجلس خلف مكتبه يقرأ بعض الأوراق، وأثناء ذلك طرق الباب، فرفع عينيه عن الأوراق وقال: اتفضل.
دخلت نور وهي تحمل صينية بها علب طعام وقالت: سليم بيه، الأكل وصل.
أشار سليم بيده نحو الطاولة الصغيرة: تمام يا نور، حطيه لي على الترابيزة هناك.
أومأت بإيجاب، وبالفعل وضعتها، ثم استدارت وغادرت الغرفة.
تنهد سليم، وأغلق الأوراق أمامه، ثم اتجه إلى الأريكة وجلس عليها، وبدأ يتناول طعامه. وفي تلك اللحظة، دخل مراد حاملا مجموعة من الأوراق، واقترب منه ومدها إليه: انكل سليم عايزك تمضي لي على الأوراق دي.
رفع سليم عينيه إليه: خلص أكل وبعدين أوقعلك عليهم.
هز مراد رأسه: تمام، ماشي.
سليم بمزاح: بعدين إيه «أنكل» دي؟ قول سليم بيه.. أو مستر سليم!
مراد بمزاح: ما إحنا لوحدنا يا سليم!
ضحك سليم: أنا برضو بقول سليم أحلى.
ضحك مراد، وهم بالانصراف، لكن سليم أوقفه: رايح فين؟ إنت اتغديت؟
هز رأسه بالنفي: ولا فطرت حتى.
ابتسم سليم وأشار إلى الطعام: طب تعالَ كل معايا، جايب أكل زيادة.
ابتسم مراد وتحرك نحوه وجلس بجواره، وبدأ يتناول الطعام معه.
سليم وهو يتناول ما في الملعقة: أنا عجبني شغلك جدا، إنت هتبقى شاطر، بس في نفس الوقت مش عايزك كل تركيزك يكون على الشغل، إنت لسه صغير لازم تتمتع بحياتك، ركز في دراستك، لسه بدري أوي على المسؤولية إللي إنت وأخوك عايزين ترموا نفسكم فيها.
تبسم مراد كاد أن ينطق، فجأة رن هاتف سليم، فأخرج هاتفه من جيبه، وما إن رأى اسم "Aşkım " حتى تغيرت ملامحه، وسارع بالرد بابتسامة: عشقي؟
جاءه صوت ماسة وهي تبكي بقلق: إنت كويس؟
أومأ بابتسامة: أيوه يا عمري أنا كويس، مالك؟
شهقت بحسم: سليم، تعالى لي دلوقتي حالا!
اعتدل في جلسته، وعقد حاجبيه بقلق: في إيه يا ماسة؟ مالك؟
جاءه صوتها المرتجف ممزوجا بغضب: بقولك تعالى لي دلوقتي حالا، إنت فاهم ماتتأخرش؟
أمسك سليم الهاتف بقوة، وحاول تهدئتها: بالراحة بس، إنتِ بتعيطي ليه فيه حاجة حصلت؟
صرخت ماسة من بين بكائها: أقسم بالله يا سليم، إنت لو ماجيتش دلوقتي حالا، هترجع مش هتلاقيني في البيت! إنت فاهم؟ خمس دقائق وتكون عندي فاهم؟
ثم أغلقت الهاتف، ظل سليم ينظر إلى شاشة هاتفه لثوانٍ، وقد ارتسم القلق على ملامحه، بينما نظر إليه مراد باستغراب: فيه إيه يا أنكل؟
زفر سليم، ثم نهض مسرعا: ماسة عايزاني ضروري، أنا هروح أشوفها مالها.
رفع مراد حاجبه وهو يشير إلى الأوراق: طب الأوراق؟
أومأ بعدم اهتمام: بعدين هبقى أخلصهملك.
هز مراد رأسه باعتراض: لازم تمضي عليهم دلوقتي.
توقف سليم لحظة، ثم زفر بضيق، ومسح يده بمنديل قبل أن يضع الأوراق على المكتب، ويمسك القلم ويوقع عليها بسرعة، بينما واصل مراد طعامه.
وما إن انتهى سليم من التوقيع قال: مراد، الورق على المكتب، خلص أكلك بعدين شوف هتعمل إيه.
مراد متسال: طيب، هترجع تاني؟
توقف سليم عند الباب، ثم التفت إليه وهز رأسه: مش عارف.
خرج سليم مسرعاً من الغرفة متجها إلى الخارج.
وبينما جلس مراد مكانه يكمل طعامه
عند الجراج
خرج سليم من الباب، فوجد مكي جالسا داخل السيارة يتحدث مع سلوى.
فتح باب السيارة وركب قائلا: خلينا نروح على البيت.
نظر إليه مكي باستغراب: في إيه؟
رفع سليم كتفيه: مش عارف ماسة كلمتني وكانت بتعيط، وعمالة تقولي تعالى.
