رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الثاني والاربعون42 بقلم ليله عادل

رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الثاني والاربعون42 بقلم ليله عادل
{"الحياة لا تمنح الجميع الفرح في الوقت ذاته، ولا تختار للجميع الوجع نفسه، فالبعض يعيش سعادة، بينما يفتح البعض الآخر أبواب مصائب لا تنتهي، فليست كل نجاة نجاة، فبعض النهايات ليست إلا بداية لمصيبة أخرى." }      

          الفصل الثاني والأربعون🤫❤️

         [بعنوان: ليست كل نجاة نجاة!]

فجأة، ضربه نور قوي في عينيه مع صوت كلاكس حاد، فارتبك وجذب المقود بقوة لليمين، فانحرفت السيارة واصطدمت بشجرة، فارتطمت رأسه بالمقود وسال الدم من فمه، وساد الصمت.

في الخارج، تحطمت المقدمة تماما وتسرب الوقود واشتعلت النيران، وتناثر الزجاج في كل مكان، بينما ظل أحد المصابيح يومض وسط الدخان.

ولم تمر ثوانٍ حتى توقفت السيارة الأخرى، التي تسببت بالحادث 

ترجل منها رجل خمسيني مذعورا، وركض نحو الحطام، وبرفقته شاب في منتصف العشرينيات.

اقترب الرجل من سيارة رشدي، وكان الدخان قد بدأ يلف المكان.

صاح بفزع: يا ساتر يا رب! إيه اللي حصل ده؟!

ثم التفت إلى الشاب وصاح: تعالى ساعدني بسرعة! لازم نطلعه قبل ما العربية تولع كلها!

جذبا الباب المعوج بصعوبة بالغة، ثم أخرجاه من السيارة بحذر شديد.

الشاب وهو يسند رأسه برفق: بشويش، بشويش على مهلك، خلي بالك من رقبته.

وضعاه على جانب الطريق، بعيدا عن السيارة.

جثا الرجل بجانبه، ووضع أصابعه على عنقه يتحسس النبض، ثم قال بصوت مرتجف: النبض ضعيف أوي...

هتف الآخر: خلينا نتصل بالإسعاف بسرعة!

وبدأ الرجل يحاول مساعدته بإنعاش قلبه حتى تصل الإسعاف..

وهو يردد بصوت متقطع: واحد... اتنين... تلاتة... قوم يا ابني... قوم بالله عليك.

بدأت السيارات والناس تتجمع أكثر حول المكان؛ بعضهم يمر بسيارته دون اهتمام، والبعض الآخر يقترب ليرى ما حدث ثم يبتعد، بينما ظل آخرون في المكان يتابعون الموقف.

ثم قال أحد المتجمعين: مش هينفع نستنى الإسعاف، خلونا نوديه إحنا المستشفى، في مستشفى حكومي هنا قريبة.

وبالفعل، حملوه مرة أخرى بحذر، ثم انطلقوا به نحو أحد المستشفيات القريبة.

استقبلتهم المستشفى، وأُدخل إلى قسم الطوارئ، وبدأ الأطباء في فحصه.

الطبيب وهو يتابع حالته: النبض منخفض أوي، الجسم فيه نسبة مخدر عالية مع كحول، اعملوا له غسيل معدة وعلقوا فحم نشط، وخليه تحت الملاحظة.

وفي الخارج، 

كان يتوقف رجل أمن مع أحد الرجلين اللذين أحضراه ويتبادلون الحديث

الرجل: إحنا مانعرفش أي حاجة، وهو كان ماشي عكس ودخل بشجرة، وجبناه هنا علشان حسينا إن الإسعاف هيتأخر.

رجل الأمن: لازم تسجلوا الكلام ده، علشان لو في أي شبهة جنائية.

الرجل بسرعة: يا باشا، أنا ماليش دعوة! هو أنا يعني غلطتي إني ماسبتوش ومشيت؟

طمأنه الأمن: ما تقلقش، ده إجراء روتيني يعني.
🥰___________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة،7ص

سكون تام، ولم يكن يسمع سوى صوت أنفاسهم الهادئة.

كان سليم وماسة نائمين على السرير، وحور بينهما، تحتضن سليم وهي غارقة في النوم.

رن هاتف سليم مرة، لكنه لم يستيقظ، وبعد لحظات، رن الهاتف مرة ثانية، ففتحت ماسة عينيها بصعوبة، ومدت يدها تهزه برفق: تليفونك بيرن.

فتح عينيه نصف فتحة وقال بنعاس: في إيه؟

أشارت إلى الهاتف، وهي تتمتم: التليفون 

فانتبه ومد يده إليه، ثم نظر إلى الشاشة بتعجب، فكان المتصل مكي.

رد بقلق: أيوة يا مكي؟

جاءه صوت متوترا: سليم، رشدي عمل حادثة واتصلوا بيا علشان أنا كنت آخر رقم مكلمه.

أجابه بجمود: ألف سلامة، مطلوب أعمل إيه؟

أجابه موضحا: يعني بسألك لو هتروحله.

أجابه بجمود أكبر: أتصل بالباشا أو شوقي، أنا ماعنديش أخ اسمه رشدي .

أغلق سليم الهاتف، فلاحظت ماسة ملامحه المتغيرة، فسألته وهي تجلس: في إيه؟

لم يجبها، بل نظر إلى حور النائمة، ثم أشار لها أن تأتي معه إلى الخارج.

أومأت، وخرجا بهدوء إلى الحديقة، أغلق سليم الباب خلفه،ثم توقفا أمام بعضهما 

سألته بقلق: في إيه يا سليم؟

تنهد قائلا: رشدي عمل حادثة.

اتسعت عيناها بصدمة: إيه؟! طب لازم تروحله

رفع أحد حاجبيه متعجبا: لازم ليه؟ أنا مالي وماله؟

اقتربت منه قليلا، وقالت بنبرة هادئة بطيبة، وهي تمسح على صدره بحنان: حبيبي، مهما حصل هو أخوك، وعمل حادثة، أفرض جراله حاجة، ماتبقاش جاحد زيه، إنت أحسن منه، أعملها علشان خاطر ربنا.

ظل صامتا، يحدق أمامه بعينين شاردتين، غير مقتنع، فما فعله رشدي به، لم يكن أمرًا يسهل عليه تجاوزه، ولم يكن مستعدا أن يتصرف وكأن شيئا لم يحدث.

تابعت وهي تحاول استعطافه:وبعدين هو حافظ على حور، هو إللي رجعلنا حور.

نظر لها، وأجابها على الفور بنبرة شديدة الانزعاج، مصححا: مش رشدي آللي رجعها، أنا إللي رجعتها لما صافيناز اتكلمت وحكت عن عاطف، ولولا إنه شافها هنا، ما كناش عرفنا أصلا، أن رشدي يعرفها.

أومأت بإيجاب، وهي مازالت تحاول إقناعه، مسحت على كتفه ووجهه بحنان، وقالت بنبرة هادئة: إنت عندك حق فعلا، مش رشدي إللي رجعها، بس هو إللي حافظ عليها... 

دققت النظر في عينيه وتابعت: سليم يا حبيبي، حتى لو عاطف ما أذاهاش ووداها للست دي علشان تحافظ عليها، لولا الفلوس بتاعة رشدي إللي كان بيدفعها كل أول شهر، الله أعلم كان هيحصل لها إيه؟!

تنهدت وهي تنظر إليه، تابعت:إنت قولتلي إن الست دي كانت غلبانة، ومش هتقدر تديها اللبس الحلو إللي بتلبسه، ولا الأكل، ولا أي حاجة ممكن تحتاجها، حتى إللي اسمها رحمة دي ماكانتش هاتساعد؛ لأنها مش بتاخد مقابل..

ثم تابعت بعقلانية: يعني معلش، حتى لو بتعمل كده بدافع الإنسانية، هتساعد يومين، تلاتة، لكن مش هتفضل طول الخمس سنين بتساعد.

ضغطت على كتفه برفق، وقالت بنبرة راجية: أعمل كده علشان خاطر حور، وعلشان خاطر ربنا، روح بس شوف إيه إللي حصل؟! وأعمل إللي عليك، واتصل بيهم وخلاص، إنت بتعمل لربنا.

أخذ ينظر إليها للحظات، يفكر في كلامها، ثم أخرج نفسا طويلا وهو يهز رأسه مستسلما للموافقة: ماشي هروح.

نظرت إليه بابتسامة واسعة، وقد بدت السعادة على وجهها، ثم مدت ذراعيها ولفتهما حول عنقه، وضمته وهي تقول: أيوه كده، إنت كده أحلى كراميل في الدنيا، وسليم حبيبي إللي أعرفه.

ضمها سليم لبضع ثوانٍ، ثم ابتعدت ماسة وهي تقول: غير هدومك وأنا هحضرلك مشروبك المفضل.

أومأ لها، ثم تحرك كلاهما إلى وجهته

دخل سليم غرفة الملابس وبدأ يجهز نفسه للخروج.

وبعد قليل، خرج وهو يرتدي ملابسه، بينما جاءت ماسة وهي تمسك بمشروبه المعتاد.

مدت يدها وقدّمته له: اتفضل يا حبيبي، أنا طلبت من سحر تحضرلك فطار سريع.

أخذ سليم الكوب من يدها وقال: لا، مش هالحق. ممكن آخد ساندوتش كده وأنا في العربية؟

وأثناء حديثهما، بدأت حور تستيقظ على أصواتهما جلست وهي تفرك عينيها بنعاس، ثم نظرت إليهما وقالت: إنتوا صاحيين بدري ليه؟

ابتسمت ماسة: بابا عنده مشوار.

نظرت حور إلى كوب سليم: إنت بتشرب إيه؟

ضحك سليم: عسل بالليمون.

قطبت حور أنفها: يع!

أومأ معارضا بإبتسامة جدية: لا، ده مفيد جدا، وإنتِ أصلا هتشربيه من النهاردة، هخلي ماما تعمل لك واحد طعمه حلو أوي، البنات الحلوين الصغيرين إللي زيك لازم يشربوا عشان لما يكبروا يكونوا أقوياء.

رفعت ماسة حاجبها وهي تنظر إلى سليم وقالت معلقة: والله؟ أمال ما كنتش بتديهولي ليه؟

نظر إليها سليم باستغراب، تابعت بتهكم: يعني إنت متجوزني وأنا يدوب خمستاشر سنة، عمرك يعني ماقولتلي: أشربيه، حلو ومفيد؟

ضحك سليم: إنتِ بتغيري؟

رفعت حاجبها وهي تشيح بوجهها، ثم جلست على المقعد وقالت بتزمر: لا، مش بغير، بس مستغربة؟! كنت متجوزني وأنا صغيرة يعني، مش ست تلاتينية، ماخفتش عليا ليه وأجبرتني أشرب عشان أكون قويه؟

رفع الكوب أمامها بابتسامة: خلاص، إنتِ كمان النهاردة هتشربيه.

نظرت إلى الكوب بضيق قالت تزمر: بعد إيه؟ خلاص راحت عليا.

ضحك وهو يداعب شعرها كأنه يداعب طفلته، وقال بمزاح: الهرمونات عاملة شغل جامد.

نظرت إليه باعتراض: ياحبيبي، دي مش هرمونات! حقي أزعل.

ابتسم سليم ومال عليها، ووضع قبلة على خدها: ماتزعليش ياقطعة السكر، إنتِ الحب كله.

ثم ألتفت ليستعد للخروج: يلا، أنا ماشي.

ثم سألها بحركة شفايف: إنتي هتروحي عند مي إمتى؟

أجابت: أكيد بعد الظهر..

ثم سألته: ليه هو إنت هتتأخر

رد موضحا: تؤ، عندي مقابلة مع عرفان، هخلصها وممكن أروح أشوف الشغل بتاعي عموما، ما تاخديش البنت معاكي.

أومأت بتأكيد: لا، أكيد مش هخدها.

نظرت حور إليهما باستغراب قالت بتزمر: إيه ده؟ إنتوا كلكم هتخرجوا وتسيبوني لوحدي؟

تبسم سليم وقرصها من خدها: أقعدي مع خالتو سلوى عشان تحضروا نفسكم لحفلة خطوبتها على عمو مكي..
ثم أشار بيده منبها: بس بقولك إيه؟ ده سر، جدك وتيتا لسه مايعرفوش، عاملينها لهم مفاجأة.

اتسعت عينا حور بحماس: الله! يعني هلبس فستان؟

أجابها بابتسامة واسعة: أيوه، هتلبسي فستان حلو زيك.

ردت بحماس: وهعمل شعري لاواليو!

رفع أحد حاجبيه باستغراب، نظر إلى ماسة، ثم عاد ينظر إلى حور: اسمها إيه؟ 

ردت: لاواليو؟

ضحكت ماسة ونظرت إليها تسألها: إيه لاواليو دي؟! بتتعمل إزاي؟

امسكت حور خصلة من شعرها ولفتها حول إصبعها وقالت: كده.

هزت ماسة رأسها بفهم: آه، عايزة تعملي شعرك ملولو؟

هز سليم رأسه بيأس وقال مازحا: لاواليو؟ دي اللي هي المفروض جمع ملولو؟ احنا هنعمل لك إعادة صيانة في اللغة واحدة بتقول: ماتستصغرنيشي، وتانية لاواليو.

رفعت ماسة حاجبها بسخرية ممزوج بدلال: اوعى تنسى أن كلمة. متستصغرنيشي دي اللي خلتك تموت فيا.

تبسم يغزلها: دي وقعتني في الحفرة، ومعرفتش أخرج منها كمان...

ضحكت ماسة، تابع سليم سريعا: يلا بقى يا أميراتي، أنا ماشي،باااي.

وضع قبلة على خد ماسة، ثم على خد حور، وأشار لهما مودعا قبل أن يتحرك.

خرج للخارج، فتبعته ماسة بعينيها للحظات، ثم نظرت إلى حور وقالت: هتنامي ولا نصحى؟

ردت بنعاس وهي تتاوب: لا، تعالي ننام جنب بعض شوية كمان.

ابتسمت ماسة: يلا، أنا كمان عايزة أنام.

استلقت ماسة ومدت جسدها، ثم احتضنت حور، وعادتا إلى النوم من جديد.

في أحد المستشفيات الحكومية، 8ص

توقفت سيارة سليم أمام المدخل، وترجل منها برفقة مكي، بينما توقفت سيارة الحراس خلفهم.

نظر سليم إلى الرجال الذين معه، وقال بجدية: خليكم إنتوا هنا.

ثم تحرك نحو الداخل، واتجه إلى الاستقبال.

وقف أمام الموظف وسأله: لو سمحت، فيه واحد عمل حادثة الصبح اسمه رشدي الراوي.

بحث الموظف في الملفات، ثم قال: أيوه، الدور التاني، أوضة 602، بس لازم تطلع على الحسابات الأول علشان تدفع الحساب.

أومأ سليم باقتضاب: آه، ماشي.

ثم تحرك بإتجاه المصعد، قبل أن يتوقف ويلتفت إلى مكي: دي مستشفى حكومي؟

أومأ مكي بإيجاب، نظر إليه سليم لحظة، ثم قال: طب بقولك إيه؟ روح إنت شوف الحسابات...

ثم أخرج محفظته من جيبه فتحها، ومد إليه البطاقة: خد الفيزا دي، أدفع وبعدين تعالالي.

أخذ البطاقة منه، ثم سأله: إنت هتسيبه هنا؟

أجاب بجمود: الدكتور هيقول الأول ينفع يتحرك ولا لأ، وبعدين لو ينفع ينقلوه، ينقلوه، أنا ماليش دعوة.

ثم ضغط زر المصعد، ودخل دون أن ينتظر ردا آخر
اتجه كل واحد إلى وجهته.

في احد الغرف المشتركه

دخل سليم الغرفة، فوجدها مزدحمة بالأسر، أكثر من 10 سرير; كل مريض على سرير، والممرضون يتحركون ذهابا وإيابا بين المرضى.

أخذ يبحث بعينيه حتى وجده، كان رشدي نائما على السرير ضعيفا، شاحب الملامح، معلق على الأجهزة والمحاليل، وإحدى يده مقيدة بالأغلال.

اقترب منه قليلا، وظل ينظر إليه للحظات، وقد بدا عليه الاستغراب الشديد من وجود القيود في يديه.

ألتفت حوله، ثم لمح إحدى الممرضات، فناداها: لو سمحتِ.

اقتربت منه: أيوة؟

قال سليم: أنا أخو المريض رشدي، ممكن أعرف حالته إيه؟

أجابته: آه، ثانية واحدة يا فندم هناديلك الدكتور.

تحركت الممرضة، وظل واقفا مكانه، يتلفت حوله باستغراب، ثم عاد بنظره إلى رشدي، وهو يرقد أمامه ضعيفا ووحيدا لكنه لم يهتز..

وبعد دقائق قليلة، جاء الطبيب: أيوة؟

التفت إليه سليم وقال: أنا سليم الراوي، أخو رشدي، كنت عايز أعرف حالته. 

سكت الطبيب لثانية، وكأنه أدرك من الاسم أنه أمام عائلة كبيرة، ثم أخذ خطوة إلى الخلف وقال بهدوء مهني: هو جاي عنده كدمات كتير متفرقة في الجسم، والحمد لله مفيش أي نزيف داخلي، بس المشكلة مش هنا..

نظر سليم إليه باهتمام تابع الطبيب: المشكلة إنه كان واخد جرعة عالية جدا من المخدر، وكمان شرب خمور، وده سبب له تسمم، عملنا له غسيل معدة واديناله حقن، ولازم يفضل تحت الملاحظة وياخد محاليل..

ثم أضاف: والأهم إنه محتاج يدخل مصحة علاج إدمان بعد ما حالته تستقر..

نظر سليم إلى يدي رشدي المقيدة، ثم سأل: طب وإنتوا ليه رابطينه زي المساجين؟

أجاب: عشان ما يمشيش، لما فاق كان متعصب جدا وحاول يقوم، فاضطرينا نربطه مؤقتا حفاظا عليه وعلى إللي حواليه.

سكت سليم قليلا، ثم نظر لرشدي، وكأنه يفكر في شيء، عاد ببصرة الطبيب وقال: أعمل الصح يا دكتور، شوف لو ينفع أنقله دلوقتي، نوديه مصحة مجهزة.

أجابه بعملية: هنشوف حالته الأول، ولو النقل آمن طبيا، هقول لك على الإجراءات اللازمة بعد اذنك 

تحرك مبتعدا، في تلك اللحظه اقترب مكي، نظر إلى رشدي قبل أن يسأله: إيه الأخبار؟

أجاب بهدوء: كويس، شوية كدمات مع اوفر دوز، ماحصلوش حاجة خطيرة.

وقعت عينا مكي على الاغلال تسأل: أمال مكلبشينه ليه؟

اجابه وعينه على رشدي: علشان لما فاق كان متعصب، فالدكاترة اضطروا يثبتوه.

أومأ بتفهم، ثم مد يده بالبطاقة إليه: أمسك الكارت بتاعك، أنا دفعت الحساب.

أخذ البطاقة منه نظر له: عايزين نكلم مصحة.

مد وجهه بلامبالاة بسخرية: طب ماتخليه يروح عنده اخته حتى يونسها؟

هز رأسه رافضا: لا، أنا عايزه يروح مصحة بجد.

عقد مكي حاجبيه بدهشة دون رد، بينما تبسم سليم وهو يهز راسه بتوضيح على تلك النظرة: لا، مش عشان هو أخويا زي ما إنت فهمت؟! بس المصحة دي أكتر حاجة بتعصب رشدي، عشان كده هعملها.

أومأ مكي بصمت، ثم سأله: طب هتعمل إيه في يومك؟

نظر سليم إلى ساعته ثم قال: هستنى لحد مالدكتور ياكد عليا في موضوع المصحة، وحد يجيلوا، بعدين هروح أخلص شوية شغل متعطل، وإنت خلص موضوع عرفان، نتقابل في الفيلا علشان موضوع سلوى.

سأله بشك: تفتكر هيوفقوا بعد الحوار إللي إنت عملته بتاع العريس؟

ابتسم بثقة: سيب الموضوع ده عليا، ماتقلقش.

ثم أشار إلى الخارج: تعال نقف بره، المكان هنا خنيق

أومأ بإيجاب وتحركا وتوقفا معا.

فيلا سليم وماسة،10ص

المطبخ

كانت ماسة تحضر الفطار برفقة سلوى، وهما يتبادلون الحديث، بينما جلست حور إلى الطاولة تعبث ببعض الدقيق بمرح.

نظرت سلوى إلى ماسة بتوتر: مش عارفة افتح الكلام إزاي معاها.

أجابها ببساطه: قوللها عادي

تنهدت بخوف: خايفة.

نظرت إليها باستغراب: خايفة ليه؟

سلوى بتردد: يعني ماما ممكن تزعق أو تعمل لنا مشكلة

ضحكت ثم قالت بسخرية: هتعمل مشكلة في إيه يا بنتي؟ دي أمك بتموت في مكي، وكانت عارفة إنك بترفضي العرسان علشانه، ماتقلقيش، إحنا بس لازم نقول لها علشان تبقى في الصورة.

وبعد قليل. اجتمعت ماسة وسلوى وحور وسعدية في الحديقة ، جلسن حول الطاولة، وبدأن يتناولن الفطار.

تبادلت ماسة وسلوى نظرة سريعة، ثم غمزت ماسة لسلوى، قبل أن تلتفت إلى سعدية وتقول بابتسامة:
ما تقولي لسلوى مبروك يا ماما؟

رفعت سعدية حاجبها باستغراب: أشمعنى يعني؟  تقصدي علشان العريس بتاع إمبارح؟

ضحكت ماسة: لا، علشان مكي نطق أخيرا وعايز يرجعلها، النهاردة هاييجي يكلمكم.

وضعت حور يدها على فمها بسرعة، وقالت بانزعاج: يا ماما! أسكتي، بوظتي المفاجأة!

ضحكت ماسة: لا ما تخافيش، تيتا عارفة بس جدك لا.

نظرت سعدية إلى ماسة بدهشة وفرحة: بجد؟ يعني كلمك ولا كلم سليم ولا عمل إيه؟

أومأت ماسة بتوضيح: كلمها وكلم سليم، اصلا ماعندناش عريس متقدم لسلوى، عملنا كدة علشان يتحلح شوية، أصله كان واخد على خاطره جامد بسبب حوار إنها اتخطبت لطارق.

سعدية مؤيدة: هو بصراحة ليه حق يزعل؟ ده كان بيتذلل لها، وأختك كانت بتعامله معاملة زبالة.

سألت سلوى بقلق: طب بقولك إيه؟ بابا وإخواتي هايوافقوا

ربتت سعدية على يدها بثقة: ماتشيليش هم، سيبي الموضوع ده عليا، بس أنا عارفة إنهم مش هايقولوا حاجة.

ابتسمت ماسة: طب خلاص، إحنا بالليل بقى نقعد مع بعض، وهو هييجي يكلمكم..

ثم أضافت بتنبيه: معلش عايزكم تاخدوا بالكوا من حور، علشان أنا عندي مشوار كده ومش هتأخر.

رفعت حور رأسها بحماس: خديني معاكي يا ماما وحياتي!

مالت سلوى عليها تحاول إقناعها: لا، إنت هتقعدي معايا عشان نختار الفساتين إللي هنلبسها سوا، والورد إللي هنلبسوا، ونعمل إكسسوارات حلوة.

حور لحماس: طب هتعمليلي خاتم وعقد عليهم ووردة لونها بمبي؟

اومات بتأكيد: هعملك بالوردة البمبي والابيض كمان.

ضحكت ماسة وهي تنظر إليهما: يا سلام! كده حور ه.تبقي أحلى من العروسة ذات نفسها.

ضحك الجميع، وكأنهن أخيرا يعشن يوما جديدا بعيدا عن التوتر ولأول مرة منذ وقت طويل، عادت الأيام إلى أجوائها الهادئة من جديد.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
المستشفى الحكومي10ص

كان سليم ما يزال واقفا مع مكي أمام غرفة رشدي، يتابعان الوضع بصمت، حين اقتربت فايزة، وخلفها عدد من الحراس.

نظرت حولها بإشمئزاز، ثم التفتت إلى سليم وقالت بضجر: إيه المستشفى دي؟ إزاي تخلي أخوك هنا؟

التفت إليها سليم ببطء، وقال على مضض: مالها؟ ماهي كويسة، والناس عملوا له اللازم.

نظرت إلى المكان بشمئزاز: لازم إيه؟ مش شايف المنظر ده؟ إيه القرف ده؟

ثم قالت بحسم:  اسمع خلينا نمشي من هنا بسرعه، بعدين هو فين؟ 

اومأ برأسه نحو الغرفة: جوة نايم، هو كويس شوية كدمات بس،  بس مش دي المشكلة، كان واخد مخدرات بزيادة، عملت تسمم، ولازم يروح مصحة.

رفعت حاجبها: مصحة؟

اومأ: آه. لازم، أعرف مكان كويس.

ردت بتسأل: ده نفس المكان إللي وديت فيه صافيناز؟

هز رأسه نافيا: لا، صافيناز بمكان أنا عامله لها مخصوص، لأن وضعها مختلف، إنما رشدي حاجة تانية خالص ده مدمن كوك من سنين.

ثم سألها: بقولك إيه، هو الباشا في القصر؟

أجابت: أيوه، بيحضر نفسه للسفر، مسافر بكرة.

تنهد: طب كويس، علشان كنت عايزة أتكلم معاه،
هم بالتحرك وهو يقول: بعد إذنك.

اتسعت عيناها: هتسبني لوحدي هنا؟

استدار لها ثم قال بسخرية: هتتخطفي يعني؟ ما إنتِ معاكي الحراس..

ثم ألتفت إلى مكي: يلا يا مكي.

هم بتحرك لكنها اوقفته وهي تمسكه من كتفه بأمر: استنى، إنت لازم تنقل أخوك في مستشفى غير المستشفى المقرفة دي، وبعدين أبقى أشوف موضوع المصحة،  متسبتيش لوحدي مش هعرف اتعامل مع الاشكال دي.

زفر بإختناق، وكأنه يحاول منع نفسه من الدخول في نقاش جديد: حاضر هخلصلك الموضوع ده، بس مش هروح معاكي، أنا ورايا حاجات كتير ومش فاضي ليكم.

نظرت إليه باستنكار: مش فاضي لينا إزاي؟ إنت مابتعملش أي حاجة، وعزت عارف..

تجاهل كلامها تماما وكأنها لم تتحدث، ألتفت إلى مكي وقال: مكي، هات دكتور يجهز رشدي ويبلغ الإسعاف. وأنا هكلم المستشفى يجهزوا له غرفة.

أومأ مكي فورا: حاضر.

بدأ سليم في إجراء عدة اتصالات، بينما تحرك مكي لإنهاء الإجراءات اللازمة.

وبعد وقت قصير، جاء الطبيب عمل اللازم لإجراء النقل، وحضرت سيارة الإسعاف، ونُقل رشدي إليها تحت متابعة الأطباء والحراس.

وقف سليم أمام السيارة بعد أن تأكد من استقرار الوضع، ثم قال لفايزة: خلاص كده، هتروحي المستشفى هناك، هيستقبلوكي، والحراس معاكي، أنا ماشي.

لم ينتظر منها أي رد تحرك  مبتعدا على الفور ،ظلت فايزة تنظر إلى أثره بضيق واختناق، قبل أن تستدير وتتجه نحو سيارتها، ثم تحركت خلف سيارة الإسعاف.

منزل مي1م

توقفت ماسة أمام منزل مي، وهي تحمل بين يديها علبة شوكولاتة وباقة من الورد، بينما كان خلفها عشري وأثنان من الحراس.

فتح لها الباب حاتم، وما إن رآها حتى نظر إليها باستغراب.

ابتسمت ماسة بخجل وقالت: مساء الخير، أنا ماسة، مرات سليم الراوي، أخو رشدي. أنا آسفة لو جيت من غير ميعاد، بس أنا كنت حابة أقابل مي، كلمتها على التليفون، للأسف مقفول.

أومأ بترحيب: طبعا، غنية عن التعريف. اتفضلي.

نظرت ماسة إلى عشري قائلة: عشري، خليك هنا مش هتأخر.

دخل عشري وتوقف عند الباب من الداخل، بينما بقي الحارسان في الخارج.

تقدمت حتى وصلت إلى الريسبشن خلف حاتم، ثم وضعت الورد وعلبة الشوكولاتة على طاولة صغيرة.

أشار حاتم بيده: اتفضلي أقعدي هنا.

أومأت: ميرسي.

وجلست على مقعد واضعة ساقا فوق الأخرى في هدوء ورقي.

نظر إليها حاتم وقال: هروح أنادي مي.

أومأت، وظلت جالسة في مكانها، وبعد لحظات جاءت مي، وكانت ملامح الاستغراب واضحة على وجهها.

