رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الخامس والاربعون45 بقلم ليله عادل
يتبع.
{".مهما سرت في العتمة، وقابلتك الأوجاع، ومهما ظننت أنك غَرِقت في أعمق بئر، فلا تنسَ أن البئر مفتوح على السماء؛ وفوقك شمس لا تزال تشرق. قد يطول بقاؤك في القاع، لكن ما دامت الشمس تشرق، فالأمل لم يُغلق بابه بعد.."}
ليلةعادل✍️🌹
الفصل الخامس والأربعون🤫♥️
[بعنوان: كما اوجعت سياتيك الوجع]
انحنى سليم يضغط على بطنه بقوة، وهو يصرخ بألم: بطني.. بطني يا مكي.. بتتقطع.. آااه!
اتسعت عينا مكي، وانتابه الذعر حين سمع صراخه: سلييييم، مالك؟!
كان وجه سليم شاحبا، والعرق البارد يتصبب من جبينه، بينما قبض على بطنه بقوة، وأنفاسه ثقيلة ومتقطعة، وهو يتلوى من شدة الألم، فهز مكي رأسه بتوتر: هوديك المستشفى حالا!
علي إتجاه آخر، بالمجموعة.
كانت منى ممددة على الأرض، تحتضن ابنها بين ذراعيها، بينما كان السائل الأبيض يخرج من فمهما.
في تلك اللحظة، دخلت نور تقول بعفوية: أنا كلمت الإسعا...
وما إن وقعت عيناها عليهما، حتى توقفت عن الكلام، واتسعت عيناها، ثم صرخت بفزع.
تجمع جميع الموظفين على صوتها، وهم يتساءلون بقلق: في إيه؟!
وما إن رأوا المشهد حتى ارتفعت أصوات النساء، وعمت الفوضى المكان، بينما وقف الرجال في حالة من الصدمة أمام ذلك المنظر المخيف.
في تلك الأثناء، كان عزت وياسين يجلسان داخل المكتب يتحدثان في بعض أمور العمل، حين سمعا أصوات الهرج والمرج بالخارج.
أشار عزت بأصبعه: فيه أصوات برة!
ضيق ياسين عينه وهو يوميء برأسه: فعلا.
وفجأة، دخلت السكرتيرة وهي شاحبة الوجه: عزت بيه.
نظر إليها باستغراب: في إيه؟ وإيه الصوت اللي بره ده؟
ابتلعت ريقها بصعوبة: مراد بيه... ومنى هانم...
توقف ياسين، ونظر إليها بقلق: مالهم؟ ومالك بتترعشي كده ليه؟
هزت رأسها بصدمة: لازم تيجوا تشوفوا بنفسكم.
نهضا، واتجها خلفها نحو مكتب سليم، وما إن وصلا حتى وجدا المكان مزدحما بالموظفين، فصاح ياسين: وسع إنت وهو...
شق طريقه بصعوبة حتى دخل إلى الداخل، وتبعه عزت.
وما إن وقعت أعينهما على مراد ومنى حتى تجمد الأثنان في مكانهما، فقد كان المنظر أمامهما صادما، يؤكد بأنهما قد فارقا الحياة.
اتسعت عينا ياسين، وظل للحظات عاجزا عن استيعاب ما يراه، قبل أن يقترب بسرعة وهو يهتف: مراد!
جلس علي الأرض وأخذ مراد من بين ذراعي منى، وأخذ يضرب على وجهه برفق، بينما كان وجهه شاحبا مائلا إلى الزرقة.
ثم وضع يده على نبضه، ثم نظر إلى عزت بصدمة: ده مات... مات يابابا..
نظر إليه عزت بصدمة، وعدم تصديق: مين ده اللي مات؟! مات إزاي يعني؟! ده كان لسه واخد مني المذكرة يراجعها ويخلي سليم يمضي عليها!
تحرك بسرعة، وجلس بجانبهما، وأخذ مراد من أحضان ياسين الذي بدأت الدموع تهبط من عينيه، وراح عزت يربت على وجه مراد وهو يهزه برفق: مراد... مراد يا حبيبي، رد عليا! نور، هاتي برفان أو أي حاجة!.
ثم صاح بنبرة رجولية، وقد بدأ صوته يهتز من شدة الانفعال: كله يخرج بره! مش عايز أشوف حد! كله بره.
بدأ الجميع بالخروج، بينما أسرعت نور وأحضرت زجاجة البرفان، وأعطتها له بيدين مرتعشتين.
أخذ الماء من فوق الطاولة، ووضع القليل منه على يده ومسح به وجه مراد، قبل أن يرش البرفان بالقرب من أنفه، وهو يردد بإصرار: يلا يا مراد... قوم! قوم..
كان ياسين جالسا على ركبتيه، يبكي ويضع يده فوق رأسه، غير قادر على استيعاب ما حدث.
مد يده نحو منى، ووضع أصابعه على موضع نبضها، لكنه لم يشعر بأي نبض، رفع رأسه، وقال بارتجاف: منى كمان ميتة.
نظر إليه عزت، وكأنه لم يعد قادرا على تحمل الصدمة: محدش مات، أصبر بس هو هيفوق دلوقتي أكيد مغمي عليه، يلا يا مراد قوم.
اقترب منه ياسين وهو يبكي: بابا... خلاص، مات مات..
أخذ مراد من بين يديه، ووضعه على الأرض برفق، ثم خلع جاكيته وغطى به وجهه بيد مرتجفة، وسحب الشال الموضوع على كتف منى، وغطى به وجهها هي الأخري.
بينما جلس عزت في مكانه مصدوما، وقد امتلأت عيناه بالدموع.
ثم رفع عينيه إلى نور وسألها بنبرة مكتومة: أنا عايز أعرف إيه اللي حصل؟
نور وهي تبكي: معرفش أي حاجة، منى هانم صرخت فيا من شوية عشان أطلب إسعاف، ومراد كان واقع وبيترعش، وكان بيطلع حاجات من بوقه، علطول روحت أتصلت بالإسعاف، ولما رجعت أبلغها لقيت المنظر ده، الموضوع مخدش دقايق، والله العظيم ما أخد دقايق
أخذت تبكي بحرقة.
بكي ياسين هو الآخر وقد بدا عليه الذهول، وعيناه تتنقلان بين مراد ومنى في عدم استيعاب: أنا أنا مش فاهم حاجة يا بابا، هو إيه اللي حصل؟ الرغاوي دي مش طبيعية، ممكن يكونوا اتسمموا؟! أنا قرأت قبل كده إن اللي بيتسمم ممكن يطلع من بقه رغاوي... بس إزاي؟
ساد الصمت لثوان، بينما تبادلوا النظرات في حيرة، وكأن عقولهم توقفت أمام ما حدث.
وقع بصر عزت على الطعام الموجود فوق الطاولة، فسألها: الأكل ده مين اللي جابه؟
مسحت دموعها، وحاولت جمع شتات نفسها: ده الأكل بتاع سليم بيه، كان طالبه، بس هو مشي.
تجمد عزت للحظة، وكأن أفعى لدغته فور سماعه كلماتها، توقف بسرعة، وقد أحمرت عيناه من شدة الدموع والرعب: سليم أكل من الأكل ده؟!
هزت رأسها بتردد: معرفش ... بس هو اللي طلبه، وبعدين مستر مراد دخل بعد ما الأكل دخله بدقائق، يعني تقريبا أكل معاه، بعدين سليم بيه خرج وقال إنه احتمال ميرجعش، بس هو كان كويس.
اتسعت عينا عزت، وصاح فورا: اتصل بسليم بسرعة يا ياسين!
هز رأسه وهو يتوقف، ثم تذكر أن هاتفه ليس معه، فركض نحو المكتب ليحضره.
ظل عزت واقفا في مكانه، مصدوما لا يعرف ماذا يفعل، قبل أن تقع عيناه على زجاجة كانت بجوار منى.
أخذ منديلا، وأمسك الزجاجة من جزء صغير منها، حتى لا تضيع البصمات من عليها.
قربها من أنفه، فشم رائحة غريبة، أبعدها قليلا، ثم قال بنبرة مفكرة: نور مشي كل الموظفين من المجموعة، مش عايز حد هنا، وعرفيهم لو حد فتح بقه باللي حصل مش هيلحق يروح لبيته، وكلمي شاكر خليه ييجي حالا، وخلي مراقبين الكاميرات يستنوا.
علي إتجاه آخر...
دخل مكي المستشفى، وهو يسند سليم الذي كان في حالة يُرثى لها، بالكاد يستطيع السير، وكأنه يجر قدميه جرا، وهو يصرخ من الألم، بينما الحراس خلفهما.
صرخ مكي فور دخوله: عايز دكتور بسرعة!
أسرع أحد الممرضين إليه، ومعه مقعد متحرك، أجلس سليم عليه ثم دفعه بسرعة إلى الطوارئ، حيث وضعوه على السرير وبدأوا في فحصه.
سأله الطبيب: إيه إللي حصل بالظبط؟
مكي بتوتر: معرفش، بس هو فجأة بدأ يصرخ ويقول بطني وجعاني.
سأله الطبيب: طب هو أكل حاجة؟
هز مكي رأسه: معرفش.
حاول سليم التحدث، وصوته يخرج بصعوبة، وكأنه ينتزع الكلمات من بين أنفاسه: كنت طالب أكل من بره... أكلت منه شوية..
تابع بألم وضعف: أنا بطني بتقطع وحاسس أن ريقي ناشف مش قادر أخد نفسي، أعمل حاجة يا دكتور مش قادر..
نظر الطبيب إليه، وقال بعمليه: هنعمل غسيل معدة، ممكن يكون عندك تسمم غذائي.
أومأ مكي: طب بسرعة يا دكتور.
أشار الطبيب: اتفضل أنت بره، وإحنا هنعمل اللازم.
تحرك مكي إلى الخارج، وقد سيطر عليه الخوف لكنه لم يخطر بباله أن التسمم بفعل فاعل.
نظر إليه الحراس بقلق، فسأله أحدهم: إيه اللي حصل يا مكي؟
أجابه: أكل أكل ملوث، ادعوله.
علي اتجاه آخر، بمكتب سليم
دخل ياسين يمسك بهاتفه: كلمت سليم كتير، ومبيردش.
صاح عزت بهلع: أتصل بمكي.
أومأ مسرعا، وعلى الفور أجرى اتصالا بمكي.
عند مكي
كان لا يزال واقفا مع الحراس، حين رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ولمح اسم ياسين، فحدق فيه باستغراب، ثم أجاب: ألو؟
جاءه صوت ياسين: أيوه يا مكي.
وفي تلك اللحظة، سحب عزت الهاتف بسرعة من يد ياسين، وقال بلهفة: مكي فين سليم؟
فكر مكي للحظة هل يقول أو لأ! ثم قال على مضض: إحنا في المستشفى عشان سليم تعبان شوية، في حاجة؟
هتف بسرعة: سليم مسموم. مسموم يا مكي! فيه سم اتحطله في الأكل..
اتسعت عينا مكي في صدمة: إيه اللي إنت بتقوله ده يا باشا؟ سم إيه؟
عزت وهو يتحرك في المكتب بخوف: زي ما سمعت، أنا هبعتلك إزازة السم مع ياسين، حاول تتصرف وتخلي الدكاترة تعمل أي حاجة لحد مايجيلك وتعرفوا نوع السم، أحسن يموت ويحصل زي ما حصل مع مراد ومنى، بسرعة يا مكي..
توقف مكي مكانه للحظة وكأنه لم يستوعب ماسمعه، ثم اندفع بسرعة نحو الداخل.
دخل يقول بقلق: دكتور! سليم مسموم! كان محطوطله سم في الأكل!
نظر إليه الطبيب بصدمة: طب إنت عارف نوع السم؟
هز مكي رأسه: لا، معرفش أي حاجة، بس شوية وهجيب الإزازة اللي فيها السم.
الطبيب بهدوء: طيب أهدى خالص إحنا هنحاول نقلل تأثير السم لحد ما نعرف نوعه، بس لازم نتحرك بسرعة، لأن كل ما نبدأ أسرع هيكون أفضل، إحنا دلوقتي هنبدأ نعمله غسيل معدة، وهنعمل كل إللي نقدر عليه.
امسك مكي كتف الطبيب بدموع لا يعرف من أين أتت: سليم لازم يخف أرجوك، أعمل أي حاجة.
اومأ له: خير إن شاء الله.
علي إتجاه آخر، بمكتب سليم
نظر ياسين له باستغراب: سم إيه يا بابا إللي بتتكلم عنه؟ أنا مش فاهم حاجة!
أمسك عزت الزجاجة بحذر، وأعطاه أياها: أنا مش عارف بس أنا متاكد إن الازازه دي فيها سم، خليك ماسكها بالشكل ده، وأديها لمكي، بس خد بالك من البصمات، يلا بسرعة يا ياسين كلم مكي وأعرف هما في انهي مستشفى وروحله.
نظر ياسين نحو مراد ومنى وهو يشير بيديه متسائلا بحزن: طب إنت هتعمل إيه؟!
زم شفتيه بأسى: هكلم الأسعاف تنقلهم المستشفى بتاعتنا..
دفعه من كتفه: روح يلا بسرعة ألحق أخوك..
خرج ياسين مسرعا، وأخذ الزجاجة معه، بينما ظل عزت واقفا للحظة يفكر في أمر ما، ثم أخذ نفسا عميقا قبل أن يخرج إلى الخارج، متجها نحو نور.
وجدها تجلس في مكتبها، فاقترب منها وسألها: مين إللي جاب الأكل ده لسليم؟
أجابته: هو طلب مني أطلبله الأكل ده.
سألها: وإنتِ اللي استلمتيه بإيدك؟
أجابت: الأمن طلعه لحد هنا، وبعدين خدته المطبخ، وحطيته على الصينية.
تابع أسئلته: مسبتيش الأكل لوحده خالص؟
نظرت إليه بتوتر، فتابع بلهجة تهديد: أصل لو قولتي لا، هعرف إن إنتِ اللي حطيتي السم، وساعتها مش هرحمك، انطقي!
هزت رأسها بسرعة، وأجابته بخوف: مروة بتاعت HR ندهت عليا وقالتلي إن منى هانم عايزاني عند ماكينة القهوة برة، روحت ملقيتهاش، رجعت خدت الأكل وسألت مروة وأنا ماشية هي فين؟ قالتلي متعرفش.
أشار إليها بصرامه: طب خليكي هنا، وأتصلي بالإسعاف.
أجابته: ما هما فعلا جايين!
عزت بحزم: لا ألغي معاهم، وأتصلي بالمستشفى بتاعتنا خليهم يبعتوا عربيتين إسعاف.
أومأت وأخرجت هاتفها لتنفذ ما طلبه منها.
بينما تحرك عزت إلى غرفة المراقبة، ووقف بجوار أحد أفراد الأمن: أفتحلي كاميرات المطبخ السرية من ساعة.
فتح رجل الأمن التسجيلات، وبدأ عزت يتابعها باهتمام.
ظهرت نور وهي تضع الطعام على الصينية، ثم دخلت إحدى الفتيات وتحدثت معها، فخرجت نور من
المطبخ. وبعد أن جهزت الفتاة الطعام في الميكروويف وغادرت، ظهرَت منى.
اقتربت من الطعام، وأفرغت شيئا من الزجاجة عليه وفي العصير، ثم أعادت الزجاجة إلى حقيبتها وغادرت.
وبعد لحظات، عادت نور وأخذت الطعام وغادرت.
اشتعل الغضب في عينيه، وضرب الشاشة بيده بقوة: يا غبية... ضيعتي نفسك وضيعتي ابنك معاكي! غبية
على إتجاه آخر، في المستشفى.
كان مكي لايزال واقفا مكانه، يظهر عليه التوتر ويداه ترتجفان بخوف يخشى أن يصيب سليم مكروه..
في تلك اللحظة، وصل ياسين وهو يركض في هلع، وأنفاس متقطعة، ثم صرخ وهو يمد يده بالإزازة: أمسك يا مكي!
أخذ الإزازة منه ودخل إلى الطبيب وأعطاه أياها ليحللها ثم عاد وتوقفا الأثنان معا في الخارج ينتظران.
مكي باستغراب: مين إللي حط السم ده؟
ابتلع ياسين ريقه، وأجابه بخفوت: الباشا كلمني أنا بطريق وقالي منى.
مكي بدهشة: منى؟!
أومأ ياسين: أيوه منى، واضح إن مراد كان قاعد مع سليم وأكل من الأكل، فاتسمم.
مكي بقلق: طب مراد حصله حاجه؟
اهتز ياسين رغم محاولاته للتماسك، وهبطت دمعة من عينه قال بصوت مكسور: مات...
اتسعت عينا مكي حتى كادتا تخرجان من محجريهما: إنت بتقول إيه؟! لا حول ولا قوة الا بالله..
مسح ياسين دموعه، قال باختناق: مش عارف يا مكي، لحد دلوقتي مش قادر أستوعب اللي حصل.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول ياسين وكأنه تذكر شيئا: هو إنت مش مركب كاميرا في مكتب سليم كمان؟
هز مكي رأسه بالإيجاب، ثم أخرج هاتفه بسرعة وبدأ يبحث في التسجيلات، أعاد التسجيل إلى الوراء ساعة، فظهر سليم وهو يتناول طعامه، ثم دخل مراد وجلس يتناول الطعام معه، وعندما غادر سليم، بقي مراد وحده يتناول طعامه، ثم بدأ يتشنج ويتلوى من شدة الألم.
لم يحتمل ياسين رؤية المشهد، فأشاح بوجهه بعيدا، بينما واصل مكي مشاهدة التسجيل حتى نهايته
نظر مكي لياسين: منى أكلت من السم لما عرفت إن مراد مات؟
ياسين والذهول يملأ وجهه: هي ليه عملت كده؟
تنهد مكي: عشان سليم كشفها قدام طه.
انخفضت عينا ياسين بحزن: أنا صعبان عليا مراد، ده مات موتة بشعة، وفضل فترة كبيرة يتألم حرام يموت وهو لسة شاب.
نظر إليه مكي للحظات، ثم قال بجمود: جريمة الآباء أحيانا بيدفع تمنها الأبناء.
أومأ ياسين بعدم رضا: أنا مش شايف فالموضوع ده أي مكسب يا مكي، انتقام سليم عمال يزهق أرواح، هو قال مش هيحط إيده في الدم، بس اللي بيعمله خلى الدم يلوثه وهو مش واخد باله، وهو دلوقتي أهو بين الحياة والموت.
مكي مفسرا: سليم وقف إنتقام من ساعة اللي حصل لعماد، وقرر يفكر في مستقبله ويعيش لمراته وأولاده وبس..
ارتسمت على شفتي ياسين ابتسامة جانبية يملؤها الأسى، ثم قال بحسرة: بعد إيه؟
عقد مكي حاجبيه بضجر: هو إنت كنت عايزه يعمل إيه يعني بعد كل إللي اتعمل فيه؟ إنت لو كان اتعمل فيك نص إللي اتعمل في سليم، كنت هتتجنن. كويس إنه لسة واقف على رجله!
أومأ، وهو يتايع بحزن: أنا مش هنكر إن مراد صعب عليا، مكانش ليه ذنب، ومكانش هدفنا..
قلب عينيه بضيق، وأضاف باقتناع تام:بس أمه اللي قتلته بجشعها وقلبها الأسود، كان قدامها فرصة تكفر عن اللي عملته، على الأقل تندم وتتوب، لكن هي فكرت في إيه؟ إنها تقتل وتسم سليم! واهو جت في ابنها.
ظل ياسين صامتا للحظات، يتفهم وجهة نظره، فلم يكن سليم هو من قتل مراد، ولم يكن هو من دفع منى إلى تلك النهاية؛ هو فقط كشف الأوراق التي أخفاها الآخرون، ثم جاءت أفعالهم لتسحق الجميع بلا رحمة.
رفع عينيه إلى مكي، وتساءل بقلق: طب الدكتور قالك إيه؟ خلينا في سليم أهم.
أخرج مكي نفسا عميقا: بيعملوله غسيل معدة جوة، الحمد لله هو مأكلش كتير.
ياسين بحزن وأمل: إن شاء الله هيكون كويس
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل
فيلا سليم وماسة،2م.
كانت ماسة تبكي، وقد بدت عليها حالة غريبة من القلق والانهيار، بينما جلست سعدية وسلوى أمامها، تحاولان تهدئتها بشتي الطرق.
سعدية بحنان: طب يا بنتي أهدي، وصلي على النبي، فيكي إيه؟
ماسة وهي تبكي بحرقة: أنا عايزة سليم، هتولي سليم وبس.
سلوى محاولة طمأنتها: والله العظيم كلمته، مبيردش.
أنهارت أكثر: كلمي مكي، أتصلي بمكي بسرعة!
أومأت سلوى: حاضر، حاضر.
مسحت سعدية على كتفها: بالراحة يا بنتي، عشان اللي في بطنك.
ظلت تبكي، وهي تضع يدها على قلبها، وقالت بصوت مرتجف: قلبي مش مرتاح يا ماما، حاسة إن في حاجة وحشة، حلمت حلم وحش أوي أنا عايزة أشوف سليم قصاد عيني وأطمن عليه.
مسحت سعدية على كتفها بحنان، ثم جذبتها إلى أحضانها، وظلت تربت عليها محاولة تهدئتها.