ثم أضاف وهو يشير إلى الهاتف: إنت بتكلم سلوى؟
أومأ مكي: آه، بكلمها.
أشار سليم بيده أن يعطيه الهاتف، أومأ مكي بإيجاب وهو يتحدث في هاتفه: سلوى، سليم عايزك.
ثم ناوله الهاتف، أخذه سليم بسرعة، وقال بقلق: في إيه يا سلوى؟ مالها ماسة؟!
ردت باستغراب: أنا قاعدة في أوضتي، هو في حاجة؟
تنهد بتوتر: عمالة تعيط وبتقولي تعالى دلوقتي؟
ردت وهي تتوقف: أهدى مافيش حاجة، يمكن هرمونات أنا داخلالها أهو.
أغلق سليم الهاتف ثم قال: أطلع يلا.
تحركت السيارة، وبعد قليل بدأ سليم بوضع يده على بطنه، شاعرا بألم مفاجئ، لكنه لم يعطه اهتماما كبيرا
في الجهة الأخرى،
كان مراد قد انتهى من تناول الطعام، ولم يتبقى منه سوى القليل، أمسك كوب العصير وبدأ يرتشف منه، بينما يراجع الأوراق أمامه مستنداً إلى الأريكة.
وبعد دقائق، بدأ يشعر بألم مفاجئ في بطنه، وضع يده عليها محاولا تحمله، لكن الألم ازداد بسرعة، فتغيرت ملامح وجهه واضطرب تنفسه.
حاول أن ينهض من مكانه، إلا أن جسده لم يسعفه، فسقط على الأرض أخذ يتلوى من الألم، وبدأت أطرافه ترتجف، بينما حاول ألتقاط أنفاسه بصعوبة.
خرجت منه صرخة متقطعة: آآه... بطني. مش قادر...
حاول الاستناد إلى الأرض لينهض، لكن فجأة بدأ جسده يرتعش بقوة، وبدأت رغوة بيضاء تخرج من فمه، بينما أخذت ملامحه تتغير بشدة، وازداد اضطراب تنفسه، قبل أن يفقد قدرته على الحركة.
بعد دقائق قليلة، انفتح الباب ودخلت منى، كانت تبتسم ابتسامة واسعة، وعيناها تبحثان عن سليم في أرجاء الغرفة، فوقعت عيناها على الطعام، فانفلتت منها ضحكة صغيرة شامتة، واقتربت وهي تقول: يا ترى مت ولا لسة؟ أتمنى تكون لسـ...
ولم تكمل جملتها حتى اتسعت عيناها وكادت تخرجان من محجريهما حين رأت مراد ملقى على الأرض وهو متشنج.
صاحت: مراااد!
اندفعت نحوه كالمجنونة، وسقطت حقيبتها تلقائيا، جلست بجواره، احتضنته وهي تبكي بنبرة مرتعبة: إنت عملت إيه؟ أكلت من الأكل؟! يا نهار أسود.
كان ينظر إليها وجسده ينتفض بعنف، غير قادر على الكلام، وعيناه تبرقان ببرد غريب.
منى، وهي تهتف من بين دموعها: رد عليا يا حبيبي، رد عليا يا مراد!
حاول أن يجيبها، لكن الكلمات خانته، ولم يستطع سوى أن يتمتم بصوتٍ خافت: «ماما...»
وبدأت ملامحه تتغير، فازرق وجهه، وازدادت الرغوة حول فمه، بينما ظل جسده يرتجف دون توقف.
صرخت منى بأعلى صوتها: نووور! أطلبي الإسعاف بسرعة! نورررر!
دخلت نور مسرعة: فيه إيه يا فندم؟!
منى، وهي تضم رأسه وتبكي، خرج صوتها بصعوبة من هول الموقف: أتصلي بالإسعاف بسرعة! بسرعة!
نظرت نور إلى مراد، وقد اتسعت عيناها من هول مايحدث، ثم ركضت إلى الخارج، بينما ظلت منى تضم رأس مراد، ترتجف من الصدمة وتبكي بجواره: هتبقى كويس يا حبيبي... هتبقى كويس، ما تخافش.
أخذت تلتفت حولها كالمجنونة، كأنها تبحث عن شيء، حتى وقعت عيناها على حقيبتها ملقاة على الأرض هناك، زحفت إليها، نثرت كل ما فيها على الأرض، وأخرجت هاتفها واتصلت: ألو.. ابني أكل من السم.. أعمل إيه؟
جاءها الرد: للأسف السم اللي خده سريع المفعول.
صاحت بتشنج: يعني إيه ابني راح مني؟!
صمت لوهلة، ثم سألها بقلق: طب هو طلع رغاوي ولا لسه؟ أكل كتير؟ ممكن تجربي تحطيله قرص فحم؟
أجابته بارتباك، وهي تنظر إلى مراد: طلع رغاوي. جسمه بقى تلج، ومش قادر يرد عليّ!