توقفت امامها دون كلمة، انتبهت إليها ماسة نهضت على الفور، وبدا عليها الاعتذار: أنا آسفة لو جيت من غير ميعاد، بس كلمتك على تليفونك، وكان مقفول.

ردت بنبرة هادئة: أنا اللي قافلاه، مش عايزة أكلم حد.

ثم ابتسمت قليلا وقالت بمجملة: بعدين يا ماسة، إنتِ تيجي في أي وقت.

تدخل حاتم قائلا: تشربي إيه يا مدام ماسة؟

أجابته: ولا حاجة.

رد بابتسامة: إزاي؟ لازم تشربي حاجة.

ابتسمت: ممكن أي عصير.

أومأ: حاضر.

غادر حاتم، وساد الصمت للحظات.

جلست مي على مقعد، بينما كانت ماسة تحاول أن تجد طريقة تبدأ بها الحديث، أخذت نفسا عميقا، ثم تحركت ووقفت أمامها، وأمسكت باقة الورد وقدمتها إليها: حمد لله على سلامتك.

أخذت مي الورد بابتسامة صغيرة وضعته عطاوله: ميرسي.

ثم أشارت إلى المقعد بجوارها: اتفضلي أقعدي.

جلست ماسة بجوارها، وظلت للحظات لا تعرف من أين تبدأ، ثم أخذت نفسا آخر،وقالت بخجل:  أنا آسفة يا مي.

نظرت إليها باستغراب، وضاقت عيناها قليلا..

تابعت ماسة بنبرة صادقة خجلة: صدقيني، لا أنا ولا سليم كان نفسنا ندخلك في الحكاية دي، بس ماكانش هينفع! كان لازم الموضوع كله يبقى كامل ومتقن؛ لأن أي غلطة كانت هندفع تمنها، كان لازم رشدي والعيلة كلها يصدقوا إن سليم بيضربني، وإنه صدق إني بخونه.

سكتت لحظة، ثم أضافت بحزن: أنا آسفة إني كذبت عليكِ، وآسفة على كل إللي حصل.

كانت تستمع إليها بصمت، ثم أخرجت نفسا عميقا وابتسمت ابتسامة نصف حزينة: بتتأسفي ليه؟ أنا اللي بتأسفلك يا ماسة! إنتِ محتاجة إن إحنا كلنا نقف قدامك ونعتذرلك على كل حاجة مريتي بيها...

تابعت بضيق حزين بنبرة ضعيفة: إنتِ واحدة اتهددتي، وشوفتي باباكي بيتخبط بالعربية، واتعرضتي لإعتداء مرتين، غير إنك اتحطيتي جنب واحد واتعملتلك قضية زنا، ده غير الترهيب والترويع إللي اتعرضتي له سنين، وطبعا الحادثه، فإحنا إللي محتاجين نعتذرلك، وإحنا إللي محتاجينك إنتِ تسامحينا، مش العكس...
سكتت لحظة، ثم أضافت بنوع من الضجر: أنا بس كان نفسي تقولوا لي بدري شوية، مش متأخر كده.

أمسكت ماسة بيديها وقالت بصدق: صدقيني يا مي، أنا ماحكيتش لسليم، ومجاتليش القوة غير يوم فرحك إنتي ورشدي، وبعدها سليم ما كانش عارف يعمل إيه ويبدأ إزاي؟! الموضوع كان صعب علينا، وأصلا مافاتش كام يوم وحصل موضوع قضية الزنا بتاعتي، وأنا وقتها دخلت في انهيار، وبعدها بدأت سلسلة الأحداث إللي حصلت لحد ماوصلنا للي إحنا فيه دلوقتي...

توقفت قليلا، ثم تابعت بتفسير: سليم كان هيقولك بدري، بس إنتِ اتعرضتي للحادثة، وأنا طلبت منه مايحكلكيش أي حاجة غير لما تخرجي بالسلامة، ومجرد ماخرجتي حكالك، أنا أصلا اتخانقت معاه، كنت عايزاه يستنى شوية، بس هو قالي: «كفاية». بس صدقيني، والله العظيم، إحنا زعلانين على إللي حصلك وبنعتذرلك.

هزت رأسها بابتسامة مثقله: وأنا قولتلك ماتعتذريش..

صمتت لحظة، ثم تابعت بمرارة، بعينين ترفضان البكاء والضعف: تعتذريلي على إيه أصلا؟ إنتوا نورتوني وكشفتولي حقيقة إنسان أنا ماكنتش متخيلة إنه يكون بالبشاعة دي، أنا كنت هزعل منكم أكتر لو كنتوا سبتوني مغفلة، دي الحاجة الوحيدة إللي أنا ماكنتش هسامحكوا فيها، لكن أي حاجة تانية أنا فاهماها ومتفهماها يا بنتي...

تابعت مستنكرة بحدة، وهي تتحدث من بين أسنانها: أنا لو مكانك، كنت أكلت قلبه..

صمتت لوهلة، وهي تحك شعرها وكأنها تريد أن تسأل شيئا لكنها متردده، عضت شفتها من الأعلى ثم سألتها بنبرة يشوبها التوتر: بس أنا عايزة أسألك سؤال يا ماسة؟!

اومات ماسة بإيجاب تابعت مي بهتزاز: هو رشدي طول عمره كده؟ أنا كنت بشوفك بتتعاملي معاه عادي؟ ولا ده كان جزء من التمثيل؟ ولا هو كان بيكدب عليا لما كان بيقول: «أنا وماسة علاقتنا غير إخواتي»؟ وفعلا اتحرش بيكي وإنتِ صغيرة؟ طب ولا مرة شوفتي في عينه نظرة ندم أو حتى شفقة؟ ولا كان منعدم الضمير؟

تعجبت ماسة من تلك الأسئلة، وشعرت إنها تبحث عن أي ثغرة تمكنها من فهمه، وربما حتى تسامحه.

تنهدت وأومأت برأسها: فعلا، اتحرش بيا..

تغيرت ملامح مي، فتابعت ماسة بنفس الوتيرة: وده كان السبب اللي خلاني أتعرف على سليم كان ساعتها عندي خمستاشر سنة، وحتى والله ما كنت لسه كملتها تقريبا، لولا الحركة اللي هو عملها دي، ماكنتيش هتشوفيني قاعدة قدامك...

صمتت لحظة، وكأنها تحاول توضيح الأمور بكل صدق، ثم اعتدلت في جلستها وتابعت بنبرة هادئة وصادقة: بصي يا مي، أنا مش هنكر إن رشدي كان من أكتر الناس اللي بيتعاملوا معايا بشكل كويس، من غير أي تكبر، وعلاقتي بيه كانت كويسة جدا قبل الحادثة، اها كان ليه أحيانا بعض المواقف تحسي منها إنه عايز يضايق سليم عن طريقي، لما كان يقعد يقول: «يا ست الحسن»، علشان سليم كان مانع إنه يقول لي الدلع ده، ويجيبلي هدايا، وأنا للأسف، بسبب صغر سني، ماكنتش عارفة أتعامل بالطريقة الصح اللي ماتخلّيش سليم يزعل، وفي نفس الوقت توقف رشدي...

صمتت للحظة، ونظرت بعيدا وكأنها تتذكر، ثم قالت بنبرة متعجبة مُرة: بس بعد الحادثة، شفت منه حاجة ماتوقعتهاش! إنسان مختلف، كان بيفضل يذل في سليم بإنه ما بيخلفش، وحوار عجزه إللي برجليه، وبعدين بدأ بقى يهددني باتفاق مع فايزة وصافيناز، وفضلت عايشة تحت التهديد..

نظرت إليها وهي تتابع بضجر حزين: وآه، ماكنتش بشوف شفقة في عينه. كنت بشوف نظرات إنسان وحش اووي..

مالت شفتيها بنصف ابتسامة حزينة: بس كان دايما يقعد يقول: «مش إنتي المقصودة، سليم المقصود؟»

ابتلعت رأيها، ثم تابعت: بس شهادة حق، بعد مارجعت القصر، كان مختلف.

رفعت عينيها إليها باستغراب، وقد انعقد حاجباها وهي تحاول استيعاب ما تقوله ماسة، ثم سألتها بنبرة متعجبة: مختلف إزاي؟

تنهدت بهدوء، وكأنها تسترجع تفاصيل تلك الفترة من جديد، ثم أجابت: لما اتقابلنا، لما رجعتوا من سفركم، وقتها كان بيتعامل معايا كويس، على عكس كل اللي كنت متعودة عليه منه، كان هادي، ومش بيحاول يضايقني، وقال لي إنه عايز يتغير، وإنه مش عايز مني حاجة ونفتح صفحة جديدة، حتى إنه عمل مشكلة مع العيلة بسبب الفكرة القذرة إللي لفقوها ليا، وأنا صدقته..

سكتت لحظة، ثم تابعت وهي تخفض عينيها: حاولت أقنع سليم مايعملوش حاجة، بس سليم قال لي: «اختبريه».

رفعت عينيها، وكأنها وصلت إلى الجزء الذي لم تستطع نسيانه، وقالت بضجر مخذول: فضغطت عليه شوية، وقولتله إنه لو ماقالش لسليم إني مظلومة، هقولك كل حاجة، وقتها خنقني علشان خاف إني أقولك، عشان كدة هو وسليم ضربوا بعض..

ثم ظهرت على شفتيها ابتسامة خفيفة، لم تحمل فرحا بقدر ماحملت مرارة اكتشاف الحقيقة، واصلت: رشدي ساعتها ضحك عليكِي، وقالك إنهم اتخانقوا علشان كان بيدافع عني، ساعتها أنا فهمت إنه ماتغيرش، وإن كل إللي عمله قبلها ماكانش غير محاولة تانية علشان يضحك عليا، وإني لو اتحطيت قصاد مصلحته هيدوس عليا.

رفعت مي عينيها إلى أعلى، وكأن آخر خيط من الأمل انقطع داخلها، وانطفأت نظرتها للحظة وهي تستوعب ماسمعته.

انتبهت ماسة إلى تلك النظرات، فصمتت قليلا، وظلت تحدق في وجهها وهي تفكر، قبل أن تقترب منها بسرعة وتميل نحوها، وكأنها تحاول اللحاق بذلك الأمل قبل أن يختفي تماما.

قالت بهدوء حكيم: بصي يا مي، أنا أكتر حد اتأذى من رشدي، يمكن أكتر من سليم، وعشان كده أنا عارفة كويس الفرق بين رشدي إللي كان بيأذيني، ورشدي اللي شوفته الفترة دي، أنا حاسة إنه فعلا اتغير، وإنه صادق في كل كلمة بيقولها المرة دي..

سكتت لحظة، ثم تابعت وهي تحاول أن تشرح لها ما رأته بنفسها: يعني، لما خنقني وقتها، هو كان لسه ماتغيرش تغير كلي، وده كان رد فعل طبيعي من خوفه، خصوصا إنه كان خايف إني أقولك الحقيقة فيخسرك، أنا مش ببرر له اللي عمله، بالعكس، إللي عمله كان غلط، بس أنا بتكلم عن اللحظة دي تحديدا سببها إيه؟!

ثم أخذت نفسا عميقا أضافت: لكن لما جه إمبارح لسليم، وقعدوا يتكلموا سوا، أنا حسيت بصدق كلامه، حسيت بمرارته فعلا، وحسيت إنه اتغير، لإني شفت رشدي اللي بيهدد، وشفت رشدي اللي بيدافع، وشفت رشدي المستهتر اللي كان بيحاول يرخم على سليم ويتحرش بيا فهو فعلا اتغير.

نظرت إليها بدهشة، وكأنها لم تستوعب كيف يمكن لماسة أن ترى في كل ذلك دليلا على التغيير، ثم قالت بمرارة: اتغير؟ وهو خاني مرتين! ولا ماتعرفيش؟

هزت رأسها ببطء: أنا عارفة، عارفة كل حاجة، بس الراجل لما يكون وصل لقمة الاستهتار، وعمل كل حاجة حرام، بيبقى صعب يتغير بسرعة.

نظرت إليها مي طويلا، ثم قالت بتعجب: هو إنتي عايزاني أسامح رشدي ولا إيه؟

هزت رأسها سريعا بإبتسامة: ما قولتش كده، أنا نفسي مستحيل أسامحه، أنا بس بوصلك إنه المرة دي صادق.

تنهدت مي بضجر، وهي تهز رأسها بعدم إهتمام: والله بقى صادق، مش صادق، اتغير، ماتغيرش ما يهمنيش، ومش فارق معايا، اللي يفرق معايا حقيقة واحدة: إن الراجل ده خاني قبل فرحنا بليلة واحدة، وخاني تاني بعد جوازنا، وقعد وفكر وتآمر على قتل أخوه ومراته الحامل، وإنه شافك وإنتِ بتتطعني وما تهزش، وعرف إنهم لفقوا ليكي قضية تمس الشرف وماتكلمش..

اعتدلت في جلستها وقالت بنبرة مريرة حادة: أفرضي ماكنتيش رجعتي لسليم، وفضلتي عايشة في الشوارع بعيد عن أهلك، وربنا ماوعدكيش بواحد زي دكتور مصطفى وأهله كان هيحصل إيه؟! أفرضي إن سليم كان صدق فعلا إنك خنتيه؟ كنتِ هتعملي إيه؟ ونجاتك في كلمة منه، كلمة خايف يقولها علشان خايف على نفسه..

قربت وجهها منها قليلا، قبل أن تتابع بنبرة مهتزة: عارفة يا ماسة، والله العظيم، لو كان رشدي راح قال لسليم: «مراتك شريفة، ماعملتش حاجة»، ووقف جنبك، حتى لو في المقابل  العيلة جم قالولي على ماضيه، كنت هحترمه، ويمكن كنت أسامحه؛ لإنه فعلا عايز يتغير، لكن ماعملش كده...

ثم زفرت بضيق، وهي تضغط على شفتيها بألم: هو معملش حاجة تخليني أصدق إنه اتغير غير مجرد كلام، وأنا ماليش علاقة بالكلام، أهم حاجة الأفعال، الأفعال يا ماسة، أوعي تصدقي الكلام؛ لإن الكلام سهل، والفعل هو الحقيقة. ولا تصدقي دموع، الممثلين كتير..

توقفت لحظة، ثم قالت بحسم: وبعدين أنا ماقدرش أأمن على نفسي مع إنسان عنده كل ده من الشر في دماغه، ده إنسان مريض، يروح يتعالج بعيد عني.

نظرت إليها ماسة بتأثر، وقالت بهدوء: أنا حاسة بيكي؛ لإني مريت باللي إنتِ مريتي بيه، لما سليم رفع المسدس على أخويا وضرب رصاص، حسيت إن قلبي بيتكسر وقتها، أنا شايفة كسرة قلبك، وشايفة الوجع، يمكن لو سامحتي، أو يعني صدقتي، قلبك يطيب لو شوية.

ابتسمت مي ابتسامة حزينة، وعيناها تلمعان بالدموع، ثم قالت: أنا ورشدي خلاص، موضوعنا انتهى.

صمتت للحظة، ثم قالت بنبرة تحمل معنى:  أنا في حاجة واحدة بس يا ماسة محتاجة أعرفها، ولما أتأكد منها هقولك؛ لإن قلبي مش مرتاحلها.

سألتها بإهتمام: إيه هي دي يا مي؟

أومأت برأسها وهي تنظر أمامها: بعدين أتأكد الأول.

هزت ماسة رأسها بتفهم: ماشي أنا بس كنت عايزة أقولك على حاجة كمان رشدي عمل حادثة.

اتسعت عينا مي للحظة: إيه؟

أسرعت تطمئنها وهي تشير بيدها: ماتتخضيش، هو كويس.

ابتلعت ريقها مسرعه، واستعادت هدوءها، وقالت ببرود متعمد: أنا ماتخضتش، دي بس مشاعر إنسانية، مش أكتر.

فهمت ماسة ماوراء كلماتها تبسمت: أنا فاهمة، عموما هو كويس، يعني شوية كدمات، وهيحجزوه شوية؛ لأنه اخد مخدرات كتير.

قطبت حاجبيها: عملها إمتى؟! ده كان عندي لسه إمبارح الفجر تقريبا.

ردت بتوضيح: أكيد بعد ما مشي من عندك؛ لأنهم كلموا سليم الساعة ستة ونص الصبح، وراحله

تبسمت معلقة: والله جوزك ده راجل محترم، أنا لو مكانه، مستحيل أبص في وشه مرة تانية.

ضحكت بخفة: لا،ما هو سليم مش طيب أوي كده! يعني ماكانش عايز يروح، بس أنا أقنعته.

ردت بمنطقه لا تحتمل النقاش: هو لو ما كانش عايز يروح، ماكانش هيروح يا ماسة، حتى لو إنتِ قعدتي تقنعيه، بس هو من جواه نظيفة، إنتِ كمان فيكي نظيفة كبيرة.

ابتسمت، ومسحت على يدها بحنان: المهم ماتكونيش زعلانة، ونرجع تاني أصحاب.

أومأت بتأكيد: أكيد يا ماسة...

ثم نظرت إلى بطنها بإهتمام علقت: أنا ملاحظة حاجة كده ده حمل، صح؟

وضعت يدها على بطنها، وابتسمت: أيوة، أنا في نص التالت.

اتسعت ابتسامة مي، وقالت بفرحة صادقة: ما شاء الله! ألف مبروك.

ابتسمت ماسة: الله يبارك فيكي.

في تلك اللحظة، دخل حاتم وهو يحمل كوب العصير، وقال بابتسامة: مادام ضحكتوا كده، يبقى خلصتوا كلامكم، العصير وصل.

نظرت إليه ماسة مازحة: عصير إيه بقى؟ ده أنا كنت قايمة!

ضحك حاتم: لا والله، لما لقيتكم بتتكلموا كده، قلت أسيبكم براحتكم.

وضع العصير على الطاولة، ثم تحرك مبتعدا، تابعت مي حركته بعينيها للحظات، ثم التفتت إلى ماسة.

فيلا مصطفى1م

كان مصطفى يهبط الدرج وهو يرتدي بدلته، ويتحدث في هاتفه بنبرة عملية: خلاص، مافيش مشكلة، المهم حاجة مش عايز أكتر من خمس مناظير النهاردة؟ ساعة بالكتير وهكون موجود، مع السلامة.

أنهى المكالمة، وكانت آلاء تجلس في الريسبشن تتابعه بعينيها، كانت تريد إخباره بقرارها الجديد، فنهضت واقتربت من الدرج.

وما إن وصل مصطفى إلى أسفل الدرج حتى توقفت أمامه، نظر إليها باستغراب، عاقدا حاجبيه، وكأنه يتساءل عما تريده منه هذه المرة.

قالت بنيرة جدية: دكتور مصطفى، أنا عايزة أتكلم معاك في حاجة.

أخذ مصطفى نفسا عميقا، ثم نظر إليها: أفندم؟

آلاء بهدوء حاسم: أنا فكرت، وأخدت القرار إن إحنا لازم نطلق النهاردة أو بكرة بالكتير، مش هستنى الامتحانات، مالهاش لازمة، وكمان هرجع البيت، وياريت تتصل بسليم تخليه يخرج محمود، وشكرا على كل إللي عملته معانا.

نظر إليها باستغراب، وبدا أنه لم يعد يحتمل طريقتها في التعامل معه قال بانزعاج: أنا عايز أفهم هو في إيه؟ كل يوم قرار، وكل يوم بطريقة؟! 

لانت نبرته وهو يتابع عتاب وحيرة: أنا حاسس إني بتعامل مع واحدة أنا ما أعرفهاش. فين بقى آلاء إللي كانت بتفكر في كل حاجة قبل ما تعملها وبتحسب كل خطوة؟ أنا حاسس إني واقف قدام بنت طايشة، كل حاجة عندها مستعجلة.

رفعت حاجبها بضيق معارضه: إيه الطيش، وإيه التسرع في كده؟ أنا فكرت ولقيت إن هي هي، مافرقتش.ط، وخلاص إنت أنقذتني، والموضوع انتهى.

مد وجهه، ثم سألها بتعجب: كل القرارات دي فجأة كده؟ اتاخدت في يوم وليلة؟

رفعت كتفيها بضيق، ثم أجابته بثبات: لا، متاخدة من فترة على فكرة. بس إنت إللي كل شوية كنت تقولي: «ما هي كده كده هتحصل، أصبري، أصبري». وأنا خلاص مش عايزة أصبر أكتر من كده.

نظر إليها طويلا، وقد ضايقته طريقتها في الحديث، وكل كلمة منها كانت تؤكد داخله أنها فعلًا لم تحبه يومًا.

مرر أصابعه على عينيه، ثم قال مستسلمًا: طيب أنا هعمل لك كل إللي إنتِ عايزاه. بس أنا دلوقتي والله مش فاضي، عندي شغل ومرضى، لما أخلص شغلي وأجي، هخدك من إيدك ونروح للمأذون وأطلقك وحاضر، هكلم سليم يسيب محمود. أي أوامر تانية؟

ردت بجمود: لا، مافيش.

ثم سألته: إنت هتيجي إمتى؟

رد وهو يتحرك بسخرية لاذعة: الساعة تمانية، والمأذون مش بيقفل، ماتقلقيش.

أكمل طريقه حتى خرج إلى الخارج، بينما ظلت آلاء تنظر إلى أثره طويلا، ثم أخذت نفسا عميقا وتحركت عائدة إلى مكانها.

جلست مرة أخرى، وأمسكت كتابها، لكنها لم تستطع قراءة كلمة واحدة؛ فقد كان رأسها منشغلا بشيء آخر تمامًا.

كانت نبيلة تتابع المحادثة من بعيد باستغراب، فقد كانت تقف على مسافة معقولة، بينما كانت عائشة بجوارها تذاكر.

اقتربت نبيلة من عائشة وجلست أمامها، ثم سائلتها بصوت منخفض: بت يا عائشة، هو في إيه بين أخوكي وآلاء؟ طلاق إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة؟! دي البت عايزة تطلق منه النهاردة!

رفعت عائشة عينيها عن الكتاب باستغراب. إنتِ بتقولي إيه؟ هما اتفقوا بعد الامتحانات.

ردت  عليها باستغراب: امتحانات إيه؟ أنا سمعتها بتقوله: «طلقني النهاردة» والكلام غريب، هو في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.

أغلقت عائشة الكتاب وقالت بضجر وهى تأفف: الموضوع كبير اوي يا ماما، بس بجد، هي شكلها كده زودتها. أنا هحكيلك.

وبالفعل، بدأت عائشة تخبرها بما حدث.

استمعت نبيلة إليها باستغراب، وبعد أن انتهت قالت باستهجان: يعني أنا مش شايفة في حاجة تستاهل كل إللي هي بتعمله ده؟! حتى لو هو نزل أو ماتكلمش، ابني راجل محترم ومتربي, طبيعي يخاف تفهمه غلط، وتقول إنه استغل وجودهم لوحدهم، ما دي أول مرة يبقوا لوحدهم، إنتِ اتكلمتي معاها؟

هزت رأسها بصراحة، لا، مصطفى رافض، وبعدين إنتِ عارفة الموضوع... ما أخدش كام يوم.

تنهدت نبيلة وقالت: أنا هتكلم معاها، يمكن برضوا حاطة في دماغها إنه مش قابلاها.

عائشة بحيرة: والله ما عارفة يا ماما، أنا مش فهماها أصلا.

وقفت نبيلة وقالت بحسم: أنا هروح أكلمها.

تحركت نبيلة متوجهة نحو آلاء حتى توقفت امامها وقالت بهدوء:بقولك إيه يا آلاء، ينفع نتكلم شوية؟

رفعت عينيها نحوها، ثم أومأت على مضض، جلست نبيلة إلى جوارها، ونظرت إليها للحظات قبل أن تسألها: أنا سمعت كده إنك عايزة تطلقي... ليه؟

أجابتها بهدوء: لإن هو ده الصح، إحنا كنا متفقين عليه.

اومأت مستفسرة: ماشي، بس أنا عرفت إن الموضوع كان المفروض يحصل بعد الامتحانات، وبعدين لقيتك عايزاه النهاردة أو بكرة! أنا كنت معدية وسمعت الكلام... إيه إللي حصل يا آلاء؟ مصطفى زعلك؟

هزت رأسها نافية موضحة بنبرة محشرجة: لا والله خالص، دكتور مصطفى محترم جدا، ماشفتش منه أي حاجة وحشة، بس بالنسبة لي، ما فرقتش الطلاق يتم قبل الأمتحان أو بعد الأمتحان، في الحالتين إحنا هنتطلق، وأنا كمان حابة أرجع بيتي وأطمن على أخويا.

صمتت نبيلة لحظة، ثم قالت بنبرة أكثر هدوءا وهي تعدل جلستها بعقلانية: بصي يا آلاء، لو إنتِ كان عندك مشكلة بسبب إللي كان بيحصل مني، فصدقيني إللي كان بيحصل مني ده كان مجرد ردود أفعال طبيعية، أم فجأة لقت ابنها داخل عليها بواحدة، ومتجوزها من غير ما تكون عارفة، وفي ظروف مش طبيعية... طبيعي جدا أن اتصرف بالشكل ده..

تنهدت، وهي تواصل بصدق: لكن لما عاشرتك وعرفتك بجد، كل حاجة اتغيرت، اكتشفت إنك مش زي ما كنت فاكرة، وحبيتك يا آلاء، والله حبيتك، وبقيتي واحدة من أهل بيتي، ومش هلاقي أحسن منك لإبني..

ابتسمت ابتسامة صغيرة: دي حاجة تسعدني جدا، صدقيني، بس أنا ودكتور مصطفى مش أكتر من اتنين اتفقوا على حاجة وخلاص، يعني أنا مش فاهمة حضرتك ليه بتتكلمي كده؟

ضيقت نبيلة عينيها قليلا، وقالت وكأنها تختبرها:
اصل أنا كنت حاسة إن في بينكم حاجة!  مش عارفة، حتى لو مجرد استلطاف كده؟! طريقة كلامك معاه، وطريقته معاكي،  حسيت إن ممكن يكون في حاجة أكتر من إللي إنتِ بتقوليه.

هزت آلاء رأسها بسرعة وكأنها تحاول أن تزيل أي شيء : لا، لا خالص، هو كل إللي حصل إنه وقف جنبي وبس، وده موقف أنا مقدراه له جدا، لكن مافيش أكتر من كده، وإذا كان على كلامها لإننا متفاهمين ودكتور مصطفى حد راقي..

نبيلة بهدوء: طب ما تدي لنفسكم فرصة؟ يمكن لو استنيتوا شوية واكتشفتوا بعض أكتر، الأمور تتغير. أنا ممكن أكلم مصطفى وأفهم منه—

قاطعتها على الفور: لا، لا، لو سمحتِ ماتكلمهوش، أنا واخدة قراري ومش ها اتراجع فيه.

نظرت إليها نبيلة طويلا: متأكدة للدرجة دي؟

اومأت بحسم وهي تنظر أمامها: أيوه، متأكدة، وأنا واثقة إن هو كمان بيتعامل معايا بنفس الطريقة بالظبط، وبنفس التفكير.

سألتها بهدوء: وإنتِ سألتيه عن مشاعره؟

توقفت آلاء للحظة، ثم أجابت بثبات: حتى لو سألته، أنا بالنسبالي هو زي أخويا بالظبط، ومش شايفة إن في حاجة ممكن تتغير بينا، فخلينا نقفل الموضوع هنا لو سمحتِ.

ظلت نبيلة تنظر إليها للحظات، ثم تنهدت وهي تدرك أن آلاء قد أغلقت الباب تماما أمام أي محاولة لإقناعها قال بستسلام: ماشي يا بنتي براحتك، أنا بس كنت بحاول أفهمك، مش أكتر.

قصر الراوي٢م

الحديقة العلوية

جلس عزت في الحديقة يحتسي قهوته بهدوء، حين اقترب منه سليم: مساء الخير يا باشا.

رفع عينيه إليه: مساء النور أخيرا ظهرت.

جلس سليم أمامه وقال: أنا موجود.

ابتسم عزت بسخرية خفيفة: وهتقولي بقى نفس الجملتين بتوع كل مرة؟ إنك بتدور وبتحاول تصلح؟

نظر إليه سليم بثبات: هو أنا مش قولتلك إن بنسبة كبيرة عماد هو إللي وراها؟ وطلع على روما يستخبى، بعد ما أدى المخدرات لبنتك، وخلاها تتنازل عن كل حاجة وكتبها باسم الأولاد إللي هما مش أولادهم أصلا، علشان يوم ما صافيناز تموت، يورثوها..

تبسم بسخرية: زكي عماد ثعلب، على رأي رشدي.

ظل عزت صامتا للحظات، ثم قال بثبات: أنا اتأكدت من شوية معلومات تخص عماد، وفعلا هو أخذ كل ما تملكه صافيناز وكتبه باسم الولاد، بس إنت ما عملتش حاجة تخص إسم العائلة

سليم وهو ينظر لأعلى ببرود: اوكيه وأنا مش ندافع عن نفسي لأني مش في موقع إتهام...