بينما وقفت سلوي جوارها تجري أتصالا بمكي، وما إن جاءها صوته، سألته بقلق: إيوه يا مكي؟ اتأخرتوا كده ليه؟ فين سليم؟ ماسة مش ساكتة.
تردد للحظة، ثم قال: بصي أنا هقولك، بس حاولى متبينيش حاجه قدام ماسة، سليم اتسمم وهو دلوقت في المستشفى.
دون أن تشعر صرخت سلوى بتلقائية: يا نهار أسود! طب وهو عامل إيه؟ مين اللي سممه؟
فور أن استمعت ماسة للحديث، تجمدت في مكانها واتسعت عيناها، واضعة يدها على صدرها وهي تسأل بصوت متقطع: سم إيه؟ مين اللي اتسمم؟!
هتف مكي بانزعاج: بقولك متبينيش حاجه قدامها، تقومي راقعه بالصوت؟ يخربيت الغباء!
نهضت ماسة بسرعة، وكادت تتعثر من شدة ارتباكها، فأسندت يدها إلى طرف السرير، ونزعت الهاتف من يدها: سليم ماله!
جاءها صوته: أهدي بس يا ماسة..
هزت رأسها بعصبية، وانهمرت الدموع من عينيها: أهدى إيه؟ مين اللي سمم سليم؟ وهو عامل ايه؟ متكدبش عليا والنبي، أنا قلبي حاسس إن حصله حاجه وحشه.
أسرع يطمأنها: هو كويس متقلقيش، دلوقتي بيعمل غسيل معدة.
تحركت نحو غرفة الملابس بخطوات سريعة، وهي تمسح دموعها بيد مرتجفة: إنتم في مستشفى إيه؟
مكي: يا بنتي متجيش، أنا أول ما يخرج هطمنك.
ماسة بإصرار، وهي تبحث بين ملابسها: خلص! إنتم في أنهي مستشفى؟
تنهد قائلا: هبعتلك اللوكيشن.
ارتدت ملابسها بتعجل ثم خرجت وهي تكمل تزرير ملابسها..
توقفت أمامها سعدية: استنى يابنتي نلبس ونروح معاكي.
هزت رأسها سريعا: أنا مش هستنى حد، خدوا بالكم بس من حور هي بتلعب في أوضتها.
قالت كلماتها وتحركت للخارج، بينما نظرت سعدية إلى سلوى: خلينا نروح نلبس ونلحقها.
علي اتجاه آخر...
استقلت ماسة السيارة برفقة أحد الحراس: أطلع بسرعة.
انطلقت السيارة، وظلت تبكي طوال الطريق، وما إن وصلت إلى المستشفى حتى اندفعت إلى الداخل، فوجدت مكي وياسين واقفين..
تسألت بصوت متهدج وعينين ممتلئتين بالدموع: هو فين؟ سليم فين؟
اقترب منها مكي، وحاول تهدئتها: بالراحة يا ماسة، هو جوة الدكاترة معاه.
هزت رأسها بسرعة، وازدادت دموعها: لازم أشوفه.
مكي بهدوء: ممنوع، استنى هنا شوية والدكتور هيطمنا.
أومأت برفض: لا أنا لازم أشوفه قدام عيني وأطمن عليه.
حاول ياسين اعتراضها: ماسة...
لكنها لم تنتظر أن يكمل، وتحركت نحو الداخل بخطوات سريعة: أنا مش مستنية اخد اذن منكم.
وقبل أن تصل إلى باب الغرفة، أوقفتها إحدى الممرضات: مينفعش يا فندم تدخلي جوة.
نظرت إليها بعيون باكية: أنا مراته، ولازم أدخل أطمن عليه
الممرضة بعملية: يا فندم ممنوع والله.
أمسكت بيديها، وقالت برجاء وهي تحاول حبس شهقاتها: أرجوكي، أنا مش هقدر أستحمل، أنا لازم أطمن عليه، هيجرالي حاجة والله العظيم لو مشفتهوش، والله ما هعمل صوت هقف على جنب أشوفه بس.
نظرت إليها الممرضة للحظات، ثم هزت رأسها بتعاطف: طيب تعالي معايا، بس لازم تلبسي الأول، وممنوع تقربي منه.
أومأت ماسة بسرعة، فساعدتها الممرضة على ارتداء ملابس الوقاية، ثم أخذتها إلى المكان الذي يوجد فيه سليم.
توقفت ماسة عند الباب، وما إن رأته مستلقيا بين الأجهزة والأطباء حتى غص قلبها، ووضعت يدها على فمها من شدة الصدمة.
همست بصوت مكسور: سليم...
ثم قالت بقهر: سليم إنت مينفعش تموت عشان خاطري، وعلشان خاطر ابننا وحور.
انهارت دموعها وهي تراقبه، بينما واصل الأطباء محاولاتهم لإنقاذه وإخراج السم وإعطائه الترياق المناسب..
في الخارج...
وصلت سلوى وسعدية، ووقفتا إلى جوار مكي وياسين، بينما وقف عزت معهم أيضا.
سلوى بحزن وغضب: ليه منى تعمل كده في سليم يعني؟
أجابها عزت: منعرفش.
تنهدت سعدية، ومسحت دموعها: ربنا يرحم إللي مات، ويبارك ويحفظ في عمر إللي عاش ويشفيك يا سليم يا حبيبي.
سأل ياسين عزت: إنت بلغت القصر؟
أجابه: لا، طبعا، قولتلهم محدش يتكلم ولا يقول أي حاجة.
ياسين بقلق: طب مش هنبلغ الهانم؟
أومأ بهدوء وعقلانية: نطمن على سليم الأول، الموضوع ده هيكون كارثة، ومش هينفع ناخد فيه أي خطوة غير لما نطمن على سليم.
ياسين باستنكار: المجموعة كلها عرفت!
عزت بقوة: أنا عرفت أغطي الموضوع، متقلقش، حتى في المستشفى مش هيتكلموا.
التفتت سلوى إلى مكي: متخش يا مكي تطمن على ماسة ولا تدخلني أنا؟
أجابها بهدوء: متقلقيش عليها، طول ما هي جوة هتكون كويسة.
ثم تساءل باستغراب: هي أصلا كلمته من الأول ليه؟ كان مالها؟
تنهدت: حلمت حلم وحش فصحيت من النوم بتعيط وبتنادى عليه، كأن قلبها كان حاسس!
علي إتجاه الأخر...
كان الأطباء يتابعون مؤشرات سليم، وبعد أن اطمأنوا من استقرار حالته، بدأ بعضهم في مغادرة الغرفة، بينما ظل طبيب يتابع الأجهزة ويتأكد من استجابته للعلاج.
اقتربت ماسة منه بقلق، وسألته: خير يا دكتور؟
الطبيب بهدوء نسبي: الحمد لله، قدرنا نسيطر على الوضع، والترياق بدأ يجيب نتيجة، وحالته بدأت تستقر، هو ماخدش كمية كبيرة من السم، وده فرق كتير في حالته، وده فضل من ربنا.
تنفست بصعوبة، وسألته بقلق: طب يعني هو هيكون كويس؟ يعني ممكن بعد الشر يحصله حاجة جسمه يتأثر أو حاجة؟
هز رأسه: ولا أي حاجة اعتبريه أكل أكل ملوث، مفيش أي تأثير على وظائف الجسم الحمد لله.
سألته مجددا: هو هيصحى إمتى؟
أومأ برأسه: خلال نص ساعة.
هزت برأسها: تمام، شكرا يا دكتور.
غادر الطبيب الغرفة، بينما أحضرت ماسة كرسيا وجلست الي جواره.
أمسكت يده الموصولة بالمحاليل، وظلت تحدق في وجهه الساكن، قبل أن تخرج كلماتها بصوت مرتجف: آه يا سليم، إحنا شكلنا مش مكتوبلنا نرتاح أبدا، مهما نهرب من الوجع، بنلاقيه حالف يفضل ورانا..
انهمرت دموعها وهي تضغط على يده: مش مكتوبلنا نفرح ولا نعيش مرتاحين، قولتلك قبل كده، أنا بقيت بخاف أفرح، بقيت عارفة كل لحظة فرحة قصادها أيام من الوجع والقهر..
صمتت لحظه، ثم نظرت إلى وجهه بحزن، تابعت: كأن فيه لعنة بينا، من يوم ما اتجوزنا تقريبا، وحياتك اتبدلت..
فلتت منها ضحكة ساخرة بمرارة: وشي كان وحش عليك، من يوم فرحنا ما شفناش حاجة حلوة، مجرد أيام فرحة وسنين من العذاب..
مدت وجهها بحسرة: أمي كانت بتقول إن الستات أقدام، فيه ستات قدامها بيكون سعد على جوزها، وستات تانية بيقى قدامها نحس وفقر، وأنا منهم..
بدأ صوتها يهتز، وشعرت بالذنب يثقل قلبها: فاكرة يوم ما شوفتك أول مرة في حفلة عيد ميلاد لارا؟ كان وشك بيضحك، وعينك كلها أمل، شبه ورد الياسمين في الربيع، كان عندك طموح ومشرق علي الحياة، ومكنتش قلقان من حاجة، وبمجرد ماتجوزتني، بقيت دايما حاسس بالقلق والخوف، الورد المفتح اللي كان في عينك اتحول لشوك، والشروق اتطفي، أنا جيت وجبت معايا المشاكل والهم...
دققت النظر في ملامحه أضافت بنبرة مقهورة: أنا بجد آسفة، مكانش نفسي أكون سبب في كل اللي حصلك.
رفعت عينيها إلى أعلى، وانهمرت دموعها أكثر، قالت بصوت مكسور: يا رب... لو عذابه ده هينتهي لو أنا بعدت عنه، خليه يبعد عني، وخليه يعيش مرتاح ومبسوط..
عادت بنظرها إلى سليم: خليه يلاقي السعادة اللي يستحقها، حتى لو كانت السعادة دي من غيري.
وضعت قبلة على كفه، وظلت تنظر إليه وهي تمسح على يده بحب، بينما كان شعور الذنب ينهش قلبها؛ فلو لم يتزوجها، لما حدث كل هذا.
وبعد وقت..
بدأ سليم يحرك عينيه ببطء، انتبهت ماسة، فاقتربت منه مسرعة، وقد غمرتها السعادة وهي تمسح دموعها: سليم!
فتح عينيه ببطء، وبدا عليه التعب: إيه اللي حصل؟
هزت رأسها وهي تحتضن يديه بين كفيها: مش عارفة، بس مكي قالي إنك اتسممت، والدكاترة هنا عملولك غسيل معدة، الحمد لله إنك بخير، كنت هموت من القلق عليك.
أمسكت يده وأخذت تقبل كفه عدة قبلات، وهي تبتسم من شدة فرحتها: مش هتبطل تخوفني عليك بقى؟
أومأ بحيرة بنبرة متعبة: أنا مش عارف ده حصل إزاي؟! أنا كنت كويس، حتى مأكلتش من الأكل اللي جبته من برة ده كتير.
ماسة بسرعة: متاكلش تاني من بره، أي حاجة عايزها أنا هعملهالك.
مالت عليه وقبلته من خده، ثم احتضنته: الحمد لله يا حبيبي إنك كويس.
مسح على راسها: خليهم يطمنوا على مراد علشان أكل معايا.
أومأت بابتسامة وهي تبتعد: حاضر، هروح أنادي الدكتور.
نهضت، وخرجت إلى الخارج، فوجدتهم متوقفين.
ماسة بسعادة: الحمد لله، سليم فاق وبقي كويس.
مكي بلهفة: هنادي الدكتور يشوفه.
ماسة بتوضيح: لا أنا وأنا خارجة شوفته وقولتله، كمان سليم بيسأل على مراد، بيقول إنه أكل من الأكل.
تبادل الجميع النظرات، لكن لم يتحدث أحد.
شعرت ماسة أن هناك شيئا غير طبيعي، لكنها لم تهتم كثيرا.
عزت: خلينا نطمن على سليم.
تحرك الجميع الى الداخل.
كان الطبيب يطمئن على سليم، وبعد أن تأكد أن حالته مستقرة، قال: الحمد لله، الحالة مستقرة، والجسم تخلص من السم.
تنفس الجميع براحة، ثم سأل عزت: طيب، إمتى هيخرج يا دكتور؟
الطبيب بعملية: ممكن بكرة الصبح، وده هيكون أفضله، ويفضل على المحاليل لحد ما نتأكد إن حالته مستقرة، بس متقلقوش من حاجة، ده إجراء روتيني، ألف سلامة عليه، وعن إذنكم.
خرج الطبيب، وبدأ الجميع يطمئنون على سليم.
سعدية: حمد لله على سلامتك يا حبيبي.
ابتسم سليم: الله يسلمك.
اقترب عزت منه، ومسح على شعره، ثم قبله من جبينه: أنا كنت هموت لو كان جرلك حاجة.
سليم بتهوين: فيه إيه يا جماعة؟ عادي يعني، أكلت أكل بايظ الحمدلله بسيطة، بس اطمنتوا على مراد علشان أكل معايا.
ساد الصمت، وتبادل الجميع النظرات، وكأنهم لا يعرفون ماذا يقولون.
انتبه سليم إلى نظراتهم، فعقد حاجبيه: هو في إيه؟
ابتلع عزت ريقه وقال بصوت مثقل: الأكل مكانش بايظ يا سليم... الأكل كان متسمم.
اتسعت عينيه في صدمة: إنت بتقول إيه؟
شهقت ماسة، واقتربت من سليم وأمسكت كتفه، بينما تابع عزت بصعوبة: منى حطتلك سم في الأكل، بس طبعا معملتش حساب إن مراد هياكل منه.
سليم بترقب: وبعدين؟
خفض عزت عينيه للحظات، قبل أن يقول بصوت مكسور: للأسف مقدرناش نلحق مراد، هو مات، ومنى موتت نفسها وأكلت من السم.
وضعت ماسة يدها على فمها، ونظرت إلى سليم بصدمة.
تجمد سليم في مكانه، وانهمرت دموعه وهو يقول بصعوبة: يعني مراد مات؟ ده كان لسه معايا... وكنت بقول إن مستقبله كبير، كان عمال يضحك ويهزر معايا إزاي؟
نظر الجميع إليه بصمت، فلم يجد أحد ما يقوله.
بينما تابع سليم بصوت متقطع: يعني أنا اللي كنت المقصود؟
رفع عينه نحو ماسة اضاف: ومكالمتك هي اللي أنقذتني؟
انحنت عليه واحتضنت رأسه، تربت على خده محاولة تهدئته، وعيناها مغرورقتان بالدموع: الحمد لله يا حبيبي إنك كويس... وربنا يرحم مراد.
تمتم بصوت منكسر، وهو يخفض عينيه: أنا عايز أبقى لوحدي.
ثم وضع يده فوق يد ماسة، وضغط عليها برفق: خليكي إنتِ معايا يا ماسة.
نظر الجميع إليه بصمت، ثم بدأوا يخرجون من الغرفة واحدا تلو الآخر، تاركينهما وحدهما.
حاول سليم أن يعتدل في جلسته، فأسرعت ماسة إلى مساعدته، ثم وضعت وسادة خلف ظهره وجلست بجانبه.
أمسك يدها، وقال بحب: إنتِ أنقذتيني يا ماسة، اتكتبلي عمر جديد على إيدك، بعد ربنا، لولا مكالمتك كان زماني أنا مكان مراد.
قاطعته بسرعه وهي تضع يدها علي فهمه قالت بلهفه: بعد الشر عليك.
ابتسمت وسط دموعها، وقالت بصوت مرتجف: الحمد لله يا حبيبي، إن ربنا سخرني أكون سبب في إنقاذ حياتك.
أخرج نفسا عميقا بندم، وعيناه تلمعان بالدموع: ياريتني ما كنت قولتله تعالى كل.
هزت رأسها بهدوء، وقالت بحكمة: ده قدره ومكتوب يا حبيبي، محدش بيهرب من قدره، هو كان مكتوبله يموت في اللحظة دي وبالطريقة دي، الله يرحمه.
سليم بحزن: بس مكنتش عايز أكون السبب.
ضمت يده بين كفيها ودققت النظر داخل عينه: إنت ملكش دعوة بأي حاجة حصلت، منى هي اللي اختارت طريقها وأصرت تكمل فيه، وياريت الناس تفهم إن ربنا سبحانه وتعالى أكبر من أي ظالم؛ ممكن الظالم يفتكر إنه انتصر وبقى أقوى من الكل، لكن في الآخر فيه ربنا... العدل اللي محدش يقدر يهرب منه،
حتى لو منى ماتت، فهي قبل موتها شافت ابنها بيموت قدام عينيها، وعرفت إنها هي اللي حطت السم بإيديها.
أومأ بوجع: بس مراد صعبان عليا أوي، لسه شاب صغير.
ربتت على يده: ربنا يرحمه، هو في مكان أحسن أكيد.
صمت للحظات، ثم رفع عينيه إليها متسائلا: هو إنتِ اصلا كلمتيني وأنت منهاره كده ليه؟ إيه اللي حصل؟
خفضت عينيها، ثم قالت بنبرة محشرجة: حلمت حلم وحش أوي، شوفت القصر... بس كان شكله غريب ومخيف..
(الحلم)
نرى ماسة تسير داخل القصر، لكنه لم يكن كما تعرفه بدا مهجورا، وكأنه لم يُفتح منذ سنوات طويلة، غطت الأتربة كل شيء، وانتشرت خيوط العنكبوت في أرجائه، بينما كانت أصوات الغربان والبوم تزيد المكان وحشة ورعبا.
كانت ترتدي فستانا أبيض، ويبدو شكلها أصغر من عمرها، وكأنها عادت إلى السادسة عشرة من عمرها
ظلت تسير بين أرجاء القصر وهي تنظر حولها بخوف، وتنادي بصوت مرتجف: سليم... سليم!
كانت تبحث عنه وهي مرعوبة، حتى وصلت إلى إحدى الغرف.
وما إن دخلتها حتى وجدته واقفا في المنتصف، وحوله عدد كبير من الثعابين خائف ووحيد.
وأحد الثعابين قريب منه للغايه وعلي وشك لدغه.
شهقت بفزع، وحاولت إبعاده عنه بكل ما أوتيت من قوه، ولكن الثعبان كان أسرع منها وبدأ بلدغه بالفعل!
عودة إلى الواقع
ماسة وهي تستعيد تفاصيل الحلم: بس، وصحيت وأنا مخنوقة وحاسة إن قلبي مقبوض عشان كده كلمتك وقلتلك تعالى حالا، كنت خايفة عليك أوى، ولما اتاخرت، وكلمتك كتير ومكنتش بترد، كلمت مكي وهو اللى عرفني إنك في المستشفى، جريت على هنا علطول.
ابتسم ابتسامة خفيفة رغم تعبه: مش أول مرة قلبك يحس بيا.
مسحت على قلبه بابتسامة حب: طبيعي يحس بيك علشان أنت حتة منه..
أضافت على مضض: إنت عارف، وإنت نايم كنت بدعي دعوة، وبتمنى إنها تتحقق لو كانت فيها مصلحتك.
سليم باستغراب: إيه بقى الدعوة دي؟
ترددت لحظات، ثم قالت وهي تعبث بأصابعه: لو حياتك هتكون سعيدة وبعيدة عن أي خطر، وأنا مش موجودة فيها... فـيارب يبعدني عنك.
قطب حاجبيه بضجر، ثم وضع يده على فمها بحنان:
أوعي تقولي كلام زي ده تاني، هزعل منك يا ماسة،
هو ينفع إنسان يعيش من غير روحه؟ أنتِ مش بس جزء من حياتي، إنتِ روحي ونفسي ونور عيني كمان.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع بشعور بالذنب: بس روحك ونفسك دول هما السبب في كل اللي حصلك...
هز رأسه بحزم: ماسة... ماسة! أنا مش هقولك تاني، إنتِ ملكيش علاقة خالص بأي حاجة حصلت، مش وجودك في حياتي هو اللي خلاهم يعملوا كده، هما كانوا هيعملوا كده بيكي أو من غيرك، حتى لو كنت اتجوزت بنت السلطان نفسها.
صمتت قليلا، ثم قالت وهي تمسح دموعها: أنا حاسة إن وشي كان وحش عليك، من يوم ما دخلت حياتك... حياتك كلها بقت كرب، من مشكلة لمشكلة.
نظر إليها بحب، ومد يده يمسح دموعها: صدقيني، وجودك في حياتي هو إللي مخلي لحياتي معنى، وبيخليني سعيد، إياكي تفكري بالطريقة دي تاني عشان مزعلش منك، وبلاش الدعوات إللي بتبعدك عني... أنا مقدرش أعيش من غيرك ثانية واحدة، حياتي هتبقى كرب من غير الوش المسكر ده... يا أحلى قطعة سكر.
ابتسمت وسط دموعها، ثم اقتربت منه وضمته بحنان.
في الخارج كان الجميع يقف أمام الباب.
تنهد عزت، ونظر إلى ساعته: أنا همشي بقى عشان لازم أقول لفايزة على الخبر، وعشان نحضر للدفنة بكرة.
أومأ مكي بأسف: البقاء لله يا باشا.
ألتفت عزت إلى ياسين متسائلا: ياسين إنت جاي ولا إيه؟
تنهد بعمق: هطمن على سليم واحصلك يا باشا.