رد عليها بأسف، وقد خفت صوته: للأسف... ما دام طلع رغاوي، معناها السم تمكن منه، ومش هتقدري تلحقيه.
ما إن استمعت إلى تلك الكلمة، حتى اتسعت عيناها في صدمة، وسقط الهاتف من يدها على الأرض، بينما اجتاح البرود أطرافها.
عادت تحتضن مراد بقوة، وانفجرت في بكاء منهار وهي تردد: لأ... لأ يا مراد، لأ! إنت هتكون كويس، هتبقى كويس يا قلبي،..
صاحت بقهر وهي تنظر لأعلى: ماتعملش فيا كده،
يا رب!
ارتجف صوتها وهي تتشبث به بندم وانهيار: مش إنت اللي كنت مقصود يا حبيبي! مش إنت يا حبيبي، أنا السبب، أنا اللي عملت كده، كنت فاكرة إني بجيب حق اللي اتعمل فيا... بس ربنا عاقبني فيك..
وضمته بقوة وهي تصرخ: مراد رد عليا.. رد عليا!
لكنه لم يجبها، سكن جسده تماما، وظلت عيناه مفتوحتين بلا حركة.
شهقت ووضعت يدها على شعرها وهي ترتجف: أنا إللي عملت فيك كده، أنا مجرمة.. مجرمة!
نظرت إليه بحسرة، وانهمرت دموعها وهي تمسح على خده بأطراف أصابعها المرتجفة، تتوسل إليه أن ينهض، وقد غلبها الندم: قوم يا حبيبي، وأنا هصلح كل حاجة، وهبطل أفكر في الانتقام، وهعمل أي حاجة عشانك إنت وأخوك، بس قوم..
نظرت إليه بعينين غارقتين في الدموع، وظلت تحدق في وجهه للحظات، كأن عقلها يرفض استيعاب ما تراه عيناها. ثم تسللت الحقيقة القاسية إلى قلبها أخيرا؛ مراد رحل... مات، ولم يعد هناك أمل في أن يفتح عينيه أو يناديها من جديد.
لم تعد ترى أمامها سوى وجه ابنها الساكن، ذلك الوجه الذي فقد كل ملامح الحياة. هي من تسببت في ذلك... هي من دفعت ابنها إلى الموت، وهي من قتلته بيديها.
انهارت تماما، وانفجرت في بكاء حارق، ارتجف جسدها بعنف، وأخذت تهز رأسها رافضة، كأنها تحاول إنكار الحقيقة، أو التمسك بوهم أنه سيعود إليها في أي لحظة.
حاولت أن تعدله بين ذراعيها، وراحت تمسح على شعره ووجهه في انهيار: لالا، مراد قوم إنت اللي هتكون كبير العيلة دي إنت وأخوك، أنا عملت كل ده علشانكم، علشان محدش فيكم يحصل له حاجة، كنت عايزاكم تكونوا أقوياء، ماتكونوش زي أبوكم العبيط، مجرد اتباع، كنت عايزاكم تعيشوا ملوك،
ضحكت باضطراب: أنا قدمتك بإيدي للموت.. موتك بإيدي يا ابني! موتك بإيدي
ومن شدة انهيارها، مدت يدها المرتجفة نحو الطعام، وأخذت منه وبدأت تتناوله، وكأنها تحاول معاقبة نفسها على ما فعلته، ثم وقعت عيناها على الزجاجة السم، مدت يدها إليها، ورشت منها على الطعام، قبل أن تأخذ منه وتتناوله مرة أخرى وهي تبكي.
ثم عادت إلى مراد واحتضنته بقوة، وانفجرت في بكاء مرير: أنا جيالك يا حبيبي جيالك، سامحني يا بني..
ضمته إليها أكثر، وأسندت رأسه إلى صدرها، وراحت تربت عليه بيد مرتجفة، كأنها لم تعد تستوعب ما حدث، وهي تردد بصوت مكسور: سامحني يا مراد.
بدأت تشعر بألم في بطنها، لكن وجع قلبها كان أشد، يعصرها من الداخل ويطغى على كل ألم جسدي.
وعلى الجانب الآخر سيارة سليم
كان مكي لا يزال يقود السيارة، بينما بدأ سليم يشعر بأن الألم في بطنه يزداد تدريجيا، وضع يده عليها، وانقبض جسده فجأة من شدة الألم.
التفت إليه مكي بقلق: في إيه يا سليم؟
انحنى سليم قليلا، وهو يضغط على بطنه بقوة: بطني.. بطني يا مكي.. بتتقطع.. آاااه!
اتسعت عينا مكي، وانتابه الذعر وهو يسمع صرخة سليم هتف: سليييييم
يتبع 