ثم أضاف بصرامة: رشدي لازم يدخل مصحة، لازم تكلم الهانم، اسم العيلة وشكل العيلة والكلام العبيط ده لازم ينتهي كان و أخد أوفر دوز، إنت ماروحتش تشوفوا..

عزت بهدوء: هروحله بس كان عندي شوية مكالمات مهمة لازم أخلصها، هخلص قهوتي وأروحله.

تأمله سليم لحظة، ثم سأله: إنت مسافر إيطاليا؟

سائلة بشك: في حاجة؟

اومأ ببرود وثبات: وإنت هناك، قول ليهم إني شاكك إللي بيعمل كده هو اللي عمل الحادثة، لإن بنسبة كبيرة هو الطرف ثالث.

ظل عزت صامتا للحظة، ثم قال بنبرة لها معنى: أنا هرجع من إيطاليا ومعايا إجابات كتير يا سليم
ماتقلقش.

أومأ سليم بإيجاب دون أن يهتز، طب أنا ماشي سلام.

ثم نهض وتحرك مبتعدا، ظل عزت يتابعه بعينيه حتى ابتعد، ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالا: إنت ماقولتليش أي معلومة لحد دلوقتي عن سليم.

صمت يستمع إلى الطرف الآخر، ثم قال بصرامة:
النهاردة لازم تيجبلي معلومات، فاهم.

أنهى المكالمة ووضع الهاتف أمامه، ثم ظل ينظر إلى الإتجاه الذي تحرك فيه سليم، بنظرة تحمل أكثر من معنى.

على الجانب الآخر من الحديقة 

كان سليم يتحرك مبتعدا يهبط الدرج حتى هبط لأسفل حين تصادف مع طه ومنى.

ابتسم طه بتوسع: إيه يا سليم؟ عامل إيه؟!

صافحه سليم بابتسامة متصنعه: الحمد لله، على السلامة، سافرت فجأة كده واختفيت في حاجة؟

زم شفتيه قال موضحا: ولا اختفيت ولا حاجة، حصل حوار كده..و

نظرت منى بطرف عينيها له، وكأنها تحذره من أن ينطق بالمزيد، فهم طه نظرتها، فسارع إلى القول:
بعدين هبقى أحكيلك عليه بعدين، عشان ما أشغلش دماغك.

أومأ سليم بتفهم، لكنه انتبه إلى ما فعلته مني، فنظر إليها وقال: إزيك يا منى؟

أجابته بهدوء: الحمد لله.

هم سليم بالتحرك: أنا ماشي، عندي حاجات كتير.

استوقفه طه: لا، تعالى نتكلم شوية، أنا عايز أتكلم معاك.

تردد سليم للحظة، ثم تحرك معهما حتى جلسوا على أحد المقاعد في الحديقة السفلية.

نظر طه إليه وتسأل: عندك تفسير لأي حاجة بتحصلنا؟

هز سليم رأسه: لا، ما عنديش تفسير، أهو بندور ونشوف.

طه باستهجان: هو بصراحة، من ساعة الحوار بتاعك إنت وماسة، تحس إن في حاجة غلط في القصر.

تدخلت منى بخبث: هي فين صحيح يا سليم؟ قتلتها؟

نظر إليها سليم ببرود: لا، حبستها في الفيلا.

تأمله طه قليلا: شكلك مخنوق أوي يا سليم.

ابتسم سليم ابتسامة باهتة: إنت شايف بعد كل إللي بيحصلي ده أبقى طبيعي؟

في تلك اللحظة رن هاتف طه، فنظر إلى الشاشة ونهض: معلش، دي مكالمة مهمة. 

أبتعد طه، وبقي سليم ومنى وحدهما.

كانت منى تتأمل ملامح سليم المرهقه وعينها التي تحمل ثقلا لا يستطيع إخفائه للحظات، ثم قالت بهدوء: مش لو كنت سمعت كلامي زمان، كان زمانك دلوقتي في مكان أحسن.

رفع سليم عينيه إليها باستغراب: مش فاهم.

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت: يعني زمان، لو كنت اتجوزت إللي تعرف قيمتك، وتعرف قيمة اسم عيلة الراوي، وعندها القوة والعقل إنها تتحالف معاك، كانت هتعرف تقف جنبك وسط الريح، بس للأسف اتجوزت واحدة لا عارفة قيمتك لاوكمان خانتك وهربت وخلتك بالمنظر ده.

ظل سليم ينظر إليها دون رد وكانه يزن كلمتها، ثم أخذ نفسا عميقا، ونهض ببطء: أنا ماشي. سلام.

تحرك مبتعدا، بينما ظلت منى تتابعه بعينيها بنظرات ذات معنى...

على اتجاه آخر سيارة سليم

استقل سليم سيارته، ثم أدار محركها وانطلق مبتعدا عن القصر.

ظل يقود في صمت، بينما راحت كلمات منى تتردد في ذهنه، تتداخل معها نظراتها وطريقتها في الحديث.

لم يستطع تجاهل الأمر، فعاد المشهد أمام عينيه أكثر من مرة، وكلما حاول صرف تفكيره عنه، عاد إليه بصورة أوضح.

بدأ يربط بين كلماتها وتصرفاتها، وبين ما يعرفه عن علاقتها بطه، وكأن شيئا كان ناقصا في الصورة وبدأ يظهر أمامه تدريجيا.

ومع كل دقيقة قضاها خلف عجلة القيادة، بدأت الفكرة تتضح أكثر، حتى ظهرت على وجهه ابتسامة  غامضة، للمرة الأولى شعر أنه وجد نقطة يمكن استغلالها، وطريقا قد يقوده إلى الانتقام من منى وطه.

♥️___________بقلمي_ليلةعادل 

قصر الراوي3م

غرفة ياسين.

دخل ياسين إلى الغرفة وهو يحمل بين يديه عدة أكياس، بينما كانت نالا تجلس على الأرض تلعب بألعابها، وكانت لوجين تجلس على الأريكة منشغلة بهاتفها.

وما إن رأته نالا حتى تركت ما في يدها وركضت نحوه بلهفة، ثم تعلقت بذراعه وهي تبتسم:
بابي!

انحنى ياسين وقبّل رأسها بحنان: إزيك يا حبيبتي؟

توقفت لوجين عن تصفح هاتفها، ونظرت إليه بابتسامة: حمد لله على السلامة يا حبيبي، إيه كل إللي إنت جايبه ده؟

وضع ياسين الأكياس على الأرض، ثم ابتسم وهو يضع يده على بطنها: شوية حاجات كده، للنونو الجديدة.

كانت بدأت نالا في تفقد الأكياس بحماس، فأخذت تخرج منها لعبة تلو الأخرى وهي تضحك، معتقدة أن كل ما جاء به والدها لها.

نظرت لوجين إلى الألعاب بدهشة:إنت جبت حاجات كتير أوي.

أخذ ياسين إحدى الألعاب ورفعها أمامها، ثم أخرج أخرى وأخرى، وهو يريها لها بحماس:حلوين، مش كده؟

ابتسمت لوجين: أوي.

ظل ياسين يخرج بقية الأشياء، بينما جلست نالا إلى جواره تتابع كل شيء بسعادة، لكن ابتسامتها بدأت تخفت تدريجيًا عندما لاحظت أن ياسين أخذ معظم الأشياء بدأ يضعها أمام لوجين كي تشاهدها

سألته ببراءة ممزوجة بشيء من الضيق: إنت بتاخد اللعب بتاعتي ليه؟

ضحك ياسين بخفة، وقال: لا يا حبيبتي، دي مش بتاعتك دي للبيبي.

تغيرت ملامحها تدريجيًا، واتسعت عيناها باستغراب قبل أن يظهر الضيق على وجهها.

قالت بصوت خافت: إنت جبت له كل الألعاب دي وأنا لأ؟

اومأ بنفي: لا طبعا، أنا أقدر أنساكي يا قلبي؟

ألتقط إحدى الحقائب، ثم أخرج منها ثلاث ألعاب مختلفة ومدها إليها؛ عروسة صغيرة، وجهازا يطلق موسيقى، ولعبة أخرى تدور.

ابتسمت نالا للحظة، لكنها سرعان ما عادت تنظر إلى الألعاب الكثيرة الموضوعة أمامها.

سكتت لحظات، ثم خفضت رأسها وأخذت تحرك إحدى ألعابها بين يديها بلا حماس، بينما تبادل ياسين ولوجين نظرة سريعة، فقد فهما من ملامحها أن الأمر لم ينتهِ بعد.

اقترب منها ياسين وانحنى حتى أصبح في مستواها، وقال بهدوء:  النونو الصغير لسه مش عنده ولا حاجة، لكن إنتِ عندك هنا أوضة كلها لعب وهدوم كتير، وعند تيته وجدو فيه لعب وهدوم كتير، وكمان في البيت بتاعك إنتِ ومامي فيه لعب وهدوم كتير، هو مش عنده أي حاجة، وإحنا لازم نشتري،  علشان لما ييجي يلاقي حاجات يلبسها ويلعب بيها، إنتِ كمان لازم تجبيلوا مش هو اخوكي..

نظرت إليه نالا، ثم قالت بضيق طفولي: ماشي، بس اشمعنى هو كتير وأنا دول بس؟

ابتسمت لوجين محاولة تهدئتها: ما بابا قالك يا حبيبتي، علشان هو لسه ما عندهوش أي حاجة، لكن المرة الجاية بابا هيجيبلك حاجات كتير، أكتر من النونو الجديد، صح يا بابي؟

أومأ ياسين مؤكدا: طبعا.

رفعت نالا عينيها إليه للحظة، ثم أبعدتهما سريعًا، وضمت اللعبة إلى صدرها، وكأنها تتمسك بها أمام شعور جديد لم تعرف له اسمًا بعد.

لم يلاحظ ياسين ولوجين سوى ضيق طفولي عابر، أما داخل نالا، فكانت بذرة صغيرة قد بدأت تنمو؛ بذرة من الغيرة.

مستشفى شمس الحياة3م

كان رشدي لا يزال غارقا في نوم عميق، مستلقيا على فراشه، بينما وقفت فايزة وعزت إلى جواره ينتظران أي تطور في حالته.

دخل الطبيب الغرفة وهو يحمل التقرير القادم من المستشفى التي نُقل منها رشدي، وألقى عليه نظرة سريعة قبل أن يلتفت إليهما.

قال بهدوء عملي: أنا اطلعت عالتقرير إللي جاي من المستشفى التانية، حالته مستقرة الحمد لله، لكن لازم نبدأ الفحوصات من جديد ونتأكد إن جسمه تخلص من آثار الجرعة الزائدة بشكل آمن.

سألته فايزة بقلق: والكدمات إللي على وشه؟

نظر الطبيب إلى رشدي مرة أخرى ثم قال مفسرا:  دي واضحة إنها نتيجة خناقة أو إصابة حصلت قبل الحادثة، وهانفحصها برضوا، بس إللي يهمنا دلوقتي تأثير الجرعة إللي أخدها، لإن هي دي إللي عاملة المشكلة مش الحادثة..

ثم أضاف وهو يقلب بعض الأوراق: هو محتاج تحاليل وأشعات وفحوصات كاملة، وكمان متابعة مستمرة..

تبادلت فايزة وعزت نظرة سريعة.

سأل عزت: يعني هيقعد هنا قد إيه؟

أجابه الطبيب: لحد ما نطمن إن حالته مستقرة تمامًا وإن جسمه تخلص من آثار الجرعة، وبعدها لازم يتنقل لمكان متخصص في علاج الإدمان والتأهيل النفسي، لإن علاجه مش هيقف عند المستشفى.

نظر عزت إلى رشدي، ثم قال: تمام يا دكتور. أعمل كل إللي يلزم.

أومأ الطبيب، ثم اتجه إلى الخارج 

بعد خروج الطبيب، التفت عزت إلى فايزة وسألها:
ما تعرفيش الحادثة دي حصلت ازاي؟!

أومأت بلا: ماحدش يعرف أي حاجة، بس هي واضحة يا عزت يعني بيقولك اخذ كمية مخدرات كبيرة.

تنهد عزت وهو يجلس على المقعد قال بعدم رضا: إحنا لازم نوديه مصحة موضوعه كده بدأ يكبر.

اومأت بايجاب وهي تخرج نفسا طويلا وهي تجلس بجانبه: يخرج بس بالسلامة ونشوف. 

نظر عزت إلى رشدي لثوانٍ، وهو غارق في نوم عميق، تتصل بذراعه المحاليل ولاجهز الطبية، ثم ألتفت إليها سألها: مافيش جديد في موضوع مي؟!

هزت رأسها موضحة: لأ، بس قالولي إن رشدي راح لها في نفس اليوم، عموما بس يصحى نفهم منه إيه إللي حصل.

فيلا سليم وماسة4م

وصل سليم إلى الفيلا، وترجل من سيارته، فوجد مكي وعشري وعرفان جالسين في الحديقة بانتظاره.

اقترب منهم وقال: اتأخرت عليكم؟

أجابه مكي: لا، ماتأخرتش.

صافحهم سليم، ثم جلس معهم ونظر إلى عرفان:
ها يا عرفان، قلت إن عندك فكرة؟ أتمنى تكون جايلي بحاجة تخليني مطمن.

ابتسم عرفان بثقة​: هنزرع قنابل حوالين الفيلا، أي حد يقرب أو أي جسم غريب يقرب هينفجر..

عقد سليم حاجبيه: طب أنا بحب أروح الجزيرة 

عرفان ببساطة: هحدد لك مسارات معينة تتحرك فيها، سواء بالمركب أو باللانش بتاعك، بحيث تفضل المنطقة مؤمنة وفي نفس الوقت تتحرك براحتك.

ابتسم سليم بسخرية لازاعه: حد قالك إني قبطان هعرف امشي في المسار؟

ضحك عرفان: هتكون متعلمة بحاجة احنا بس اللي نعرفها، وممكن اقدر احدد لك مساحات تانيه للحركة بحيث ما تبقاش مربوط بمسار واحد.

فكر سليم للحظات، ثم أومأ:  كدة تمام.

أكمل عرفان موضحا: وأنا هظبطلك المنطقة كلها، وأعمل حسابي على حركة المراكب الطبيعية إللي بتعدي، علشان التأمين مايعطلش أي حد ولا يعمل مشاكل.

تدخل عشري: طب هو ممكن حد يركب مركب من المراكب إللي بتعدي هنا دي ويكون قناص ويضرب.

ردّ عرفان بثقة رجل مخضرم: هتكون صعبة جدا وتفوق الإمكانيات،فكرة زي دي، محتاجة وقت وتجهيزات معينة، دي خطة مستبعدة تماماً، حتى لو عملوا عطل مثلا في الباخرة أو المركب معدية بحجة تصليحها؛ هيضرب منين؟ وإزاي؟ والمسافة بعيدة؟ مافيش حد هنا مثلا بيقف  كل يوم في معاد معين ومكان معين علشان يضرب فيبقى عارف هيعمل إيه! فالموضوع مستبعد، غير إن المنطقة هتبقى تحت المراقبة مستمرة، وأي حركة غير طبيعية هتظهر بدري، وأنا هعمل هنا برج مراقبة على الأسوار، هقعد فيها قناصين 24 ساعة يراقبوا أي حاجة داخلة أو خارجه، وأي حاجة مش طبيعية أنا مديهم أوامر بالضرب من غير ما يرجعوا ليا أو سليم.

نظر عشري إلى سليم: ما تريح نفسك يا ملك، وشوف لك فيلا تانية ما تكونش مفتوحة كده، لإن فعلًا ممكن حد يحاول يوصلك من ناحية البحر.

مد سليم وجهه بالحيرة: ماسة بتحب الفيلا دي قوي حتى أهلها وحور، كمان مش عايز أهز استقرارهم في الفيلا دي تاني، أو أحسسهم إن فيه حاجة، صمت لوهلة ثم قال: بس يمكن عندك حق يا عشري.

رد عرفان: يا سليم باشا، في ناس كتير جدا عندها أعداء أكتر منك، ومع ذلك مأمنين أماكن أصعب من دي ومكشوفه،  المهم إننا نكون واخدين احتياطاتنا.
خليك واثق فيا.

نظر سليم إليه بجدية: عرفان، الفترة الجاية هيبقى عندي مشاكل كتير، مش عايز أي غلط، هيبقى عندي مشاكل مع زعماء مافيا. 

أومأ عرفان بثقه: وأنا هكون مسؤول عن الموضوع جرب نظام التأمين بتاعي، ولو لقيت فيه أي نقطة ضعف، تعالى حاسبني.

تدخل عشري مستنكرا: وهتجربه إزاي؟

ابتسم عرفان: هعمل اختبار للتأمين هجيب كم قارب وأخليهم يتحركوا حوالين الفيلا، ونشوف النظام هيكتشف أي حركة غريبة ولا لأ.

سليم ببساطة: ماشي.

ثم ألتفت إلى مكي: طب عملتوا إيه في الباسبورتات؟

أجابه: قال أسبوع.

رفع سليم حاجبه: كتير.

رد موضحا: هو قال أسبوع وكل حاجة هتبقى جاهزة علشان وجودنا في إيطاليا او إنجلترا مايتعرفش.

أومأ بتفهم: خلاص تمام، روحوا إنتوا بقى شوفوا شغلكم.

تحرك عشري وعرفان مبتعدين، بينما بقي مكي مكانه.

نظر إليه سليم: ها يا مكي، جبت الخاتم؟

تردد مكي لحظة: أُممم.

ابتسم بحماس: طب يلا خلينا ندخل ونخلص الموضوع.

مكي متردد: على طول كده.

رفع حاجبه متعجبا بسخرية: مالك يا مكي؟ إنت ليه محسسني إنك أول مرة تخطب، و إن عندك 16سنة؟ ماتنشف يا ابني!

ثم  سأله: مش هتكلم مامتك؟

هز رأسه: نتكلم الأول مع معاهم، ونشوف هيوافقوا ولا لأ، وبعدين ممكن نخرج بره نتعشى، وأكلم ماما.

أومأ سليم: فكرة كويسة.

نهض مكي، وقال: يلا بينا.

تحرك الأثنان معا بإتجاه الفيلا، بينما ظل مكي يتحسس العلبه في جيبه، وكأنه يستعد لأهم خطوة في حياته.

في الداخل.

دخل سليم إلى الفيلا وخلفه مكي، ونظر حوله يبحث عن الموجودين، ثم نادى بصوت عالٍ: إنتوا فين؟

خرجت حور من الصالون وهي تهتف بسعادة: بابا إنت جيت!

ابتسم وإنحنى يحملها بين ذراعيه: أيوه، جيت يا روح قلبي، عاملة إيه؟

ردت: كويسة مستنياك بقالي ساعة وساعة وساعة.

ثم نظرت إلى مكي، واقتربت منه وهمست بحماس: هتعمل المفاجأة دلوقتي؟ ثم غمزت له.

نظر لها وهو يضيق عينه باستغراب، ثم ألتفت لسليم، فأجابه سليم: تقصد موضوع سلوى يعني.

وفي تلك اللحظة اقتربت ماسة، وسألته بقلق:
إيه؟ عملت إيه يا سليم؟ هو عامل إيه دلوقت؟

زم وجهه بضجر: زي القرد، مافيهوش حاجة، بقولك إيه، باباكي ومامتك جوة.

أجابته: أيوة.

ثم أضافت بسرعة: وماما عارفة، بس هتعمل نفسها متفاجأة.

ابتسم مكي: ماشي.

التفتت حور إلى ماسة وقالت: ماما، تعالي نروح نلبس علشان الحفلة.

تبسم سليم وقبلها من خدها: استني يا وردتي، نعمل المقابلة الأول وبعدين نلبس كلنا مع بعض 
ماتستعجليش.

زمت شفتيها بضجر طفولي: عايزة ألبس الفستان والتاج إللي عليه وردة! إللي سوسكا عملتهولي. 

ضحك سليم: حاضر، هتلبسي إللي عايزاه، بس أصبري شوية نكلم جدو لأول.

تحركوا جميعا إلى الداخل، حيث كان مجاهد وسعدية يجلسان في الصالون، وكانت سلوى تجلس إلى جوارهما تتصنع  عدم الاهتمام

سليم: مساء الخير.

ابتسمت سعدية: مساء النور.

أشار مجاهد إليهما: تعالى يا ابني، أقعد.

جلس الجميع في أماكنهم، بينما ظلت حور جالسة على ساق سليم، الذي اقترب منها وهمس في أذنها:
ماتتكلميش خالص علشان المفاجأة.

وضعت حور يدها على فمها، ثم هزت رأسها بحماس، وكأنها تقول له إنها فهمت تماما.

نظرت سعدية إلى سليم وسألته: ها قولي هو عامل إيه كويس؟

أجابها: اها كويس.

عقدت حور حاجبيها باستغراب:هو مين ده؟

أجابها: واحد صاحبي.

ثم ألتفت سليم إلى مجاهد وقال: بقول لك إيه يا عم مجاهد، كنت عايز أتكلم معاك أنا ومكي في موضوع كده.

اعتدل مجاهد في جلسته، ونظر إليه بتركيز: اتفضل.

نظر سليم إلى مكي، ثم قال بهمس: هتتكلم إنت ولا أتكلم أنا؟

ابتسم مكي بتوتر: أنا مش عارف متوتر ليه.

ضحك سليم: يبقى أتكلم أنا.

ثم وجه حديثه إلى مجاهد وسعدية: إنتوا عارفين طبعا إن مكي وسلوى كان بينهم من فترة خطوبة، وكانوا خلاص هايتجوزوا، والمشكلة إللي حصلت وقتها خلتهم ينفصلوا، لكن بعد ما الحقيقة ظهرت، وسلوى فهمت كل حاجة، وموضوع طارق أنتهى...

توقف لحظة، ثم ابتسمت: فإحنا بقى جايين النهاردة علشان نفتح صفحة جديدة وندي للعلاقة دي فرصة لتستحقها.

نظر مجاهد إلى مكي مباشرة، ثم قال: يعني مكي حابب إن هو وسلوى يرجعوا لبعض؟

رفع مكي عينيه إليه، وقد اختفى التوتر من ملامحه قليلا، وقال بصدق: أيوة يا عمي... أنا عايز  ارجع لسلوى.

رفع مجاهد عينيه إلى سليم، وقال: طب يعني الموضوع بقاله فترة... اشمعنا دلوقتي؟

ابتسم سليم وأجابه: مش بقاله فترة ولا حاجة يا عم مجاهد، ماسة حكت يوم الفرح، كمان سلوى علشان تصدق إللي حصل وتفهم الحقيقة وتقدر تسامحه، أخدت وقت، غير إن حضرتك عارف إنها كانت مخطوبة لطارق.

سكت مجاهد لحظات، ثم نظر إلى مكي بابتسامة هادئة، والله يا ابني، أنا مش هلاقي أحسن منك لبنتي، وأنا ماعنديش مانع طبعا بعد مالحقيقة ظهرت... بس أهم حاجة  رأي سلوى.

التفتت الأنظار إلى سلوى تعمدت أن ترسم على وجهها ملامح المفاجأة والاستغراب، فقال مجاهد:
إيه رأيك يا سلوى؟

أجابته وهي تحاول الحفاظ على ملامحها المتفاجئة:
يعني الصراحة أنا اتفاجئت ممكن أفكر. 

ضحكت ماسة بسخرية: اتفاجئتي؟ 

نظرت إليها سلوى بضيق، بينما أكملت ماسة وهي ترفع صوتها بسخرية: الصراحة لو مثلتي إنك مش عارفة، أبوكي هيقوم يديكي باللي في رجله، علشان باين أوي إنك عارفة، وأن مستحيل. مكي ياخد خطوة زي دي قبل ما يكون مكلمك، أو حتى سليم مكلمك، وعارفين إنك موافقة، صح يا بابا؟

ضحك مجاهد: أكيد، هو أنا عيل صغير يعني؟ ده أنا شعري شاب!

انفجرت سلوى ضاحكة: تصدقي إنتِ عيلة رخمة!

وهمت بأن ترمي عليها الوسادة، لكن حور نهضت بسرعة وقالت ببراءة: ماتضربيش ماما عشان النونو!

توقفت سلوى ونظرت إليها: ماجتش فيها يا ختي!

فتحت ماسة ذراعيها وهي تقول بحب: إللي بتموت في مامتها وبتدافع عنها، تعالي في حضن ماما.

ركضت حور نحوها، وضمتها بسعادة.

نظر مكي إلى الجميع، ثم قال: طيب، بمناسبة الخبر الحلو ده، إيه رأيكم؟ أنا هكلم ماما، وإنتوا تجهزوا ونروح نتعشى بره ونعمل حفلة صغيرة كدة.

نظرت سعدية إلى مجاهد وسألته: إيه رأيك يا أبو عمار؟

ابتسم مجاهد وقال: والله يا بني أنا ما عنديش مانع، ونكلم كمان إخواتها...

ثم سأله بجدية:طب يا بني، هو انتو لسه هتعملوا خطوبة تاني؟ 

أجابه  موضحا: لا يا عمي، ده بس أمر مؤقت لحد مانخلص المشاكل، وبعدها نتجوز على طول، يعني مسألة شهر.. شهرين بالكتير. 

هز مجاهد رأسه بتفهم، فقالت سعدية بفرحة وهي ترفع يديها:على خير بإذن الله، ربنا يتممها على خير! 

ثم قامت مزغرطة

حور بحماس: طب يلا نروح نلبس الفستان!

ابتسمت ماسة، وأمسكت بيدها: يلا يا ستي، نروح نلبسه.

بدأ الجميع في النهوض والاستعداد، كل منهم يتجه ليبدل ملابسه، استعدادا للخروج والاحتفال بهذه المناسبة الصغيرة.
♥️________بقلمي_ليلة عادل 
قصر الراوي

الاستراحة5م

كانت هبة تجلس مع سامية في الاستراحة، تتبادلان الحديث، حين دخلت نالا برفقة مربيتها.

اقتربت نالا من جدتها وقالت بابتسامة: تيته، إزيك؟

ابتسمت بسعادة: الحمد لله يا حبيبتي، إنتِ عاملة إيه؟

أجابت: أنا كويسة الحمد لله.

سألتها هبة: قعدتي مع بابا؟

أومأت بتزمر: آه، قعدت مع بابا، بس أنا زعلانة منه.

نظرت إليها باستغراب وسألتها: ليه يا حبيبتي زعلانة منه؟

عقدت نالا حاجبيها وقالت بضيق طفولي: يعني عشان ماجابليش غير تلات هدايا بس، وجاب للنونو هدايا كتير.

تبادلت هبة وسامية نظرة سريعة، ثم عادت هبة لتنظر إلى نالا بدهشة: نونو مين؟

أجابتها بعفوية: النونو بتاع لوجين.

ازداد استغراب هبة وسألتها: لوجين عندها نونو؟

أومات آه يا مامي، عندها نونو،وهو جاب له لعب وحاجات كتير، وأنا جابلي تلاتة بس.

نظرت إليها سامية بحنان: بابي بيحبك وجابلك حاجات كتير، وده أخوكي ولازم تحبيه، ما ينفعش تزعلي منه وبعدين ما هو جابلك ما ينفعش تقولي بابا جاب لأخويا كتير وأنا لا.

أومأت هبة موافقة: بالظبط كده أوعي تزعلي من بابا، بابا بيحبك وبعدين هو علشان لسه صغير فلازم يجيب له حاجات كثير.

ثم ابتسمت لها وقالت: يلا روحي أغسلي إيديكي علشان تتغدي مع تيتا. 

أجابت: حاضر.

تحركت نالا نحو الحمام، بينما ظلت هبة في مكانها وما إن ابتعدت نالا حتى التفتت سامية إلى هبة سألتها باستغراب: إنتِ ماتعرفيش الموضوع ده؟

هزت رأسها قائلة: لا، ماعرفش.

تنهدت سامية ونظرت إليها بجدية: طب إنتِ قررتي
أمام أحد المطاعم النيلية الفخمه،6م 

هبط سليم وماسة وحور من السيارة بإطلالات أنيقة؛ ارتدت حور فستانا وردي وتركت شعرها منسدلا كما تحب، بينما ارتدت ماسة فستانا باللون نفسه، زاد من جمالها، مع بعض الإكسسوارات الرقيقة وشعرها المنسدل، وظهرت بطنها التي بدأت في البروز، أما سليم، فكان ببدلته الأنيقة، وفي سيارة أخرى، ترجلت سلوى ومكي؛ ارتدت سلوى فستانا بيبي بلو، وتركت شعرها منسدلا حول كتفيها، بينما بدا مكي أنيقا ببدلته، وانضمت إليهم والدة مكي وعائلة ماسة، الذين وصلوا في سيارة أخرى، وبالطبع، كان الحراس يحيطون بهم من كل جانب، وبدت العائلة في أبهى صورة.