أشار مكي بيده إلى سلوى وسعدية: سلوى إنتِ وخالتي كمان أمشوا قعدتكم ملهاش لازمة.
سألته: طب إنت هتفضل هنا؟
هز رأسه بثبات: آه طبعا، مش هينفع أسيبه.
سعدية وهي تهم بالتحرك: طب خلينا ندخل نسلم عليه وناخد ماسة معانا.
دخل الجميع.
عزت: سليم إحنا هنمشي بقى علشان الخبر لسة محدش يعرفه.
سليم متسائلا: هتدفنوه بكره؟
عزت: إن شاء الله
ياسين باهتمام: مش عايز اي حاجة
أومأ سليم برأسه بنفي
سعدية: حمدالله علي سلامتك يا حبيبي، هتروحي معانا يا ماسه؟
ماسة برفض: لا أنا هقعد معاه مش هسيبه.
ثم التفتت إلى سلوى، وعيناها ممتلئتان بدموع تحاول كتمانها بصعوبة: معلش يا سلوى ابعتي مع حد هدوم ليا ولسليم، وخدي بالك من حور، قوليلها إننا بنجيب حاجات وجايين علطول.
ربتت سلوى على كتفها بحنان، ونظرت إلى سليم بنظرة مشفقة: ماشي حاضر، ألف سلامة عليك يا سليم.
مكي وهو يشير بيده: أنا معاك هنا مش همشي، هستنى بره، إنت عامل إيه دلوقتي؟
ابتسم ابتسامة واهنة متعبة، وأغمض عينيه ببطء، وبالكاد خرج صوته: الحمد لله.
ساد صمت ثقيل، وغادر الجميع واحدا تلو الآخر، حتى خلا المكان.
بينما بقيت ماسة وحدها بجانبه، تضمه إلى صدرها، تسند رأسها فوق راسه، وتبكي في صمت، بينما كانت يدها المرتجفة تربت على ظهره بوهن.
قصر الراوي،6م.
دخل عزت القصر، وسأل أحد الخدم عن فايزة، فأخبرته أنها تجلس في غرفة الموسيقي.
توجه نحوها، فوجدها تجلس على المقعد، تقرأ مجلة وتستمع إلى موسيقى الأوبرا.
وفور أن دخل، نظر إليها بطرف عينه، ثم أغلق الموسيقى.
نظرت إليه بضيق: قفلتها ليه؟ سيبها، عايزة أريح أعصابي شوية.
تنهد وهو يتوقف أمامها: لازم نتكلم في حاجة حصلت.
أغلقت المجلة، ونظرت إليه بضجر: خير؟ إيه إللي حصل تاني؟ ما احنا مبقاش ورانا غير المصايب وبس.
نظر إليها عزت للحظات، لا يعرف من أين يبدأ: منى النهاردة جت المجموعة.
اتسعت عيناها بضيق: إزاي الحشرة دي تيجي بعد إللي عملته مع طه؟
عزت بقهر، وعيناه تترقرقان بالدموع: مش دي المصيبة يا فايزة، منى حطت سم في الأكل بتاع سليم، كانت عايزة تقتله.
اعتدلت في جلستها واتسعت عيناها بخضة، فتابع عزت سريعا: بس سليم الحمد لله مكلش كتير...بس.. ااا..
تابع بقهر وكأن الكلمات تخرج من روحه: بس مراد هو اللي أكل من الأكل.
اتسعت عينيها بصدمة، وتوقفت وهي تتساءل بتقطع: مراد؟ مين ده اللي أكل؟
قال وهو يمسح دموعه: مراد يا فايزة، هو إحنا نعرف أكتر من مراد؟
تساءلت بتوتر: طب هو عامل إيه دلوقتي؟
خفض عينيه، وقال بثقل: مات... أنا وديته المستشفى، إحنا لازم نقول الخبر لطه وللعيلة، بس طبعا مش هنقول إنهم ماتوا مسمومين هنقول أي حاجة.
من شدة الصدمة، سقطت في جلستها على المقعد مرة أخرى، وقالت بعدم تصديق: أنا مش قادرة أصدق! مراد مات!
اقترب منها عزت بحزم: حاولي تتماسكي يا فايزة، مش هينفع أي سقوط دلوقتي عشان تيم وطه.
فايزة بدموع: ده كان لسه الصبح معايا وشربنا قهوة سوا.
مسحت دموعها وتسألت: أنا محتاجة أفهم اللي حصل ده حصل إزاي؟
اومأ وبدأ يسرد لها كل ما حدث، وعقب انتهاءه، علقت بغضب: حقيرة! إزاي تفكر تعمل كده في سليم علشان كشف خيانتها؟ أهو مراد دفع التمن بسبب حقارتها.
نظر إليها عزت باستهجان: مش وقته الكلام ده يا فايزة، خلينا نشوف هنبلغ الخبر الزفت لطه إزاي؟
أجابته بحسم: إحنا لازم نقول لطه الأول، علشان مينفعش تيم يعرف حاجة زي دي، هتأثر كتير في نفسيته.
تنهد عزت: مفهوم طبعا يا فايزه خلينا نطلع لطه ونشوف هنقوله الخبر ده إزاي.
وبالفعل صعدا معا لأعلي.
غرفة طه
كما في الآونة الأخيرة، كان طه يقضي وقته داخل غرفته، منعزلا عن الجميع.
كان جالسا على المقعد في حالة يرثى لها، والسيجارة بين أصابعه، وإلى جواره زجاجة خمر، بينما كانت الغرفة غارقة في الظلام والفوضى من حوله.
دخل عزت، وأشعل النور، ثم نظر إلى طه، فوجده شاحب الوجه، وشعره مبعثرا، وملامحه مرهقة، حتى بدا وكأنه لم يستحم منذ أيام.
رفع طه عينيه إليهما بضيق: جايين ليه؟ عايزين تسمعوني نفس الكلام المستفز؟
فايزة بضيق: مستفز؟ وإحنا علشان عايزين نخرجك من إللي إنت فيه، يبقى كلامنا مستفز؟ عموما، إحنا محتاجين نتكلم معاك في حاجة مهمة.
مد يده إلى الكأس، وأضاف إليه قليلا من الخمر وبعض مكعبات الثلج، ثم قال بلامبالاة: عايزين تقولوا إيه؟
زفر عزت باختناق، ثم أخذ الكأس من يده ووضعه جانبا: حرام عليك نفسك!
نظر إلي بحدة: مدام خايفين عليا أوي كده، مقولتليش من الأول إن منى مكانتش بتحبني، وكانت بتحب أخويا الصغير ليه؟
فايزة بحزن: كلنا قولنالك إنها مبتحبكش، وإنها متجوزاك علشان...
قاطعها عزت سريعا: خلاص يا فايزة، فيه حاجات أهم دلوقتي، فوق بقا فيه حاجة حصلت لازم تعرفها.
طه ببرود: حاجة إيه؟
تردد عزت للحظات، قبل أن يقول: مراد تعبان شوية، ووديناه المستشفى.
اتسعت عينا طه، واختفى الجمود من ملامحه: مراد؟! ماله؟ وعامل إيه دلوقتي؟
أجابه بسرعة: هنروح كلنا نطمن عليه، يلا بقى، غير هدومك.
نهض مسرعا، وكأنه استفاق فجأة من الحالة التي كان غارقا فيها، واتجه نحو خزانة ملابسه وبدأ يغير ملابسه على عجل.
نظرت فايزة إلى عزت وهمست: ليه مقولتلوش الحقيقة؟
نظر إليها للحظات، ثم أجاب بخفوت: معرفتش أقوله يا فايزة، مش عارف هيكون رد فعله إيه لما يعرف إن مراد مات، خلينا نقوله هناك أحسن.
اومأت صمت بينما ظل عزت ينظر إلى طه، الذي كان يبدل ملابسه بسرعة، دون أن يعلم أن الخبر الذي ينتظره لن يكون كما يتخيل.
♥️___________بقلمي_ليلة_عادل.
فيلا سليم وماسه.6م
عادت سلوي وسعديه، فذهبت سلوي للاطمئنان علي حور، فوجدتها في غرفتها منهمكه في أحد الروسمات، تركتها وذهبت لتبدل ملابسها، وبعد قليل عادت إليها مره أخري
اقتربت منها: بتعملى ايه يا حور؟
رفعت رأسها بابتسامة، ولوحت بالورقة أمامها بحماس: برسم، بصي دي إنتِ، وده بابا وماما، وأنا ونالا، وتيتة وجدو، وياسين وعمار ويوسف، وتيتة إسعاد، ورحمة..
تتأملت سلوي الرسم بابتسامة، فلفت انتباهها شخص مرسوم على مسافة بعيدة عن باقي العائلة، فأشارت إليه: طب ومين اللي هناك؟
تغيرت ملامح حور: ده رشدي! عشان أنا زعلانة منه لأنه سافر ومش بيتصل بيا.
مسحت على رأسها بحنان: معلش يا حبيبتي هو أكيد مشغول.
وفجأة انتفضت حور بحماس، وامسكت الورقة وركضت نحو الباب: هروح أوري بابا وماما الرسمه.
نهضت سلوى ولحقت بها حتى وقفت أمامها: لا يا حبيبتي، بابا وماما مش هنا.
حور باستغراب: أمال فين؟
اجابتها بهدوء: في مشوار!
قطبت حاجبيها بضيق: طب ليه مش قالولي ولا اخدوني معاهم؟
سلوي بمهادوه: أنتِ كنتي نايمة، ومحبوش يصحوكي.
نظرت إليها طويلا، ثم قالت بصوت متأثر: أنتِ بتكدبي عليا، بابا وماما سافروا وبعدوا عني زي رشدي!
جلست أمامها بسرعة، وأمسكت كتفيها بحنان: لا يا حبيبتي، والله العظيم ما حد فيهم سافر، هم راحوا يجيبولك حاجات حلوة، لكن مسافروش.
خفضت عينيها وقالت بخفوت: لا هم سافروا تاني عشان أنا بعمل شقاوة، وبابا بيزعل مني لما بعمل شقاوة، كلميهم خليهم يرجعوا وأنا مش هعمل شقاوة تاني وهسمع الكلام.
تأثرت سلوى من كلامها، وشعرت كم أصبحت فكرة الفراق مرتبطة في عقل الصغيرة بخوفها من أن تكون هي السبب فيه.
احتضنتها وقالت بهدوء: والله ما سافروا يا حور، طب استني، هتصلك بيهم.
أخرجت هاتفها واتصلت بماسة، لكنها لم تجب، فعادت واتصلت بمكي: ايوه يا مكي، معلش خلي سليم وماسة يكلموا حور، عشان هي زعلانة وفاكراهم سافروا وسابوها.
دخل مكي وهو يحمل الهاتف، وأعطاه لسليم وماسة.
بينما فتحت سلوي مكبر الصوت، وأعطت حور الهاتف، فظلت تنتظر حتى جاءها صوت ماسة بحنان: إيه يا حبيبتي؟ زعلانة ليه؟
أجابت بسرعة: ماما، إنتِ فين وبابا فين؟
جاءها صوت سليم: أنا موجود أهو يا حور إنتِ زعلانة ليه؟ خالتو بتقولي إنك زعلانة.
ردت بحزن: عشان إنتم مش معايا.
ردت ماسة: إحنا بنجيبلك حاجات حلوة.
سألتها بتردد: يعني مسافرتوش وسبتوني؟
اجابتها بتوضيح: لا يا قلبي، مسافرناش، وهنرجع علطول متخافيش، بكرة أول ما تفتحي عينيك هتلاقيني قدامك أنا وبابا.
ابتسمت حور أخيرا: ماشي، بس لو اتأخرتوا هخاصمكم يوم ويوم ويوم.
ضحك سليم: منقدرش نتأخر عليكي يا أميرتي، المهم اسمعي الكلام ومتعمليش شقاوة، عشان تيته وخالتو.
هزت راسها بايجاب: حاضر.
أغلقت الهاتف وأعادته إلى سلوى، ثم نظرت إليها بحماس: يلا يا سلوى ننام عشان بكرة ييجي بسرعة.
ضحكت سلوى: لسه بدري، هتنامي من دلوقتي؟ إحنا هناكل الأول، ونقعد نلعب شوية ونعمل خواتم وأساور، إيه رأيك؟
ابتسمت بحماس: ماشي!
علي اتجاه آخر...
نظرت ماسة لسليم بقلق، وهي تغلق الهاتف: إحنا لازم نروح لدكتور ياسر، حور كل مابتشوفنا مش موجودين، أو بنبعد عنها كام ساعة، بالنسبة لها بنكون سافرنا، الموضوع ده معقدها اوي، وخصوصا إنها متعلقة برشدي، ودلوقتي هو كمان مش موجود فالبنت بقت خايفه اوي.
أومأ بالموافقة: أكيد هعمل كده، أنا برضو لاحظت الموضوع ده، بقولك إيه؟ ما تقومي تروحيلها؟ أنا خلاص بقيت كويس، ومكي معايا.
هزت رأسها برفض: مش هقدر أسيبك لوحدك، هي كمان لازم تتعود وتصدق إن لما بنقول إننا هنرجع، يبقي هنرجع، يمكن ده كمان يكون جزء من العلاج، حاسة كده.
ابتسم بهدوء: عندك حق.
المستشفى،7م.
كان طه يسير في الممر بخطوات متسارعة، وعيناه تتحركان بين الوجوه من حوله، بينما كان القلق يزداد داخله مع كل خطوة.
قال بتوتر: أنا عايز أعرف إيه اللي حصل؟
كان الممر ممتلئًا بالحراس، حتى بدا أن المستشفى بأكملها قد أغلقت، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الأطباء والعاملين.
أستمر طه في السير، حتى وصلوا إلى الممر المؤدي إلى المشرحة، وهناك توقف فجأة، ونظر حوله باستغراب.
قال بقلق: إحنا هنا ليه؟
نظر عزت وفايزة لبعضهما ولم يجروء اي منهما علي الحديث، بينما تسأل طه مره أخري وقد بدأ الخوف يتسلل إلى قلبه: أنا عايز أفهم إحنا هنا ليه؟
اقترب عزت منه، لكنه ظل عاجزا عن إخراج الكلمات
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع، وملامحه مثقلة بالحزن
قال بصوت متهدج: طه لازم تتماسك.
نظر إليه بقلق: اتمساك ليه؟!
ابتلع عزت ريقه، وقال بصعوبة: مراد مات!
اتسعت عينا طه، وكأن الكلمة لم تصل إلى عقله، وبدأ قلبه يخفق بعنف.
خرج صوته مخنوقا، وكأن الكلمة تعصر روحه: بتقول إيه؟... مراد؟ ابني؟ ابني أنا مات؟
عزت وعيناه تفيضان بالدموع: منى قتلته، كانت عايزة تنتقم من سليم، وحطتله سم في الأكل، للأسف مراد أكل منه، وهي كمان أكلت من السم علشان تموت نفسها..
هز طه رأسه برفض تام، وكأنه يحاول أن ينفي الكلمات قبل أن تكتمل في أذنيه: لا... مش معقول! مستحيل! قولي حاجة تانية...
حاول عزت تهدئته، بينما كانت الدموع تملأ عينيه: أنا عارف إن الخبر صعب عليك، ومش بسهولة هتقدر تستوعبه، بس دي الحقيقة يا طه، منى قتلت مراد.
في لحظة، اندفع طه نحوه، وأمسكه من بدلته بكلتا يديه، صارخا بانهيار: إنت بتقول إيه ياباشا، إبني مات؟!
ثم أفلت عزت فجأة، وركض نحو غرفة الثلاجات، وهو يصيح: مرااااد!
أسرع عزت وفايزة خلفه، بينما دخل طه إلى الغرفة، ووقف في منتصفها، وقلبه يخفق بعنف، وكأنه يرفض تصديق ما سمعه.
نظر إلى الأطباء، وقال بصوت متقطع: ابني... فين؟
نظر الطبيب إلى عزت، فأومأ له بصمت.
تقدم الطبيب نحو إحدى الثلاجات، وفتحها، ثم أخرج النقالة التي يرقد عليها مراد، وكانت الجثة مغطاة بالكامل.
توقف طه أمامها، وظل يحدق بها لثوان، وكأن قدميه تجمدتا في مكانهما.
مد يده المرتجفة نحو الغطاء، لكنها توقفت في الهواء للحظات، وكأن شيئا بداخله كان يخشى الحقيقة التي سيجدها تحته.
ابتلع ريقه، وحاول التماسك
ثم أمسك طرف الغطاء، وبدأ يرفعه ببطء، وما إن ظهر وجه مراد أمام عينيه، حتى تجمد تماما.
شعر وكأن كتلة من اللهب اشتعلت داخل صدره، تحرق روحه من الداخل.
فأبنه... فلذة كبده... أمامه جثة هامدة!
ظل يحدق فيه طويلا، وكأن عينيه تحاولان إقناع عقله بأن هذا ليس مراد، وأن ابنه سيفتح عينيه بعد لحظات ويخبره أن كل ما يحدث مجرد كابوس.
لكن مراد ظل ساكنا.
اقترب منه أكثر، ومد يده المرتعشة، ولمس خده البارد.
توقفت أنفاسه للحظة، وسحب يده بسرعة، ثم أعاد لمس وجهه مرة أخرى، وكأنه ينتظر منه أي استجابة.
ثم ردد بتقطع: مم م مراد.
انتظر أن يتحرك، ولكن دون جدوى!
أشار بأصابع يديه المرتعشة وهو يقول بصوت خافت مرتجف: مراد رد عليا؟
رفع عينيه نحو عزت، وقد امتلأتا بالدموع: قولي إن ده مش ابني...
خفض عزت وفايزة عينيهما، ولم يستطيعا الرد.
عاد طه بنظره إلى مراد، وأمسك يده وضمها بين كفيه، وكأنه يحاول أن يمنحها شيئا من دفء يديه: قوم يا ابني... أنا جيت أخدك قوم يا مراد..
لم يجد إجابة.
ضغط على يده أكثر، وقال بصوت مكسور: إنت كنت لسه بتكلمني... كنت لسه هنا... إزاي مشيت من غير متقولي؟
إنحنى أكثر، ولامس جبينه يد ابنه، ثم أغمض عينيه بقهر: أنا بابا يا مراد، أفتح عينك وبصلي، هسمعك ومش هطردك من الأوضة تاني بس قوم قوم قولي حاجة متنسيش انا لسه مشبعتش منك..
وأضاف بقهر، وبنبرة مهتزة تقطع نياط القلب: إنت لما كنت عندي إمبارح، ما قلتليش إنك هتمشي ومش هشوفك تاني..
حاول أن يرفعه وهو يقول بارتباك: يلا... قوم، يلا قوم معايا.
لكن فجأة، أفلت جسد مراد من بين يديه، وسقط على السرير.
وفي تلك اللحظة، شعر طه وكأن صاعقة كهربائية ضربت قلبه؛ تجمد في مكانه، واتسعت عيناه وهو يحدق فيه، قبل أن يدرك الحقيقة التي كان يرفض تصديقها، مراد مات فعلًا.
ظل الصمت يملأ المكان.
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى وجه ابنه مرة أخرى، ثم بدأ يهز رأسه برفض تام: لا... لا...
تراجع خطوة إلى الخلف، وعيناه لا تفارقان مراد: لا... مستحيل
تراجع خطوة أخرى، وكأن جسده يتحرك من تلقاء نفسه، بينما عقله عاجز عن استيعاب ما يحدث، وعيناه معلقتان بوجه ابنه.
استمر في التراجع حتى اصطدم ظهره بالحائط، وظل واقفا هناك، ودموعه تنهمر دون توقف.
حاول أن يقول شيئا، لكن صوته خرج مبحوحا ومكتوما، كأن الكلمات عالقة في حلقه: لا مراد...مراد
خانته قدماه فجأة فسقط على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط وظل جسده ساكنا، وكأنه فقد القدرة على الاستجابة، بينما بقيت عيناه معلقتين بوجه مراد.
فتح فمه محاولا الكلام، لكن صوته لم يخرج إلا مبحوحا، متقطعا: لا... لا...
كانت الكلمة تخرج كأنها آخر ما تبقى لديه من قدرة على الرفض، وكأنه يحاول بها أن يغير الحقيقة أمامه وعيناه معلقتان بجثمان مراد.
اقتربت فايزة منه سريعا: طه مالك؟ طه، إنت كويس؟
لم يجبها.
اقترب عزت منه، وانحنى قليلا أمامه: يلا يا طه، قوم.
تحرك معه دون مقاومة، وكأن جسده يستجيب للحركة فقط، بينما ظلت عيناه شاردتين، معلقتين في إتجاه مراد.
لاحظ طبيب المشرحة حالته، فتقدم منهم: ممكن يكون دخل في صدمة من اللي شافه، الأفضل تطلعوا بيه بره وتودوه للطوارئ يتفحص.
أومأ عزت، ثم قال لفايزة: يلا.
خرجوا ببطء من غرفة المشرحة، بينما ظل طه صامتا، لا يتحدث ولا يبدي أي رد فعل واضح.
وبمجرد وصولهم إلى غرفة الفحص، أسرع الطبيب إلى فحصه، وقاس ضغطه ونبضه، ثم بدأ يحرك قلما أمام عينيه يمينا ويسارا، وبدأ يتحدث معه: أرفع إيدك.