استقبلهم مدير المكان بابتسامة رسمية: حمد لله على السلامة يا سليم بيه، اتفضلوا، كل حاجة جاهزة زي ما مكي باشا أمر.

ابتسم سليم بمزاح: أنا مليش دعوة، كلامك مع مكي، أنا جاي ضيف.

ابتسم مكي وتقدم قائلا: تمام، شكرا.

وبالفعل، دخل الجميع إلى المطعم.

كان المكان فارغا تماما، وفي منتصفه طاولة كبيرة وطويلة أشبه بمائدة احتفالية، وقد تزين المكان بالبالونات والورود، وكأنه أُعد خصيصا لهذا اليوم.

نظر مكي من حوله، وقد أعجبته الزينة، فقال برضا:
خلاص، تمام، كل حاجة تمام.

ثم سحب كرسيا لسلوى وأجلسها بجانبه، وبدأ الجميع في أخذ أماكنهم حول الطاولة.

سألته سلوى وهي تنظر حولها بإعجاب: أنت عملت كل ده إمتى؟

ضحك بخفه: دي حاجة بسيطة، المهم إنها عجبتك.

ابتسمت برقة: بصراحة عجبتني أوي.

وبدأت الموسيقى تعلو في أرجاء المكان، بألحان هادئة ولطيفة، بينما أخذ الجرسونات يضعون المقبلات الخفيفة والعصائر أمامهم.

نظرت حور إلى ماسة وسألتها بملل طفولي: هو إحنا مش هنعمل حاجة؟ هنفضل قاعدين كدة بس؟

ضحكت ماسة: لا، دلوقتي الأكل هييجي، وبعدين نرقص علي أغاني حلوة.

رفعت حور حاجبيها: بس كده؟

تبسمت ماسة وهي تطعمها مكسرات: أيوة، بس كده، أنتِ عايزة حاجة تانية؟

فكرت قليلا ثم أجابتها: هو بس مفيش عيال قدي ألعب معاهم.

مسحت ماسة خدها: لا، مفيش عيال قدك تلعبي معاهم، بس عادي، ممكن تلعبي مع بابا.

نظر سليم إليها بابتسامة: أيوه، أنا وإنتِ هنلعب مع بعض.

حور بطفولة وهي تزم شفتيها: طب يلا قوم ألعب معايا دلوقتي شوية قد كده 🤏

مال عليها وقبلها من خدها: استني شوية لما ناكل الأول.

أومأت برأسها: طب هاتلي آيس كريم مانجا وفانيليا وشوكولاتة.

مد يديه الأتنين وضم وجهها بين كفيه: بس كده؟ حاضر يا أميرتي.

ثم وضع قبلة خاطفة على شفتيها، ونادى الجرسون وأعطاه الطلب: وهات واحد تاني شوكلت على فراولة.

تبسمت ماسة بدلال: منسيتنيش.

أمسك يديها وقبلها: أنا أقدر أنساكي يا قطعة السكر؟

تبسما لبعضهما بحب، ثم بدأوا يأكلون المكسرات والشيبسي.

على إتجاه آخر 

تحدثت ليلى بسعادة: إزيك يا أم عمار؟ إزيك يا أبو عمار؟ أنا عارفة إني سلمت عليكم، قبل ما نطلع العربيات، بس كان سلام كدة على السريع.

ابتسمت سعدية: الحمد لله يا حبيبتي, إنتِ عاملة إيه؟ والله وحشتينا، خلاص بقى، مش عايزين مشاكل تاني.

ليلى وهي تنظر لسلوى: إن شاء الله، ربنا يهديها سلوى.

وقبل أن تكمل، نظر سليم إلى ماسة وهمس: سكتي والدتك بسرعة علشان ليلى متعرفش حاجة عن الشغل القديم.

أومأت بسرعة، ثم أمسكت يد سعدية وقالت بهمس: ماما، طنط ليلى متعرفش حاجة خدي بالك.

نظرت إليها سعدية وضحكت: أنا عارفة يا بت سلوى مفطماني.

في تلك اللحظة نظرت ليلى لعمار: وإنت بقى يا عمار هتتتجوز إمتى؟ ده أنت بقالك كتير خاطب

تبسم على مضض: لا ما هو أنا مفركش بقالي فترة كبيرة، داخل على سنة أهو.

ليلى بحزن: ليه كدة يا أبني؟

مجاهد وهو يحتسي الماء: مينفعش يفضل رابط البنت جنبه، هو كان لسه بدري عليه وكان بقالهم أكتر من سنتين مخطوبين.

نظر سليم لعمار: لا إحنا الفترة الجاية نشتغل ونعوض كل إللي فات، زي ما اتفقنا قبل كدة، هنرجع نفتح شركة السياحة تاني وإنت ويوسف هتمسكوها، والشغل الجديد اللي بجهزه هحتاجكم فيه، وهجيب قرايبكم من مصانع العيلة وكل واحد يمسك إللي يناسبه.

هزت سعدية رأسها بحماس: والله فكرة حلوة يا سليم، تجمع العيال كلهم مع بعض.

تدخل يوسف: ظبط إنت بس يا سليم وشوف عايز إيه؟! وإحنا معاك أنا وعمار.

رفع عمار حاجبه بثقة: أنا خلاص اتخرجت السنة دي فهبقى معاك.

اتكأت ماسة على الطاولة ونظرت لسليم بدلال متزمر: عقبال ما أتخرج أنا كمان، كراميل عايزاك تقدملي في الجامعة، آخدها منازل مش مهم، بس عايزة أتخرج.

ضحك عاليا: ما قولتلك اشتريلك الشهاده، انت اللى غاوية وجع قلب ، عامة هقدملك بكرة حاضر.

ثم ألتفت لحور وشدها لحضنه: ونقدم كمان للحلوة الصغننة دي في كي جي 1.

رفعت حور يديها لأعلى بفخر: أنا كنت في الحضانة وحافظة واحد اتنين وA B و1 2 وتفاحة Apple!

ضحك سليم وصفق لها: برافو، بس إحنا هنروح حضانة حلوة وهنعرف حاجات كتير بالـ English كمان والـ French، وهتتكلمي زينا كلنا.

اتسعت عينيها بفرحة: زيك إنت وماما وكلكم. 

قبلها من خدها: وأحسن كمان يا قلبي.

ثم قالت ليلى وهي تنظر لمكي: يلا يا مكي، ماتلبس خطيبتك الشبكة؟

ابتسم وأخرج من جيبه علبتين؛ إحداهما صغيرة والأخرى طويلة.

قال وهو يفتح إحداهما بمزاح: جبتلك الدبلة والمحبس بتاعها وخاتم كمان، أصلي بصراحة حوار الخاتم الالماظ ده مبيجيش معايا سكة، بحس إني مش خاطب، خطوبة بالنسبالي يعني دبلة ومحبس، واديكي شوفتي لما جبتلك خاتم فشكلنا..

ضحكت عاليا: أنا برضو بقول كدة.

أمسك يدها وبدأ في إلباسها الخاتم، ثم ألبسها المحبس.

تأملت سلوى الخاتمين في يدها وقالت بابتسامة: بصراحة، أنا كمان عاجبني الشكل ده.

ثم أخرج علبة أخرى، وفتحها ليظهر بداخلها سوار من الألماس.

شهقت سلوى بإعجاب: الله!

ابتسم مكي مازحا: ده بقى الماظ عشان نتماشى مع المستوى بتاعنا متقوليش عليا بخيل.

ضحكت: تحفة

ألبسها السوار، بينما كانت تبتسم بسعادة وتنظر إلى يديها.

صفق سليم وقال ضاحكا: مبروك يا مجنون ياللي مجنني معاك! ومبروك يا سلوى يا إللي أجن منه.

ضحك الجميع، بينما قالت حور فجأة: هو ليه مش بيحطوا أغاني حلوة نرقص عليها؟

نظر يوسف لها: عندك حق والله، أنا هروح أخليهم يحطوا أغاني حلوة نرقص عليها.

تحرك يوسف نحو أحد الجرسونات وتحدث معه قليلا، وبعد لحظات بدأت الموسيقى تتغير وترتفع أجواؤها.

نهضت حور ووقفت في منتصف المكان، وبدأت ترقص بفرحة، فالتف الجميع حولها وهم يصفقون لها ويشجعونها.

ثم اقتربت سلوى منها، وأمسكت بيدها وبدأت ترقص معها، بينما اكتفت ماسة بالتصفيق وتشجيعهم من مكانها بسبب حملها.

وفي الجهة الأخرى، شارك سليم مكي الرقص وسط ضحكات العائلة وسعادتهم، بينما كانت الأجواء مليئة بالفرحة والمرح.

وبعد قليل، بدا الجرسونات يضعون الطعام على الطاولة، بينما جلس الجميع يتناولون العشاء وسط الأحاديث والضحكات، وبعد أن انتهوا، ابتعد مكي وسلوى قليلا عن الجميع، ووقفا وحدهما عند السور المطل على النيل.

كان الهواء هادئا، ونسيم الليل يحرك خصلات شعرها المنسدل أمام عينيها.

ابتسم مكي، ومد يده يبعد خصلة شعر عن عينيها برفق: تعرفي إني مش مصدق إن إحنا بقينا مع بعض تاني؟

ابتسمت برقة: وأنا كمان أكتر منك، خصوصا إن أهلي في البيت اتعاملوا مع الموضوع عادي أوي، أنا كنت متخيلة إن إخواتي ممكن يعترضوا، او بابا يطول في الكلام معاك، مش الموضوع ينتهي في أقل من دقيقة خصوصا لما ماسة الكلبة قالت لبابا إني عارفة. 

ضحك معلقا: هو أصلا بديهي يكون فاهم إني  مستحيل آخد خطوة زي دي من غير ما أكون مكلمك؟ خصوصا إنك أصلا كنتي رفضاني لما حاولت كتير، يعني للي عملته ماسة صح؟!

ابتسمت وهي تؤمئ برأسها بصمت، فسألها: طب مجبتيش سيرة خالتي سعدية ليه؟

ابتسمت موضحة: ماما كانت عارفة ومتقبلة من البداية..

صمتت لحظة، بعينين تحمل حبا كبيرا: أنا قولتلها إني سبت طارق علشان بحبك، ومش عارفة أبقى مع حد تاني غيرك، وهي ادتني فرصة، ولما حصلت حوارات ماسة الأخيرة قالتلي خلاص بقى، هو مش عايزك إنسي، بس أنا كنت واثقه إننا هنرجع لبعض وأهو رجعنا.

ابتسم، ومرر أصابعه برفق على ملامحها: بلاش نتكلم عن الماضي.

نظرت إليه بهدوء، فتابع وهو يركز النظر في عينيها بحب: خلينا في الحاضر والمستقبل وبس.

سلوى بابتسامة هادئة: وأنا مش عايزة مستقبلي غير معاك، بس هو إحنا هنتجوز إمتى؟

أجابها موضحا: زي ما قولت لعمي إمبارح، مجرد ما الحوارات بتاعة سليم تخلص، هنتجوز علطول.

زمت شفتيها: لازم يعني؟

اومأ بتأكيد: علشان أخدك ونسافر، ونقضي هاني مون حلو، ونظبط المكان اللي هنعيش فيه، كمان مش هينفع أسيب سليم لوحده خالص، إحنا لسه قدامنا كوارث جاية.

تغيرت ملامحها بقلق: كوارث إيه تاني؟

أمسك يدها بابتسامة مطمئنة: متخافيش حبيبك أسد.

سألته بابتسامة: طب قولي كده يا أسد، لما نتجوز هتعمل إيه؟ هتقدملي إيه؟

رد بسرعة وحماس: والله أنا هخليكي أسعد واحدة في الدنيا، هخليكي دايما مبسوطة..

مد يده ولمس غمازتها قائلا بغزل ونبرة مليئه بالحماس: والغمازات الحلوة دي تفضل ظاهرة علطول! وأي حاجة هتطلبيها، أو حتى مش هتطلبيها، هتلاقيها قدامك بصي هخليكي تتجنني من السعادة، هخليكي سعيدة بس.

كانت تتأمله بابتسامة سعيدة وهي ترى الحماس يلمع في عينيه وهو يتحدث.

وفجأة، تبدلت ملامحه، ونظر إليها نظرة مختلفة، تحمل حبا ورجاء: بس في طلب واحد عايزه منك.

اومأت باهتمام: إيه هو؟

ابتلع ريقه، وثبت عينيه عليها وكأنه يترجاها ألا تخذله مرة أخرى، صوته خرج مبحوحا ومتقطعا: خليكي جنبي علطول، متبعديش عني مهما حصل، ولو سمعتي أي حاجة، أو عرفتي أي حاجة، تعالي وقوليلي، متخبيش عني حاجه..

دقق النظر في ملامحها، وأكمل بصدق: لازم تعرفي إن أهلك زي أهلي بالظبط، باباكي ومامتك في مقام بابا وماما، وإخواتك إخواتي، مستحيل أسمح إن أي أذى يحصل لحد فيهم.

هزت رأسها، وقالت بابتسامة: أوعدك، خلي عندك ثقة فيا.

تأمل ملامحها لثواني، وكأنه يحاول حفظ تلك اللحظة في ذاكرته، فهمت هي بحب صادق: بحبك.

أجابها بعشق: وأنا بموت فيكي.

ثم أمسك يدها وطبع قبلة دافئة عليها، فتبادلا ابتسامة صامتة لثواني.

ظل مكي يتأملها بنظرات تثقل الأنفاس، عيناه مسمرة عليها لا تتزحزح، وكأنه يحاول أن يقول بعينيه كل ماعجز قلبه عن البوح به، وكل ما خان لسانه التعبير عنه.

لم تحتمل سلوى ثقل تلك النظرة، فخفق قلبها بعنف حتي كاد يُسمع نبضه، واستدارت سريعا نحو النيل، تخفي ارتباكها وهي تتظاهر بتأمل مياهه في صمت.

تابعها مكي بنظراته للحظات بابتسامه متفهما خجلها، ثم التفت هو الآخر إلى النيل، وببطء وهدوء، أحاط كتفيها بذراعه، كأنه يعلن احتواءه لها.

وظلا واقفين معا أمام النيل، صامتين، لكن قلبيهما  يقولان كل شيء..
قطع شرودهما صوت ضحكة حور العالية وهي تصرخ من الداخل: يلا يا بابا! أرقص معايا كده!

ابتسم مكي لسلوى: يلا نرجعلهم.

ضحكت: بصراحة حور عاملة جو جامد، يلا بينا.

عادا معا إلى الداخل، فركضت عليهما حور بسعادة وأمسكت بيديهم: سوسكا تعالي أرقصي معانا، وإنت يا عمو مكي يلا!

تحركا معها، وأخذ يرقصون سويا، اندمج الجميع في الرقص، يقضون وقتا جميلا معا، وكأن الليل قرر أخيرا أن يمنحهم تلك السعادة التي طال انتظارها
  ♥️_______بقلمي_ليلة_عادل _______♥️

فيلا سليم وماسة،12ص

كانت الأضواء خافتة في الشرفة المطلة على الحديقة، كان سليم وماسة قد بدلا ملابسهما بأخرى منزلية، ويحتسيان العصير في هدوء، بينما كانت حور بجانبهما تتأرجح على أرجوحتها الصغيرة، تحتضن دميتها وترفض النوم.

كان الجو لطيفا وهادئا، يليق بليلة انتهت للتو.

ابتسم سليم وهو ينظر إلى حور: الحفلة كانت حلوة أوي، وحور  إيه طلعت رقاصة.

ضحكت وهي تتبع نظراته نحوها: مبطلتش رقص فعلا، عمالة أقولها نامي مش عايزة تنام، عايزة تلعب.

ارتشف من كوبه وعينه ما زالت على حور:  سيبيها تلعب براحتها.. 

ثم نظر اليها بإبتسامة: أنا مبسوط أوي، أخيرا سلوى ومكي رجعوا لبعض، مكنتش هسامح نفسي لو مرجعوش، كنت حاسس إني السبب بنسبة كبيرة.

تنهدت: وأنا برضوا كنت حاسة بالذنب، بس الحمدلله إنهم رجعوا.

ساد الصمت للحظات، ثم اعتدل سليم في جلسته وقال بنبرة أكثر جدية: أنا الفترة الجاية هضطر أسافر.

قطبت جبينها بقلق: هتسافر فين؟

أجابها: إنجلترا، وبعدها روما، عشان اخلص موضوع إريك وعماد.

اعترضت بقلق: يا سليم مش لازم..

قاطعه بحسم: لا لازم يا ماسة، علشان نقفل كل ده بقى ونعيش مرتاحين.

اقتربت منه وأمسكت يده، وعيناها تلمعان بالخوف: طب خد بالك من نفسك، وترجع بسرعة.

ابتسم لها تلك الابتسامة التي تطمئنها دائما، وربت على يدها بحنان: حاضر.

ثم نظرت إليه فجأة، وتذكرت ما سمعته: صحيح، أنا سمعتك بتقول لمازن يحضر ورقة تنازل لمنى ناوي على إيه؟!

تنهد وهو يعود بظهره على المقعد: هقولك، بس من غير اعتراض، أنا طلبت من مازن يعمل ورقة تنازل عن كل حاجة تملكها منى باسمي، دي أكتر حاجة بتوجع منى، إنها تخسر كل حاجة بتملكها، ووجع طه لما يكتشف حقيقتها قدامه.

عقدت حاجبيها: مش فاهمه برضو هتعمل ايه؟!

اخذ نفس عميق وبدا بسرد ما يود فعله وبعد الانتهاء..

أومأت بعدم اقتناع: معتقدش إن منى غبية كده علشان تقع في الفخ ده!

مده وجهه وهو يحتسي العصير: هنشوف..

هزت رأسها وهي  تأخذ رشفة، ثم ألتفتت تنظر إلى حور، ووضعت يدها لا إراديا على بطنها، وقالت بصوت خافت حزين: مش عارفة إمتى هنخلص من كل ده بقى ونعيش مرتاحين؟! أنا نفسي نعيش مرتاحين يا سليم، نفسي نبقى اتنين متجوزين طبيعيين، تروح الشغل وترجع الساعة 4أكون محضرة الغدا، ونقعد نتغدى سوا وتحكيلي عملت إيه في يومك، وأنا أحكيلك عملت ايه في يومي، ونشرب كوباية شاي وإحنا قاعدين كدة علي النيل، وبعدين ننام ونصحى تاني يوم نعمل نفس الكلام، ونخرج كل أسبوع وأزور عيلتي وأسافر البلد، ونتخانق خناقات متجوزين بقى.

ضحك بدهشة: إيه خناقات متجوزين دي؟

تبسمت وهي تمد شفتيها: مش عارفة، بس يعني مثلا أقول حاجة متعجبكش فترد عليا ونشد سوا، أو مثلا ترجع من الشغل ترمي هدومك على الكرسي وأنا أعلقها، ترجع تاني يوم ترميها تاني، فأقولك يا ابني ده الكرسي مش دولاب! تقولي براحتي أعمل اللي أنا عايزه وإنتِ لازمتك إيه؟! أو مثلا أبقى بكلمك وإنت ماسك الموبايل وعمال تقلب فيه ومش سامعني، فأقولك يا كراملتي أنا بكلمك! فتقولي ثانية بس ببعت ميل مهم، فأقوم لاويه بوزي، وبعدين تيجي تصالحني وتقولي حقك عليا يا أم حور وتبوسني من خدي وتجيبلي شيكولاتاية، وأنا لما أزعلك، أقولك حقك عليا يا أبو حور وأبوسك من راسك، اتنين متجوزين طبيعيين.

ابتسم ابتسامة واسعة، ومد ذراعه ليجذبها إلى حضنه: إن شاء الله قريب هنعيش كل حاجة حلوة نفسك فيها، من غير خناقات متجوزين، هنعيش مبسوطين وبس، كفاية خناقات لحد كده..

ابتسمت ومالت برأسها على كتفه، فطبع قبلة طويلة على رأسها وأضاف بنبرة دافئة: هنعيش حياة مرتاحة قريب أوي، في بيت حلو على بحيرة وشلال، وأنا متأكد إن ده هيحصل قريب، صدقيني أنا بعمل كل ده عشان نعرف نعيش الحياة دي، يا أم حور وجاسر..

ابتسمت ونظرت له بدموع تلمع في عينها: إن شاء الله كل ده هيحصل، أنا بثق فيك.

بقيا في عناق صامت، يتأملان ضحكات صغيرتهما وهي تتأرجح، كأنهما يعيشان الحلم الذي تمنياه.

على إتجاه آخر في غرفة سلوى

كانت ممددة على الفراش، تتحدث في الهاتف بابتسامة واسعة.

سلوى: إنت كمان وحشتني، لا بجد إنت المرة دي راجع رومانسي أوي.

اثناء ذالك سمعت طرق خفيف على الباب، ثم دخل والدها.

مجاهد: بتعملي إيه يا سلوى؟

اعتدلت بتوتر طفيف: مفيش يا بابا، بتكلم مع مكي.

جلس أمامها وابتسم: طب ممكن تقفلي معاه دقيقتين عايزك.

رفعت الهاتف: طب يا حبيبي هقفل دلوقتي، بابا عايزني هكلمك بعدين، سلام.

وضعت الهاتف جانبها ونظرت إليه بتركيز: أتفضل يا بابا.

تنهد وقال بحنان: بصي يا بنتي، إنتِ دلوقتي 25 سنة، كبرتي ما شاء الله واتخرجتي يعني بقيتي قد أي قرار بتاخديه...

تابع بحكمة: أنا عارف إنك زمان كنتي صغيرة وعنيدة ودماغك ناشفة، ولما زعلتي وقفلتي الباب وقلتي مش هرجع، ده كان هيضيع من إيدك راجل بيحبك.

صمت لحظة ثم نظر لها بلين: وأنا فاهم والله إن كان عندك حق، وكنتي خايفة علينا وكان عندك أسبابك، وأنا مقدر ده كويس، بس اللي أقصده يا بنتي إن بعد كده متخافيش، خلي قلبك قوي، أنا وافقت أرجعك لمكي لإنه راجل محترم وكان مظلوم، وعارف إنكم بتحبوا بعض، وهو حاول كتير يرجعلك، فعايزك تتعلمي من كل إللي فات، ومنعدش العند بتاع زمان تاني، اتعودي تسمعي وتفهمي وبعدين تتكلمي، لإن يا بنتي كلمة واحدة منك إنتِ وأختك كانت هتغير كل حاجة.

أومأت بتأييد: عندك حق يا بابا، أنا عارفة إني كنت عنيدة وبقفل وداني، بس والله اتغيرت وكبرت، اللي فات علمني كتير، وبقيت أعرف أواجه وأحل، مش ههرب تاني، متقلقش عليا.

ابتسم وربت على يدها بحب: هو ده اللي كنت عايز أسمعه منك يا قلب بابا، ربنا يسعدك يا حبيبتي

قصر الراوي،12ص

كانت فايزة ترتدي قميص النوم، وتدلك يديها بكريم الترطيب، وعزت يجلس بجانبها علي الفراش ببيجامة أنيقة، بينما حقيبة السفر موضوعة على الأرض بجانبهم.

سألته: يعني أنت موافق إن رشدي يروح مصحة؟

أجابها بهدوء: لازم يا فايزة، وبعدين خلاص، إحنا بقينا حديث الصحافة كل يوم مفرقتش، المهم رشدي يكون كويس.

هزت رأسها بموافقة: خلاص، تمام.

وأثناء حديثهما، صدر صوت وصول رسالة من هاتف عزت الموضوع على الكومودينو.

مد يده وأمسكه، ثم فتح الرسالة، ظهرت أمامه صور لسليم وماسة وحور والعائلة وهم يترجلون من السيارة أمام أحد الأماكن في الاحتفالية.

تأمل عزت الصور، ثم قال بإبتسامة تحمل خيبة أمل: واضح إن سليم صدق ماسة واللعبة انتهت.

نظرت إليه باستغراب: ليه بتقول كده؟

ناولها الهاتف، فتصفحت الصور بتركيز، ثم ابتسمت بسخرية: شيء متوقع، هو هيمان بيها، المهم أنه ميوصلش لأي معلومه يا عزت.

نظر لها وقال بضجر ممزوج بندم: إحنا أصلا غلطنا لما فكرنا نعمل كده.

ردت باعتراض لازع: كان لازم نعمل كده علشان يقتلها، والسر يموت معاها.

قبض وجهه بخزي: صلحنا الغلط بغلط أكبر يا فايزه!

ظل يتصفح الصور واحدة تلو الأخرى، قبل أن يتوقف فجأة عند إحدى الصور لحور، وهي تمسك بيد ماسة وسليم.

قال وهو يدقق النظر بتساؤل: هو حد من إخوات ماسة خلف؟

إجابته وهي تضع الكريم على ساقيها: على حد علمي لا، محدش فيهم متجوز اصلا، اشمعني؟!

أجابها هو يركز النظر في ملامح حور: في بنت صغيرة معاهم، ماسكة في إيد ماسة وسليم.

عقدت بين حاجبيها، فأعطاها الهاتف، أمسكت به، ثم قربت الصورة وركزت في ملامح حور.

ساد الصمت للحظات، قبل أن تقول بدهشة: دي فيها شبه كبير من ماسة وهي صغيرة..

ثم أضافت بتوتر: أنا عارفة شكل ماسة وهي صغيرة، كنت بشوفها لما كنت بروح المزرعة.

انتقل نظرها إلى صورة أخرى لماسة وكان يظهر فيها  حملها ثم توقفت فجأة: استنى...

قربت الصورة أكثر، ثم قالت بصدمه: ماسة حامل؟!

اتسعت عينه وهو يقول: بتقولي إيه؟!

أخذ الهاتف منها، وظل يتأمل الصورة بتركيز، ثم قال بدهشه: بس أزاى؟ سليم مبيخلفش؟!

تبادلا النظرات بصمت، زم عزت شفتيه لحظه: استني 

ثم رفع هاتفه، وأجرى اتصالا، ما إن جاءه الرد حتى قال بلهجة حازمة: عايزك تعرفلي حكاية البنت اللي مع ماسة وسليم دي بأي طريقة، اسأل رجالته دور ورا الموضوع، حتى لو معلومة صغيرة، عايز أعرف البنت دي مين، وإيه علاقتها بيهم تديني معلومة بأسرع وقت ممكن فاهم، وأعرفلي ماسة حامل ولا إيه؟ وكانوا فين وبيعملوا إيه؟! أنا مش عايز صور بس عايز معلومات فاهم. 

أغلق الهاتف ونظر لها بنظرة ذات معنى: يومين والمعلومات كلها هتوصلنا وهنعرف مين دي.

فكر قليلا: تفتكري تكون بنتهم وكانوا مخبينها كل السنين دى، ولا اتبنوها وجابوا بنت شبهم؟ 

أومأت بعدم فهم: مش عارفه!

 بينما صمت عزت للحظة وهو ما زال يحدق في الصورة والسؤال  يدور براسه: في حاجة غلط ومش مظبوطة، ولازم نفهمها.

تبادلا النظرات طويلا بتفكير، وسؤال واحد يدور في ذهنهما، من تلك الطفلة؟ وما سر حمل ماسة؟

مجموعة الراوي،9ص

دخل سليم المجموعة بهيبته المعتادة، وما أن دخل بدأ الجميع في مصافحته والترحيب به، بعد غياب طويل.

إتجه إلى المصعد، وبعدها إلى مكتبه، وما إن فتح الباب حتى توقف للحظة، فقد وجد تيم يجلس في مكانه، بينما كانت منى تجلس على المقعد المقابل للمكتب.

نظر سليم إليه باستغراب، ثم أمال رأسه قليلا، وما إن رآه تيم حتى نهض مسرعا: أنكل سليم، تعالى اتفضل أنا آسف لو قعدت  مكانك.

أشار له بيده، وقال بهدوء: إيه التوتر ده كله؟ خليك زي ما إنت، صباح الخير.

ابتسمت منى وقالت بفخر واضح: شفت تيم شاطر إزاي؟ عزت باشا بنفسه هو اللي قاله: أقعد على مكتب عمك سليم، مش أي حد.

نظر إليها بطرف عينه، يعرف طبعها الوصولي جيدا، ويعرف أنها لا تفوت فرصة تستعرض فيها مكانة أبنائها.

ابتسم ابتسامة جانبية، ثم نظر إلى تيم من جديد، بينما جلست منى تراقبه وكأنها تنتظر منه تعليقا آخر يرضي غرورها المعتاد لكنه لم يفعل.

جلس سليم على المقعد المقابل للمكتب، وقال وهو ينظر إلى تيم: إيه الأخبار؟

أجابه بهدوء: الأمور ماشية تمام يا أنكل، الباشا ظبط حاجات كتير، بس لسة طبعا الأمور مش زي الأول، البورصة مش أحسن حاجة، وعلينا مديونيات والتزامات بعقود.

سأله بعملية: في تفاصيل ورقية بالكلام ده؟

أومأ بتأكيد: أيوه، نور هتتجيبلك تقرير شامل بكل إللي حضرتك عايزه.

هم بالنهوض: أنا هقوم بقى على مكتب بابا حمد لله على سلامتك ماتتاخرش علينا تاني.

تبسم سليم: الله يسلمك.

خرج تيم من المكتب، ثم نهض سليم وأتجه إلى مقعده، وجلس مستندا إلى ظهره، بينما كانت منى تتابعه بصمت.

ظل سليم شاردا للحظات، يفكر في خطته وكل خطوة سيتخذها من الآن فصاعدا.

أما منى، فكانت عيناها تتفحصانه من أعلى إلى أسفل بنظرة تحمل الكثير، قبل أن تقول بنبرة تحمل شيئا من الاهتمام: لسة حزين؟ نفسي أشوف ابتسامتك بتاعة زمان.

عاد من شروده، ونظر إليها باستغراب: بتقولي إيه؟

تبسمت وقالت بنبرة ذات معنى: بقولك نفسي أشوفك بتضحك زي زمان. 

ابتسم ابتسامة خافتة بلا فرح، وقال بسخط: إنتي شايفة يعني إن فيه حاجة مفرحة علشان أضحك؟ في اللي إحنا في ده؟

أومأت برأسها، وكأنها تتحدث عن الماضي، بينما كانت كلماتها تحمل معنى آخر: ماهو مافيش حاجة بس على الأقل لو كان معاك زوجة بتحبك وواقفة جنبك، كانت هتصبرك على كل إللي بيحصل ده، إنما إنت! شوف اخترت مين؟ واحدة خاينة، واحدة ماعرفتش تقف وسط العيلة وتشتريك.

تغيرت ملامحه قليلا، وقال بحزم: بلاش الكلام ده يا منى.

رفعت أحد حاجبيها باستغراب: هو أنا اللي بقوله غلط؟

سكتت لحظة، ثم مالت برأسها قليلا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ذات معنى، قبل أن تضيف بنبرة تحمل تلميحا واضحا: شوفت بقى لو كنت سمعت كلامي زمان، وبقيت مع واحدة تستاهلك، كان زمانك دلوقتي إمبراطور كبير، ماحدش يقدر عليك.

ظل  ينظر إليها للحظات، وكأنه يزن كلماتها على مهل كانت تلك هي الفرصة التي انتظرها؛ فقد ألقت بنفسها الخيط الذي يستطيع أن يمسكها به، لكنه لم يكن مستعدا للتحرك قبل أن يتأكد تمامًا من نواياها.

قال بهدوء وهو يتنهد بمرارة مصتنعة: الماضي انتهى يا منى، والماضي مابيرجعش.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة ذات معنى قالت: مين قالك كده؟ الماضي بيرجع، لو إحنا عايزينه يرجع.

توقفت عيناه عليها للحظة كانت تلك الجملة وحدها كافية لتؤكد له أن خطته يمكن أن تنجح.

وقبل أن يقول شيئا، فتح باب المكتب، ودخلت نور وهي تحمل ملفا: حمد لله على السلامة يا فندم جهزتلك التقارير إللي مستمر تيم قالي عليها.

اقتربت منه ومدت إليه الملف قال وهو يأخذ منها: شكرا يا نور اتفضلي، وبلغي كل المديرين إن عندنا اجتماع الساعة...
نظر في ساعته ثم قال: الساعة حداشر وبلغي فريدة وياسين.

أومأت بإحترام: أمرك يا فندم. 

خرجت نور، فعادت منى بنظرها إلى سليم وقالت:
أنا متأكدة إنك هتفرح أوي بتيم.

هز رأسه وهو ينظر لها بعينه: أكيد يا منى.

نهضت واتجهت إلى الباب: طيب، أنا همشي بقى بس كلامنا ماخلصش.

رفع عينيه إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة ذات معنى: ده أكيد.

خرجت وأغلقت الباب خلفها، وما إن اختفت من أمام عينيه، حتى أسند سليم ظهره إلى المقعد من جديد، وظهرت على شفتيه ابتسامة مختلفة تماما.

ابتسامة رجل أدرك أخيرا أن الخطة التي ظل ينتظرها طويلا بدأت تأخذ طريقها الصحيح.

لقد أعطته منى بنفسها خيط، والآن، سيبدأ الانتقام الحقيقي.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل

الفيلا التي يقطن بها مصطفى10ص

كانت آلاء تجلس في الصالون، يبدو عليها الضيق، فمصطفى لم يأتي منذ ليلة أمس، ولم يطلقها كما اتفقا.

نظرت لها أنهار التي كانت تجلس أمامها وقالت بضجر: والله ما أنا عارفة إنتي عاملة في نفسك كده ليه؟! انتي نكدية يا شيخة، يارب يطلقك عشان يخلص من نكدك ده. 

لم ترد عليها، ظلت تنظر أمامها، في تلك اللحظة دفع الباب الخارجي ودخل مصطفى قائلا: السلام عليكم. 

أنهار بترحيب: وعليكم السلام يا ابني، حمدالله على سلامتك. 

قال وهو ينظر في ساعته: الله يسلمكم، صاحيين بدري ليه، الساعة 10. 

وقفت آلاء وقالت بحدة: هو إنت إمبارح ماجيتش ليه زي ماتفقنا؟ 

نظر بعينه لأعلى منزعجا من طريقتها ثم نظر لها 
أجابها بلا مبالاة: زي ما إنتي شايفة لسه جاي، كان عندي شغل مهم.

ردت بعند: خلاص إحنا على ميعادنا النهاردة؟ 

أطالعها بنظرة ضجر من أعلى لأسفل، لم يعقب فقط استدار نحو الدرج وصعد في صمت، وكأن الجدال معها عبء يفوق طاقته

ضربت أنهار كفا على كف: والله تستاهلي النظرة اللي بصهالك، أنا ماكنتش أعرف إنك نكدية كده! 

هتفت آلاء بدموع: أنا مش نكدية يا ماما، أنا عندي كرامة، أنا مش هاعيش مع واحد مش عايزني حتى لو بحبه، الحاجة الوحيدة اللي بملكها هي كرامتي. 

نظرت لها إنهار طويلا ثم شاحت بوجهها في إتجاه آخر دون رد.

مستشفى شمس الحياة،1م
كانت رشدي محتجز في غرفة عزل، جدرانها وأرضيتها مكسوة بالفوم، وزجاجها سميك ومقاوم للكسر، لا يوجد بها سوى فراش من الفوم مثبت في الأرض، خالية من أي شيء قد يستخدمه المريض لإيذاء نفسه.

كان رشدي نائما، وجهه شاحب، وأنفاسه ثقيلة إلى جانبه جهاز مونيتور يرصد نبضات قلبه غير المنتظمة، ومحاليل عديدة معلقة في وريده، وقناع أكسجين يغطي أنفه، كان في سبات عميق بفعل الأدوية والمهدئات.

فجأة، بدأ تتحرك عينه، ويتمتم بكلمات غير مفهومة، ثم فتح عينيه فزعا، وجلس فجأه ينظر حوله بفزع، ثم بدا يحاول نزع المحاليل والأسلاك عن جسده بأنفاس متسارعه.

دخل الطبيب ومعه أثنان من التمريض الرجال سريعا وحاولوا تثبيته.

الطبيب: أهدى يا رشدي بيه! إنت في المستشفى!

رشدي بصراخ مبحوح وهذيان: خرجوني من هنا! أنا كويس! عايز أخرج!

الطبيب وهو يثبته على فراش مع أحد الممرضين: حضرتك مش كويس خالص، السم لسه في دمك، إنت جاي بجرعة كبيرة أوي كانت هتموتك، وعندك تسمم حاد!

رشدي وهو يقاومهم: إنتو حابسني ليه؟! فاكرني مجنون؟! أنا مش مجنون!

كان يهذي ولا يدرك أين هو، تلك هي أعراض الانسحاب والهذيان بعد الجرعة الزائدة.

الطبيب بمهاودة: طب اهدى وأنا هشيلك كل الحاجات دي، عشان متجرحش نفسك.

رشدي: يلا بسرعه.

أشارت الطبيب للممرضة بعينه، فاقتربت من الخلف بهدوء، ثم حقنته بمهدئ عضلي في كتفه.

رشدي بتلعثم ونظرات تائهة: يا... يا جبنا... بتغدوروا بيا... أنا هوريكم ..هم تك أنا رشد....

لم تمر ثوانٍ حتى بدأ جسده يرتخي، وعادت أنفاسه ثقيلة، ثم غاب في النوم مرة أخرى قام أحد الممرضين بعدل جسده على فراش.

بينما تنهد الطبيب وعدل له المحاليل.

الطبيب للممرض: أول ما المحلول ده يخلص بلغني ولازم حد من أهله ييجي، مينفعش يفضل كده لوحده.

كل ذلك حدث، دون أن يلاحظ أحد أنها هناك، تقف في إحدى زوايا الممر، بعيدا عن الأعين، تراقب مايحدث في صمت مثقل بالحزن، (( مي)) رغم أنها من طلبت الطلاق، وأنها من أقسمت أنها تشمئز منه ولا تريد رؤيته مرة أخرى بعدما عرفت حقيقته العفنة، إلا أنها جاءت.

توقفت على جانب، تشاهد صراخه وهياجه ثم سقوطه نائما، لا تعرف لماذا شعرت بذلك الضيق والحزن من أجله لكنها شعرت..
وعندما تأكدت أنه غاب في النوم تماما، تحركت ببطء، حتى وقفت أمام الزجاج من الخارج، تتأمله من أعلى لأسفل، وهو نائم، هزيل، ومعلق بالمحاليل، رمشت بعينيها بقوة، وكأنها تجبر قلبها ألا يضعف، وعينيها ألا تبكيا

انتبه لها الطبيب من خلف الزجاج، رمقها متعجبا، ثم قال شيئا للممرضة وخرج إلى الخارج واقترب منها.

اعتدلت هي في وقفتها.

الطبيب برسمية: مساء الخير.

مي بابتسامة مقضتبة: مساء النور، لو سمحت ممكن أعرف حالته؟

سالها: حضرتك مين؟

ابتلعت ريقها: صديقة.

أومأ وهو يجيب بعملية: هو الحمد لله في تحسن، بس بسبب نسبة المخدر الكبيرة إللي كان واخدها، محتاج يفضل على المحاليل وياخد كورس أدوية معين لمدة 48 ساعة.

تساءلت بقلق: يعني مفيش خطر على حياته؟

مد وجهه موضحا: الخطر المباشر لأ، بس للأسف هو عنيف جدا وعصبي، وده مش مساعدنا.

تساءلت باهتمام: طب ولو فضل كده إيه اللي هيحصل؟

أجابها: ممكن ينتكس، وممكن يحصل مشاكل في بعض الأجهزة الحيوية.

زمت شفتيها بأسف: طب وبالنسبة للحادثة؟

أومأ بنفي: عملنا أشعة والحمد لله مأثرتش عليه، هي بس شوية كدمات والتواءات، بس هو من الغضب  والمسكنات مش حاسس بيهم.

هزت رأسها بتفهم: تمام، شكرا يا دكتور.

انصرف الطبيب، بينما بقيت هي أمام الزجاج، تنظر إليه بحزن وخذلان وضيق.

تمتمت لنفسها بصوت خافت لم يسمعه أحد: مش عارفة إيه اللي يخليك توصل للي إنت فيه ده؟! كسبت إيه من اللي عملته غير إنك فضلت لوحدك؟ كل اللي عملته إنك زرعت كراهية ونفور في قلوب كل الناس اللي حواليك، حتى الرحمة محدش هيحب يديهالك... 

زمت شفتيها بحسرة: يا خسارة.

قالت كلماتها تلك ثم تحركت إلى الخارج.
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.

قصر الراوي،3م

دخل سليم من بوابة القصر، فتصادف بفايزة أمامه، نظرت له بنظرة يملؤها الاستغراب: بقيت بتيجي كتير أوي، في حاجة؟ 

توقف وخلع نظارته ببطء، ثم رمقها بنظرة باردة:
عندك مشكلة؟ 

ابتسمت بإصفرار: لا أبدا، هو ده اللي أنا كنت عايزاه طول عمري..

كاد أن يتحرك، لكنها أوقفته قائلة: على فكرة الباشا سافر...

تراجعت خطوة إلى الوراء ووقفت أمامه، ثم تابعت برجاء: أرجوك لو في حاجة بتعملها قولها، أنا متأكدة إنك ماعملتش أي حاجة تساعد المجموعة ترجع تاني، حتى العيل الصغير هيفهم ده، ليه بتعمل كدة؟ 

نظر لها بابتسامة تحمل استفزازا أكثر، ثم قال: خليكي فاكرة كده، والإجابة هتفضل أنا عملت كتير. 

تنهدت بإختناق من عنده، ثم قالت: عموما أنا هروح أشوف رشدي، ولو الدكتور سمح إننا ننقله المصحة هبلغك.

أومأ بإيجاب، ثم تحرك للداخل، فصادف أحد الخدم فقال لها: قولي لطه إني مستنيه في الصالون. 

بينما ظلت فايزة تنظر إليه باختناق من عنده، ثم تحركت نحو سيارتها التي كانت متوقفة أمام الباب، فتح لها الحارس الباب، فدخلت وانطلقت.

في الصالون.

جلس سليم في إنتظار طه، وبعد دقائق، فُتح الباب ودخل طه، وما إن وقعت عيناه على سليم حتى ارتسم الاستغراب على ملامحه.

قال بتوتر: خير يا سليم؟ في إيه؟ قلقتني.

نهض سليم من مكانه، وإتجه نحوه، ثم قال بصوت خافت: المهم... متكونش قلت لحد إني هنا.

نظر إليه باستغراب: ماقولتش.

سأله بشك: متأكد إنك ماقولتش؟ المرة دي مافيهاش كذب حاول مرة ماتبقاش كذاب يا طه.

رفع يده، وقال بصدق ممزوج بضيق: والله العظيم ماقلت، أصلا منى بتاخد شاور لما إنت كلمتني.

أومأ سليم برأسه: تمام.

ساد الصمت للحظات، تحرك سليم قليلا وهو يعطي ظهره لطه، بينما الأخير أخذ يراقب تحركاته بصمتٍ مستغرب، ثم استدار سليم وسأله بمغزى: قولي يا طه.. هل في زوجة في الدنيا تستاهل إن الأخ يتفق على قتل أخوه؟

فور سماعه تلك الكلمات، شعر طه بغصة خوف زرعت بقلبه، وقشعريرة سرت في جسده، قبل أن تتسع عيناه ويرمش أكثر من مرة، ثم قال بتلعثم: إيه اللي إنت بتقوله ده.

تقدم سليم خطوة ثبت عينيه عليه، وقال بمرارة: بقول إيه؟ بقول الحقيقة يا طه، بقول إن أخويا كبير قعد مع إخواتي الصغيرين، ومع أمي ومراته، واتفقوا على قتل مراتي الحامل.

اتسعت عينا طه حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وقال بصوت خرج بصعوبة: إنت عرفت؟

ارتسمت على شفتي سليم نصف ابتسامة باردة:
أيوه... عرفت.

هز طه رأسه بسرعة، وكأنه يحاول أن يبرئ نفسه قبل أن يتهم: أنا ماكنتش أعرف حاجة، أنا ماعرفش أي حاجة، صدقني ماعرفتش غير بعدها.

ساد الصمت بينهما للحظات، بينما كان كل منهما يحدق في الآخر؛ سليم بعينين تحملان عتابا وأسئلة كثيرة، وطه بعينين خجلتين يثقلهما الحزن.

تحرك طه خطوة إلى الأمام، وعيناه قد اغرورقتا بالدموع قال بتفسير: أنا ماكنتش عارف، والله ماكنت عارف، هما اقترحوا الفكرة، وأنا وقتها اعترضت، والله العظيم اعترضت، وعملت مشكلة معاهم كلهم..

توقف لحظة، ثم تابع بصوت متهدج بتوضيح: لما رشدي اقترح فكرة قتل ماسة، أنا اعترضت، وهما ضحكوا عليا بعدها، وقالوا لي إنهم خلاص مش هيعملوا كده، وإنهم خايفين منك، والهانم أكدت لي الكلام ده بنفسها..

بدأت دموع تهبط على وجهه، فمسحها سريعا، استرسل: وأنا صدقتهم، وافتكرت إن الموضوع اتقفل على كده، وبعد ما الحادثة حصلت، عملت معاهم مشكلة كبيرة، قولتلهم إن أنا هتكلم، الأذى طال سليم كمان، ساعتها رشدي هددني بعيالي وأنا خفت عليهم..

خفض عينيه، وقال بألم: سكت علشان خفت على عيالي..

أبتلع ريقه، ومسح فمه بظهر يده، ثم اقترب منه خطوة حتى توقف أمامه مباشرة، أضاف بصوت خافت، وكأنه يذكره بشيء كان كلاهما يعرفه جيدا:
لو تفتكر، بعد ما إنت فقت من الغيبوبة ورجعت القصر، حاولت أقولك، بس كنت كل ما أفتكر تهديد رشدي، أسكت.

نظر إليه سليم طويلا، ثم سأله بمرارة: ماكنتش بصعب عليك وأنا عامل زي المجنون بدور؟

رفع عينيه إليه، وقال فورا بنبرة مهتزة تعصف بها مشاعر العجز والخوف: كنت بتصعب عليا، والله العظيم كنت بتصعب عليا، بس حط نفسك مكاني، إنت لو عندك عيال واتهددت بيهم، كنت هتفهم يعني إيه حد يهددك بضناك.

أومأ برأسه، وعيناه تلمعان بدموع تأبى الهبوط، ثم قال بصوت خافت:ما أنا كان هيبقى عندي، بس إنت عارف هما عملوا فيها إيه؟! وبسبب الحادثه دي اتحرمت من الخلفه سنين.

نظر إليه بخجل، ثم أخفض رأسه، عاجزا عن الرد عليه.

بينما أخذ سليم نفسا عميقا، وأومأ برأسه بإيجاز، كأنه يحاول أن يبتلع ما عجز عن قوله: عموما، يا طه أنا مصدق إنك ماشتركتش معاهم، وإنهم عملوا كده من وراك، وإنهم هددوك...

ثم تقدم خطوة حتى وقف أمامه مباشرة، وثبت عينيه على وجهه، ثم سأله بصوت هادئ يحمل خلفه الكثير من العتاب أضاف: بس عندي سؤال؟! كملت مع منى ليه؟ مش دي اللي اشتركت في قتل أخوك ومراته؟ وهي اللي ضحكت عليك وقالتلك إن الموضوع اتقفل! ليه بعد ما عرفت إنها اشتركت معاهم، ما طلقتهاش؟ ليه ماسبتهاش؟

نظر طه إليه للحظات، ثم طأطأ برأسه إلى الأرض، عاجزا عن الإجابة.

أكمل بهدوء قاسٍ وهو يمد وجهه باسى٦: ماعندكش إجابة طبعا..

سكت للحظة، ثم ضيق عينيه، استرسل بنبرة ذات معنى: بس أنا عايز أقولك حاجة ياطه، الست إللي زي منى دي، ماتستاهلش أي حاجة من اللي إنت عملتها عشانها، وأوعى تكون فاكر إن منى بتحبك! 
منى مابتحبش غير الفلوس، واسم العيلة وبس..

رفع طه رأسه ونظر إليه غير مقتنع، فتابع سليم بفحيح شيطاني: إنت تعرف إن منى كانت بتحبني زمان؟  كانت عايزة تتجوزني، وحاولت معايا، وأنا رفض.

اتسعت عينا طه بصدمه بتقول إيه؟!

أومأ برأسه مؤكدا، بابتسام باردة، قبل أن يتابع بنبرة هادئة، خبيثة، يتسلل من بين كلماتها شيء أشبه بفحيح أفعى سامة: حتى بعد الجواز، حاولت معايا مرة، وأنا طردتها وضربتها بالقلم ومشيتها، وعدت سنين كتير، لدرجة إني نسيت الموضوع، وكنت فاكر إنها هي كمان نسيته، بس...

توقف قليلا، متعمدا أن يترك كلماته تستقر داخل طه، 
ثم اقترب منه نصف خطوة، ابتسم ابتسامة جانبية شيطانيه، تابع بنبرة أكثر إيحاءا: بس اتضح... إنها مانسيتش.

تطايرت الشرارات من عيني طه، أمسك سليم من كتفه بعنف، وصاح به مذهولا غاضبا: إنت... إنت كداب.

هز سليم رأسه بابتسامة جانبيه بارد كثلج وهو ينزل يده قال: لا، أنا مش كداب، وإنت عارف إن سليم مابيكدبش، هي حاولت معايا، وأنا وقفتها عند حدها، بس النهاردة عرفت إن منى مانسيتش.

مد وجهه قليلا وهو يواصل: وتقريبا عندها خطة في دماغها إيه هي؟ ماعرفش! لكن أنا متأكد يا طه، زي ما أنا متأكد إني شايفك قصادي دلوقتي، إني لو عرضت على منى إننا نكون مع بعض! هتوافق..

اشتدت نبرته وهو يضيف بإبتسامة مستفزة: وهتوافق أوي كمان.

صاح به بعينين مشتعلتين قال بانفعال: إنت بتقول إيه يا سليم؟! أنا عارف إنك زعلان ومتعصب، وليك حق، بس مش للدرجة دي! مش للدرجة إنك تشك في سلوك وشرف مراتي!

رد بثقه غريب وهو يضع عينه داخل عينا: أنا هوريك، هوريك بعينك مراتك اللي بعت أخوك عشانها، هتبيعك إزاي.

هز طه رأسه، رافضا تصديقه: أنا مش مصدقك، ومش هصدقك يا سليم، أنا عارف إن منى فيها عيوب كتير، بس دي لا.

سليم بهدوء: خلينا نشوف، أنا هروح دلوقتي اكلمها إنت اسمع وشوف...

قال كلماته وخرج من الصالون، ظل طه متوقفا مكانه للحظة، محاولا استيعاب ما سمعه، كان متأكدا أن منى، مهما كانت عيوبها، مستحيل تخونه.

ثم تحرك خلف سليم، حتى صعدا إلى الدور الثاني.
توقف سليم بالممر، ثم ألتفت إليه: خليك هنا أنا هروح أسأل عليك، وهتكلم معاها... وإنت تقف تسمع تمام؟

نظر إليه طه بضيق، وقال: أنا مش هسامحك على إللي إنت قولته ده وتخليك تدخل تجرب عشان تخسر راهنك.

ابتسم سليم بسخرية خفيفة ممزوجة بمرارة: والله أنا مش عارف إيه البجاحة دي! هو مين اللي المفروض يسامح مين؟

قال كلمتها تلك، ثم اتجه إلى غرفة طه وطرق على الباب بينما اختبئ طه خلف عمود.

جاءه صوت منى من الداخل: اتفضل.

فتح سليم الباب ودخل، كانت منى تجلس أمام التسريحة، ترتدي بيجامة منزلية من الستان، وقد انعكست ملامحها في المرآة، بينما كان شعرها مبللا.
نظرت إليه عبر المرآة بابتسامة، ثم استدارت نحوه: سليم... تعالى.

تحرك بضع خطوات، ثم سألها: طه فين؟ كنت عايزه؟

تساءلت بهدوء: في حاجة؟

رد: يعني... حاجات تخص الشغل.

ردت بهدوء: هو قال لي نازل الجنينة، بس هييجي دلوقتي.

أخرج نفسا عميقا، ومسح على شعره متصنعا الاختناق: طيب ماشي، أنا هروح أشوفه.

تبسمت: طب ماتقعد تستناه هنا، مش هيتأخر.

أخرج نفسا عميقا مرة أخرى اومأ بالموافقة، ثم جلس على المقعد.

ساد الصمت لثوان، بينما استدارت منى وأكملت تصفيف شعرها.

كان طه يقف خلف الباب، يستمع لكل شيء، بينما جلس سليم متصنعا الهموم والاختناق.

نظرت منى إليه عبر المرآة، مرت ثواني الصمت يعم المكان، ثم وضعت الفرشاة جانبا، ونهضت لتجلس بجواره سألته باهتمام: إيه بقى؟ هتفضل مكتئب كده كتير؟

نظر إليها سليم بابتسامة: في إيه يا منى؟ مالك مركزة معايا الفترة دي ليه؟ من إمتى الاهتمام ده؟

ردت بنبرة  ذات معنى: أنا طول عمري مركزة معاك.

نظر لها بطرف عينه يحاول استدراجها: حاسس إن المرة دي زيادة أوي..

أجابته بتوضيح: ولا زيادة ولا حاجة، إنت بس اللي مش واخد بالك مني زي زمان،لما حد بيسالك مالك تقول ملكش دعوه، مش مطلوب ابرر..

صمتت للحظة، ثم تساءلت بفضول: عملت إيه مع ماسة؟ ماقتلتهاش ليه؟

تنهد، وعاد بظهره إلى الخلف، وأخذ ينظر أمامه، متعمدا إظهار الحزن والوجع: عشان هي مصرة إنها ماعملتش حاجة، وإن حد خطفها، وأنا فعلا دورت ووصلت للخيط، بس ده برضوا ماغيرش أي حاجة...

توقف لحظة، ثم قال بصوت مثقل بالحزن: عارفة إيه أكتر حاجة وجعاني؟ إنها وقفت قصادي، وقالتلي: أنا مابحبكش وبكرهك، بعد كل الحب اللي حبتهولها ده، وبعد كل اللي عملته علشانها حبتوغيري..

نظر إليها، وكأنه وجد الجملة التي ستفتح له الباب الذي يريده، ثم قال بصوت بقهر مصتنع: المشكلة إن في عز ما أنا محتاج ليها، ومحتاج لحد يحتويني ويخفف عني كل اللي بيحصل ده، هي بتتشفى فيا..

زفر بوجع يعصف بها بعينين تلمع بدموع تماسيح: أنا مخنوق أوي، ومش لاقي حد أتكلم معاه، تقريبا إنتِ الوحيدة اللي كل شوية تسأليني: مالك؟ هنفضل مكتئبين؟ كل اللي يوشفني بيسألني: وصلت لإيه؟ عملت إيه؟ وصلت لإيه؟ عملت إيه؟ بس كاني إله.

عبست بحزن، ثم أمسكت يده ومسحت عليها باهتمام: أنا معاك يا سليم، أحكيلي أنا قولتهالك وهفضل أقولهالك، ماسة مش هي الست اللي كان ينفع تتجوزها، مش عشان فقرها! لكن عشان مش زينا، لو كنت اتجوزتني زمان، كان زماننا أنا وإنت ملوك العالم ماحدش قدر عليك ووقفت جنبك قصاد العيلة. 

ابتسم ابتسامة خافتة، وكأنه أدرك أخيرا أنها بدأت تخطو بقدميها نحو الفخ الذي نصبه لها، ثم قال بنبرة هادئة: الظاهر يا منى كان عندك حق.

لم تتوقع رده، فسألته بدهشة: عندي حق إزاي؟

نظر  لها وهو يرسم الندم قال كثعبان: أنا فعلا كان لازم أتجوز واحدة زيك، واحدة تقدر تتحمل أي ضغط، مش تبعني في أول محطة، بس خلاص بقى بعد إيه؟

رفعت عينيها نحوه بابتسامة: على فكرة، إحنا لسه فيها.

ابتسم ابتسامة مصطنعة، وقال وكأنه يسأل بدافع الفضول: عندك عروسة ولا إيه؟

ابتسمت، ونظرت إليه نظرة ذات معنى، ثم قالت بثقة: والله العروسة موجودة، بس فيه مشكلة.

رفع حاجبه، متصنعا عدم الفهم، فيريدها أن تقولها بنفسها: مين بقى العروسة؟ وإيه المشكلة؟

نظرت إليه بثبات، ثم قالت دون تردد: أنا العروسة.

تجمد للحظة، متصنعا الاندهاش، ثم قال: إنتي؟

أومأت بابتسامة واثقة: أممم.

كان طه يستمع إلى حديثهما مذهولا، والغضب يتصاعد داخله حتى بدأ جسده يرتجف.

أومأ سليم، ثم سألها وكأنه يريد أن يدفعها للاعتراف بكل ما يدور في رأسها: ده إزاي يعني؟ وطه ده هنعمل فيه إيه؟

ضحكت باستخفاف، وقالت وكأن الأمر لا يعني لها شيئا: أبقى حرم المرحوم.

رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة: حرم المرحوم؟! إنتِ عايزاني أقتل أخويا؟! اتجننتي يا منى؟

أومأت بلا مبالاة، وكأنها وجدت الحل الأبسط: خلاص، بلاش أبقى حرم المرحوم. هتطلق عادي ونتجوز.