لكنه لم يستجب.
أمسك الطبيب يده ورفعها، ثم تركها، فسقطت يده إلى الأسفل.
ظل الطبيب يتابعه للحظات، وكأنه بدأ يتفهم شيئا من حالته، ثم نظر إلى عزت وفايزة بجدية: هو دخل في صدمة نفسية قوية جدا، وده واضح من حالة الجمود وعدم التفاعل اللي هو فيها.
سأله عزت بقلق: ده كأنه تمثال مش شايف؟
أجابه الطبيب: هو من الناحية الجسدية، مفيش حاجة خطيرة، لكن حالته النفسية محتاجة متابعة، لازم يتعرض على طبيب نفسي، بس إحنا عموما هنتابعه هنا..
أومأ عزت: تمام يا دكتور.
خرج الطبيب من غرفة الفحص، بينما نظر عزت إلى فايزة: إحنا لازم نبدأ في إجراءات الدفنة، وأكلم رفيق وحسام وفريدة، ونبلغ تيم كمان.
فايزة بقلق: طب هنعمل إيه مع طه؟
أجابها بحسم: هبعت أجبله دكتور نفسي وهو اللي يحدد..
وبينما كانا يتحدثان، وصلت رسالة إلى هاتف عزت. أخرج هاتفه ونظر إليها باستغراب، ثم رفع عينيه إلى فايزة: إريك وباولو اتقتلوا.
نظرت إليه بدهشة: وإنت ليه خايف أوي كده؟ إحنا مالنا
اتسعت عيناه بالقلق: إحنا مالنا إزاي يا فايزة؟ إنتِ ناسية إن سليم عرف إن إريك وباولو اشتركوا مع صافيناز وعماد في الحادثة؟
نظرت إليه بصدمة: تقصد إن سليم ممكن يكون هو إللي...
أومأ بإيجاب، وضعت يدها على فمها بخوف: لو دي كانت حقيقة، هتكون مصيبة يا عزت.
هز رأسه برفض وضيق، ثم رفع هاتفه وأتصل بسليم.
على إتجاه آخر.
كان سليم يجلس مع ماسة، التي كانت تمسح خده بقطعة قماش مبللة، ثم تمسح يده برفق.
رن هاتفه، فأمسكته ماسة ونظرت إلى الشاشة: ده باباك.
أخذ الهاتف، وأخرج نفسا عميقا قبل أن يجيب: أيوة يا باشا، طه عامل إيه؟
أجابه بحسم: سيبك من طه دلوقتي، إنت ليك يد في قتل باولو وإريك؟ قولي يا سليم، ومتخبيش عني أي حاجة.
اعتدل في جلسته بصدمة: هما اتقتلوا؟!
عزت بجدية: عايز تفهمني إنك متعرفش، وملكش يد في اللي حصل؟
أجابه بحسم: طبعا مليش يد، ولا أعرف أي حاجة، أنا كلمت ماركو وكريس ومارسيلو، وقولتلهم إني مش عايز أكمل، وقبلت بالاتفاق اللي حصل، وقولت لماركو يبلغهم إني موافق، حصل إمتى الكلام ده؟
تنهد: لسه الرسالة جيالي.
ساد الصمت للحظات، ثم تابع عزت بجدية: خليك بالك من نفسك، وزود الحراسة عليك وعلى الفيلا إللي إنت قاعد فيها دلوقتي.
أومأ سليم: ماشي.
تابع عزت يطمئنه: تيمو مستحيل يعمل حاجة في الوقت ده، بس برضو لازم نعمل احتياطاتنا، هحاول أوصل لمعلومات وأبلغك..
أغلق عزت الهاتف.
نظرت إليه ماسة بقلق: فيهإيه يا سليم؟
نظر إليها بقلق واضح وهو يمسح وجهه: باولو وإريك اتقتلوا.
اتسعت عيناها: دول بتوع المافيا؟
أومأ: أيوة، نادي مكي.
نهضت بسرعة تنادي عليه، وما إن دخل الغرفه، قال سليم: مكي كلم كريس واعرف إيه حوار قتل باولو وإريك ده؟ وكلم عرفان يزود الحراسة على الفيلا ويصحصح.
مكي بصدمة: هو إريك وباولو اتقتلوا؟
أومأ: ايوه الباشا لسه مبلغني، يلا يا مكي، مش وقت صدمه.
زفر بإختناق وهو ينهض: أنا أصلا لازم أخرج.
اعترض مكي: الدكتور قال بكرة.
سليم باعتراض وهو يهز رأسه: مش هينفع، لازم أمشي من هنا.
تقدم مكي خطوة أخري يعترضه: خروجك من هنا مش هيعمل أي حاجة! خليك زي ما إنت، أنا هزود الحراسة، تيمو مستحيل يعمل حاجة دلوقتي من غير ما يتأكد، وبعدين متنساش إحنا معانا مين دلوقتي، أنا هروح اكلم كريس وإنت كلم ماركو..
خرج مكي مسرعا.
اقتربت ماسة منه ومسحت على كتفه بحنان: حبيبي أهدى، إن شاء الله مفيش حاجة، وبعدين إنت مالك؟ أكيد هما قتلوا بعض، إنت مش عرفت باولو أن إريك خانه؟ أكيد قتلوا بعض..
تنهد: مش عارف يا ماسة، حاسس إن كل مادا الدنيا بتتعقد أكتر.
احتوته في أحضانها: إن شاء الله خير.
لف زراعه حول ظهرها وضمها أكثر.
على إتجاه آخر المشفي
خرجت فايزة من الغرفة التي بها طه وهي تمسح دموعها، وبدأت تتحرك في الممر، لكنها فجأة انتبهت لذلك الطبيب الذي كان متوقفا مع إحدى الممرضات ويتحدث معها.
كان هو.. "مصطفى"
توقفت مكانها تنظر إليه، كأنها تحاول أن تتذكره: أنا شوفته فين قبل كده؟
اقترب منها عزت: يلا يا فايزة.
أمسكته من كتفه: عزت، شايف الدكتور اللي هناك ده؟
نظر حيث أشارت: ماله؟
فايزة بشك: حاسة إني عارفاه، شوفته قبل كده.
عزت بملل: ما طبيعي يعني، مش شغال هنا في المستشفى؟
أومأت بعدم اقتناع: لا يا عزت، حاسة إن فيه حاجة تانية، بس مش قادرة أفتكر دلوقتي.
زفر بضيق: بعدين يا فايزة، عندنا حاجات أهم، خلينا نمشي.
وبالفعل تحركا مسرعين، ولم ينتبه مصطفى لوجودهما.
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.
في اليوم التالي.
المقابر1م
كان مظهر المقابر موحشا، والسماء رمادية، بينما دخلت السيارات واحدة تلو الأخرى في طابور طويل من السواد.
نزل الجميع، وحمل ياسين وإبراهيم وتيم ومكي النعش على أكتافهم بخطوات متثاقلة، بينما سار سليم بجانبهم، شاحب الوجه، يخفي الكانيولا المثبتة في يده بطرف معطفه.
بينما كان طه يستند إلى يد عزت، يتحرك كجسد بلا روح، وقد غطى الحزن وجوه الجميع.
حزن الجميع على مراد، حضر أشقاء ماسة ومجاهد، بينما بقيت سعدية مع حور، وكان اللافت وجود نعش واحد فقط؛ فمنى لم تكن حاضرة، بينما حضر رفيق وحسام.
وبعد انتهاء الدفن، انتقل الجميع إلى صوان عزاء كبير يليق بعائلة الراوي، مقاما في أحد في الجامع
وقف سليم وعزت وياسين وتيم يتلقون العزاء، بينما جلس طه على كرسيه، كتمثال، كأنه في عالم آخر.
وفي عزاء السيدات، جلست فايزة تستقبل العزاء، ومعها ماسة وسلوى وفريدة وهبة ولوجين.
فيلا ماسة وسليم،11م
كانت حور في غرفتها، وسعدية تجلس بجانبها ومعهما مجاهد يحاول إلهائها.
حور ببراءة وحزن: بابا وماما اتأخروا خالص، هما مش هييجوا النهاردة كمان؟ يعني إمبارح باتوا بره، والنهاردة اليوم كله خلص ولسة مجوش.
ربتت سعدية على شعرها بحنان: لا يا حبيبتي هييجوا والله، متخافيش.
حور بزعل: انتم بتكدبوا عليا، هما سافروا تاني وسابوني؟ قولي الحقيقة.
هز مجاهد رأسه: لا يا حبيبتي، محدش سافر والله هما شوية وجايين، حتى سلوى ومكي معاهم.
قالت باستسلام وعناد طفولي: ماشي، أنا مش هنام غير لما ييجوا، هفضل قاعدة مستنياهم، ولو طلعتوا بتكذبوا عليا هخاصمكم يوم ويوم ويوم.
ابتسم مجاهد وقبلها من رأسها: يا قلب جدو متقلقيش، هما شوية وهيكونوا هنا.
مسحت سعدية على شعرها: أنا هقوم أعملك كوباية لبن، وأنت أقعدي أرسمي ولا أشغلك كرتون؟
أومات برفض: لا أنا هقعد في البلكونة استنى ماما وبابا.
وبالفعل نهضت وجلست على الأرجوحة وعيناها معلقه علي بوابه الفيلا تنتظر مجيئهم.
نظرت سعدية لمجاهد: من الصبح على كده، خايفه يكونوا سافروا تاني، أنا هكلمهم ييجوا.
قصر الراوي،11 ونصف
وبعد إنتهاء العزاء، عادوا جميعا إلى القصر.
تسألت فايزة بقلق: هنعمل إيه مع طه؟ ده حالته بقت صعبة أوي.
سليم بتعب: في دكتور نفسي أعرفه، أنا كلمته وهيشوف اللازم ويعمله.
اقتربت فريدة منهم بحدة: أنا عايزة أفهم إيه إللي حصل بالظبط؟
التفتت إليها فايزة بغضب مكتوم: مش من حقك تعرفي أي حاجة، مش بعدتي وخدتي جنب مننا؟ خلاص ملكيش دعوة بينا، تعرفي حاجة عننا ليه؟
رفعت فريدة حاجبيها: يعني إيه؟
فايزة بحسم: أظن كلامي واضح.
هنا صاح سليم: خلاص هتتخانقوا مع بعض! مش حاسين بالمصيبة إللي احنا فيها؟ وإنتِ يا فريدة مش وقته بعدين نفهمك.
وضع يده على رأسه، فاقتربت منه ماسة وأمسكت بكتفه: سليم تعالى أستريح.
أجلسته علي الاريكه، ثم جلست أمامه: أنت لازم تاكل وتاخد الدوا، إحنا هنرجع ولا هنبات هنا؟
أومأ بحسم: أكيد مش هنبات هنا، أنا مستني بس دكتور ياسر ييجي وأطمن على طه ونمشي.
مسحت على كفه: طب علشان خاطري كل أي حاجة صغيرة، أنا هعملهالك بإيدي.
هز رأسه برفض: مش هاكل حاجة من هنا يا ماسة.
نظرت له بتفهم: ماشي، طب على الأقل أشرب مية، أنا مشترية إزازة مية من برة، أشربها.
وبالفعل أحضرت له الماء فاحتسى منه القليل.
أقترب منه عزت: سليم إنت كويس؟
أومأ على مضض: آه كويس.
في تلك اللحظة اقترب منهم تيم بخطوات بطيئة، وعيناه حمراوتان، وقال بصوت مرتجف: أنا محتاج أفهم أخويا وأمي ماتوا إزاي؟ وأوعوا تقولولي حادثة عربية.
نظر له عزت بثبات: بس هي فعلا حادثة عربية، وهما راجعين من المجموعة عملوا حادثة هنكذب عليك ليه؟
ضيق عينه بعدم تصديق: وطبيعي بابا يبقى كده؟
فايزة بعقلانية: يعني إنت شايف إن الخبر ده طبيعي عليه؟
تيم بشك: أنا قلبي حاسس أن فيه حاجة كبيرة.
لم يتمالك دموعه، فاقتربت منه فريدة وأخذته في أحضانها: أهدى يا حبيبي وادعيلهم.
وبعد قليل، وصل الطبيب وفحص طه، ثم اقترب منه الجميع بقلق وترقب.
ياسر بجدية: الحالة دي مينفعش تتساب في البيت، الأفضل يروح مصحة نفسية ياخد العلاج ونحاول نخرجه من حالة الجمود والانفصال دي قبل ما تثبت.
تبادل عزت وفايزة النظرات، وسألت فايزة بلهفة: هو عنده إيه يا دكتور؟
ياسر: انفصال عن الواقع بسبب الصدمة
عزت بحزم: اعمل اللازم يا دكتور، ولو عايز تاخده دلوقتي مفيش مشكلة.
أومأ وأخرج هاتفه: تمام، هبعت عربية تاخده للمصحة وهتابعه أول بأول
انصرف ليجري اتصالاته، وبقي الجميع في ردهه القصر في صمت ثقيل.
وقف سليم فجأة وهو يمسح وجهه من التعب: أنا ماشي.
عزت: خليك يا سليم، إنت تعبان.
هز رأسة بحسم: لا.. أنا همشي.
ثم اقترب من تيم ووضع يده على كتفه، ونظر في عينيه بعمق وقال بصوت حنون: أنا متأكد إنك قوي وهتقدر تتخطى ده بسرعة، صدقني مراد في مكان أحسن دلوقتي.
هز تيم رأسه والدموع في عينيه، ثم نظر سليم إلى ماسة: يلا يا عشقي.
أمسك بيدها وخرجا من القصر، تاركين خلفهما صمتا وحزنا.
بعد قليل جاءت سيارة إسعاف، لتأخذ طه.
ذهب طه معهم بهدوء دون أي مقاومة ثم أتجه كل منهم إلى غرفته.
جناح عزت وفايزة.
بدلت فايزة ملابسها، ثم اقتربت من الفراش، حيث كان عزت يجلس ويحتسي الماء، وقد غلبه الإرهاق.
جلست بجانبه وتنهدت بعمق: تيم مش مصدق موضوع الحادثة ده خالص.
نظر إليها بلا اكتراث: مش مهم، بكرة يصدق.
تنهدت، وظلت عيناها معلقة في الفراغ، ثم قالت فجأة: أنت فاكر الدكتور اللي شوفناه في المستشفى إمبارح؟
التفت لها باستغراب: إيه يا فايزة إنتِ دماغك فين؟ إحنا في إيه ولا في إيه؟
زمت شفتيها: والله يا عزت مش عارفة، حاسة إني عارفاه، حاسة إن موضوع معرفتي بيه أكبر من إنه شغال في المستشفى وخلاص.
زفر بضيق وتمدد على الفراش وأعطاها ظهره: نامي يا فايزة، احنا عندنا مصايب أكبر من الدكتور اللي شاغل بالك ده، تصبحي على خير.
أما فايزة، فظلت مستيقظة في الظلام، تسترجع وجه مصطفي، وإحساس غامض يخبرها أن هناك شيئا كبيرا تحاول تذكره ولا تستطيع.
فيلا سليم وماسة،12م
عادوا إلى الفيلا، وما إن لمحتهم حور حتى صرخت بسعادة، وركضت تهبط درجات السلم مسرعة.
اندفعت نحوه، وتعلقت بساقه، فحملها بين ذراعيه وضمها إليه بقوة: وحشتيني يا أميرتي.
شددت ذراعيها حول عنقه: كنت خايفة تكونوا سافرتوا بعيد زي زمان، ومش هتكلموني زي رشدي.
مسحت ماسة على ظهرها بحنان: لا يا قلبي، إحنا كنا في مشوار.
ثم سألتها: وبعدين ايه اللى مصحيكي لغايه دلوقتي؟ منمتيش ليه؟
ردت ببراءة: كنت مستنياكم.
سليم بحنان: لا، لازم تنامي الوقت أتأخر.
اقتربت سعدية: حمد لله على السلامة، اتأخرتوا.
ماسة: لسه مخلصين يا ماما، معلش ممكن تسخني الأكل بتاع سليم؟
قاطعها سليم بتعب: مليش نفس يا ماسة، محتاج أنام.
نظرت إليه باعتراض: لا لازم تاكل علشان تاخد الدوا، إنت مكلتش من إمبارح، وأنا كمان جعانة.
تدخلت حور بحماس: وأنا كمان! ناكل كلنا.
ثم انتبهت للكانولا في كف سليم، فأشارت إليه: إيه ده إنت كان عندك واوا في زورك إنت كمان؟
ابتسم ابتسامه باهته: لا كانت واوا في بطني.
ربتت علي كتفه بحنان: معلش كل ايس كريم وخد الدوا وهتخف بسرعه.
أشارت إلى حلقها: أنا لما عملت العملية هنا، كنت لابسة زيها، وكلت ايس كريم وخدت الدوا وخفيت.
ابتسم لها، وربت على شعرها: بعد الشر عليكي يا حبيبتي، يلا روحي لماما.
حملتها ماسة، ثم نظرت لسليم بقلق: إنت تعبان؟
تنهد: حاسس إني مش مظبوط، هطلع ارتاح شويه.
ثم صعد إلى غرفتهم.
نظرت سعدية إلى ماسة: أطلعي لجوزك، وهاتي البت.
تشبثت حور بماسة: لا هروح مع ماما.
سعدية: ماما هتساعد بابا، وبعدين هتنزل.
أومأت ماسة: مش هتأخر، روحي مع تيته حضروا الاكل علشان ناكل سوا.
سلوى: حور، تعالي ننادي لعمو مكي ياكل معانا.
أخذت سلوى حور وخرجتا، بينما صعدت ماسة إلى سليم، فوجدته ممددا على الفراش، ينهشه الذنب؛ فلولا كشفه حقيقة منى أمام طه، لما حدث كل هذا.
اقتربت منه بدلال، ثم جلست على قدميه ولفت ذراعها حول رقبته: هو أنا قولتلك قبل كده إنك قمر حتى وإنت زعلان؟
رفع عينيه إليها، لكنه لم يتحدث.
فاقتربت من وجهه أكثر، وقالت وهي تتأمله: بجد قمر، عيونك فيها سحر غريب، سحر خلاني متيمة بيك..
رقصت بحواجبها بمغازلة تحاول إخراجه من مما يمر به: إيه يا راجل إنت في كل حالاتك قمر! وإنت مكشر، وإنت زعلان، وإنت ضحكتك، عامل زي صينية البسبوسة بكريمة الكراميل والفستق الحلبي!
ثم أضافت وهي تبتسم: وغمزاتك قمر.
عقد حاجبيه: معنديش غمازات!
اتسعت عينيها معلقه: يعني سبت كل المعاكسات دي ومسكة في غمازاتك؟ بتظهر لما بتضحك! والله أزغزغك؟
تنهد وقال: انا دلوقتي دمي رخم فبلاش نتكلم لحد لما اكون احسن.
ثم اقتربت منه أكثر وقالت بنبرة حانية وهي تمسح على خده بأصابعها: سليم الحلو، أبو عيون عسلي في الغروب، ومخضرة في الشروق... لو كنت سبب في أذى حد، صدقني كنت أول واحدة هقولك عشان تطلع صدقة وتستغفر، لأني مستحيل أعرف إنك السبب وأسكت..
تنهد، وقال بصوت مثقل: مش قادر أتخطى لسه! أنا كنت هموت يا ماسة، ومراد مات مكاني... لسه شاب صغير ما عاشش حياته.
أمسكت بيده، ونظرت داخل عينيه: محدش بياخد حياة حد، ولا عمر حد. ده مش وقتك ولا ساعتك. ربنا لسه مبارك في عمرك، وكل واحد عنده وقت هيعيشه... لا هيتأخر ساعة ولا هيتقدم ساعة، ده عمره.
ثم ابتسمت بحنان: وبص طول ما إحنا سوا، هنتخطى كل حاجة.
اقتربت منه، وقبلته بحنان، ثم ضمته إليها، وكأنها تحاول أن تطمئن قلبه قبل كلماته.
وبعد قليل، اجتمعوا حول مائدة الطعام، وكان أمام سليم طعام خاص من الشوربة والخضروات بناء على تعليمات الطبيب.
أخذت ماسة تطعمه بيدها، حتى نظرت إليها حور باستغراب وغيرة وقالت: وإنتِ بتأكلي بابا ليه؟ هو صغنون؟
ضحكت ماسة: جوزي، وإنتِ مالك؟
حور بحماس: أنا كمان هاكله وأدلع بابايا!
ثم مدت يدها بالمعلقة نحو سليم: حد يا بابا.
ضحكت ماسة، وقالت لها بحنان: بابا مش هياكل من الأكل ده يا حور، هاتي له من طبقه عشان هو تعبان.
أومأ: طيب.
أخذت حور معلقة من طبقه وأخذت تطعمه بنفسها، بينما ضحكت ماسة على محاولتها الصغيرة للاعتناء بوالدها.
ابتسم سليم بحب: ربنا يخليكي ليا يا قلب بابا.
وبعد أن انتهوا من الطعام، غلبهم التعب، فتوجه كل منهم إلى غرفته، أما حور، فما إن استلقت بين والديها حتى غفت بين ذراعيهما، وملامح الطمأنينة تملأ وجهها.
خلال أيام...