ثم مالت نحوه قليلا وقالت بثقة: هو إنت عايز تفهمني إنك لو وقفت قصاد الكل وقلت ليهم: هتجوز منى، حد يقدر يعترض؟! إنت مش عارف قيمة نفسك ولا إيه يا سليم؟

ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة، وأضافت: وطه؟ مجرد ما تثغّر له الثغرة؟! يعملها على روحه زي العيال الصغيرة.. مش بيفتح بقه..

نظر إليها طويلا، ثم قال وهو يمد وجهه بفحيح: ماتوقعتش يا منى إنك لسه بتفكري فيا بعد كل السنين دي! أولادك خلاص بقوا في الجامعة..

ابتسمت بسخرية ممزوجة بالوصولية: لازم أفكر، أفكر في الراجل إللي بجد، مش في الهلهولة اللي أنا متجوزاه.

لم يحتمل طه أكثر من ذلك، كانت النيران قد اشتعلت في داخله، وفجأة اندفع إلى داخل كالبركان، وصوته يسبق خطواته: هو مين ده إللي هتتجوزيه؟ ومين إللي عايزة تقتليه؟! يا مجرمة... يا منحطة!

تجمدت منى في مكانها، وما إن التفتت إليه حتى اندفع طه نحوها كالثور الهائج، وأمسك بذراعها، ثم انهال عليها بعدة صفعات متتالية بقسوة، وكأنه فقد السيطرة على غضبه تماما وكأن هذا طه آخر تماما لم نعرفه من قبل..

الرجل الذي ظل سنوات يتنازل ويصمت ويبرر لها كل شيء، يقف أمامها الآن بعينين مشتعلتين، بوجه لم ترى من قبل، رجلا قد طُعنت كرامته في أكثر نقطة تؤلمه.

راح يصرخ فيها، وكل كلمة تخرج منه محملة بسنوات من القهر والغضب وهو يصفعها: بعد كل إللي عملته عشانك؟! بعد كل الحب اللي حبيتهولك؟! تعملي فيا كده يا قذرة؟! يا واطية.

صفعها مرة أخرى وهو يتابع بصراخ، وقد بلغ غضبه ذروته: تعملي فيا كده يا قذرة؟! عايزة تتجوزي أخويا وتقتليني؟.

حاولت منى الإفلات منه وهي تصرخ: سيبني يا طه! أوعى!

لكنه لم يتركها  ينهال عليها بالصفعات بلا رحمه، حتى نزفت شفتاها، صاح بغضب حتى برزت عروقه: أوعى! ده أنا هقتلك وأخلص منك.

أما سليم، فظل واقفا في مكانه يراقب المشهد بهدوء غريب، وارتسمت على شفتيه ابتسامة نصر، لقد حصل أخيرا على انتقامه الذي جاء من أجله.

سليم بهدوء، وهو يضع يده في جيبه بشماتة: شفت؟ صدقتني؟ هي دي منى اللي بعت أخوك عشانها خاينه 

التفت طه إليه، وأنفاسه متلاحقة، بينما أكمل سليم:  منى طول عمرها كده، مستعدة تبيعك وتقتلك عشان توصل للي هي عايزاه.

ضيقت منى عينيها تحاول أن تستوعب الفخ الذي صنع لها، بينما، نظر طه إليها، وعيناه ممتلئتان بالصدمة والغضب والوجع قال معاتبا: ليه عملتي كده؟! أنا كنت بحبك! عملت كل حاجة عشانك، أديتك كل حاجة! كنت مستعد أموت عشان تبقي مبسوطة، وفي الآخر تطلعي عايزة تقتليني عشان تتجوزي أخويا؟!

ثم صاح بغضب: يا واطية! يا سافلة..

صفعها بقوة، فترنحت من شدة الصفعة وسقطت على الأرض.

صرخت منى في وجه طه ببجاحة: أيوة ! أنا بكرهك! وعمري ماحبيتك!

تراجع طه خطوة، وكأن كلماتها كانت أقسى من كل ما سمعه قبلها.

تابعت بإنفعال يكشف حقيقتها الشيطانية: كنت متجوزاك عشان فلوسك، فلوسك وبس! إنت أصلا عمرك ما مليت عيني! ولا عمرك حسستني إنك الراجل اللي أقدر اعتمد عليه! ده إبنك الصغير أرجل منك.

صاح بوجهها والجنون يملأ عينيه وهو يصفعها: أنا مش راجل يا حقيرة، علشان كنت بحبك وعايز رضاكي يا سافلة! أبقى مش راجل؟! أنا بقى هوريكي إني راجل، هقتلك.. هقتلك وأخلص منك!

ثم أنقض عليها يخنقها بكلتا يديه، وعروق رقبته تكاد تنفجر  وعينيه محمرتين من الغضب، وهو يهتف باسمها: هقتلك يا منى.. هقتلك!

اتسعت عيناها، وراحت تقاومه بيدين مرتجفتين، تحاول دفعه، لكن جسدها كان يخونها ويضعف شيئا فشيئا

بينما وقف سليم متجمدا للحظات، يراقب المشهد من بعيد، وكأنه يتذوق أخيرا طعم انتقامه يتلذذ، وهو يشاهد تلك العلاقة الدنسة التي كلفته الكثير وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.

لكن حين أدرك أن الأمر تجاوز التهديد وأنها على وشك مفارقة الحياة! لم يشعر بنفسه إلا وهو يندفع، ويجذب طه بقوة إلى الخلف، صارخا: أوعى يا طه! ما تستاهلش تقتلها وتوسخ إيدك بدمها!

صرخ طه وهو يخنقها: سيبني يا سليم! دي خاينة وتستاهل الموت!

شد سليم قبضته أكثر وقال: الموت راحة ليها واللي زي دي ماتموتش موتة نظيفة، اللي زي دي تترمي في الشارع.

تمكن سليم من سحبه، فسقطت هي أرضا، تلتقط أنفاسها بصعوبة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة.

صرخ طه وهو لا يزال يريد الوصول إليها وسليم واقف أمامه بمنع: سيبني أقتلها يا سليم!

سليم بعقلانية: تقتلها؟ وبعدين؟ هتقول لولادك إيه؟ مامتهم اتقتلت ليه؟

تابع بهدوء وهو يركز النظر في عينه يحاول إقناعة: مش هينفع، مش علشانها، علشان ولادك، وبعدين الموت راحة ليها، مش هو ده إللي هيحرق منى.

اقترب أكثر منه، بفحيح شيطاني: اللي يحرق منى بجد إنك ترجعها شحاتة تاني، تخرجها بالبيجامة اللي عليها دي لأهلها وترجع تاني تقول سيدي طه، بس طبعا قبل ماخرج من القصر، تمضي على تنازل عن كل حاجة، وبعدها تروح ترميهالهم وتقولهم بنتكم خاينة، ساعتها تبقى حرقتها بجد، لكن الموت راحة ليها وللي زيها.

سكت طه للحظة، وكأنه يفكر في حديث سليم.، ظل سليم ينظر إليه بعينين ثابتتين، كأنه يريد إقناعه بتلك الفكرة، فمقتل منى الآن ليس مايرضيه، وهذا كان غريبا.

كان صدر طه يعلو ويهبط بشدة، وعيناه مشتعلتين بغضب جارف، وهو يجز على أسنانه، بينما ظل سليم واقفا أمامه يحاول أن يقرأ مدى تأثير حديثه عليه.

تابع سليم بنبرة هادئة لكنها حاسمة:صدقني يا طه هو ده الحل الصح..

ثم نظر إلى منى وأشار إليها بيده باحتقار: الخاينين إللي زيها الموت رحمة ليهم.

نظر طه إليها نظرة مطولة، نظرة مليئة بالاشمئزاز والقرف، ثم هز رأسه موافقا، وهو يمسح يده في بنطلونه كأنه يمسح شيئا مقززا علق به، ثم قال ببرود رعبها أكثر من الخنق نفسه: عندك حق يا سليم أنا مش هوسخ إيدي في واحدة زي دي..

أضاف وهو يتحرك ويعطييها ظهره: أعمل فيها اللي إنت عايزه أهي عندك..

ثم أكمل بضجر: واحدة باعت جوزها وعايزة تقتله علشان أخوه،  دي تنداس بالجزم، ما تتقتلش.

كانت تلك الجملة بنسبة لها كالصفعة أقسى من كل الضرب.

ابتسم سليم، فقد كان هذا بالضبط ما يريده، ثم حول نظره إليها، وهو يمرر أصابعه أسفل ذقنه ببطء، يفكر، وعيناه تلتمعان بخبث، وقال بنبرة باردة مرعبه:
تفتكري هعمل فيكي إيه؟!

رفعت رأسها بصعوبة، ومسحت الدم عن شفتها بظهر يدها، ورغم ضعفها حاولت أن ترسم على وجهها القوة، وقالت بضعف مصطنع: إنت مفكرني زي مراتك وأهلها؟ لا يا حبيبي، أنا لحمي مر، ومر أوي يا سليم أنا منى رفيق الحسيني فاهم.

ضحك سليم ضحكة ساخرة، وفجأة تنقلب ملامحه  إلى قسوة مخيفة، واشتعلت عيناه بنظرة مرعبة، وبدون أي إنذار، هوى عليها بصفعة عنيفة أسقطتها أرضا من جديد، فارتطم جسدها بالأرض، ومال رأسها بقوة من أثر الضربة، بينما سال الدم من جانب فمها، وبقيت للحظات عاجزة عن استيعاب ما حدث.

انحنى فوقها وأمسكها من شعرها بقسوة، وقال بصوت منخفض مرعب لكنه بارد كالثلج: اسم مراتي مايجيش على لسانك الوسخ ده.. فاهمة؟ 

ضحك بسخرية، وهو ينظر إليها من أعلى لأسفل نظرة مليئة بالتقليل والاحتقار، كأنها شيء عفن مقزز لا يستحق حتى أن يلمسه، ثم قال: وبعدين إنتي كنتي فاكرة إيه؟ فاكرة إني ممكن أبصلك؟

خرجت منه ابتسامة ساخرة صغيرة وهو يتابع:
من أول ماشوفتك زمان وأنا عارف إنك ست رخيصة، وقولتله بس هو ماصدقنيش، حبه كان عنيه،  إنتِ عمرك ما مليتي عيني، أنا مش شايفك أصلا،  إنتي غبية أوي يا منى.. فاكرة نفسك ذكية وإنتي غبية.

صرخت فيه وهي تبكي بغيظ: هقتلك يا سليم وهندمك.. مابقاش أنا منى!

ضحك ضحكة عالية أكثر مستفزة، يملؤها السخرية والثقة:مش هتعرفي تعملي حاجة، وبابي اللي إنتِ بتتكلمي عنه ده،  بيجي قصادي وبيقول لي سيدي سليم بيه، وهفضل طول عمري سيدك وسيده..

تنهد وهو يتابع بنبرة أهدأ، لكنها ما زالت ممتلئة بالقوة والسيطرة: أنا كنت مجهز أوراق التنازل،  عارفك واطية يا منى..

مد يده داخل بدلته وأخرج بعض الأوراق، ثم ألقاها أمامها: يلا يا رخيصة أمضي، ولعلمك...

مال برأسه قليلا مستفزا إياها، ونظر لها بعينين لا تعرفان الرحمة، مهددا بصوت منخفض مرعبا: الفقرة إللي قضيناها مع بعض دي، اتصورت صوت وصورة، وحراسي كلهم بيتفرجوا دلوقتي، صدقيني أنا ماعنديش مشكلة أذيعها وأطلعك ست خاينة قدام أولادك.

ثم سألها بنبرة لا تحمل أي مجال للنقاش: ها.. هتمضي من سكات، يا بعد تلات ثواني الرسالة هتوصلهم، تحبي تجربي؟

نظرت إليه بعينيها وكأنها لم تصدق ما تسمع، فبادلها النظرة ببرود وأشار بيده: مش مصدقاني؟ الكاميرا هناك فوق أهي.

رفعت عينيها ببطء، فوجدت بالفعل عدسة كاميرا حمراء صغيرة تلمع في السقف نظرت إليه بغل وحقد دفين.

زاح أمامها الأوراق والقلم بحدة آمرا:أمضي يا رخيصة، أمضي.. واحد.. اتنين..

ارتجفت يدها بشدة، ثم أمسكت القلم ووقعت بسرعة.

ابتسم بإنتصار بارد وقال وهو يشدها من كتفها بقسوة: شاطرة، يلا قومي..

وفجأة تغيرت نبرته، أمسكها من شعرها بقوة يسحبها من على الأرض وهي تصرخ من الألم، هتف ببحة رجولية جوهرية: يلا معايا، قومي، غوري في ستين داهية مش عايزين نشوف وشك هنا تاني.. ولو فكرتي ترجعي إنتي عارفة أنا هعمل فيكي إيه!

حاولت أن تثبت مكانها وتتمسك بأحد المقاعد وقالت بذل وعناد: لأ إوعى.. أنا مش هخرج كده! أنا هلبس هدومي وهخد كل حاجتي!

لكنه شدها أكثر، فوقعت على الأرض، وظل يسحبها من ذراعها حتى كاد أن يخلعه في يده قال من بين أسنانه: ولا ليكي أي حاجة هنا.

بدأت تصرخ وهي تنظر إلى طه الذي يعطيها ظهره: طه! يا طه! ألحقني، هتسيب أخوك يضربني؟ يا طه رد عليا!

لكن طه لم يلتفت، ظل واقفا يعطيها ظهره كأنها غير موجودة.

صاح بها سليم بشدة: ولسه ليكي عين تنادي عليه يا مجرمة يا سافلة..!

جن جنونها، وراحت تصرخ في سليم بوعيد: مش هسيبك يا سليم سامع؟ هقتلك.. هدمرلك حياتك زي ما دمرتني

ظل يسحبها وهي تزحف على الأرض وتحاول أن تتشبث بأي شيء، وملابسها تتمزق، حتى وصل إلى الباب  أوقفها، فتح الباب، ثم دفعها خارجه بقدمه، فسقطت في الطرقة.

وقال بصوت حاسم: أمشي من سكات بدل والله ما أخلي الحراس يرموكي بره، وأولادك جوة، بلاش يحسوا بحاجة ويشوفوا أمهم وهي بالمنظر ده!

نظر إليها ببرود وهم أن يغلق الباب في وجهها، لكن قبل أن يغلقه تماما، سمع صوت طه من الخلف يقول: أستنى يا سليم.

رفعت رأسها بسرعة، ونظرت إليه بإبتسامة فرحة وأمل، فقد ظنت أخيرا أنها وجدت النجدة.

لكن طه نظر إليها بقرف واشمئزاز، وقال بصوت  قاطع: إنتي طالق.. طالق بالتلاتة.. يا أوسخ وأزبل بني آدمة قابلتها في حياتي.

ثم أغلق الباب في وجهها بقوة.

ظلت في الخارج تبكي وهي تقول بوعيد: والله العظيم ما هسيبك يا طه إنت ولا سليم وهدفعكم التمن.. مابقاش منى رفيق الحسيني!

أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة، وهي تنظر حولها في اضطراب، بينما كان صدرها يعلو ويهبط بسرعة من شدة انفعالها، نهضت على عجل، وشعرها مبعثر من أثر ما حدث، وعيناها ممتلئتان بالدموع والغل.

صرخت بأعلى صوتها، وهي تتجه إلى الخارج: هندمك يا سليم، وربنا لهندمك! والله لحرقلك قلبك..

ثم مسحت دموعها وتحركت هبطت الدرج مسرعة وهي تركض، لا تريد أن يراها أحد، ظلت تركض حتى الحديقة، بينما كانت الخدم والحراس يرمقونها بنظرات متعجبة، حتى تجاوزت بوابة القصر واختفت عن أنظارهم.

في إتجاه آخر، عند طه وسليم.

ظل طه واقفا في منتصف الغرفة، عاجزا عن استيعاب ماحدث وماسمعه للتو؟ لم يتوقع يوما أن تكون منى بهذا السواد وتلك القذارة.

كان يعلم أنها طماعة، وأنها لم تكن تحبه بالقدر نفسه الذي أحبها به، لكنه لم يتخيل أبدا أن يصل بها الأمر بأن تفكر في التخلص منه من أجل الزواج من أخيه الصغير..

كان قلبه يعتصر من الألم، وعقله يكاد ينفجر من شدة الوجع، بينما هبطت دموعه كسيل ساخن على وجهه.

ظل سليم واقفا لثواني، ينظر إليه بصمت، كان يعرف جيدا ما يشعر به الآن، لقد شعر بهذا الوجع من قبل
ومع ذلك، لم يشعر نحوه بالرحمة أو الشفقة.

فلو  تحدّث منذ البداية، ولو امتلك الشجاعة ليقول الحقيقة في وقتها، لما آلت الأمور إلى كل هذا.

أخذ نفس عميقا تحرك خطوة وهو يقلب الورق بين يديه قال: الورقة ده فيها تنازل عن كل حاجة.

استدار طه إليه، بعينين حمراوين من شدة البكاء، وصوته مبحوحا ومكسورا وهو يهز رأسه بوجع ويضرب على صدره من القهر:
تنازل إيه؟ إنت فاكرني بفكر في الفلوس؟! أنا مش بفكر غير في الخاينة الفاجرة، إنها كانت عايزة تقتلني عشان تتجوزك! ولا كأن كان بينا عشرة ولا أولاد! ولا كأني كنت بحبها في يوم، دي لو كانت مربية كلب، وعاش معاها نص اللي أنا عشته معاها، ما كانتش فكرت تعمل فيه كده. 

تبسم سليم إبتسامة باردة، واقترب منه خطوة وهو يشير بإصبعه في وجهه، وكأنه أمرا عاديا: عادي يا طه ما إنتوا قعدتوا نفس القعدة قبل كده، واتفقتم على قتل ماسة وهي حامل.

شهق طه، وسقط على ركبتيه، ووضع يده على وجهه، خرج صوته مخنوقا بالدموع: يا سليم، حرام عليك كفاية وارحمني!

إنحنى عليه سليم، حتى أصبح وجهه أمام وجهه مباشرة، ومال برأسه متعجبا قائلا بجمود ممزوج بسخط: حرام عليا أنا؟! إنت فاكر إني عملت كل ده عشان إنت صعبان عليا ومش عايز أعيشك مغفل؟!

ضحك بسخرية، وتبدلت نظرة عينيه إلى نظرة مليئة بالغضب وقال بشماته: لا يا حبيبي، أنا عملت كده عشان أشوف الوجع إللي في عينك ده، عشان أحس إني أخدت حقي، وهي وجعتها من الحتة اللي بتوجعها، الفلوس..

أضاف من بين أسنانه وعيناه تلمعان: إنت وجعك بإنك تتحرم منها وتعرف إنها عمرها ماحبتك وإنك كنت مغفل، وهي اتوجعت لما اتحرمت من الفلوس إللي طول عمرها بتحاول تجمعها، أنا كده أخدت حقي.. 

ثم رفع ظهره بابتسامة واسعة، وكأنه أخيرا شعر بالراحة، وقال بعينين لا تعرفان الرحمة: أنا كده مبسوط، أشربوا من نفس الكاس اللي أنا شربت منه سنين...

ثم اقترب منه وعيناه غارقتان بالسواد، قائلا بصرامة وتهديد: بس أنا عايز أقولك على حاجة يا طه! إنت لو فتحت بوقك.. الفيديو معايا هذيعه.

رفع طه عينيه إليه باستغراب وقال: إنت بتقول إيه؟!

أجابه ببرود موضحا: بقول إنت لو فكرت تقول لمنى إني عرفت الحقيقة بتاعت الحادثة، أو قولت لأي حد، الفيديو ده هينتشر.

شهق طه بعينين متسعتين، وكاد أن يقف، وصاح به:
إنت مجنون؟!

ابتسم سليم إبتسامة باردة صغيرة، ووضع يديه على كتفه من فوق وأجلسه مرة أخرى، وقال بهيمنته المعتادة: بقولك إللي سمعته، هعرف الناس كلها إن منى الحسيني، مرات طه، كانت بتبص لأخوه..

ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول سليم بنبرة حادة كالسيف، وكأنه يتصدق عليه برحمته: وعلى فكرة، إللي عملته معاك ده رحمة، عشان إنت ماقتلتش بإيدك، لكنك كنت عارف وسكت..

ثم اقترب منه أكثر وقال بنبرة مخيفة: واللي سكت، بنسبالي شارك.

ارتجفت شفتا طه، بينما تابع سليم بنبرة مهتزة، وعيناه متجمعتان بالدموع لكنه أبى أن يهبط نظرة أمامه وقال بمرارة: عيشتني سنين بدور على عدوي، وأنا عدوي قاعد معايا، بياكل على نفس السفرة! وإنت عارف وساكت...

ثم نظر إليه وهو يشير إليه باتهام وكأنه يطلق عليه الرصاصة بخذلان واصل: إنت كمان مش بريء يا طه، يمكن مافرقتش كتير عنهم، رغم إني عمري ما كنت أتوقع منك تعمل كده فيا..

خفض طه رأسه، وبدأت دموعه تهبط بصمت وندم 
تابع سليم علي نفس ذات الوتيرة بعتاب: أوعى تكون فاكر إن القتل لازم يكون بالإيد، أو بالاتفاق، السكوت خيانة يا طه، إنت كمان قتلتني زيهم بالظبط...

مسح تلك الدمعة التي هبطت على خده، وابتلع تلك الغصة التي تكونت في حلقة، أضاف بتشفي: أنا دلوقتي مبسوط؟ لإنك عايش الوجع اللي عشته  سنين، لما عرفت حقيقة الرخيصة اللي سكت عشان تحافظ على حياتك؟

رفع طه عينه بحسرة قائلا بصوت منكسر: يا ريتك قتلتني... وماعملتش فيا إللي عملته ده.

ابتسم بقسوة ومرر العين عليه قائلا: أقتلك ليه؟ وأقتلها ليه؟ ولا أقتل حد فيكوا ليه؟ القتل بالنسبة لكم رحمة..

تغيرت ملامحه، وظهر الوجع القديم في عينيه أضاف بنبرة مهتزة برغم إنه كان متمسك بهيمنته وقوته: أنا عشت أكتر من خمس سنين وقلبي مذبوح على بنتي، وعلى مراتي، وعلى نفسي، وأنا مش عارف مين اللي عمل فيا كده، ومين إللي دمر حياتي..

مالت شفتيه بنصف ابتسامة ساخرة بسخط وهو يتوقف: معلش،  أدفعوا بقى تمن خمس سنين من عمركم، عيشوا الخوف، والوجع، والندم. وبعدها نتحاسب..

ثم أشار إليه بتحذير لا يعرف النقاش: وأوعى تفتكرني بهوش، ولادك مش هيكونوا عندي أغلى من بنتي.. أقسم بالله يا طه، لو لسانك ده اتفتح، هوريهم الفيديو..

نظر له من أعلى لأسفل باحتقار وواصل: إنت عشت طول عمرك جبان، كمل بقى في جبنك.

قال سليم كلماته الأخيرة، ثم استدار وغادر إلى الخارج.

ظل طه جالسا في مكانه للحظات، يشعر بنيران تلتهم كل شيء بداخله، كل كلمة قالها سليم كانت تصفعه بالحقيقة؛ كل ماحدث كان بسبب جبنه وخوفه ولامبالاته التي عاش بها طوال تلك السنوات، كل شيء حدث له بسبب اختياراته، والآن، كل ماحاول الهروب منه يعود إليه من جديد.

مال  إلى الأمام، وأجهش في البكاء، وقد انهارت كل مقاومته أمام الوجع والندم.

الفيلا التي يمكث بها مصطفى،5م

كان يقف أمام المرآة يهندم قميصه استعدادا للخروج، انفتح الباب ودخلت نبيلة تتساءل: بتلبس كده ورايح علي فين؟ عندك شغل ولا إيه؟

نظر لها من المرآة، وقال ببرود: لا، رايح أطلق آلاء!

تنهدت بإنزعاج ثم جلست على طرف الفراش وقالت بضجر: استغفر الله العظيم يا رب، لسة برضوا مصممين على العبط ده؟ طب هي شكلها مجنونة، إنت تبقى مجنون زيها؟ 

أضافت بعقلانية حنونة: يا ابني ماحدش يسمع كلام الستات لما تطلب الطلاق، أمال ليه ربنا خلى العصمة في إيد الراجل؟ علشان المهابيش إللي زيها، تخيل كانت تبقي العصمة في ايديهم كانوا طلقوا رجالتهم كل يوم 20 مرة. 

ضحك رغما عنه، تحرك وجلس بجانبها وقال بهدوء: يا ماما، الكلام ده لو إحنا الاتنين كنا متجوزين بجد، لكن أنا وآلاء حاجة مختلفة، الموضوع كله كان إتفاق.

نظرت له بنصف عين ثم قالت بنبرة ذات مغزى: بس أنا ماكنتش حاسة بده خالص، كنت حاسة إن في حاجة جواك، وبصراحة اتكلمت مع أختك وأكدت احساسي، روح قولها. 

أشاح بوجهه، وتساءل ببحة: أقولها إيه؟ 

نظرت له بتصميم: قولها إللي جواك، وفهمها إنك لما سيبتها ومشيت، ماكنش هروب ولا لحظة ضعف، قولها بحبك وعايزك.

اختنق ونظر إلى السقف، ثم عاد ببصره إليها وقال بحدة: عائشة قالتلي نفس الكلام، وعملت كده وحاولت أكلمها، بس هي مادتنيش فرصة وهي مصممه على قرارها، أنا مش هقلل من نفسي.. 

أمسكت يده بحنان وقالت بعقلانية: يا إبني يا حبيبي أفهمني، أنا مقولتش تتحايل عليها، أنا بقول يبقى فيه بينكم تفاهم، بص يا مصطفى، وخدها مني، تلت تربع الستات المطلقة، وتلت تربع الناس إللي بينهم مشاكل، عشان محدش فيهم قال إللي جواه واتكلم بصراحة، عشان مافيش بينهم حوار وتواصل، وكل واحد فاهم حاجة حطها في دماغه وكبرها وعاش عليها، مع إن الحقيقة حاجة تانية خالص ومختلفة. 

نظر لها بدهشة، متعجبا من كونها هي من تقنعه الآن بأن يمنح فرصة لآلاء: هو إنتِ من أمتى بتقولي الكلام ده؟ ده إنتِ أكتر واحدة كنتي عايزاني ماكملش معاها وماكنتيش طيقاها. 
تبسمت نبيلة وربتت على خده موضحة: لما عشرتها واتعاملت معاها عرفت إنها طيبة وبنت حلال، ولما عائشة قالتلي إنك بتحبها حبتها أكتر، بس هي دماغها ناشفة وحساسة أوي، وحاطة في دماغها إنك اتجوزتها جدعنة علشان تحافظ عليها، فعشان كده بقولك كلمها مش هتخسر حاجة، قولها أنا بحبك يا بنت الناس وعايزك، علي الأقل تبقى عملت اللي عليك عشان وماتندمش..

نظر لها بصمت لوهلة، ثم ابتلع ريقه، وقال بخفوت: أنا مش هنكر إني حبتها، مع إني كنت فاكر إني مش هعرف أحب تاني بعد ندى، كنت فاكر إن قلبي خلاص قفل، لحد ما لقيت نفسي بفكر فيها، وبغير عليها، وبستنى أشوفها، أنا حبيتها يا ماما، حبيتها ومش عارف إزاي وامتى، حاولت أمنع نفسي أفكر فيها بس ماعرفتش، واللي قوى الإحساس جوايا معاملتها معايا، بس طلع إحساس مش حقيقي..

صمت لوهلة ثم تابع بضيق: طلعت موهوم وإنتم كمان موهومين، لو بتحبني مكانتش تبقى مستعجلة كده على طلاق، وعملت كل إللي بتعمله ده..

جز علي أسنانه بغيظ مكتوم: يا ماما ده إمبارح لما اتأخرت لقيتها النهاردة جاية تقولي نفس الكلام، إنت اتأخرت ليه؟ وماجبتش المأذون ليه؟ كانت مستفزة جدا، وبعدين بتقوليلي هي بس علشان حساسة؟ لأ، هي مابتحبنيش! 

ثم توقف قال بحسم: ماما قولتلك هي مش عايزاني، وأنا مش هفرض نفسي عليها، خلاص بقى أقفلي على الموضوع ده بعد إذنك. 

ارتدى سترة بدلته وهم بالتحرك، وكانت نبيلة تنظر له بحزن.

في الخارج.

كانت آلاء متوقفه عند الباب، قلبها يدق بعنف حتى كاد يسمع، كانت كل كلمة تسقط على قلبها كالأرض القاحلة حين يهبط عليها المطر بعد عطش طويل.

أخيرا سمعتها، وعرفت الحقيقة التي كانت تموت لتسمعها، هو يحبها، مثلما تحبه تماما، بل أكثر! لم يكن هروبه جفاء، بل كان خوفا، خوف رجل جرح من قبل، ويخشى أن تمد يده فترد. 

انهمرت دموع الفرح من عينيها، وارتسمت ابتسامة مشرقة على وجهها، بينما كتمت شهقتها بيدها. سرعان ما مسحت دموعها وركضت إلى غرفتها، جلست على الفراش وتحت الغطاء، وأمسكت الكتاب متظاهرة بالمذاكرة، وفي رأسها فكرة لم تتضح لها بعد..

طرق الباب.

قالت بتصنع وعينيها بالكتاب: اتفضل. 

دخل مصطفى، وما إن رآها جالسة وتغطي نفسها
وبشعرها حتى عقد حاجبيه باستغراب: انتِ لسة مالبستيش؟ 

رفعت عينيها بتمثيل: ألبس ليه؟ 

رفع شفتاه بسخرية: مش كنتي عايزة تطلقي ووجعتي دماغي من إمبارح؟ يلا. 

ردت ببرود مصطنع وهي تقلب صفحات الكتاب: لا ما أنا غيرت رأيي، خليني بعد الامتحانات. 

رفع حاجبه بدهشة: نعم يا ختي؟ وده إسمه إيه؟ 

رفعت حاجبيها وهي تحكم عليها الغطاء حتى لا ينكشف أمرها: فيها إيه يا دكتور؟ أنا فكرت وحسيت إن الأفضل بعد الإمتحانات!

قال من بين أسنانه بغضب: أنا مش فاضي للعب العيال ده. 

ردت متصنعة التزمر: طب لو إنت مصمم أنا هلبس. 

نظر إليها من أعلى إلى أسفل بضجر، ثم أغلق الباب خلفه بقوة حتى كاد أن ينخلع من مكانه. وما إن غادر، حتى انفجرت ضاحكة من شدة السعادة، لكنها في الوقت نفسه لم تكن تعرف ماذا تفعل

كانت تعرف أنه من المستحيل أن تقول له «أحبك»، لكنها أرادت أن تجعله يعترف لها بمشاعره، ولم تعرف كيف. راحت تقضم أظافرها وهي تفكر، حتى لمعت في رأسها فكرة. نهضت سريعًا، وبدلت ملابسها إلى ملابس منزلية، ثم ارتدت فوقها إسدالها ونزلت إلى الحديقة تبحث عن عائشة، فوجدتها جالسة تحت البرجولة تذاكر.

توقفت أمامها: عائشة، إنتِ فاضية؟ 

أغلقت الكتاب وقالت بضيق: أيوة فاضية، وزعلانة منك جدا. 

حاولت التوضيح: طب ممكن تفهميني؟ 

ردت بإنزعاج: أفهم إيه؟ إنتِ غريبة أوي، ماتقوليش ماتتدخليش ومش عايزة أتكلم و.. 

قاطعتها آلاء وجلست بجانبها وقالت مرة واحدة: أنا بحب مصطفى، وعايزاكي تساعديني إن إحنا نبقى مع بعض. 

تجمد وجه عائشة واتسعت عيناها، فلم تتوقع هذا الرد أبدا: إيه؟! 

آلاء بتوضيح: والله العظيم أنا كنت فاكراه مش بيحبني وخايفة يفهمني غلط، فاكراه شايفني واحدة ساعدها وبس، لكن دلوقتي اتأكدت انه بيحبني، ومش عارفة أعمل إيه.؟

إجاباتها بحماس وهي تنهض: هروح أقوله. 

أمسكتها من يدها بمنع وتوقفت أمامها موضحة بخجل: لا والنبي بلاش، أنا عايزاه يحسها، تيجي مننا إحنا الاتنين، بس إنتِ ممكن تساعديني. 

ابتسمت عائشة بخبث: لا دي بقى محتاجة خطه، ونخلي إيهاب يشترك معانا. 

تبسمت: ماشي. 

ثم فتحت عائشة ذراعيها وضمتها: مرات أخويا العسل، أيوة كدة ربنا يهديكي. 

عند مصطفى.

دخل الغرفة غاضبا ومستاء، فوجدته نبيلة، التي كانت لا تزال تجمع ملابسه المتسخة وترتبها.

سألته بتعجب: إيه اللي رجعك؟ 

أجابها بضجر: المجنونة بتقولي خليها بعد الامتحانات. 

ضحكت عاليا: ولسة متفهمتش؟! دي بتحبك وعايزاك، ولما خلاص لقت الموضوع دخل في الجد! قالتلك لا نأجلها، هي عايزاك تقولها أنا بحبك، أفهم بقى. 

رد بإنزعاج وهو يتحرك نحو النافذة: شغل الأفلام الرومانسية ده أنا مليش فيه؟ 

اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه وقالت بحنان:
هي مش بتلاعبك، هي عايزاك تتنحرر وتتكلم، إنت الراجل. 

نظر إليها طويلا، وكأنه يفكر في كلماتها، ثم أشاح بنظره نحو النافذة دون أن يجيب، مسحت على ظهره بحنان، وقالت: ربنا يصلح لكم الأحوال يا ابني.
♥️_________________بقلمي_ليلةعادل 
فيلا سليم وماسة،5م

كانت ماسة تجلس في حديقة تتابع حور وهي تلعب، في تلك اللحظه دخل سليم.

سليم: عشقي.

التفتت براسها نهضت وسألته: ها عملت ايه؟

نظر لها وابتسم ببرود:  خلصنا من الافعى السامة، عقبال الباقي.

عقدت حاجبيها وقالت بتوتر: بس لازم تاخد بالك منها.

تبسم بخبث: ماسك عليها فيديو لو فكرت تعمل حاجة هنشرة

عبثا وجهها مازال القلق يملؤها 

أمسك يدها وقبلها منها: متقلقيش.

في تلك اللحظة جاءت حور تركض من الداخل، وامسكت بيد سليم: بابا، تعال العب معايا.

ابتسم لها: يلا.

اقترب من ماسة وطبع قبلة على رأسها، ثم سار مع حور نحو الارجوحة.

نظرت ماسة اليهما وابتسمت: انا هروح اعمل الغدا.

القلج، 5م
توقفت سيارة مي أمام منزل إسعاد، لكنها لم تكن السيارة التي أحضرها لها رشدي، بقيت جالسة للحظات، تتنفس بقلق، وعيناها معلقتان بالباب، وكأنها تخشى ما ستسمعه.

كانت تريد إجابة واحدة فقط، وتتمنى من كل قلبها أن تكون نفيا، لأنها تعرف أن الحقيقة قد تهدم كل ماتبقى منها.
أخذت نفسا عميقا، ثم ترجلت من السيارة وتقدمت نحو الباب طرقت الباب، وما إن فتح حتى ظهرت إسعاد، وما إن رأتها حتى نظرت إليها باستغراب.

مي بإبتسامة متوترة: مساء الخير، إزي حضرتك؟

عقدت  إسعاد بين حاجبيها ثم قالت وهي تشير للداخل: الحمد لله يا بنتي، اتفضلي، نورتي

تحركت مي على مضض، وخلفها إسعاد التي تنظر لها باستغراب، جلست على الأريكة ثم جلست إسعاد بجوارها على المقعد.

إسعاد بإبتسامة مجبرة: حمد الله على سلامتك يا بنتي.

مي بإبتسامة صغيرة: الله يسلمك.

سألتها باهتمام: إنتِ عاملة إيه دلوقتي؟

أومأت: الحمد لله كويسة...

ثم نظرت حولها متسائلة: أمال فين جنة؟

صمتت إسعاد لوهلة ونظرت لها من أسفل عينيها متعجبة، لكن سرعان ما تماسكت وقالت بثبات وهي تلوح بيدها: عند واحدة جارتنا، بتلعب مع بنتها.

أومأت، صمتت لوهلة ثم قالت: بقول لحضرتك إيه، هي إيه قصة جنة؟

ضيقت عينيها: مش فاهمة السؤال؟

ابتلعت ريقها موضحة: يعني عرفت رشدي إزاي؟ وجت هنا إزاي؟ أحكيلي؛ وبعدين هي فين رحمة؟

أجابت: رحمة في شغلها يا بنتي.

قالت بترقب: طب ممكن تكلميها؟ عايزة أقابلها.

سألتها باستغراب: هو في حاجة؟

هزت راسها بسرعة: لا عادي، بسأل.

سألتها: أمال رشدي فين؟

مي وهي تحاول أن تبدو طبيعية: رشدي مسافر، قولت آجي أطمن على جنة وأشوف لو محتاجين حاجة، وعايزة أشوف رحمة.

إسعاد دون فهم: حاضر هكلمهالك تيجي، هي بتشتغل في عيادة قريبة من هنا.

وبالفعل أمسكت الهاتف وبدأت تتصل برحمة، وبعد أن أنهت المكالمة سألتها مي: ماقولتليش، عرفتي جنة إزاي؟

أخذت نفسا عميقا ثم عدلت من جلستها موضحة: والله يا بنتي عاطف جارنا، إللي شغال سواق عند جوز أخت رشدي، إللي اسمها صافيناز ولا فازيناز، حاجة كده، جابهالي وقالي لقيتها في الشارع، خدي ربيها، وبعد يومين جالي هو ورشدي بيه، وقالي إنه بيعمل حاجات لله، علشان أخوه إللي اسمه سليم عامل حادثة كبيرة، فكانوا بيطلعوا حاجات لله عشان ربنا يشفيه بس دي القصة.

ضحكت مي بمرارة: والله؟ هو قالك كده؟ هو فعلا بيحب الخير جدا.

سألتها باستفسار: هو في إيه يا مي؟ مالك؟

تنهدت وهي تنظر بعيد: مافيش.

ظلت مي جالسة في مكانها، وجسدها مشدود كوتر أوشك على الانقطاع، بينما راحت عيناها تتنقلان بين إسعاد والباب، وقلبها يخفق بعنف.

لم تكن تريد سوى كلمة واحدة تنفي كل شكوكها، لكن شيئًا بداخلها كان يخبرها أنها تعرف الحقيقة، وأنها فقط تخشى مواجهتها.

وفجأة، جاء طرق على الباب، فرفعت مي رأسها سريعًا، وشعرت بانقباض في قلبها.

كادت إسعاد أن تنهض، لكن مي قالت: خليكي، أنا هفتح.

توجهت إلى الباب وفتحته، وما إن رأت رحمة حتى نظرت إليها باستغراب. تبادلتا نظرة صامتة لثوانٍ، قبل أن تبتعد مي عن الباب وتفسح لها الطريق لتدخل.

رحمة وهي تتحرك بنبرة مستهجنة: مش كنتِ تقولي يا خالتي إن عندك ضيوف؟ كنت جبت حاجة ساقعة وأنا جاية.

إسعاد بطيبة: مي مش غريبة.

التفتت لها رحمة باستهجان وهي ترفع أحد حاجبيها: مش غريبة إزاي يعني؟

إسعاد بثقة: أيوة يا بنتي، مي مننا وعلينا.

زفرت رحمة بعدم رضا ولم ترد، ثم نظرت لخالتها وقالت: طيب يا خالتي، أديني جيت، إيه الموضوع المهم؟ ومين ده إللي عايزني؟ بسرعه بس عندي شغل.

مي بهدوء: أنا اللي عايزاكي.

لفت رحمة براسها ونظرت لها من أعلى لأسفل ثم قالت بجمود: أفندم؟

نظرت إليها مي باستغراب من أسلوب رحمة معها منذ المرة الأولى التي تعرّفت فيها إليها، ثم سألتها سؤالل لم تأتي من أجله، لكنها شعرت أنه لا بد أن تسأله: هو إنتِ بتكرهيني ليه يا رحمة؟ من أول مرة شفتك وأنا حاسة إنك بتكرهيني. 

هزت رحمة كتفيها: أكرهك ليه؟

اقتربت منها خطوة بحيرة: معرفش، بس ده إحساسي.

زفرت رحمة وهي تشيح بوجهها بعيدا وعقدت ذراعيها أمام صدرها: أنا لا بكرهك ولا بحبك، ولا إنتِ فارقة معايا أصلا..

ثم رمقتها بنظرة من أعلى لأسفل وأضافت بحد: أنا أصلا مش عارفة إيه اللي جابك؟ مش خلاص فضيناها والمستور اتكشف؟ ولا جاية تكملي المسلسل؟!

إسعاد بحدة: يا رحمة، أسكتي يا رحمة!

تقدمت مي خطوة توقفت أمامها مباشرة: لا لا.. ثانية واحدة، مستور إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة، إنتو بتتكلموا عن إيه؟

مالت رحمه شفتيها بسخرية: إنتِ ماتعرفيش إن جنة ماطلعتش جنة؟

نهضت إسعاد بغضب صاحت: بس يا رحمة! أسكتي!

التفتت لها رحمة بتهكم حاد وعيناها تقدحان شرار: أسكت ليه يا خالتي؟ ما هي لازم تعرف! هتفضلي مخبية عليها لحد إمتى؟ ما هي هتيجي تاني علشان تشوف جنة، هتقوليلها إيه ساعتها؟ 

ثم التفتت بكل قسوتها نحو مي، واقتربت منها خطوة، وتابعت بحدة لاذعة كأنها تطعنها بالكلمات: جوزك يا حلوة طلع خاطف بنت أخوه بقاله سنين، وأخوه عرف وجه خدها، البنت إللي كنتِ بتحضنيها وبتطبطبي عليها ماطلعش اسمها جنة، اسمها حور، بنت سليم.

تجمدت الدماء في عروق مي، واتسعت عيناها حتى كادت تخرج من محجريها، وانحبس الهواء في صدرها كأن أحدا قبض على عنقها، لقد جاءت، تبحث عن ثغرة، عن كذبة صغيرة تنفي ظنونها وتعيد لها وهمها، لكن الحقيقة، هوت فوق رأسها كصاعقة، صاعقة أحرقت آخر ماتبقى لها من غباء.

وفجأة، انفجرت ضاحكة ضحكة عالية مضطربة، بينما انهمرت دموعها على وجنتيها؛ لم تكن ضحكة بقدر ما كانت صرخة تخفي خلفها كل الخذلان، وكل الليالي التي صدقت فيها كذبته رغم أنها كانت تعرف الحقيقة في قرارة نفسها

كانت إسعاد ورحمة تنظران إليها باستغراب، لم تفهما ما أصابها.

شهقت إسعاد ووضعت يدها فوق صدرها: يا لهوي! أهدي يا بنتي، أقعدي وصلي على النبي!

ضربت مي كفا بكف، وعيناها تلمعان بجنون الوجع قالت من بينا ضحكتها: فاكراني اتجننت؟ أنا كويسة أنا زي الفل!

فقد كانت تضحك على غبئها، على النصف بالمئة التي أبقتها في قلبها له، تلك النسبة الضئيلة الغبية التي تمنت ألا تتلوث بقذارته، تلك النسبة التي كانت تهمس لها "ربما يكون صادقا تلك المرة". وللأسف، تلوثت، بل غرقت في الوحل حتى آخرها

مسحت دموعها بظهر يدها بقهر: ما تخافوش عليا، أنا كويسة بجد.

ثم التفتت إلى رحمة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، موجوعة، تابعت: أوعي تكوني فاكرة إن اللي إنتي قولتيه ده هيهزني أو هيزعلني؟ أنا عرفت الأسوأ منه بكتير.

ابتسمت رحمة ابتسامة صفراء، فقد فهمت الآن أنها لم تأتي لتعرف بل لتتأكد من معلوماتها: يعني إنتِ كنتِ عارفة؟ وجاية بس عشان تتأكدي؟

أومأت برأسها قالت بنبرة مبحوحة: آه.. كنت جاية أتأكد، كنت جاية أفهم، ومش هنكر، للحظة شيطاني وزني وأفتكرت إنها ممكن تكون جنة بنتك إنتِ وهو.

صاحت بها وقد احتقن وجهها: أخرسي! إنتِ اتجننتي ولا إيه؟!

نظرت لها مي بهدوء شديد قالت بعقلانية موجوعة: أنا ست يا رحمة، ست وبحس، حتى لو كنت ببان طيبة وساذجة، أنا بفهم النظرات كويس، وكان باين أوي من أول يوم شوفتك فيه إنك بتحبيه وبتغيري عليه مني...

ردت بصوت منخفض، حزين، وعيناها تلمعان بالدموع: كنت بغير منك عشان اتجوزك، أصل هو قالي من أول يوم أنا مش بتاع جواز، كنت فاكرة إني ممكن أغير قرارة، واخليه يحبني ويتجوزني، بس طلع خسيس أوي.

سألتها إسعاد: أمال إنتِ عرفتي منين يا بنتي؟ هو كان حاكيلك إيه؟ فهمينا.

أخرجت مي نفسا طويلا، مثقلا، كأنها تخرج معه كل الوجع الذي حبسته في صدرها ثم قالت بمرارة: هو ضحك عليا وقالي إنها بنت سواق عنده مات، ولما عرفت حاجات معينة، اتأكدت إن استحالة رشدي يعمل خير لوجه الله، أكيد وراه مصيبة، بس والله ماتوقعت أبدا إن المصيبة توصل إنه خاطف بنت سليم.

سكتت لوهلة، ثم تبدلت ملامحها فجأة، واعتدلت في جلستها وكأنها انتهت تساءلت: ثانية واحدة! إنتو بتقولوا سليم عرف؟ يعني هي دلوقتي عند سليم؟

أومأت إسعاد: آه يا بنتي، من كام يوم جه وخدها.

فجأة سكتت مي وشردت بعيدا، تذكرت كلمات ماسة حين قالت لها "رشدي كان عندنا واتكلموا مع بعض"

ثم هزت رأسها ونظرت إليهما مرة أخرى، وقالت بصوت متوتر: يعني رشدي عرف إن سليم وصل لجنة؟ 

هزت إسعاد رأسها بأسف: آه يا بنتي، عرف، وكل حاجة بقت على عينك يا تاجر، بس ماعرفش بقى فهموا البت الصغيرة إيه؟ رشدي جه هنا وفضل يزعق ويقولي إزاي ماتتصليش بيا! وأنا والله كلمته كتير يا بنتي، بس هو إللي ماكنش بيرد.

مالت شفتي مي وهي تنظر للأمام وهي تتمتم: يعني إنتي أصلا مش أم السواق، ولا ليكي علاقة بالبنت، وإنتي كنتي الإكس بتاعته؟ وهو خاطف بنت أخوه؟

ضحكت من الوجع والمرارة أضاف بعينين أغرورقت بدموع: يبقى المغفلة الوحيدة في الحكاية دي أنا وجنة، أكتر اتنين مغفلين.

ربتت إسعاد على كتفها بطيبة: ربنا يسامحه.

تنهدت مي تنهيدة عميقة ونهضت من مكانها: ربنا يسامحه فعلا.

أجبرت نفسها على الابتسامة وهي تقول: عموما.. شكرا، وآسفة لو جيت وعملتلكم إزعاج، أنا هقى آجي أزورك يا طنط عشان أنا بحبك، ولو احتاجتي أي حاجة رقمي معاكي..

أضافت بتوضيح: على فكرة أنا اتطلقت من رشدي خلاص، يعني ماليش أي علاقة برشدي ولا بأي حاجة تخصه، لو فعلا بتعتبريني زي بنتك، وقت ماتحتاجي حاجة كلميني.

إسعاد وهي تطبطب عليها بحنان: إن شاء الله يا بنتي، ربنا يكرمك ويعوضك

تحركت مي خطوات نحو الباب، ثم توقفت فجأة واستدارت نحو رحمة، وقالت بصوت هادئ، لكنه كان مليئا بالوجع: ماتكرهينيش يا رحمة، أنا مليش دعوة والله، أنا زيي زيك، إحنا الاتنين اتخدعنا في رشدي، بس يمكن إنتي حظك أحسن مني، إنتي خلعتي بدري، لكن أنا وقعت لوحدي في البير..

قالت كلماتها تلك وتحركت للخارج، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

نظرت رحمة وإسعاد لبعضهما البعض في صمت، ثم جلست رحمة على الأريكة وتنهدت بإرتياح: الحمد لله يا خالتي إننا خلصنا من الحوار ده كله. 

أومأت إسعاد بمرارة: عندك حق، بس جنة قطعت بيا أوي ووحشتني. سليم قال لي هيخليها تكلمني 
وأشوفها، والبت كانت عايزانا.. 

قاطعتها رحمة بمنطقه قاسية: يا خالتي إنتي بتصدقي الكلام ده؟ بكرة تنسانا، دول ما شاء الله، اللهم بارك، عندهم فلوس كتير، وبعدين أبوها وأمها هيبقوا حنينين عليها وهيعوضوها عن كل الحب إللي اتحرمت منه.

لكن كان يبدو على ملامح إسعاد الحزن، انتبهت لها رحمة، فأمسكت بيدها وقالت بحنان: بقولك إيه، يومين كده وأنا هجيبلك رقم أمها ولا أبوها من مي، تكلميها زي ما إنتي عايزة ماتزعليش.

ردت إسعاد بصوت مكسور: وكمان مي صعبت عليا أوي.. منك لله يا رشدي الكلب.

نظرت لها رحمة بلا مبالاة.

على إتجاه آخر.

صعدت مي إلى السيارة، وجلست خلف مقعد القيادة، وأمسكت هاتفها وقامت بعمل مكالمة،

جاءها الرد سريعا، فقالت بصوت مرهق لكنه مرتاح: أيوه يا دكتور زي ماقولتلك، شكي طلع صح، روحت وسألت واتأكدت، يمكن توقعتش أن هي تيجي كده بس المبدا وأحد، وحقيقي دلوقتي أنا حاسة إني مبسوطة بالمواجهة دي، إنت كان عندك حق، شكرا إنك وافقت إنك تقابلني من شوية، وإنك رديت عليا دلوقتي، تعباك معايا خالص. 

جاءها صوت شريف هادئا: المهم يا مي تكوني ارتحتي.

ابتسمت رغم دموعها: أنا فعلا ارتحت.. إن شاء الله إحنا على معادنا يوم الأربعاء؟

أجابها: هستناكي سلام.

قصر الراوي،6م

كانت نالا تلعب ببراءة أمام هبة وياسين، بينما جلس الأثنان متقابلين على مقعدين متجاورين، وقد بدا على ملامح هبة شيء من الاستغراب والضيق، في حين ظل ياسين هادئا، يراقبها منتظرا ردها.

هبة باستغراب: يعني إنت عايزني أروح أعيش معاك إنت ومراتك في بيتكم الجديد.

أومأ بهدوء: أيوة، زيها زي القصر نفس الفكرة.

عقدت حاجبيها، ثم تنهدت بضيق: أولا، إنت عارف كويس إني قاعدة هنا غصب عني، وإني عايزة أعيش في بيتي.

رد بجدية: وأنا قلتلك يا هبة، مش هقدر أامن على بنتي معاكي بعد اللي إنتِ عملتيه! أنا إيه ضمني إنك ماتدخليش في دماغها إني هبطل أحبها وهحب البيبي الجديد أكتر منها، وأوعي تقوليلي أنا مستحيل أعمل كده! إنتي ناسية قولتلها عني إيه وعن لوجين؟

تنفست بعمق، وأشاحت بوجهها عنه للحظات قالت بتفسير: كنت عايزة أعمل كده عشان البنت تضغط عليك، فترجعني بيتي، أنا هنا مش مرتاحة يا ياسين.

ساد صمت قصير، ثم قال بصدق: إنتي عارفة يا هبة، لو كنتي حافظتي على البنت، لو كنت رجعت من السفر لقيتها زي ما كانت، صدقيني، كنت خليتك ترجعي بيت أهلك، لكن أنا دلوقتي مابقتش أامن عليها معاكي، أنا معرفش إنتِ ممكن تدخلي في دماغها إيه؟! 

رفعت عينيها إليه،قالت بقطع: لو أنا عايزة أخلي البنت تكرهك، حتى لو عايشة معاك في بيت واحد، هخليها تكرهك، وأوعى تخوفني بشوية المايكات إللي إنت حاططهالي.

دققت النظر في ملامحه قالت بقوة كأنها تعرف ماذا تقول: الست لما بتبقى عايزة تعمل حاجة، بتعملها.

سكتت لحظة، وكأنها تعيد التفكير في الأمر من جديد ثم قالت: بس أنا فكرت، ولقيت عندك حق، وماما عندها حق، البنت هي إللي هتدفع الثمن، وأنا مستحيل أخلي بنتي تعيش أي مشكلة بسببي..

ظل صامتا، يراقب تغير نبرتها، بينما تابعت هبة: تعرف إني كنت مقررة أكلمك النهاردة علشان تبطل بقى موضوع إنها تفضل قاعدة معاك في القصر وتبات معايا بالاستراحة؟ ماكنتش متوقعة إنك هتقولي خبر زي ده.

تنهد، ثم قال بصوت أكثر هدوءا: أنا مش هقدر أعيش من غير بنتي يا هبة، ولا هينفع أحرمها منك، ومش هينفع نعيش هنا تاني...

صمت لوهلة وهو يركز النظر فيها ثم قال بصدق: أثبتيلي العكس، وخليني أرجع أامن لك، وساعتها هديكي حريتك وهخليكي تعيشي مع البنت في بيت أهلك.

رفعت عينيها إليه، وظلت تفكر في حديثه، تعرف إنه صادق لا يكذب، وتعرف أن ما فعلته كان خطأً في حقه، وأن استمرارها في العناد قد يجعلها تدفع الثمن غاليا.

وبعد لحظات من الصمت، قالت: تمام، أنا موافقة، بس بشرط.

رفع حاجبه متسائلا: إيه هو؟

أجابت: البنت تفضل معايا، تعيش معايا في الملحق، يعني عايزة تيجي تقعد معاك براحتها، لكن نومها وأغلب وقتها هيكون معايا.

فكر للحظات، ثم أومأ: مافيش مشكلة، بس لو حسيت إن البنت اتغيرت، هحاسبك حساب عسير.

تنفست براحة خفيفة، ثم قالت: أنا مش هعيد كلامي تاني يا ياسين..

ثم سألت: طيب، هتكلم البنت ولا أكلمها أنا؟

أومأ حاسما: هنكلمها سوا.

هزت رأسها بإيجاب 

وبالفعل، أخبر ياسين وهبة نالا بانتقالهم إلى الفيلا الجديدة، وتقبلت الصغيرة الأمر بسعادة، وانشغلت تخبرهما بما تريد أن تأخذه معها من ألعابها.

فيلا سليم وماسة6م

كانت الحديقة تضج بالصياح والضحك، وضعت سلوى يديها حول جذع الشجرة وأغمضت عينيها وبدأت تعد بصوت عالٍ، بينما تفرق سليم وعمار ويوسف ومكي في كل إتجاه يبحثون عن مخبأ.

سلوى: يلا استخبوا كويس، إللي همسكة الأول هو اللي هيقف مكاني! 

كان سليم يركض وهو يحاول أن يخفي جسده الطويل خلف شجرة صغيرة وحور ملتصقة به تختبئ معه، وعمار يختبئ تحت المنضدة، ويوسف خلف مقعد ومكي خلف النخلة.

وما إن انتهت سلوى من العد حتى انطلقت تبحث عنهم، وهي تتبع أصوات ضحكاتهم، تمسك هذا وتترك ذاك، والجميع يركض من أمامها ويصيح باسمها حتى أمسكت بعمار وسط صراخه من الضحك.

وعادت الكرة مرة على يوسف، ومرة مكي، ومرة سليم.

ثم جاء دور حور الصغيرة، أغمضت عينيها بيديها الصغيرتين وأخذت تعد بتلعثم، بينما تعمد الجميع أن يظهروا أنفسهم أمامها ويصيحون: أنا هنا يا حور، تعالي أمسكيني!

كانت تركض خلفهم بخطواتها الصغيرة المتعثرة، وهم يبطئون خطواتهم عن عمد حتى تمسك بهم، إلى أن ركض سليم أمامها مباشرة فأمسكت بقدمه، فاستدار وحملها على كتفه عاليا وهو يدغدغها، فتعالت ضحكتها البريئة تملأ الحديقة.

كان مجاهد يجلس على مقعد يشاهدهم والابتسامة المشرقة تملأ وجهه.

في الجهة الأخرى / المطبخ 

كانت ماسة وسعدية تعدان الطعام، فماسة لا تستطيع الركض كثيرا بسبب حملها وبعد الانتهاء خرجت ماسة إلى الحديقة تصيح: يلا بقى بطلوا لعب عشان الأكل جهز! 

حور بلهفة: استني خمس دقايق، نلعب مرة واحدة كمان! 

فجأة اقترب منها سليم وحملها على كتفه: لا مافيش ولا مرة، يلا نغسل إيدينا وناكل، أنا جعان بدل ما آكلك إنتي، وظل يدغدغها وهي تضحك. 

لاحظ سليم وجه ماسة العابس فعقد حاجبيه واقترب منها سألها: مالك مكشرة كده ليه يا ماستي الحلوة؟ 

مدت شفتيها بطفولة: كان نفسي ألعب معاكم. 