لم يستطع سليم الخروج من الحالة التي يعيشها؛ كان شعور الذنب يجتاحه بشدة غريبة، لم يغادر الفيلا، وكان يقضي معظم وقته جالسا بمفرده في غرفته، رغم محاولات ماسة وحور والجميع إخراجه من عزلته إلا أنه ظل كما هو..
أما طه، فلم تتغير حالته كثيرا؛ ظل جسده ساكنا، وعيناه معلقتين بشيء لا يراه سواه، وكأن روحه وعقله قد انطفآ منذ اللحظة التي رأى فيها ابنه جثة هامدة..
بينما رشدي، فقد بدأ يتلقى علاجه بصورة طبيعية، من دون مقاومة هذه المرة، وكان لديه حافز كبير للتعافي، أما الممرض، فقد توقف عن إعطائه الجرعات الزائدة من المخدر، بعدما لم يحصل على المال الذي كان يريده وبعد أن أخبره الرجل أن منى ماتت، وأن الاتفاق انتهى.
جلس على الفراش، وفتح حسابه على إنستجرام، ثم اتجه مباشرة إلى حساب مي. ظل يتصفح صورها واحدة تلو الأخرى، يتأملها في صمت، وكأن كل صورة تعيد إليه ذكرى لم يعد يعرف كيف يتعامل معها.
أما قصر الراوي، فقد بدت الأمور فيه هادئة من الخارج، لكن الحزن والصمت خيّما على أرجائه أكثر من أي وقت مضى.
لم يعد هناك أحد تقريبًا سوى فايزة وعزت؛ أما فريدة، فقد أخذت زين ومريم وتيم معها إلى فيلتها. وبدأ القصر الكبير يفرغ شيئا فشيئا، وكأن كل رحيل يأخذ معه جزءا من الحياة التي كانت تملأه.
أما آلاء ومصطفى، فلم تتغير العلاقة بينهما كثيرا. كان مصطفى يفهم ما تحاول فعله، لكنه لم يكن مستعدا لاتخاذ أي خطوة تجاهها بعد.
وفي المقابل، ظلت آلاء تحاول االتقرب منه، لكن امتحاناتها ومذاكرتها استحوذتا على معظم وقتها، فلم تعد قادرة على منحه الاهتمام الذي كانت تخطط له
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة،10ص
وقفت ماسة أمام باب غرفة سليم، وإلى جوارها حور، وانحنت قليلا نحوها تتحدث معها بصوت خافت، بينما كانت تنظر إلى باب الغرفة بين لحظة وأخرى.
ماسة بتنبيه: بصي يا حور، أدخلي لبابا كده، وقوليله إنك وحشتيه وإنك عايزة تقعدي معاه شوية.
هزت حور رأسها بحماس، ثم سألتها: طب لو قاللي إنه عايز يقعد لوحده؟
ابتسمت ماسة: قوليله إنك مش هتزعجيه، وإنك بس عايزة تقعدي جنبه وإنه واحشك أوي
أومأت: حاضر.
ربتت ماسة على شعرها بحنان، ثم أشارت إلى الباب: يلا يا حبيبتي، أدخلي بس أوعي تقوليله إني قولتلك.
هزت رأسها ماتخافيش ده سر يا ماما.
ثم فتحت الباب ودخلت إلى الغرفة، فوجدت سليم جالسا على السرير، شارد الذهن، يحدق في السقف بصمت.
اقتربت منه وقالت بحب: بابا... إنت وحشتني.
نظر إليها، ثم ابتسم ابتسامة خافتة، وإنحنى ليقبّل خدها: وإنتِ كمان وحشتيني يا حبيبتي.
حور وهي تمسك يده: أنا هقعد معاك.
زم شفتيه بأسف: حبيبتي، أنا عايز أبقى لوحدي شوية.
هزت رأسها برفض: لا، أنا عايزة أقعد معاك.
تنهد بتعب، ثم نادى ببحة رجولية: ماسة!
فتحت ماسة الباب ودخلت وهي تمثل الاستغراب:
أيوة؟
نظر إليها وقال: ماسة، خدي البنت أنا عايز أبقى لوحدي.
تدخلت حور بسرعة وهي تتشبث به: لا، أنا هقعد معاك. إنت وحشتني يا بابا.
نظر إليها سليم للحظات، ثم قال بهدوء: ماينفعش يا حور.
عبست الصغيرة وقالت: إنت بقالك كذا يوم مش بتيجي تقعد معانا، ولا بتلعب معايا... إنت زعلان مني؟
هز رأسه بسرعة وهو يمسح على خدها: لا، لا، أنا مش زعلان يا روح قلبي، بس تعبان شوية، والدكتور قاللي لازم أقعد لوحدي عشان ما أعديكيش. يلا أطلعي مع ماما، وأنا أول ما أبقى كويس هاتلاقيني قاعد معاكي كتير.
ثم قبل خدها وقال بابتسامة خافتة: ماشي؟ يلا.
تنهدت ماسة بتعب وقالت: هتفضل كده كتير؟ إنت بقالك أكتر من أسبوع على الحال ده.
نظر إليها سليم بجدية هادئة، وقال وهو يشير بطرف عينيه نحو حور: ماسة، لو سمحتي، أنا مش قادر أتكلم دلوقتي.
فهمت أنه لا يريد الحديث أمام حور، فنظرت إليها وقالت: طب يا حور، استنيني برة وأنا جاية لك.
أومأت برأسها: حاضر.
خرجت حور وأغلقت الباب خلفها، فتقدمت ماسة من سليم، ثم قالت: وبعدها معاك؟! أنا عايزة أفهم، هتفضل كده لحد إمتى؟
نظر إليها بضيق خافت: هو أنا مالي يا ماسة؟ إنتِ مكبرة الموضوع أوي، أنا محتاج أبقى لوحدي.
اقتربت خطوة سألته بضجر ناعم: تبقى لوحدك ليه؟ إنت بقالك كذا يوم على الحال ده، بتاكل معانا كأنك مش موجود. وثلاث تربع الوقت قاعد في أوضتك لوحدك ولو قعدت معانا، بتضحك بتمثيل، هو أنا مش عارفاك يا سليم؟
صمتت للحظة، ثم تابعت بنبرة أكثر حزنا: هتفضل كده لحد إمتى؟ حتى بنتك مابقتش تقعد معاها زي الأول.
تنهد وقال بهدوء: شوية وهبقى كويس لو سمحتي، سيبيني لوحدي.
اقتربت خطوة وأمسكت يده: شاركني حزنك طيب.
رفع عينيه إليها مفسرا: أنا مش حزين، أنا بحاول أستوعب إللي حصل.
تنهدت ماسة، ثم أعادت شعرها إلى الخلف وقالت بإصرار: ماشي بس أنا مش هسيبك كده.
قالت كلماتها تلك وخرج وأغلقت الباب خلفها، ثم أمسكت حور من يدها، وخرجت معها إلى الحديقة، حيث كانت عائلتها ومكي يجلسون هناك
بينما ظل سليم وحده في غرفته، غارقا في صمته.
نظرت إلى حور: يلا يا حبيبتي، روحي ألعبي.
جلست ماسة قالت بضيق: أنا مش عارفة أعمل له إيه؟! مخنوق ومش عايز يتكلم ماتقولي أتصرف إزاي يا مكي؟!
ابتسم مكي معلقا: يعني إنتِ بجلالة قدرك ماقدرتيش عليه، أنا هقدر عليه؟
ضحكت سعدية: إنت راجل يا ابني وصاحبه، يمكن تقدر تعمل حاجة.
هز رأسه وقال بجدية: صدقيني، بدل ما ماسة وحور ما عرفوش يفكوا، أنا مش هعرف أفكه، بعدين ما أنا حاولت قصادكم وماعرفتش، هو حاسس إنه السبب في موت مراد.
إسعاد تساءلت على حرج: ما تاخذونيش يا جماعة بس هو ماله سليم؟
سعدية: أصل ابن أخوه مات وهو زعلان عشانه .
إسعاد: الله يرحمه يا رب.
عمار بقلق: يعني هنسيبه كده؟
أجابه يوسف: أكيد فيه حل يا جماعة، لازم نفكر.
سلوى: أنا والله حاولت أكلمه رفض حتى يسمعني
ظلت ماسة شاردة للحظات، وكأنها تبحث في ذهنها عن فكرة، ثم رفعت عينيها إليهم وقالت: أنا جات لي فكرة... بس إنتوا هاتساعدوني فيها، وبالأخص إنت يا مكي، نظر إليها مكي باهتمام: تمام، بس مش هاينفع نخرج برة الفيلا. الفترة دي الدنيا متلبشة
ابتسمت ماسة بثقة: لا، هانفضل في الفيلا. ما تقلقش.
أومأ مكي برأسه، ثم بدأت ماسة تسرد لهم ما ستفعله.
إيطاليا،12 ظهرا
في أحد القصور الكلاسيكية العتيقة، اجتمعت مجموعة من الرجال والسيدات حول طاولة طويلة، جميعهم يرتدون الأسود. كان من بينهم تيمو، بينما ترأس الأجتماع رجل في السبعينيات، تفرض ملامحه الصارمة هيبته على الجميع.
رفع الرجل نظره إلى الحاضرين وقال بحسم: لقد انتهى الماضي، وعلينا التفكير في المستقبل وأعمالنا التي تعطلت منذ أيام، اتخذت قراري... لن نفعل شيئا، ولن نحارب.
نظر إليه تيمو بغضب: أتريدني أن أتنازل عن دم أخي؟
أجابه بهدوء: ومن ستقتل؟ أبناء باولو؟ لقد قُتل باولو وانتهى الأمر.
ضرب تيمو يده على الطاولة: لم يكن باولو هو من قتل أخي!
تدخلت إحدى السيدات قائلة: ومن قتله إذن يا تيمو؟ عليك أن تصدق أن باولو علم بخيانة إريك وقتله، لقد حذرت إريك كثيرا من تلك المرأة، لكنه لم يستمع، وها هو دفع ثمن عناده.
تيمو بإصرار: هناك شخص أخبر باولو، وهو من قتله... وأنا أعرف من هو! سليم. إنه الوحيد الذي أراد قتل أخي بعدما علم بما فعله به في الماضي، وموافقته على طلب إريك لم تكن سوى خدعة، ليُوهم الجميع بأنه تخلى عن الانتقام، بينما كان يخطط لضربته في الخفاء.
هز الرجل السبعيني رأسه: لقد تحدثت مع ماركو، وأكد لي أن سليم لم يفعل شيئا، ولم يكن يريد الحرب من الأساس.
ثم مال إلى الأمام وقال بصرامة: وحتى إن كان سليم هو الفاعل، فلن نحاربه، أنت لا تحارب سليم وحده، بل تحارب خمس عشائر تجلس هنا، لقد خسرنا رجالا، وسنحزن عليهم، لكننا لن نخسر المزيد من الأرواح والأموال بدافع عاطفتك..
ثم نظر إلى الجميع: من معي؟
رفع الجميع أيديهم بالموافقة، بينما جز تيمو على أسنانه بضيق، ثم نهض وغادر القاعة، يتبعه حراسه.
وبمجرد خروجه، سأله أحدهم: ماذا سنفعل يا سيدي؟
ابتسم تيمو بخبث: سننتظر حتى يهدأ الجميع وينسوا ما حدث، ويظنوا أن اللعبة قد انتهت وحينها، سنثأر لدم أخي.
في الداخل، قال أحد الرجال: تيمو متهور، ولن ينسى. أخشى أن يتظاهر بالهدوء ثم يحاول قتل سليم.
أجابه آخر بحزم: حينها سأقتله بيدي. سأتحدث مع الرئيس وأخبره بقرارنا.
إحدى السيدات: ولن تبحثوا عن قاتل باولو؟
أجاب الرجل السبعيني: لا يهمني من قتل باولو. ما يهمني أننا علمنا أنه قتل إريك، ومن الواضح أن شخصا استغل الفرصة وتخلص منه بعد مقتل إريك..
صمت لحظة، ثم أضاف: لدي شعور بأن الأمر يتعلق بذلك الإنجليزي كريس ومارسيلو... فقد كان يريد ذلك المقعد منذ البداية..
ثم ألتفت إلى شاب في أوائل الثلاثينيات: جوليانو، أستعد، ستكون النائب الخاص لتيمو، وستتولى المسؤوليات إلى جانبه.
ابتسم جوليانو بهدوء، وأومأ برأسه دون كلمة.
أحد المستشفيات الخاصة،2م
نرى آلاء تتوقف أمام مكتب مصطفى، طرقت الباب طرقا خفيفا، ثم دخلت.
رفع مصطفى عينيه إليها، وقال بنبرة مازحة: إنتِ خدتي على إنك تيجي المستشفى؟
ابتسمت وهي تتقدم إلى الداخل: وإيه المشكلة يعني لما أجيلك؟
نظر إليها بجدية مصطنعة: عندك أمتحانات يا لولو، لازم تركزي فيها عشان تحققي الحلم إللي إنتِ نفسك فيها.
أومأت بثقة: إن شاء الله ها أحققه.
سألها بتهكم ساخر: ويا ترى جاية علشان أعزمك على الغدا برضه؟
ابتسمت آلاء: يعني... زهقت من الأمتحانات والمذاكرة، وبما إن لسه أسبوع على الامتحان، قلت أجي أفصل شوية، نتمشى على الكورنيش وتشربني عصير وتأكلني طبق كشري، علشان إحنا آخر الشهر.
هز رأسه، وقال بنبرة ساخرة: أممم... لا، إذا كان كده أفصلي. ويا ستي ما تقلقيش، هجيبلك بيتزا الجيب لسه عمران، ولعلمك دي أكتر أكلة بحبها، ولو ما أكلتش منها مرتين تلاتة في الأسبوع بيحصل لي حاجة..
مالت نحوه قليلا، وهي تقول بابتسامة: تعرف إن دي أول مرة أعرف المعلومة دي؟ ويا ترى بتحبها بطعم إيه؟
أجابها دون تردد: الرانش والتركي.
ابتسمت وهي تقول: وأنا بحبها فراخ وتركي.
تبادلا النظرات للحظة، وفي أثناء حديثهما، فُتح الباب ودخل أحد الأطباء.
قال بعفوية: بقولك إيه يا صاصا، نظامك إيه بكرة؟!
وقبل أن يكمل حديثه، وقعت عيناه على آلاء، فتغيرت ملامحه إلى ابتسامة واسعة: الله! آلاء! إزيك؟
التفتت إليه آلاء بابتسامة: دكتور حسن! إزي حضرتك؟ عامل إيه؟
أومأ: الحمد لله، وحشتيني، فينك كده؟
ابتسمت آلاء: أنا مشيت يا دكتور من المستشفى خلاص.
رفع حاجبيه بأسف مصطنع: خسارة يا لولو! ده أنا مفتقد قهوتك.
ثم التفت إلى مصطفى، تابع بمزاح: آلاء كان عليها فنجان قهوة من الآخر بيظبط معايا السهر.
ظل مصطفى ينظر إليهما باستغراب، وقد تسللت إلى ملامحه القليل من الغيرة، لمحت آلاء نظراته بطرف عينيها، وشعرت أن الفرصة جاءت في وقتها تماما.
ابتسمت وقالت بعفوية متعمدة: والله حتى إنت وحشتني يا دكتور، وحشتني السندوتشات إللي كنت بتجيبها لنا في السهر.
رفع مصطفى حاجبه قليلا بتهكم، وظلت عيناه معلقتين بهما، بينما أخفت آلاء ابتسامتها بصعوبة، فقد بدأت تلاحظ أن غيرته ظهرت أخيرا.
تابعت آلاء: هو حضرتك بتشتغل فين غير المستشفى العرة إللي إحنا كنا فيها؟ بصراحة أنا بحب شغلك جدا وها أجيلك.
حسن بابتسامة: خلصي امتحانات واظبطلك الشغل، وألاقي حد يعملي فنجان القهوة إللي بحبها.
ابتسمت: بس كده عيني يا دكتور، أحلى قهوة على الريحة لأحسن دكتور جراحة في مصر.
كان مصطفى يجز على أسنانه بغيرة وضجر، محاولا أن يتمالك نفسه، بينما يتابع حديثهما بنظرات متضايقة.
ثم نظر حسن إلى مصطفى وقال بعفوية: حقيقي يا صاصا، آلاء من أحسن الممرضات إللي اتعاملت معاهم، محترمة جدا، والمفروض كانت دخلت طب.
تصنعت آلاء الخجل: شهادة اعتز بها يا دكتور حضرتك اللي من أفضل الدكاترة إللي اتعاملت معاهم.
ابتسم حسن: اتخرجتي ولا لسه؟
أجابته: أنا برابعة.
حسن بمزاح: يعني هاتجيلنا السنة الجاية امتياز؟
ضحكت: ما تفكرنيش.
لم يتحمل مصطفى أكثر، وقد بدأ الضيق والغيرة يظهران بوضوح في نبرته، فقال بحدة: طب إيه؟ هانفضل نفتكر الذكريات ونشكر في بعض كتير؟ ما تخلونا نخلص، الدكتور كان داخل يقوللي حاجة!
لاحظ حسن نبرة مصطفى، لكنه لم يهتم كثيرا، وأكتفى بابتسامة خفيفة قبل أن يكمل حديثه: آه، كنت بقولك بكرة تاخد مكاني، عشان أنا عندي فرح.
أجابه مصطفى باقتضاب: مش عارف والله يا حسن، هشوف كده وأكلمك بالليل، هرد عليك.
أومأ حسن بإيجاب: طيب، يلا على إذنكم مبسوط إني شفتك يا آلاء.
ابتسمت: وأنا كمان يا دكتور.
خرج حسن من المكتب، بينما كانت السعادة واضحة على وجه آلاء، من نظرات مصطفى وغيرته.
ظل مصطفى يراقبها للحظات، ثم قال بغيظ: هو فيه إيه؟
رفعت حاجبها ببراءة: فيه إيه في إيه؟
رد بشدة: إيه الهزار ده؟ ينفع تهزري مع راجل غريب كده؟
أجابت بتصنع: هزار إيه؟ أنا كنت بتعامل معاه عادي.
نهض مصطفى من مكانه، وتوقف أمامها، ثم قال بنبرة تحمل غيرته بوضوح: وإنتِ شايفة إللي حصل ده عادي؟
ابتسمت بلا مبالاة، وهي تحاول إشعال جنونه أكثر: أنا مش شايفة إني عملت أي حاجة زيادة، ده دكتور بحترمه وبس، كمان أعرفه من قبلك.
جز على أسنانه: ماتستفزنيش.
ثم قطب حاجبيه وتابع: وإيه بقى حكاية القهوةوالسندوتشات دي؟
ضحكت موضحة: كنت بعمل له قهوة في السهر، وهو كان بيجيبلنا سندوتشات.
رد بحدة ممزوجة بالغيرة: وتعملي له قهوة ليه؟ هو مافيش حد غيرك في المستشفى يعمل له قهوة؟
ردت بهدوء متعمد: عادي يا مصطفى، هو دكتور محترم.
رد بسرعة: احترام إيه إللي يخليكي فاكرة هو بيحب قهوته إزاي؟!
تابع مقلدا لها: أحلى كوباية قهوة على الريحة أحسن دكتور بمصر ده دكتور ممل.
ابتسمت آلاء، وقد بدأت تستمتع بغيرته: إنت مالك مركز مع الموضوع أوي كده؟
سكت مصطفى للحظة، ثم قال متضايقا: أنا مش مركز ولا حاجة... بس المنظر كان مستفز.
علقت: مستفز ليه؟
نظر إليها بضيق، ثم أشاح بوجهه وقال:ما أعرفش، بس مش عاجبني.
ابتسمت بخبث: مش عاجبك إيه بالظبط؟
ألتفت إليها مصطفى، وقال بنبرة متعصبة حاول أن يخفي خلفها غيرته: بقول لك إيه؟ روحي، أنا النهاردة سهران ومش هخرج حد، ومش هغدي حد عندك عائشة يلا أمشي.
نظرت إليه باستغراب، ثم قالت بهدوء: أنا مش عارفة إنت متعصب ليه، بس عموما أنا استكفيت أوي بالحبة اللي أنا قعدتهم معاك، بالنسبالي كده أنا تمام أوي.
نظر إليها بتدقيق: تقصدي إيه؟
ابتسمت بخفة، وقالت وهي تتجه نحو الباب: ولا حاجة يا دكتور... باي باي هستناك على العشا سلام.
خرجت آلاء بسعادة، فقد أدركت أنها نجحت أخيرا في إثارة غيرة مصطفى، رغم أنها لم تأتِ من الأساس من أجل ذلك.
أما مصطفى، فظل جالسا في مكانه، يضرب بيده على ذراع المقعد بضجر، محاولا كتم مشاعره الحقيقية والتظاهر بأن الأمر لا يعنيه... بينما غيرته كانت تفضحه أكثر مما كان يتخيل.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
المصحة3م
غرفة رشدي
بعد أن أعطى الطبيب رشدي الدواء، جلس إلى جواره، ثم نظر إليه بهدوء وبدأ يتحدث معه:
على فكرة، من بكرة هاتبدأ تعمل جلسات نفسية، وده هيساعدك كتير في التعافي من الإدمان.
رشدي بضيق:طب يا دكتور، هو أنا هفضل محبوس كده؟ أنا زهقت.
الطبيب بابتسامة خفيفة: بصراحة، الفترة إللي فاتت فاجأتني، كنت قوي وقادر تواجه أعراض الإنسحاب بشكل كويس، وده شيء إيجابي، علشان كده هسمح لك من النهاردة تخرج وتقعد في الجنينة، وكمان هنسمح بالزيارات.
رفع رشدي رأسه بسرعة، وقد بدت عليه السعادة:
بجد؟ هتسمح بالزيارات؟
أومأ الطبيب: أيوه، بس طبعا في حدود معينة وتحت متابعة.
ابتسم رشدي بحماس: طب من فضلك، أتصل بيهم وعرفهم.
أومأ بإيجاب: بالتأكيد
ثم وقف الطبيب، وأشار إليه برفق: وممكن النهاردة تخرج تقعد في الجنينة لمدة ساعة.
ابتسم رشدي براحة: شكرا يا دكتور.
♥️_________بقلمي ليلةعادل
فيلا سليم وماسة2م
وقفت ماسة أمام المرآة تتأمل إطلالتها، ارتدت فستانا أنيقا، منحها الفستان مظهرا رقيقا، كانت جميلة بشكل يصعب وصفه، تعطرت بعطرها الذي يعشقه سليم، بينما انسدل شعرها على ظهرها، ثبتت وردة صغيرة بين خصلاته، واكتفت بمكياج هادئ أبرز ملامحها وزرقة عينيها. ابتسمت برضا، ثم خرجت من الغرفة.
نزلت الدرج، فكانت الفيلا هادئة على غير عادتها
شغلت موسيقى هادئة يحبها سليم، ثم اتجهت إلى غرفة الطعام.
توقفت أمام المائدة، فوجدت الطعام مرتبا بعناية، والورود والشموع تزين المكان، فابتسمت برضا.
كانت سحر تقف إلى جوار المائدة، تضع اللمسات الأخيرة على كل شيء. ألتفتت إليها ماسة:
خلاص يا ماما سحر، روحي إنتِ اعتبري نفسك أجازة لحد بكرة.
ابتسمت وأومأت برأسها: حاضر يا هانم.
غادرت سحر المكان، فأخرجت ماسة هاتفها، وأتصلت بسليم.
ما إن أجاب حتى قالت بصوت متصنع:
يا سليم، تعالى بسرعه؟ بطني وجعاني اوي ودايخة.
ثم أغلقت الهاتف، وما إن فعلت حتى انفجرت في ضحكة صغيرة ثم تحركت نحو المكتب.
وبعد لحظات، فُتح باب المكتب وخرج سليم، كانت لحيته أكثر كثافة قليلا من المعتاد، وكان يرتدي ملابس منزلية.
وما إن رفع عينيه حتى توقف مكانه.
وقفت ماسة أمامه بإطلالة خطفت أنفاسه، فتوقف سليم للحظات يتأملها، عاجزا عن إخفاء انبهاره بها؛ بدت له أجمل من المعتاد، وزادت ابتسامتها الصغيرة ملامحها سحرا.
انتظرت ماسة أن ينطق، لكنه ظل صامتا، يحدق بها وكأنه ما زال يحاول استيعاب ما يراه.
اقتربت منه خطوة، وقالت بدلال: مالك يا سليم؟ نسيت الكلام؟
مرر عينيه عليها من أعلى إلى أسفل، دون أن يطرف له جفن: لا... بس مش فاهم، مش إنتِ تعبانة؟
هزت رأسها بدلال: تؤ، أنا مش تعبانة، كنت بدلع عليك بس، عشان عاملة لك مفاجأة.
ثم مدت ذراعيها وأحاطته بهما، وقالت بمكر: مش إنت بس اللي بتعمل مفاجآت، ماسة كمان بتعرف تعمل مفاجآت.
ثم نظرت إلى ملابسه وضحكت: وأخيرا! إنت بالبيجامة وأنا بالفستان!
ظل سليم ينظر إليها دون أن ينطق، فابتسمت له، وحين شعرت أنه ما زال غير قادر على استيعاب الأمر، اقتربت منه وقبلته قبلة في البداية ظل سليم ساكنًا من شدة المفاجأة، ثم بدأ يبادلها القبلة بعشق جارف وعميق.
وحينما شعر أن تلك القبلة أصبحت أكثر سخونة وأكثر عشقا، أبتعد قليلا وهو يأخذ أنفاسه وساند جبينه على جبينها، وقال وهو ينظر حوله:إحنا على اللايف
ضحكت وقالت بمشاكسة: ما هو أنا سربتهملك!
ضيق عينيه، فردت موضحة: قولتلهم يروحوا يقعدوا في أي مكان..
عضو اسفل شفتيها بأنوثة: النهارده بتاعنا أنا وإنت وبس، ماحدش هيكون معانا، بقالنا كتير ماقعدناش مع بعض ونقضي وقت حلو زي ده.
ضمته إليها وقالت بحنان: بصراحة، أنا مش هقدر أستحمل أشوفك قاعد زعلان وحزين أكتر من كده فالنهاردة هتفك... يعني هتفك، ومافيش اختيار.
تبسّم سليم مازحها بمشاكسه: قول الحقيقة... إنتِ عايزة تنتقمي مني وتاخدي حقك؟ عشان تبقي إنتِ بالفستان وأنا بالبيجامة؟ مش قادرة تنسي إن كل مرة بعملك فيها مفاجأة، بتكوني إنتِ بالبيجامة وأنا لابس بدلة! قلبك أسود أوي.
ضحكت وهي تقرصه من أنفه: ده أنا قلبي أسود منقط بلاك... مخطّط أسمر.
أنفجر الأثنان بالضحك، وشعرت ماسة أن ابتسامته وحدها كانت تستحق كل ما فعلته.
مسكت يده، وشدته خلفها وهي تقول:
يلا بقى، تعالى معايا تحركا معا نحو السفر.
سحبت له الكرسي وأشارت إليه برقة: النهاردة إنت السلطان سليم الراوي... وأنا جاريتك.
ألتفت إليها، وأحاط خصرها بذراعيه، وقال وهو ينظر داخل عينيها: تعرفي إنتِ إيه يا ماسة؟"
ابتسمت: إيه؟
دقق النظر في عينيها الزرقاوين، وكأنه نسي للحظة كل شيء حوله، ثم قال بصوت هادئ ممتلئ بالعشق: سلطانة قلبي... إنتِ مش بس سلطانة قلبي، إنتِ صاحبة القلب ده من يوم ما عرفك، أنا مستعد أبقى خادم للعيون الزرق دول اللي كل ما أبص فيهم أنسى الدنيا واللي فيها..
لمس بأصابعه شفتيها: والضحكة دي... ضحكتك اللي بتطلع منك من غير ما تحسي، دي قادرة تمسح من قلبي تعب سنين في لحظة،إنتِ عارفة إنتِ بالنسبالي إيه؟ إنتِ الحاجة الوحيدة اللي لما بشوفها بحس إن الدنيا، لسة فيها أمل.
ضحكت وهي ترفع كتفها بدلال: خلاص... إحنا الأتنين سلاطين.
ابتسم وقال: لأ... إحنا اتنين ملوك، بس أنا مملكتي كلها إنتِ.
قرصته من خده بدلال وهي تضحك: طب ممكن كفاية دلع بقى وبطل تعاكسني، ويلا أقعد يا سلطان قلبي.
تبسم لها ثم جلس على المقعد، وجلست بجانبه، ثم قالت بحماس: على فكرة... أنا اللي عاملة الأكل بإيدي. عملتلك كل الأكل اللي بتحبه.
تابعت بتوضيح: كلمت الدكتور وقاللي خلاص، النهاردة مافيش مسلوق تاني.
ألتقطت قطعة من ورق العنب ومدتها إليه:
أفتح بُقك... يا كراملتي.
ضحك وأخذها منها: يلا كلي إنتِ كمان.
ابتسمت وهي تراقبه: شايف؟ بدأت تخرج من المود أهو.
توقف قليلا، ثم نظر إليها وقال: عملتي كل ده ليه؟
أجابته ببساطة: علشان أخرجك من المود اللي إنت عامله ده.
ثم تابعت وهي تتذكر حديثها مع الشيخ: وعلى فكرة، أنا اتصلت بشيخ وسألته عن اللي حصل قاللي إن طول ما إنت ما كنتش ناوي تعمل أذى، فربنا أعلم بحالك، ولو إنت حاسس بالذنب، ممكن تستغفر ربنا وتتصدق وتعمل صدقة جارية ليهم.
تنهدت، ثم قالت: وكلمت ياسر كمان عشان يتكلم معاك.
خفض عينيه: كلمني بس مش قادر أستقبل أي حاجة دلوقتي.
زمت شفتيها بدلال، ثم نهضت من مكانها واقتربت منه، فهم سليم أنها تريد الجلوس على قدمه، فابتسم لها وأزاح المقعد قليلا إلى الخلف، ثم جلست على ساقه وأحاطت عنقه بذراعيها، وقالت بحنان: طيب ممكن تسمعني.
رفع عينيه إليها، فبدأت تتحدث بعقلانية بنبرة هادئة: حتى لو افترضنا إن عليك ذنب... هتفضل تعاقب نفسك لحد إمتى؟ الحزن اللي إنت حابس نفسك فيه ده هل هيصلح حاجة؟ أكيد لأ.
رمش سليم بعينه بصمت، فأكملت على ذات الوتيرة: إللي حصل حصل يا سليم، ومافيش حاجة هتقدر تغيره، إحنا ضيعنا نص عمرنا في خناقات وهروب ومستشفيات، وما ارتحناش، فكمان عايز تضيع الباقي في الإحساس بالذنب؟ هتتفضل بعيد عني وعن حور إللي رجعت لنا بعد سنين لحد امتى؟
ثم ابتسمت له محاولة أن تخفف عنه: أنا مش بقولك ما تزعلش على فراقه، بس ما تخليش الحزن ياخد منك اللي باقي من عمرك، عندك أنا وحور، وعندك حياة لسه بتتفتح قدامك، وأنا عايزاك تعيشها معانا وإنت مبسوط، مش تفضل تعاقب نفسك على حاجة انتهت.
سكت سليم قليلا، ثم قال بصوت خافت: أنا أصلا عندي مشكلة لحد دلوقتي، مش قادر أتصالح مع فكرة إن ربنا سامحني، حاسس إن كل اللي بيحصل ده عشان ربنا لسه ما سامحنيش علي كل اللي عملته زمان.
وضعت يدها على خده، وقالت بحزم حنون: لا ما تقولش كده، استغفر ربنا، ربنا تواب رحيم.
ثم ابتسمت بإشراقة: إنت كنت صادق في توبتك ومارجعتش تاني، ومش كل حاجة وحشة بتحصل لنا معناها إن ربنا بيعاقبنا، ساعات بيكون ابتلاء واختبارات
اقتربت منه أكثر تابعت: وبعدين هنفضل بقى في الحزن ده؟ لأ، أنا مش عايزة كلام حزين..
ثم ضربته بخفة على كتفه وهي تبتسم: أنا عايزة أفرفش وأنبسط وأحب فيك يا أمورتي إنت وبس..
ضحك رغما عنه، فقالت بسرعة: ومش هديك الفرصة تنكد علينا تاني، خلاص أضحك عشان والله هزغزغك!
وفجأة بدأت تدغدغه من رقبته، فضحك سليم وحاول الابتعاد عنها، قبل أن يمسكها ويضمها إليه.
ثم ضم وجهها بين كفيه، ونظر إليها بحب وقال:
أنا بحبك أوي يا ماسة، إنتِ حياتي وعمري كله،
كبريائي وقوتي وضعفي، هوسي وجنوني، عيني ونفسي... إنتِ عشقي وملاذي الوحيد، ومستحيل أتخيل حياتي من غيرك...
إنتِ الوحيدة إللي بتقدري تاخديني من السجن اللي جوايا، من الحزن والقسوة، من الصداع والضجيج اللي عايش في دماغي، كل ده بيختفي أول ما أسمع ضحكتك، ضحكتك بالنسبالي مش مجرد ضحكة! دي دواء، دواء بيرجعني لنفسي.
ابتسمت ماسة بذهول وهي تنظر إليه باستغراب، ثم علقت: طب يعني أنا اللي عاملة لك المفاجأة، وأنا اللي كنت ناوية أقولك كلام حلو، واحب فيك، تروح إنت مفاجئني بالكلام الجامد ده، إنت جاهز على طول كده؟
ابتسم وقال بعشق يخرج من عينه: عشان قلبي هو إللي بيتكلم..
ثم أضاف بشغف: يلا سمعيني، أنا عايز أسمع كلامك الحلو.. واتحب منك
تأملته للحظات بعشق، ثم أخذت نفسا عميقا، وقالت بصوت عاشق: أنا بحبك... ومهما حاولت أوصفلك قد إيه بحبك، هفضل حاسة إن الكلام قليل على اللي جوايا، بحبك رغم مرارة الواقع، ورغم كل الوجع اللي عشنا فيه، ورغم الحقيقة اللي ساعات بتبقى أقسى من قدرتنا على احتمالها، حتى لو هعيش معاك معاك اوقات تحزنني، مش مهم، يكفيني إننا هنكون سوا..
دققت النظر داخل عينيه ورفعت كفها ووضعته على خده تابعت: بحبك رغم كل حاجة، وأي حاجة، إنت مش بس حبيبي، إنت أماني وفرحتي وسط كل البؤس اللي عشناه، والوحيد اللي معاه بحس إن الحياة لها معنى، إنت جنتي على الأرض، وبيتي، وأماني، وكل حاجة حلوة لقيتها في الدنيا
ولو كان ليا أمنية واحدة أطلبها من العمر كله، فهي إني أفضل معاك وجنبك، مهما كانت الدنيا قاسية علينا، وعندي استعداد أدفع أي تمن مقابل ضحكتك... ضحكتك اللي بتخليني أسعد واحدة في الدنيا دي كلها...
كان يتأملها بنظرات عاشقة، وكأن عينيه لا تريان سواها، بينما كان قلبه ينصت إلى كل كلمة تخرج من بين شفتيها بشغف، كانت كلماتها تصل إليه كأنها لحن خاص به، معزوفة ناعمة تعزفها حبيبته وحدها، وكلما تحدثت شعر أن صوتها يلامس قلبه قبل أذنيه، وكأن وجودها بقربه هو أجمل ما يمكن أن تمنحه له الحياة، ثم علق عليها بنبرة حانية: بس إنتِ دعيتي إننا نبعد.
أومأت والدموع تلمع في عينيها: أيوه... لإني وصلت لدرجة من حبي ليك إني عندي استعداد أستحمل مرارة الوجع ووحشية الوحدة في بُعدك، ما دام إنت هتكون سعيد..
أخذت تحرك أصابعها على لحيته وهي تدقق النظر داخل عيناه: الحب مش معناه إني أخليك جنبي رغم أي حاجة وحشة!.. اللي بيحب بجد بيتمنى السعادة لحبيبه، حتى لو مش معاه، وأنا هاطكون سعيدة لمجرد إني شايفاك مبسوط وبتضحك... هعوذ إيه أكتر من كده؟ سليم، حبيبي، سلطان قلبي وعقلي وعمري، بيضحك ومرتاح أنا مش عايزة غير كدة.
اقترب بوجهه منها أكثر، وقال بنبرة صادقة:
تأكدي إن مافيش راحة في بُعدك يا ماسة، أنا الضحكة بتخاصمني طول ما إنتِ مش جنبي، الحياة من غيرك مالهاش طعم ولا معنى ولا لازمة في عيني، بالنسبالي فاضية، تأكدي إن سر وجودنا وسعادتنا وإحنا الأتنين سوا، لأننا ما نقدرش نعيش من غير بعض إحنا اتخلقنا لبعض، وعلشان نكون مع بعض...
أضاف وهو يقرصها من خدها بنعومة: وبدل ما تدعي إننا نبعد مقابل سعادتي وراحتي، أدعي إن كل الحزن يبعد عننا، ونبقى مع بعض، مبسوطين ومرتاحين، ونعيش الحلم الكبير اللي فضلنا سنين نحلم بيه.
ضمت شفتيها بنوع من اليأس، وقالت: يعني دعيتها كتير، بس حسيتها دعوة مؤجلة، أو يمكن دعوة مش خير، مش عارفة، بس قلت أجرب دعوة تانية، يمكن تكون هي اللي فيها الخير.
ابتسم لها وقال بحسم: مافيش خير في بُعدنا عن بعض، إحنا كل ما حاولنا نبعد، الدنيا كانت بتجمعنا تاني، فيه مواقف كتير حصلت وخلتنا نبعد، لكن كل مرة كنا بنرجع أقوى من الأول، وحبنا كان بيطلع أقوى.
نظرت إليه طويلا، ثم ابتسمت باستسلام لطيف وقالت: إنت عندك حق..
ابتسم، وكأنه كان ينتظر منها تلك الجملة: أهو كده، أخيرا سلطانتي اقتنعت.
ابتسمت، وقالت وهي تمسح دموعها: خلاص كفاية حب، يلا ناكل، عشان بعدها عندي مفاجات كتير ومن ضمنهم، هنرقص، وأنا هرقصلك
نظر إليها بدهشة: ترقصيلي وإنتِ كده؟
رفعت حاجبها: إنت تقصد إيه؟ يعني أنا مابقيتش بغريك؟
ضحك: لا، لا، ما أقصدش! إنتِ قمر في كل حالاتك أنا قصدي عشان البيبي، عشان جاسر، يا أم جاسر.
ردت بمشاكسه: ما تبوظش البرنامج، أنا أصلًا غبية وحرقتلك منه حاجتين، فما تتكلمش معايا علشان أنا بَقر وبعترف بسرعة قبل ما تضرب حتى!
ضحك: أنا هسكت خالص... عشان أنبهر وأنا بالبيجامة.
أومأت بايجاب: أيوة.
عادت ماسة إلى مكانها، وتناولا الطعام وسط ضحكاتهما ومشاكستهما، يطعمون بعضهما وكأنهما يستعيدان معا تفاصيل افتقداها طويلا.
سليم وهو يتناول الطعام: أكلك وحشني أوي، بقالك كتير ما بتطبخليش، نبهتك قبل كده وإنتِ ولا هنا؟ خدتي على البرطعة! هقول لسعدية تقرصك من ودانك.
اتسعت عيناها: بلاش سعدية والنبي! أنا هبقى زوجة مؤدبة وهعملك أكل، حاضر.
ضحكا معا، بعد أن انتهيا من الطعام، ابتسمت ماسة وقالت: ألف هنا.
ثم نهضت بحماس ومدت يدها إليه: مستعد للفقرة التانية؟
نظر إليها باستغراب: فقرة تانية؟
ضحكت وهي تسحبه من يده: يلا يلا... تعالى بس.
خرجت به إلى الحديقة، فتوقف سليم عندما رأى بعض الزجاجات موضوعة أمامهما، وبجوارها بندقيتان مخصصتان للرماية.
ابتسمت بفخر وقالت: أنا عارفة إن الرماية لعبتك المفضلة..
قال بدهشة مبتسما:إنتِ مجهزة ده كله؟
أومأت بحماس: طبعا، بس المرة دي أنا وإنت هنلعب سوا.
غمزت له وهي تلقي له البندقية: يلا.
وبالفعل، بدأ الأثنان الرماية، وكانت ماسة تحاول التركيز بكل جدية، بينما كان سليم يصيب أهدافه بسهولة، حتى بدأ يضحك كلما أخطأت هي.
نظرت إليه بضيق مصطنع: إنت بتضحك عليا؟
أومأ بنفي قائلا بمزاح: أبدل، بس واضح إن الصياد الحقيقي لسة موجود.
ضحكت ورفعت يديها باستسلام: خلاص يا سيدي، كسبت.
فجأة تحركت ماسة نحو الطاولة، ثم انحنت أسفلها وأخرجت كرة، وقذفتها بإتجاه.
ألتقطها سليم قال باستغراب: إيه ده؟ أكيد مش هنلعب كورة.
هزت رأسها وهي تبتسم: لا هتلعب بس مش معايا!
رفع حاجبه: أمال؟
رفعت أصابعها إلى فمها وأطلقت صفيرا عاليا، فتوجه إليها بعض الحراس، وكان من بينهم مكي وعشري.
قالت وهي تشير إلى الكرة: هما هيلعبوا معاك وأنا هشجعك.
نظر سليم إليها بدهشة: إنتِ مخططة لكل ده؟
ضحكت: يس.
وبعد لحظات، بدأ سليم يلعب الكرة مع مكي وعشري، وعادت إليه حماسته القديمة، بينما وقفت ماسة تتابعه من بعيد بابتسامة واسعة.
وبعد انتهاء اللعب، اقترب منها سليم وهو يلهث قليلا، وقال بابتسامة صادقة: أنا بقالي كتير أوي ما لعبتش. تقريبا من ثانوي
ابتسمت: بصراحة، أنا سألت مكي وهو اللي ساعدني، قالي ماتش بوكس قولته لا، فقال لي إنك زمان كنت بتحب كرة القدم، بس بطلتها.
اقتربت منه أكثر تابعت: تعرف إن دي أول مرة أعرف إنك بتحب كورة القدم.
أومأ هو يتنهد وكأنه يتذكر: كنت حاجة بحبها، مش موهبة يعني، بس كانت مفضلة عندي، فايزة خلتني أشوفها وقتها كأنها حاجة مالهاش لازمة، وبعدها بطلتها.
ثم ابتسم وهو ينظر إلى الملعب: بس النهاردة انبسطت بجد... شكرًا.
اقترب منها، وقبّل جبينها بحنان، قالت وهي تغمز: لسه ما خلصناش
ثم سحبت سليم معها إلى الداخل، بينما قال لها وهو يضحك: أنا عايز أعرف بس حور وأهلك مع مين؟
أجابته وهي تواصل سيرها: قاعدين في الاستراحة، مش بعيد تعالى.
ظلت تسحبه معها حتى الحمام في الطابق الأول.
ضيق سليم عينه باستغراب: في إيه؟
ابتسمت بمكر: هتاخد شاور، وأنا هعمل لك مساج، وهظبط لك دقنك بالطريقة إللي بتحبها بإيدي يا كراملتي.
رفع يده باستسلام، وقال ضاحكا: أنا مستسلم.
وبالفعل، ساعدته ماسة في الاستحمام، ثم أجرت له المساج كما وعدته، وساعدته على ارتداء ملابسه، ورتبت شعره أمام المرآة، ثم وضعت عطره المفضل.
نظر إليها سليم عبر المرآة: أنا عايز أعرف إيه كل ده!
ابتسمت ماسة وهي تضبط خصلة من شعره:
هو مش إنت كل مرة بتعمل الحاجات اللي أنا بحبها؟ أنا كمان لازم أعملك الحاجات اللي إنت بتحبها. النهاردة ليلتك إنت وبس.
ألتفت إليها وابتسم بحنان، ثم قبّل عينيها، وقال: ربنا يخليكي ليا.
أمسكت يده مرة أخرى وقالت: يلا... لسه البرنامج ماخلصش.
وسحبته معها بإتجاه غرفة المعيشة، بينما كان سليم يضحك وهو يقول: أنا بدأت أشك إن الليلة دي مش هتخلص!
كانت الغرفة مزينة بالورد والشموع والإضاءة الناعمة، وعلى الطاولة بعض المسليات.
شغلت إحدى أغانيه الرومانسية المفضلة، ثم أحاطت عنقه بذراعيها، فرفع سليم رأسه وأحاط خصرها بذراعيه، وبدأ الاثنان يرقصان ببطء وسط ونظراتهما العاشقة، وكأنهما يعيشان لحظتهما بعيدا عن كل ما أثقل قلبيهما.
وفجأة ابتعدت عنه ودفعته بنعومة، نحو الأريكة بابتسامة، ثم شغلت ماسة إحدى الأغاني الصاخبة.
بدأت ماسة تؤدي فقرة الرقص التي وعدته بها بطريقة مرحة تناسب حالتها، بينما ظل سليم محاولا إخفاء ضحكته وبعد قليل توقفت
وهي تضع يدها على خصرها: أنا تعبت... كفاية، !
سليم منتصرا: أنا قولتلك بلاش فقرة الرقص.
جلست بجانبه وضحكت: لا، أنا مش هبوظ البرنامج.
ثم أشارت إلى الشاشة: دلوقتي بقى هانتفرج على فيلم سوا، وبعدها نطلع الأوضة.
اقترب منها قليلا، ثم قال: ثانية، هي مش حور مش هنا؟
أومأت: أيوة ما فيش حد هنا غيري أنا وإنت، والحراس بره، وبس.
ابتسم وهو يخلع تيشيرته بنظرات ذات معنى، اقترب منها: يعني أخيرا أنا وإنتِ لوحدنا
ضحكت وهي تدفعه بعيد عنها من صدره فهي فهمت ما يريد: أيوة... بس الفيلم الأول.
وفجأة أحاط خصرها بذراعيه وقربها منه: وما فيش فيلم انتهى البرنامج نكمله بعدين.
فجأة اقترب منها وقبلها قبلة عميقة تحولت إلى عشق جارف...ووووو
وبعد وقت...
نرى ماسة وسليم يجلسان جانب بعضهما، بينما كان سالم يحيطها بذراعه ويطعمها بيده بعض الفاكهة، كانت ترتدي تشيرته، بينما كان هو عاري الصدر ويرتدي بنطاله فقط، وقد بدت على ملامحهما آثار العشق الذي عاشاه منذ قليل.
عبثت بوجهها بدلال وقالت: بوظتلي البرنامج!
ابتسم وهو يداعب أنفها: معلش أنا عارف إن الفقرة دي إنتِ كنتي حاطاها في الآخر هنعيدها تاني فوق زي ما إنتِ مرتبة.
ضربته على كتفه بخجل: بطل!
ثم مدت يديها، وفتحت الدرج، وأخرجت كوفية تريكو: أنا عملتلك دي بإيدي، عشان أنا مش حس إني بجيبلك هدايا كتير.
أخذها منها بابتسامة: إنتِ كفاية عندي، وإنتِ هديتي تسلم إيدك.
ثم قبل يدها.
أمسكت ماسة جهاز التحكم بتلفاز: طب يلا نتفرج على الفيلم.
جلس الأثنان يشاهدان الفيلم، يتبادلان الضحكات والتعليقات، بينما كان سليم يناولها قطع الفاكهة بين الحين والآخر، في محاولة لإفساد تركيزها.
ولأول مرة منذ وقت طويل، تركا الماضي وكل مايؤلمهما خلفهما، وعاشا تلك الساعات كما لو أن العالم كله توقف من أجلهما... لم يبقى بينهما سوى الحب، وراحة القلب، والضحكة التي ظنا أنها ضاعت إلى الأبد.
في تلك الليلة، كان سليم سليم، وكانت ماسة ماسة... زوجين اختارا أن ينسيا كل شيء، ويعيشا حبهما فقط.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
أمام عمارة مي8م
هبطت مي من بنايتها بفستان سهرة محتشم وحجاب أنيق، وما إن خرجت حتى وجدت شريف في انتظارها.
بمجرد أن وقعت عيناه عليها، ابتسم بإعجاب: إيه الجمال ده؟
ابتسمت برقة: أنا مش عارفة إنت جيت ليه، أنا كنت هاجي لوحدي ،ما ينفعش تسيب أختك في يوم زي ده.
ضحك: أختي في يوم زي ده مش عايزاني أصلا، هي عايزة صاحبتها البنات وإخواتي البنات، وبعدين إخواتي الشباب هناك، ما تقلقيش، يلا بينا.
هزت رأسها بالموافقة، ففتح شريف لها باب السيارة، ثم قاد حتى وصلا إلى قاعة زفاف شقيقته بأحد نوادي القوات المسلحة.
كانت القاعة مزينة والأضواء تملأ المكان، والموسيقى تعلو في الأجواء، دخل شريف برفقة مي، واتجه بها إلى طاولة عائلته، وعرّفها إلى والديه وإخوته، الذين رحبوا بها وبدأوا الحديث معها.
شقيقته: على فكرة شريف ما بيبطلش كلام عليكي يا مي.
شريف مصححا بخجل: هي جيهان بتحب تبالغ بس.
ضحكت مي برقة دون تعليق
وبينما كانت مي تتحدث معهم، اقتربت إحدى خالات شريف من والدته، وقالت بصوت خافت: هو فيه إيه؟! ده الجو الجديد ؟
والدته باستغراب: جو جديد إيه ؟ دي مريضة بيحاول يخرجها من اللي هي فيه؟
الخالة بسخرية: يا سلام؟ هو ابنك بقاله يومين بيشتغل؟ ده بقاله سنين! اشمعنى يعني المرة دي؟ أحنا ما شفناهوش بيجيب حد من المرضى ويعرفها علينا.
والدته بترقب: تقصدي إيه يا فريال؟
أجابتها فريال: اللي إنتِ فهمتيه يا أختي.
نظرت والدة شريف إلى مي قالت معلقة: الصراحة البنت كويسة، بس دي مطلقة، وأنا مستحيل أجوز ابني لواحدة مطلقة، أنا هجوزه واحدة زيه ماسبقلهاش الجواز..
اقترب شريف برأسه الى مي متسائل: إيه رايك في ماما وإخواتي.
تبسمت وقالت: بصراحة لذاذ جدا.
شريف: قولتلك هتنبسطي.
ثم مد شريف يده إليها: طب ما تيجي نروح نرقص شوية؟
ابتسمت: ماشي.
وبالفعل، أخذها شريف إلى مكان الرقص، بينما وقف هو وسط الرجال لبعض الوقت، وكانت مي تقف مع الفتيات وتصفق، قبل أن تشاركهن الرقص وسط أجواء الحفل المرحة.
لكن بعد فترة قصيرة، تغيرت ملامحها فجأة، وشعرت بدوار وضيق في التنفس.
لاحظت شقيقة شريف تغيرها، فاقتربت منها وسألتها بقلق: إنتِ كويسة يا مي؟
وضعت مي يدها على رأسها: اممم بس حسيت فجأة إني دوخت وعايزة أرجع.
ردت عليها باهتمام وهي تمسك كتفها: يمكن من الزحمة، تعالي أرجعك على الترابيزة.
أسندتها وأعادتها إلى الطاولة، ثم ما إن لاحظ شريف ما حدث حتى أتجه إليها بسرعة، وقال باستغراب وقلق: فيكِ إيه؟
أجابته مي: مش عارفة، حسيت إني دوخت وعايزة أرجع، يمكن من الزحمة والجو المكتوم
شريف: طب استني، هجيبلك حاجة تاكليها من البوفيه.
أمسكت يده برفق: لا، لا، مش عايزة حاجة، أنا شربت مية وأنا كويسة روح إنت انبسط.
أومأ برفض: أنا هقعد معاكي شوية أطمن عليكي، وبعدين أبقى أرجعلهم تاني.
ابتسمت مي بهدوء، بينما جلس شريف إلى جوارها، وظلت أصوات الموسيقى والضحكات تتعالى من حولهما، دون أن يعرف أي منهما أن تلك الدوخة المفاجئة قد تكون بداية لشيء سيغير الكثير.
فيلا ياسين ولوجين،9م
كانت لوجين تجلس إلى مائدة العشاء برفقة نهى ونغم، يتبادلن الحديث بهدوء.
ابتسمت لوجين: أيوة، وأول واول متحسن هخدها نجيب واجيب ليها وللبيبي، وتختارهم بنفسها زي ما الدكتور قايل.
نهى بقلق: بس موضوع مبيته هناك ده ما ينفعش.
رفعت لوجين حاجبيها: ماما، إنتِ أكبر من كده؟ هو بينام مع البنت؟
تدخلت نغم: وأنا مش عارفة إزاي قلبك هادي كده! ده بيقعد هناك وقت طويل، وكمان بينام في بيت طليقته.
نهى بهدوء: إحنا مش بنقسيكي بسبب ياسين، بس فيه حاجات ما تنفعش.
تنهدت لوجين: ده وضع مؤقت علشان البنت.
نهى: عموما، ده اختيارك ولازم تبقي قده.
في الجهة الأخرى...غرفة نالا
جلس ياسين إلى جوار نالا، فطلبت نالا من هبة أن تنام معهما، فتمدّدت بجوارها، بينما جلست نالا بينهما.
بدأ ياسين يسرد قصة لها حتى تنام، لكنها تشبثت به: بابا، أنا عايزاك تبات معايا النهاردة.
هز رأسه: مش هينفع يا حبيبتي، إمبارح أنا بت معاكي.
أصرت: والنهاردة كمان، علشان خاطري.
تنهد ياسين: طب خلاص، تعالي نبات عند جوجا، إيه رأيك؟
ابتسمت نالا: ماشي، بس ماما تيجي معانا.
تردد ياسين: مش هينفع يا حبيبتي.
سألته باستغراب: ليه؟
أجابها: مش أنا قلتلك إن أنا وماما مطلقين؟ ماينفعش تنام في أوضة واحدة معايا.
فكرت نالا قليلا: خلاص، نبات هنا، بابا يبات معايا، وماما تقعد لحد ما أنام وبعدها تمشي.
تدخلت هبة بحزم: نالا، لو عايزة بابا ينام معاكي، روحي نامي معاه في الفيلا، أنا مش هروح معاكي، ولو روحت هنام في أوضتي.
نظر إليها ياسين: بالراحة عليها.
ردت بحزم: لا، لازم تسمع الكلام. يلا، اختاري هتعملي إيه.
خفضت نالا رأسها باستسلام: خلاص، هبات هنا، بس بابا يبات معايا، أنا مش عايزة أروح هناك.
نظرت هبة إليه: عندك مشكلة تبات هنا النهاردة كمان؟
أومأ: لا عادي.
ثم أخرج هاتفه واتصل بلوجين.
ياسين: إيه يا حبيبتي؟ أنا هبات النهاردة كمان مع نالا.
لوجين بضيق: ليه؟ النهاردة كمان؟
ياسين معتذرا: معلش، حقك عليا، بس البنت شبطانة فيا.
لوجين: طب ما تجيبها تنام معانا.
ياسين: إنتِ عارفة يا لوجين، ماينفعش حد ينام جنبك، وأنا نفسي مابنامش جنبك.
تنهدت: طيب، ماشي. سلّم لي عليها.
ياسين: حاضر.
أغلق ياسين المكالمة، والتفت إلى نالا: هاروح ألبس وأرجع أقعد جنبك.
أما لوجين، فأغلقت الهاتف وتنهدت بضيق كانت تحاول إقناع نفسها أن مبيته هناك مجرد ظرف مؤقت من أجل ابنته، لكنها لم تستطع منع غيرتها من الظهور، ومع ذلك، قررت ألا تسمح لها أن تهز ثقتها بياسين، فنهضت وهي تحاول طرد تلك الأفكار من رأسها.
أحد الأماكن النائية في صعيد مصر،1ص
وسط الصحراء، كان عدد من العمال والمهندسين يعملون في موقع أثري بعيد عن أعين الناس.
توقفت عدة سيارات نقل بالقرب من الموقع، بينما كان بعض العمال يخرجون من حفرة عميقة، يحملون صناديق خشبية ثقيلة، ويضعونها بعناية داخل السيارات.
وقف أحد المهندسين يراقبهم قائلا: بالراحة يا رجالة الصناديق دي ممنوع تتخبط.
وفجأة، ظهر عدد من الرجال الملثمين، وأطلقوا النار، فتحولت ساحة العمل خلال لحظات إلى فوضى.
اختبأ العمال خلف السيارات، وحاول أفراد الحراسة الرد، وتبادل النيران، وكأنها ساحت معركة، لكن المهاجمين كانوا أكثر عددا وتنظيما، وسرعان ما سيطروا على المكان وأجبروا من تبقى على الاستسلام.
اقترب أحد الملثمين من المهندس وأمسكه من ذراعه: عايز تعيش ولا تموت؟
ارتجف المهندس: أكيد عايز أعيش.
قال الرجل بحدة: يبقى تساعدنا نخرج المقبرة دي... وكل إللي فيها.
نظر المهندس حوله بتوتر: أساعدك، بس إنت قتلت نص العمال إللي هنا!
الرجل ببرود: لو عايز تفضل عايش، يبقى بلاش أسئلة... يلا أتحرك.
ابتلع المهندس خوفه وأومأ: حاضر..
وبدأ المهندس يوجههم إلى الممرات الداخلية، موضحا أماكن الصناديق والمقتنيات.
وبعد وقت،
أمسك أحد الملثمين جهاز اللاسلكي: إحنا بنطلع الصناديق دلوقتي.
جاءه الرد: هاتاخدوا قد إيه؟
نظر إلى المهندس، فأجاب: ٣ ساعات.
نقل الرجل المعلومة، ثم قال: ما تقلقش... إحنا مراقبين كل حاجة.
أغلق الجهاز وأشار إلى رجاله: يلا... مافيش وقت.
وفي التوقيت نفسه، في أحد المخازن التابعة لعائلة الراوي، بمنطقة معزولة وتحت حراسة مشددة.
فجأة، اقتحمت مجموعة أخرى من الرجال الملثمين المكان، واشتبكت مع الحراسة قبل أن تسيطر عليها وتدخل إلى المخزن
كانت الصناديق والتماثيل والقطع الأثرية مصطفة في الداخل.
أشار أحد الرجال إليهم: خدوا كل حاجة.
وخلال دقائق، كانت السيارات قد امتلأت بما حصلوا عليه.
جلس أحد الرجال في المقعد الأمامي واتصل: المخزن خلص.
جاءه الصوت الآخر: متأكد إن ماحدش هايعرف؟
نظر إلى آخر صندوق يتم تحميله وقال: عزت باشا مستحيل يعرف والحاجة خلاص في الطيارة.
تحركت السيارات في اتجاهين مختلفين، واختفت وسط الصحراء، تاركة المكان خلفها خاليا مما كان فيه...
في اليوم التالي...
مجموعة الراوي،1م
جلس عزت داخل مكتبه يتابع بعض الملفات، حين دخل شاكر على عجل، وعلامات التوتر تبدو على وجهه.
رفع عزت عينيه عن الأوراق: فيه إيه؟
اقترب شاكر: عندنا مشكلة كبيرة يا باشا.
قطب عزت حاجبيه: أتكلم.
شاكر بتردد: المقبرة اتسرقت.
توقف عزت عن تقليب الأوراق، ورفع عينيه إليه بحدة: اتسرقت إزاي؟
شاكر بتوضيح: مجموعة مسلحة دخلت الموقع بالليل، وسيطرت على المكان، وخدت كل إللي كان موجود.
اتسعت عيناه بصدمة ثم تساءل: طب والمخازن؟
تردد شاكر قبل أن يجيبه: المخازن كمان اتسرقت.
مد عزت وجهه بحسرة: يعني المقبرة والمخازن اتسرقوا في نفس التوقيت؟
أومأ شاكر: أيوه يا باشا
تابع بتفسير: واضح إن إللي عمل كده ماكانش داخل يسرق وخلاص... ده كان عارف كل حاجة..
سأله عزت: تقصد إيه يا شاكر؟
رفع كتفه مفسرا: أقصد إن حد كان بيراقبنا من فترة، وعارف كل تحركاتنا... حتى مواعيد استخراج القطع، والأذكى إنه سابنا نعمل كل الشغل بنفسنا... حفرنا، ونقلنا، وطلعنا القطع وحطيناها في المخازن، وهو جه في الآخر وأخدها جاهزة.
جلس عزت يمسح على رأسه بعصبية، بينما كان الغضب يغلي بداخله، لكنه ظل صامتا، يحدق أمامه محاولا استيعاب ما حدث.
وفجأة، دخلت فايزة، والغضب يملأ ملامحها
قالت بانفعال: شفت المصيبة إللي حصلت؟ إنت قاعد كده عادي؟
رفع عزت عينيه إليها بهدوء، وقال بنوع من اليأس: عايزاني أعمل إيه؟ بعد كل إللي حصل لنا، تفتكري خبر زي ده هايهزني؟ أنا عشت أسوأ منه.
ضيقت عينيها باستغراب: إيه النظرة، اليأس والبؤس دي؟
أجابها بمنطق: ده مش يأس ولا بؤس، ده تصالح مع الواقع، والسؤال الأهم دلوقتي يا فايزة... مين إللي بيعمل كده؟
فايزة وهي تجلس: طب ما إحنا بقالنا كتير بنحاول نوصل له.
اشتدت عينا عزت بحسم: المرة دي لازم أعرف مين إللي بيعمل كده، حتى لو ها أدفع نص ثروتي علشان أوصله.
تبادلا النظرات في صمت.
فيلا سليم وماسة،12ص
جلس سليم وماسة متقابلين على إحدى طاولات حديقة الفيلا، يتناولان الفطور في أجواء هادئة.
سألته ماسة بابتسامة: ها، يا قلبي، قولي انبسطت؟ أنا بعرف أعمل مفاجآت.
ابتسم وأمسك يدها وقبلها منها: أكيد انبسطت، أحلى مفاجأه إحنا عايزين كل فترة نفصل كده ونسربهم واستفرض بيكي.
هزت رأسها بحماس: موافقة جدا
وفي تلك اللحظة، ركضت حور نحوهما بحماس، وكانت جميع أفراد العائلة خلفها.
حور بسعادة: بابا، ماما! أنا جيت! إنتوا كمان جيتوا!
نظر إليها سليم باستغراب، بينما قال مكي بسرعة:
أيوه جم، وقتلوا الحشرات اللي كانت مالية البيت.
وجه نظره لسليم وهو يغمز له: مش إنت يا سليم كنت بتحارب الحشرات إنت وماسة؟
تفهم سليم وأومأ بإيجاب حمل حور واحتضنها:
أيوه، اتخانقت معاها وضربتهم أنا وماما، عشان الملكة بتاعتي، مافيش حاجة تيجي جنبها.
حور ببراءة: أنا هنام جنبكم النهاردة، علشان إنتوا وحشتوني.
ابتسم سليم: بس كده؟ نامي جنبنا النهاردة وبكرة كمان. هاتي بوسة.
اقتربت حور منه وقبلته في خده، ثم قالت بسعادة:
أنا مبسوطة يا بابا إن إنت خرجت من الأوضة ومابقتش زعلان.
احتضنها سليم: مش هزعل تاني طول ما إنتِ معايا وفي حضني كده وشايف ضحكتك الحلوة دي.
وضعت ماسة يدها على خصرها بمزاح: يا سلام يا سلام! طب وأنا ماوحشتكيش؟
ابتسمت حور، وألقت نفسها في أحضانها: إنتِ كمان وحشتيني قد البحر والسما.
احتضنتها ماسة بحب: قلب ماما.
نظر سليم للعائلة وقال: أقعدوا أفطرو معانا.
سعدية: لا، إحنا سبقناك من بدري.
ابتسم سليم: طب أقعدوا معانا.
جلس الجميع.
إسعاد وهي تجلس سألته باهتمام: عامل إيه دلوقتي يا ابني؟!
تبسم: أنا الحمد لله كويس.
مكي: بقولك يا سليم، تعالى أقولك على حاجة.
نظر إليه سليم باستفهام: في إيه؟
أشار له مكي: تعالى بس.
تحرك سليم مع مكي عدة خطوات بعيدا عنهم، فنظرت ماسة إلى سلوى وسألتها: هو في إيه؟
أجابتها سلوى بالإنجليزية: هناك بعض الأشخاص قاموا بسرقة المقبرة الفرعونية التي يملكها عزت.
اتسعت عينا ماسة فور سماعها الخبر، ثم نظرت إلى إسعاد وقالت: قوليلي يا خالتو لسة حاسة بالحرج؟
ابتسمت إسعاد: لا خلاص، الصراحة أم عمار ما شاء الله عليها، ونِعم الأخت.
سعدية بابتسامة: والله إنتِ إللي جيتيلي نجدة! لاقيت حد اتساير معاه بدل ما أنا قاعدة لوحدي.
ضحكت ماسة: يعني أخيرا مش هاتفضلي ترغي جو وداني بالساعات؟
سعدية بغيظ مصطنع: لا مش علشان سليم هنا هتتدلعي، والله لأقوم أضربك!
ضحكت ماسة: ماتقدريش ثم أخرجت لسانها..
ثم نظرت إلى حور وقالت: تعالي يا روري، أحكيلي عملتي إيه إمبارح مع تيتة وجدو؟
على إتجاه آخر، كان يتوقف سليم ومكي أمام بعضهما يتحدثان.
سليم: ده أكيد كريس هو اللي عمل كده، إنت ناسي أنا اللي كنت مديه كل المعلومات؟
مكي: أنا قلت أعرفك علشان تبقى في الصورة.
سليم بحسم: أنا مش هعمل حاجة تاني يا مكي، أنا زي ما قلتلك، هبعد عن كل حاجة، هفكر إني أنبسط وبس، ونحضر لجوازك، ومن النهاردة لازم نبدأ نرتب لكل حاجة. تعالى معايا.
تحرك الأثنان وعادا إلى الطاولة، ثم جلسا مع الجميع.
قال سليم: بقوللكم إيه يا جماعة؟ إحنا من النهاردة هنبدأ نحضر لجواز سلوى ومكي، زي ما اتفقنا، أنا مش حاسس إن إنتوا عملتوا أي حاجة.
سلوى مفسرة: ما إنت عارف بقى يا سليم، اللي حصل.
سليم بحزم: مالكمش دعوة بأي حاجة تحصل، مافيش حاجة هتوقف حياتنا تاني، يلا من النهارده ابدئي شوفي الموبيليا على الشهر الجاي بالكتير نعمل لكم فرح ونفرح..وتقعدوا بلا استراحه
نظر مكي إلى سلوى، وتبادلا نظرة حماس، ثم قالا معا: موافقين.
المصحة،4م
جلس رشدي في المكان المخصص للزيارات، كانت العائلات تجتمع حوله، بينما جلس هو بمفرده، وعيناه معلقتان بالباب.
كلما انفتح الباب، انتفض قلبه، ورفع رأسه سريعا، ظانا أن القادم سيكون أحد أفراد عائلته.
لكن في كل مرة، كان الأمل يخيب، ويعود إلى مكانه صامتا، يخفي حزنه بصعوبة.
وبينما كان الطبيب يمر من بعيد، انتبه إليه رشدي
فنهض وتحرك نحوه متسائلا: هو حضرتك قولت للعيلة إنك سمحت بالزيارة؟
أومأ الطبيب بهدوء: أه كلمت عزت باشا والهانم، بس للأسف محدش رد، لكن بلغتهم في رسالة، يمكن عندهم شغل النهاردة، ممكن يجوا بكرة، متقلقش، الهانم وعدتني إنها هتيجي.
تردد قليلا قبل أن يسأل: طب معلش كلمهم تاني، هو أنا ينفع يبقى معايا تليفون؟
زم الطبيب شفتيه بأسف: مش دلوقتي، شوية كده لما حالتك تتحسن.
رشدي بضيق: أنت خايف أتصل بحد وأقوله هاتلي مخدرات؟
أومأ الطبيب نافيا بسرعة: أنا مقولتش كده، بس ده نوع من التدريب على الاتزان وبعض السلوكيات المعينة، مش كل حاجة تطلبها لازم تبقى مجابة، وده بناء على كلام الدكتور النفسي.
صمت رشدي لحظة، ثم قال برجاء: طب معلش كلمهم تاني، مش لازم الباشا والهانم، ممكن تتصل بياسين، طه، فريدة..
توقف قليلا، ثم أضاف بصوت أكثر خفوتا: أو ممكن تكلم سليم يقولهم؟
أومأ الطبيب: تمام، عموما لسة ميعاد الزيارة مخلصش، ولسة فاضل وقت كبير، يمكن ييجوا.
نظر رشدي إلى الباب مرة أخرى: أنا مش عايز أصدق إنها كانت بتكذب لما وعدتني.
تبسم الطبيب وربت على كتفه بدعم: أكيد لا، خد بالك، أنت عندك جلسة نفسية بعد الزيارة.
هز رأسه: ماشي.
تحرك الطبيب مبتعدا، بينما عاد رشدي إلى مقعده، وظلت عيناه معلقتين بالباب، ينتظر أن يظهر منه وجه يعرفه.
وفي الجهة الأخرى من الحديقة، توقف الطبيب مع طبيب آخر، وقال بقلق: إحنا لازم نكلم أهله تاني، الموضوع ده هيفرق كتير في حالته النفسية.
الطبيب الثاني: أنا كلمتهم، ومحدش بيرد.
الطبيب الأول: لازم نجرب تاني، أنا خايف يرجع ينتكس، كل التقارير إللي قريتها بتأكد إن نسبة كبيرة من تحسن رشدي مرتبط بشكل قوي بإحساسه إن أهله مش بيحبوه، ولا مهتمين بيه، عموما خلينا نحاول تاني.
مر الوقت وانتهت الزيارة... ولم يأت أحد.
عاد رشدي إلى غرفته، وجلس على سريره في صمت، وبعد قليل دخل الطبيب بابتسامة: عامل إيه يا رشدي النهاردة؟ أنا دكتور علاء، إن شاء الله هنكون مع بعض، في رحلة العلاج النفسي.
أومأ على مضض: أهلا بحضرتك.
جلس علاء أمامه، وسأله بهدوء: لسه زعلان علشان محدش جالك في الزيارة؟
خفض عينيه قليلا: مش بالظبط، بس كان نفسي يجوا النهاردة.
عاد علاء بظهره علي الكرسي وقال بهدوء: ممكن يكون عندهم أسباب كتير منعتهم، أنا اتفقت مع دكتور نوح إنه هيتواصل معاهم، وأكيد بكرة أو بعده هييجوا.
ظل رشدي صامتا، فسأله علاء مجددا: قولي بقى إيه أكتر حاجة بتخاف منها؟
رفع رشدي عينيه إليه وأخذ نفسا عميقا، وبدأت الجلسة.
فيلا سليم وماسة،4م
كان مكي يتجول في أرجاء الفيلا، يتفقد الحراسة ويراجع الأوراق والمكالمات، متابعا كل شيء بدقة كعادته.
بعد قليل، نادته سلوى من بعيد، الاي كانت تجلس تحت الأشجار في الحديقة.
اقترب منها، فابتسمت وقالت: إنت فاضي؟
نظر إليها وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة.: ولو مش فاضي أفضالك.
جلس بجانبها على الأرض، وأسندا ظهريهما إلى جذع الشجرة الضخمة، كان نسيم الحديقة عليلاً، وصوت العصافير يملأ المكان.
صمت مكي للحظات ثم قال فجأة دون مقدمات:
على فكرة إنتِ وحشتيني، وحشني أملي عيني من النمش الحلو ده.
اتسعت عيناها بدهشة، لم تتوقع منه هذا الاعتراف المباغت علقت: اشمعنا؟
مد يده ببطء، وأمسك بخصلة من شعرها بين أصابعه بنعومة بالغة، ونظر في عينيها: وفيها إيه لما أدلع حبيبتي وأقولها إنك وحشتيني؟
أشاحت بوجهها بعيدا، وقد توردت وجنتاها خجلا: مش واخدة على كده منك بصراحة.. فلما بتقولي كلام حلو على فجأة بتصدم.
دقق النظر في عينيها: ما أنا قولتلك فيه مكي جديد إنسي إللي فات يا سوسكتي.
تبسمت برقة: حبيت ده، بقولك إيه، استنى عايزة أوريك حاجة مهمة، اصل بصراحه اتحمست اوي لما سليم كلمنا الصبح إن احنا نسرع في جوازنا.
أمسكت هاتفها واقتربت منه حتى ألتصق كتفها بكتفه، وفتحت صورة أمامه: بص إيه رأيك في أوضة النوم دي؟
نظر بتركيز قال: حلوة أوي، بس السرير صغير.
ضيقت عينيها باندهاش: صغير إيه يا مكي! حلو والله وعلى قدنا.
أومأ باعتراض: أنا عايز أوضة نوم سريرها أكبر من كده، أو نغير السرير ده.
تساءلت: ليه يعني؟ ما هو أنا وإنت إللي هننام عليه، وبعدين إحنا رفيعين.
ضيقت عينيها بمزاح تابعت: ولا إنت من نوع الناس إللي بتتشقلب على السرير زي يوسف؟
نظر إليها بنصف عين، وارتسمت على وجهه غمزة خبيثة: هو من ناحية الشقلبة ففيه شقلبة.. بس مش من النوم.
قطبت جبينها بعدم فهم: مش فاهمة؟
مال عليها قليلاً وهمس بصوت خافت لم تسمعه سوى هي قال بنبرة ذات معنى: يعني لازم يبقى كبير ومريح علشان نبقى براحتنا يعني.. أنا عامل عليكي والله مش عليا، أنا في أي مكان أنا تمام، حتى على الأرض مافيش مشكلة، برغم إني لازم أجرب حور الأرض برضوا معاكي..
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه لوهلة بعدم فهم، ثم فجأة أدركت مقصده، اتسعت عيناها وضربته على كتفه بقوة: تصدق إنت قليل الأدب ومش محترم! أنا غلطانة إني بتكلم مع واحد مش متربي زيك!
نهضت واقفة بسرعة تهم بالرحيل، لكنه كان أسرع منها، وقف أمامها ووضع يده على جذع الشجرة، فحاصرها بجسده، ولم يعد أمامها مفر.
قال بمزاح: إيه بكابروت واتفتح عليا؟!
تابع بهمس: رايحة فين؟
كانت تحاول أن تكتم ضحكتها، ووجهها أحمر من شدة الخجل: همشي علشان إنت بقيت قليل الأدب.
اقترب أكثر حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسهما المتسارعة: حد يتكسف من حبيبه إللي هيبقى جوزه يا سلوتي.
نظرت له وقالت بمشاكسه: اعملك ايه إنت ليه ماعودتنيش على قله الادب دي
تبسم: أنا اللي غلطان يعني
أومأت بايجاب بمشاكسه، تبادل النظرات للحظه بحب، ثم اقترب منها أكثر، حتى حُبست أنفاسها، كان قريبا لدرجة أنها تستطيع أن ترى انعكاسها في عينيه. كانت نظراته تحاصرها أكثر من ذراعه الممدودة على الشجرة.
ساد صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتسارعة، عيناه تتنقلان بين عينيها وشفتيها، بنظرة جريئة، حماسية، تكاد تنطق بما لا يجرؤ على قوله.
ارتجف جسدها، وحاولت أن تتماسك، لكنها لم تستطع أن تبعد نظرها عنه.
سلوى بصوت مخنوق من الكسوف: مكي.. أبعد بقى.
لم يبتعد، بل مال برأسه قليلاً نحوها، فازداد قربا: مش هبعد غير لما تقوليها تاني.
ابتلعت ريقها: أقول إيه؟
مكي قرب وجهه من أذنها: قولي وحشتني.. زي ماقولتيها من شوية.
عضت على شفتها السفلى بتوتر، ونظرت للأرض تهربًا من عينيه: لا مش هقول.. وأنا ماشية.
حاولت أن تمر من تحت ذراعه، فأوقفها بصوت حازم وناعم في نفس الوقت: سلوى.
توقفت مكانها، دون أن تلتفت. فأكمل هو بنبرة أهدأ: خليكي.. لسه ماقعدناش.
التفتت له نصف التفاتة، وعيناها تلمعان بعناد ودلال. لا عشان إنت بتبصلي بصة غريبة وأنا بتكسف وعمار هنا.
تحركت مبتعدة وهو ينظر لها بإبتسامة واسعة.
وخلال أسبوعين..
كان رشدي ملتزما بجلساته النفسية وعلاجه، وبدأ يظهر تحسنا قويا، بفضل عزيمته وإرادته في التخلص من الإدمان، وبسبب تقدم حالته جعله الطبيب يجلس في غرفة عادية
وفي الوقت نفسه، ظل هناك شيء واحد يؤلمه بشدة...وبنهش إستقراره
كان كل يوم، وفي الموعد نفسه، يجلس على الكرسي في مكان الزيارة طوال الساعتين، وعيناه معلقتان بالباب، ينتظر أن يُفتح، ليرى وجه أي شخص يعرفه!
ورغم عزيمته وقوته في الإقلاع عن الإدمان، كان انتظار الزيارة ينهش قلبه ببطء، كلما انفتح الباب، انتفضت عيناه بالأمل، ثم ما يلبث أن يخفت ذلك الأمل حين يمر شخص آخر لا يعرفه. ومع تكرار الأمر يوما بعد يوم، صار يجلس أمام الباب بصمت، يحدق فيه طويلا، وكأنه ينتظر من خلاله دليلا واحدا فقط على أن أحدا لم ينسه.
ومع الأيام، بدأ شيء ما ينطفئ بداخله، الأمل بدأ يموت بداخله، وانطفأت عيناه شيئا فشيئا، ووجع ثقيل استقر في قلبه
لم يكن أحد يزوره، فالجميع كانوا غارقين في مشكلاتهم وأحداثهم، والأسوأ أنهم لم يكونوا يجيبون على اتصالات المصحة.
أما رشدي، الذي لا يعرف شيئا عما يحدث خارجها، فبدأ يظن أنهم نسوه فعلا.
كبرت الفكرة في رأسه يوما بعد يوم، حتى بدأ يصدقها.
أما سليم، فبدأ يركز أكثر في مشروعه وعمله، ويحاول الخروج من شعور الذنب الذي ظل يطارده، بعدما سأل شيخا وأخرج مبلغا من المال صدقة وتكفيرا عما يشعر أنه أخطأ فيه.
أما آلاء ومصطفى، فظلا كما هما... كالقط والفأر، لا يمر يوم بينهما دون مشادة أو استفزاز من أحدهما للآخر.
وبالطبع، كان ياسين يقضي ليالي كثيرة خارج المنزل بسبب نالا، وهو ما كان يضايق لوجين كثيرا، لكنها لم تكن تعرف ماذا تفعل؛ فهي تعلم أنه مضطر، ومع ذلك كانت تغار كأي امرأة تحب زوجها.
أما عزت، فكان لا يزال يحاول الوصول إلى الشخص الذي سرق المقبرة لم يتمكن من الوصول إلى شيء مؤكد، لكنه توصل إلى معلومات تشير إلى أن كريس هو من قام بسرقتها، دون أن يمتلك أدلة كافية تثبت ذلك.
في المصحة،4م
جلس كعادته في الحديقة وقت الزيارة، ينتظر لكن تلك المرة كانت عيناه منطفئتين بشدة، شعر بالاختناق والغربة، ووضع يديه على خديه بمرارة وحسرة، ينظر حوله؛ الجميع يجلسون مع عائلاتهم، إلا هو.
وما كان يخشاه قد حدث بالفعل...
لم يشعر بنفسه إلا ودموعه تهبط بصمت، وغصة شديدة تخنق قلبه مسح دموعه، ثم نهض وتحرك دون أن ينتظر أكثر، فقد أدرك أنه لا أمل في أن يأتي أحد.
قابله الطبيب علاء سأله: رايح فين يا رشدي؟
رد بيأس: راجع أوضتي.
علاء بقلق: أنا مش عايز أشوف اليأس ده في عينك.
توقف رشدي والتفت إليه، ثم قال بغضب ووجع:
أوعى تقوللي تاني إنهم جايين وتديني أمل كداب. إنت كدبت عليا، زي ما هي كذبت عليا، وزي ما طول عمرها بتكذب عليا، أنا اللي كنت غبي وصدقتها وصدقتك، أنا ماحدش بيحبني، ماحدش عايزني، هما ماصدقوا يتخلصوا مني،
كاد علاء أن ينطق، لكن رشدي أوقفه بنظرة حادة، بعينين تلمعان بالدموع، بينما خرج صوته مهتزًا رغم محاولته أن يبدو حاسمًا: أوعى تقوللي إنهم جايين، وإنهم بيحبوني، أكيد في ظروف مانعتهم! وإن لازم أتمسك بالأمل، الإنسان بيتمسك بالأمل لما يشوف ولو شعاع نور صغير، أي حاجة تخليه يصدق إن لسه فيه سبب يستنى عشانه... بس أنا مش شايف أي حاجة من دي...
ابتلع غصته، وانخفض صوته أكثر: أنا كل يوم بستناهم، وكل يوم الباب بيتفتح، وبيرجع يتقفل من غير ما يدخل حد، أتمسك بإيه تاني يا دكتور؟
لم يستطيع علاء الآن المجادلة فلم يكن ذلك الوقت المناسب لابد أن يتركه يهدى ثم قال بهدوء: صحيح أنا ممكن أديك التليفون النهاردة لمدة ساعة.
رشدي بسخرية ممزوجة بالمرارة: اشمعنا؟ صعبت عليك؟
لم يفضل علاء بمجادلته فأخرج الهاتف ومده إليه: ده تليفونك اتفضل هايكون معاك لمدة ساعة، وأنا هسيبك ترجع لوحدك، وبعدها لينا قعدة مع بعض.
أخذ رشدي الهاتف وتحرك نحو غرفته، دخلها، لكنه نظر إليها هذه المرة بطريقة مختلفة. كأنها لم تعد غرفة، بل سجنا، أو جزيرة منفية لا يوجد فيها أحد سواه.
جلس على الفراش، وفتح حسابه على إنستجرام، ثم إتجه مباشرة إلى حساب مي ظل يتصفح صورها واحدة تلو الأخرى، يتأملها في صمت، وكأن كل صورة تعيد إليه ذكرى لم يعد يعرف كيف يتعامل معها.
ظل ينظر إليها باشتياق، وتمتم: وحشتيني أوي...
لكن فجأة توقفت عيناه عند مجموعة من الصور التي تجمعها بشريف.
اقترب من الشاشة، وأخذ يتأملها واحدة تلو الأخرى.
لم تعد عيناه تريان مجرد صور لطبيب ومريضة
بل شيء أخر
قرأ التعليقات، ورغم أنها كانت عادية، أخذ يفسر كل كلمة بطريقة مختلفة، وكأنها تؤكد له أن مي بدأت تنساه، وأنها بدأت تعيش حياة جديدة بدونه.
ازدادت الغصة في قلبه، وشعر أن كل شيء بداخله ينهار.
رفع عينيه عن الهاتف، وبقي للحظات يحدق أمامه في فراغ بدأ يتحدث بصوت داخلي: أنا هرجع ليه؟ لمين؟!
وفجأة انفتح باب الغرفة، ودخل الممرض يجر عربة الأدوية.
الممرض: يلا يا رشدي، ميعاد الدوا.
رفع رشدي عينيه إليه لوهلة واهنة، ثم سقط بصره على عربة الأدوية، فلمح مشرطا طبيا يلمع فوقها في تلك اللحظة، عبرت بذهنه فكرةٌ مظلمة.
اقترب منه الممرض ومد يده بالحقنة ليحقنه بها، فاستغل رشدي لحظة عدم انتباهه، ومد يده في خفة إلى المشرط، ثم أخفاه بسرعة في ثيابه من الأمام.
انتهى الممرض من حقنه، ثم ناوله قرصا صغيرا.
الممرض: خد البرشامة دي كمان، و10 دقايق وهبعتلك الأكل.
هز رشدي رأسه بالإيجاب بصمت. خرج الممرض وأغلق الباب خلفه.
بقي رشدي وحده أمسك بالمشرط الذي أخفاه، ومر أمام عينيه شريط حياته كلها، بدت له بلا معنى وبلا قيمة شعر بثقل خانق يجثم على صدره، حتى اتخذ قراره.
نظر إلى معصمه، وقرّب المشرط منه في لحظة يأسٍ شديدة قطع شريانه وتدفق الدم من يده بشده