وضع يده على بطنها بحنان وقال: معلش يا عشقي، أول ما النونو ييجي هتلعبي براحتك. 

اقترب منها و وضع قبلة طويلة على جبينها، ثم قال وهو يمسك يد حور: يلا نغسل إيدينا يا وردتي. 

أومأت بإيجاب، وبالفعل غسل الجميع أيديهم وجلسوا على السفرة، كانت عامرة بأنواع مختلفة من الأسماك والجمبري والأرز والسلطة والكابوريا.

بدأ الجميع يأكل، وكان سليم أكثرهم التزاما بالإتيكيت وهو يقطع السمكة بالسكينة والشوكة.

علقت سلوى بملل: أنا مش عارفة إيه الملل ده! الحمد لله مكي بياكل طبيعي زينا. 

مكي وهو يتناول ما في الشوكة: أنا طول عمري بأكل زيكم، هو اللي محفلط في أكله.

عمار مازحا: أنا حاولت أتعلمه وفشلت، بزهق. 

مجاهد متهكما بهدوء: ما تاكلوا وإنتم ساكتين وسيبوا الراجل ياكل براحته. 

يوسف وهو يضحك: طلعتوا سليم المسرح، وأحلى حاجة إنه عمال يكمل تقطيع وياكل ولا كأنه سامعنا أصلا.

ضحك سليم وهو يتناول السمكة: والله هي سهلة، بس هي محتاجة صبر منكم، إنتم بس اللي بتستسهلوا.

رفعت سلوى حاجبيها بسخرية: إحنا اللي بنستسهل! مش أنت، يعني إللي محفلط على رأي مكي.

رفع عينه نحوها: لا يا ستي أنا مش محفلط، وبعدين إيه محفلط دي؟ بتجيبوا الكلام ده منين يا جماعة؟

ضحك الجميع، كانت ماسة تنظف السمك لحور وتضعه في فمها، لكن حور كانت طوال الوقت تضع يدها في طبق الجمبري وتأكل منه بنهم، حتى انتبهت لها ماسة.

نظرت لها ماسة بابتسامة: إيه يا قلبي، شكلك بتحبي الجمبري أوي! زي بابا. 

تبسم سليم وقال: أخيرا أخذت حاجة مني. 

حور بدهشة: هو إيه الجمبري ده؟ 

تبسم سليم موضحا: إللي إنتي بتاكليه ده إسمه جمبري يا وردتي. 

ردت وفمها ممتلئ: إيه ده! يعني ده مش سمك صغنون؟ 

تبسمت ماسة وهي تطعمها: لا يا حبيبتي، ده مش سمك صغنون، ده إسمه جمبري ماكنتيش عارفة اسمه؟! 

ردت ببراءة وهي تهز رأسها نافية: عمري ما أكلته، أول مرة أشوفه في حياتي، طعمه حلو أوي، أنا عايزة آكل منه على طول. 

في لحظة، اختفت الابتسامات من على وجوه الجميع وحل صمت ثقيل، ونظرت ماسة إلى سليم وعيناها تدمعان، فاقتربت من حور واحتضنتها وقالت:
يا روح قلبي، حقك عليا. 

أشار لها سليم بعينيه سريعا ألا تبكي أمامها حتى لا تنتبه.

نظرت لها حور ببراءة طفولية: إنتِ بتعيطي ليه يا ماما؟ أنا مش زعلانة علشان أول مرة آكل جمبري، عادي، في سمك كتير من اللي على الترابيزة وحاجات كتير عمري ما أكلتها، عادي. 

أمسك سليم يدها وقبلها بابتسامة حاول أن يخفف الأمر برغم ثقله عليه: شوفتي بقى ياماما حور مش زعلانة..

نظر لحور بابتسامة: بعد كده هنأكلك كل حاجة نفسك فيها يا روح قلبي. 

مال عليها وقبل خدها ووضع جمبرياية في فمها:
خدي أحلى جمبرياية لأحلى حور. 

عاد الجميع إلى الطعام، لكن لم تعد المائدة كما كانت، فالأمر قد يبدو بسيطا للبعض، لكنهم شعروا كم كانت تلك الصغيرة محرومة.

وبعد الانتهاء، جلسوا في الحديقة يحتسون الشاي، كانت حور تتأرجح وتتزحلق بسعادة أمامهم وكأن شيء لم يكن.

زمت ماسة وجهها بحزن وهي تنظر إليها: أنا متضايقة أوي. 

مسحت سعدية على كتفها بتهوين وحكمة: يا حبيبتي ماتكبريش الموضوع، الست اللي كانت مربياها غلبانة ومالهاش في الكلام ده، ما إحنا يا بنتي عمرنا ما دقنا الجمبري ده غير لما اتجوزتي سليم، ولما كنا بندوقه بيبقى بواقي أكل منصور. 

أومأت باختناق وعيناها اغرورقت بالدموع: ماشي يا ماما عندك حق، بس إحنا دلوقتي نقدر نجيبلها أحسن حاجة، كل مافتكر إننا كنا بناكل أحسن أكل وبنسافر وهي محرومة وبتجوع بتوجع أوي.

هز سليم رأسه بإيجاب وقال بحرقة مستفز: عندك حق يا ماسة، أنا برضو متضايق جدا، أنا كنت عايش في كل ده، وبنتي كانت عايشة في بيت بسيط ومحرومة من أبسط الأشياء... الأكل، الموضوع معصبني... 

شد على أسنانه مضيفا: ورشدي الحقير ده قالي إنه كان بيديها فلوس علشان مايحرمهاش من حاجة، وهي أهي كانت محرومة من كل حاجة. 

تنهد مجاهد بحكمة: يا ولاد صلوا على النبي، يمكن الست دي ماتعرفش الجمبري أصلا، ما هي البت عارفة فراخ ولحمة وبط، الظلم حرام، مش معنى أن هي أول مرة تكله إنها كانت محرومة، اعتبروها داقت أكلة جديدة وعجبتها وخلاص. 

نظر  سليم إلى حور متأثرا وقال: أنا مش عايز أحرمها من أي حاجة، عايز أعوضها عن كل ثانية بعدت عني فيها، عن كل حاجة اتحرمت منها، عايز أجيبلها كل اللي نفسها فيه، أنا بس أخلص البلاوي إللي عندي وآخدها أسفرها في كل حتة..

صمت لوهلة وكأن فكرة جالت بخاطره، نظر نحو ماسة ثم قال: إيه رأيك يا عشقي نروح نقضي يوم في الجزيرة؟ 

أومأت بابتسامة هادئة: فكرة حلوة. 

ثم رفع عينه نحو مكي الذي كان يحتسي الشاي وقال: بقولك يا مكي، الرجالة خلصوا البيت هناك ولا لسه؟ انا شايف يعني إن الجزء اللي واضح قدامي من هنا خلص

رد بهدوء وهو يضع كوب على الطاولة: للأسف يا سليم، إنت عارف الفترة اللي فاتت أحداثها كتير فامكنتش متابع، بس بنسبة كبيرة خلصوا جزء كبير منه، عموما هكلمهم وأشوف، لو كده قعدهم في خيمة. 

سليم بتنبيه: تمام، بس شد عليهم خليهم يخلصوا خلال اليومين الجايين دول، أول الأسبوع الجاي تكون خلصانة بفرشها. 

أومأ مكي بإيجاب.

تدخل يوسف بفكرة وحماس: طب ممكن نسافر الساحل ولا إنت خايف تظهر؟ 

هز سليم رأسه نافيا قائلا بثقة: لا مش خايف، ما أنا  بظهر، خلاص إن شاء الله بكرة كلنا على الساحل ونقضي يومين حلوين هناك. 

نظر سليم إلى مكي وقال: ظبط الموضوع التأمين. 

نظر له من طرف عينه بإنزعاج مصطنع: حاضر هظبط التأمين وهقول لعرفان.. بس أعمل حسابك أنا معاكوا في الأجازة دي، أنا بكرة أجازة، خلي عشري وعرفان هم اللي يظبطوا الدنيا، محتاج أجازة يوم بلاش افتري. 

ضحك سليم: ماشي يا عم حقك. 

ضحك الجميع، وساد جو من الحماس والفرحة لفكرة السفر.

في إحدى المزارع المملوكة لعائلة منى6م

توقفت سيارة التاكسي أمام البوابة، وأطلق السائق كلاكس السيارة طالبا من الأمن فتحها.

نظر أحد الحراس من نافذ فنتبه لمنى الجالسة في المقعد الخلفي، فقالت له بحدة: أفتح البوابة بسرعة.

أشار الحارس إلى زملائه، ففتحت البوابة على الفور، ودخلت السيارة إلى المزرعة.

هبطت من التاكسي، وكان أحد الحراس يقف بالقرب منها، فقالت له دون أن تنظر إليه: أدفع له حسابه.

أومأ الحارس، بينما اتجهت منى إلى المبنى بخطوات سريعة.

بمجرد دخولها، أسرعت إحدى الخادمات نحوها قائلة بإبتسامة قلقة: حمد لله على سلامتك يا ست منى.

لكنها لم ترد عليها، وصعدت الدرج متجهة إلى غرفتها مباشرة.

نظرت الخادمة إلى باقي الخدم باستغراب، وقالت إحداهن بصوت خافت: هي مالها عاملة كدة ليه؟ وإيه اللي هي لابساه ده. 

ردت الأخرى سريعا: إحنا مالنا؟ 

وفي الطابق العلوي...

دخلت منى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف.
وقفت للحظات مكانها، وكأنها تحاول استيعاب كل ما حدث، ثم اتجهت إلى السرير وجلست عليه ببطء،ظلت تحدق أمامها، بينما أخذت الدموع تهبط بصمت.

همست لنفسها: أنا هعمل إيه دلوقتي؟... هعمل إيه مع تيم ومراد؟ وهقول إيه لأهلي؟

وضعت يديها على وجهها للحظات، ثم أخذت نفسا عميقا ومسحت دموعها لازم أفضل هنا شوية، لازم أفكر في حل.

نهضت من مكانها وبدأت تتحرك في الغرفة ذهابا وإيابا وهي تقول: مستحيل طه يعرف الأولاد أي حاجة عن اللي حصل، ودي نقطة في صالحي، ولازم أستغلها صح.

توقفت أمام المرآة ونظرت إلى انعكاسها، وقد بدأ الشر يعود إلى عينيها، وبعدها، هقرر أعمل إيه.

ساد الصمت للحظات.

ثم قبضت يديها وقالت بنبرة حاسمة: بس إنت يا سليم، أنا هوريك.

تحركت خطوة إلى الأمام، وعيناها تلمعان بشر: مش هسيبك، و هدفعك ثمن اللي عملته فيا.

ثم أضافت بصوت منخفض: استنى عليا يا سليم لسه الحساب مابدأش.

ثم ارتسمت على شفتي ابتسامة غامضة، وارتفعت عيناها بنظرة أفعى خسرت كل شيء، ولم يعد لديها ماتخسره، ولم يتبقى لها سوى أن تبث سمّها في كل من تسبب في سقوطها

في الفيلا التي يمكث فيها مصطفى،6م

كانت آلاء وعائشة وإيهاب يجلسون في الحديقة، يتبادلون الحديث حول الخطة.

عائشة وهي تنظر إلى إيهاب: إيه رأيك يا إيهاب؟ عندك فكرة؟

هز رأسه قائلا: مش عارف بصراحة، مافيش فكرة في دماغي ممكن نعملها.

عائشة بحماس: إحنا عايزينه ينطق، وهو اللي يروح يقولها: "أنا بحبك".

إيهاب باستغراب قال بمنطق: طب ليه كل التمثيل ده؟ عادي جدا ممكن عائشة تروح تقول لمصطفى إنها سمعتك بتتكلمي في التليفون مع واحدة صاحبتك، وإنك مستنية هو اللي يبدأ ويصرح بمشاعره..

ثم تابع بعقلانية: أصل موضوع إنه يغير مني ده فاشل! هو لازم يغير من شخص تاني، مش مني!

صمت لوهلة ثم سألها: هو إنتِ مش بتشتغلي معاه؟

هزت الاء رأسها بإيجاب: آه، بس الفترة دي عندي امتحانات ومش بروح كتير.

فكر قليلا، ثم قال: بصي إحنا نكلم ماسة، نخليها تكلم سليم يشغلك في المستشفى اللي مصطفى بيشتغل فيها، لإنها بتاعة سليم، وبكده هتشوفي مصطفى باستمرار، وساعتها ممكن تحصل المواقف اللي إنتِ عايزاها ويغير وتغييري يبقى الموضوع طبيعي مش فيك...

ثم أضاف بعقلانية: لكن صدقيني، حتى لو هزرتي معايا قدامه وتعاملتي معايا بطريقة ممكن تضايقه، مش هتجيب نتيجة لوحدها، الغيرة مش هي بس اللي بتخلي الراجل ينطق!  هو لازم يحس منك إنك عايزاه، وإنك لسه بتبادليه نفس المشاعر..

أضاف بإبتسامة: أرجعي اتعاملي معاه زي ماكنتي بتتعاملي زمان، تسأليه عن أخباره، تهتمي بيه، ولما يكلمك ماتتهربيش منه، ولا تكشري في وشه، هو ده اللي هيخلي مصطفى يبقى عنده القوة إنه يقولك اللي جواه، وأنا راجل وعارف بقولك إيه.

هزت عائشة رأسها موافقة: إيهاب بيتكلم صح، ترجعي الشغل تاني، وتخليه يغير من طرف بعيد عننا وترجعي تتعاملي معاه بلطافة.

نظرت آلاء إليهما لحظات، ثم قالت بهدوء: ماشي، هعمل كده، حقيقي شكرا جدا.

إيهاب بإبتسامة: بتشكرينا على إيه؟ أهم حاجة ربنا يهديكي وتبطلي الحساسية الزايدة دي. 

وفجأة، وبينما كانوا ما زالوا جالسين، ظهر عشري من بعيد، وبرفقته محمود.

تغيرت ملامح آلاء فور أن رأته، واتسعت عيناها من المفاجأة، حتى إيهاب وعائشة وقفا من مكانهما.

اقترب عشري منهم وقال: مساء الخير، هو دكتور مصطفى لسة ماجاش ولا إيه؟

رد إيهاب: لا، هو تقريبا على وصول، أنا كلمته وقالي إنه في الطريق.

أومأ عشري بصمت، بينما ظلت آلاء تنظر إلى محمود دون أن تنطق، وقلبها مثقل بالعتاب.

فرؤيته محمود أمامها أعادت إليها كل ماحدث بينهما، وكل اللحظات التي شعرت فيها أنه خذلها، وأنه كان السبب في كل ماوصلت إليه، وفي الألم الذي حملته بداخلها طوال الفترة الماضية.

كانت تحاول أن تبدو قوية، لكن رؤيته أعادت إليها ذكريات ظنت أنها دفنتها منذ وقت طويل، ورغم إنها قد طلبت من مصطفى أكثر من مرة أن يتحدث مع سليم، وأن يسمح لمحمود بالعودة إليهم. 

لكن الآن، بعدما أصبح واقفا أمامها، كان الأمر مختلفا تماما.

اقترب محمود منها خطوة، وقال بصوت يحمل الندم:
أنا عارف إنك زعلانة مني، وطحقك عليا أنا آسف، والله كان غصب عني، كنت عايز أطمن عليكي، وإنتي أكيد فاهمة.

نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالعتاب: أنا اترجيتك وقولتلك ماحصلش حاجة، كان لازم تصدقني وحتى لو ده جوزي، ازاي تعمل فيا كده.

أخفض رأسه للحظة، ثم قال: وأنا راجع وبقولك حقك عليا، أنا آسف، صدقيني، أنا اتغيرت، الفترة اللي قعدتها دي غيرتني كتير.

ثم تابع بصدق: سليم بيه، جابلي ناس يتكلموا معايا، شكلهم دكاترة نفسيين، وخلوني أعرف قيمة نفسي وقيمتك إنتي وأمي، وكمان شغلني في مصنع من مصانعه، وفتح ليا ورشة صغيرة زي ما كان نفسي، وقال ليا لو أثبت نفسي هيكبرهالي.

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: بقيت بكسب قرش حلو وحتى بطلت المخدرات، بس لسه بتعالج صدقيني يا الاء أنا ندمان.

تدخل عشري قائلا بتأكيد: كل الكلام إللي بيقوله محمود حقيقي، يمكن الفترة كانت قصيرة، بس حصل فيها تغيير كبير، وإحنا لسه شغالين معاه، وهو جاي النهارده عشان يشوفكم، وبعدها هيرجع معايا تاني.

أضاف موضحا: والدتك طلبت من سليم كذا مرة إنها نفسها تشوفه وتطمن عليه، فسليم إداله يومين إجازة.

نظر محمود إلى آلاء بعينين دامعتين وقال: سامحيني يا آلاء وأوعدك إن أنا هكون الأخ اللي إنتي نفسك فيه محمود بتاع زمان.

لم تستطع آلاء التماسك أكثر، فانهمرت دموعها، واتجهت نحوه واحتضنته بقوة.

وقفت عائشة وإيهاب ينظران إليهما في صمت، وقد ظهرت على ملامحهما لمسة من الحزن والتأثر.

وبعد لحظات، ابتعد محمود عن آلاء، ثم التفت إلى عائشة وقال: وأنا آسف ليكي يا أبلة عائشة حقك عليا

ابتسمت عائشة: يا سيدي أنا مش زعلانة المهم إن أنت فعلا تكون اتغيرت. 

محمود بصدق: والله اتغيرت يا أبلة وهتشوفي 

وفي تلك اللحظة أمسكت الآء يديه وهي تقول بحماس: تعالى بقى نقابل أمك، علشان أمك هتموت وتطمن عليك!

تحرك محمود معها معاها إلى الداخل، بينما ظل إيهاب وعائشة وعشري ينظرون إلى أثره.

ألتفت إيهاب إلى عشري وقال: هو إنت كنت مكلم مصطفى وعارف إنه راجع؟

أومأ عشري: أيوه، كلمته وأنا في الطريق، وقالي خلاص أهو نازل من المستشفى، شكله حب يعملها مفاجأة للمدام، عموما أنا همشي، وهو هيكون معاكم النهاردة وبكرة.

ثم أضاف: والحراس موجودين، إحنا مركبين له جهاز تتبع، وهو مايعرفش عنه أي حاجة.

إيهاب بجدية: أهم حاجة فعلا يكون اتغير! ولا إنت شايف إيه؟

تنهد عشري وقال: إحنا مانقدرش نحكم من دلوقتي، بس فيه مؤشرات بتقول إنه فعلا ندمان، وواضح إن الشلة اللي كان متلمم عليها، واللي علمته الشرب، هي إللي بوظته.

تدخلت عائشة بتأييد: آلاء كانت دايما بتقول كده، كانت بتقول إنه كان شخص كويس، وإنه اتغير لما اتلم على العيال دول.

ثم سأل إيهاب: سليم وماسة عاملين إيه؟

ابتسم عشري: الحمد لله، كويسين كلهم وبخير، بعد إذنكم.

تحرك عشري نحو الخارج، بينما تبادل إيهاب وعائشة نظرة قصيرة.

التفتت عائشة إليه وتساءلت بتعجب: إنت لسه بتفكر في ماسة؟

هز رأسه سريعا: لا، خلاص بقى، موضوع وإنتهى.

ربتت عائشة على ظهره وقالت بابتسامة: أهو ده الصح.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل 
قصر الراوي،9م

غرفة طه

كان طه يجلس في غرفته، والحزن يكسو ملامحه بعد معرفته تلك الحقيقة المرة التي ذبحت قلبه وجعلته يشعر بلانهيار..

بعد قليل دخلت فايزة، ورمقته من أعلى إلى أسفل بتعجب، ثم قالت: في إيه يا طه؟ مالك؟ وإيه اللي سمعته ده؟ منى خرجت من هنا مضروبة!

رفع عينيه إليها، وقال بنبرة مكتومة: مش عايز أتكلم.

نظرت إليه بتعجب: يعني إيه؟

صاح بها بغضب:يعني مش عايز أتكلم! سيبوني في حالي!

تحركت وجلست أمامه، تحاول تهدئته: ممكن تهدى وتفهمني؟

توقف طه وتحرك مبتعدا قال بضجر: قولتلك مش عايز أتكلم...

ثم التفت إليها، وقال بصوت مبحوح: بس أنا طلقتها، ومش عايز الأولاد يعرفوا ولا يحسوا بأي حاجة لحد ما أعرف هعمل إيه؟

توقفت فايزة بدهشة: طلقتها؟

أومأ على مضض بحزن: أيوه، ومن فضلك متتكلميش في الموضوع ده... أنا مخنوق.

زمت فايزة شفتيها بأسف، وقالت بهدوء: تمام يا طه، مش هتكلم، ومش هنحسس الأولاد بحاجة... بس منى مش اللي تزعل عليها، أنا هسيبك دلوقتي بس لازم نتكلم وتفهمني إيه  اللي حصل.

هز طه رأسه بألم، وعيناه تلمعان بالدموع، دون أن يجيب.

تحركت فايزة نحو الخارج، بينما ظل طه واقفا مكانه للحظات، يشعر بالحزن والوجع يمزقان قلبه.
ثم جلس مرة أخرى، وأخفى وجهه بين يديه، وانهمرت دموعه في صمت.

الساحل الشمالي2م

كان الشاطئ خاصا بالعائلة، تحيط به مجموعة من الحراس، ولم يكن هناك أي شخص غريب في المكان
كانت ماسة وسلوى ترتديان ملابس شاطئية محتشمة ومناسبة، بينما كانت حور في الماء مايو زهري، وتجلس فوق عوامتها على شكل بطة، تضحك وهي تحرك الماء بيديها.

كان سليم بجوارها في الماء، يراقبها بابتسامة: مبسوطة يا حبيبتي؟

ضحكت حور: أوي يا بابا! البحر حلو أوي!

وفجأة اقتربت منه وقبلته على خده: أنا بحبك اوي يا بابا.

ابتسم بحنان: وأنا كمان بحبك أوي أوي.

وفجأة حملها من فوق العوامة وألقاها في الماء 
برفق، فانطلقت ضحكتها: يا بابا!

صرخت ماسة بخوف من الخارج: سليم! خلي بالك منها!

لكن حور خرجت من الماء وهي تضحك: تاني يا بابا! تاني!

وضعت ماسة يدها على قلبها: تاني إيه؟ يا سليم بلاش لتغرق!

ضحك سليم: ما إنتِ كنتِ بتحبي أوي أشيلك وأعمل فيكي كده.

ابتسمت ماسة وهي تهز رأسها: بس أنا كنت خمستاشر سنة!

ضحكت حور: ماتخافيش يا ماما، تعالي ألعبي معانا! يلا.

نظرت ماسة إليهما للحظات، ثم ابتسمت: حاضر.

تحركت ماسة ودخلت معهما الماء، وسرعان ما بدأ الثلاثة يرشون الماء على بعضهم ويلعبون ويضحكون.

قضى سليم وماسة مع حور وقتا ممتعا في الماء،  كانا يساعدانها على الطفو على ظهرها وتجربة الغطس، بينما كانت ضحكاتها تملأ المكان.

وبعد فترة، خرج الثلاثة وجلسوا على الرمال ركضت حور نحو ماسة وقالت بحماس: ماما! تعالي إنتي وبابا نعمل قصر على الرمل!

ضحكت ماسة: يلا يا روحي.

جلس سليم وماسة بجوار حور، وبدأ الثلاثة في بناء قصر صغير من الرمال.

على جانب آخر من الشاطئ.

كان مكي يسير بجوار سلوى على الرمال، ممسكا بيدها، بينما كانت الأمواج تلامس أقدامهما من وقت لآخر.

سلوى بابتسامة: حلوة أوي الرحلة دي، حاسة إننا أخيرا بعيد عن كل المشاكل.

نظر إليها بنظرات عاشقة: عندك حق انا والله نفسي  حياتنا كلها افضل كده، بحر هوا هدوء والبنت اللي أنا بحبها جنبي مافيش أجمل من كده راحة.

تبسمت برقة ثم زمت شفتيها وقالت: بس عندي حاجة مضايقاني.

نظر إليها بإهتمام: إيه؟

ردت بتوضيح وهي تقبض وجهها: حاسة إنك حتى وإنت واخد إجازة وقايل لسليم إنك أوف، برضو مشغول بالحراسة، وكأن دماغك مش عارفة تفصل عن الشغل.

أومأ بتأييد: عندك حق، بس أعمل إيه؟ حمايتكم مسؤولية كبيرة عندي، وبعيد عن الشغل، صدقيني أنا مش بعمل كده عشان دي وظيفتي بس، أنا فعلا بهتم بيكم.

نظرت إليه متسائلة: يعني حتى وإحنا هنا، مش قادر تبطل تفكير؟ رغم وجود عشري واللي اسمه عرفان كل الحراسة دي؟!

هز مكي رأسه بصدق: حمايتك إنتي وسليم وماسة وحور والعيلة أهم عندي من راحتي.

ابتسمت وهي تضغط على يده: طيب حاول تفصل شوية، إحنا في إجازة دول هما يومين وبعدين هتسافر تمثل دور الجوكر في لندن. 

ضحك مكي: حاضر

سلوى بحماس: أول ماننزل لازم نبدأ نظبط موضوع البيت اللي هنسكن فيه، ونشوف كل حاجة ونرتبها.

ابتسم: من عيوني، نبدأ فيه من أول يوم.

فجأة سحب مكي يد سلوى باتجاه البحر، فضحكت وهي تحاول مقاومته: مكي! إنت بتعمل إيه؟

ضحك وهو يقذف عليها الماء: بفصل دماغي زي ماطلبتي!

بدأت تضحك وترش عليه الماء هي الأخرى: طب خد بقى!

واستمر الأثنان في اللعب والمزاح، يتبادلان رشات الماء والضحكات، حتى نسيا تماما حديثهما عن الحراسة والعمل.

وقضيا معا وقتا جميلا، وكأنهما تركا كل مايشغل بالهما على الشاطئ، واختارا فقط أن يستمتعا باللحظة.

ومرت الأيام التالية.

وسط أجواء مختلفة تماما عن كل ما عاشته العائلة خلال الفترة الماضية.

ففي الصباح، كانت العائلة تقضي وقتها على الشاطئ الخاص بهم، يسبحون ويلعبون في البحر، بينما كانت حور أكثرهم سعادة، فهي ترى البحر لأول مرة، ولم تتوقف عن الضحك واللعب مع سليم وماسة.

وتنقلوا بين الأنشطة المختلفة؛ لعبوا الكرة، وبنوا البيوت والقصور على الرمال، وتناولوا الآيس كريم، كما استمتعوا بالألعاب المائية وركبوا الـ«بانانا بوت» والـ«بيتش باجي» واللانش، مستغلين كل لحظة من الرحلة.

بينما عادت الأجواء الهادئة بين سلوى ومكي، فعادت ابتسامة سلوى من جديد وهما يقضيان وقتهما معًا في الحديث والضحك.

ومع حلول الليل، كانوا يخرجون للتنزه، ويتناولون الطعام في المطاعم، ثم يذهبون إلى الملاهي، حيث تستمر ضحكات حور ومرحها حتى نهاية اليوم.
كانوا يقضون وقتا جميلا، وكأنهم نجحوا، ولو ليومين فقط، في نسيان كل المشاكل والمصائب من حولهم، واختطفوا لحظات من السعادة قبل أن تعود الحياة بأسرارها ومواجهاتها.

على جانب آخر خلال اليومين

قضى محمود مع عائلتة يومين، وبدا واضحا أنه تغير، وإن لم يكن التغيير كبيرا، إلا أن بعض التفاصيل الصغيرة كانت تؤكد ذلك، وبعدها عاد إلى البيت الصغير التابع للمصنع الذي يقيم فيه، حيث كان يذهب إلى المصنع صباحا، وفي المساء يتوجه إلى ورشته.

وفي الوقت نفسه، كانت آلاء تنتظر انتهاء مصطفى من عمله، فقد ظل منشغلا طوال اليومين ولم تتمكن من رؤيته، لذلك واصلت الانتظار حتى يعود، لتبدأ تنفيذ الخطة التي اتفقت عليها مع عائشة وإيهاب

بينما  عزت كان لا يزال يحاول الوصول إلى إجابة تكشف له هوية الشخص الذي يقف خلف كل ما يحدث داخل المجموعة، لكنه لم يصل إلى أي شيء حتى الآن كما حاول عقد بعض الصفقات التي قد تساعده في إصلاح ما فسد، فسليم، فكان قد أغلق كل الأوراق بإحكام، وأصبح هو المتحكم في اللعبة هذه المرة.

وفي الوقت نفسه، ظل رشدي داخل المستشفى يتلقى علاجه، استعدادا لنقله إلى المصحة خلال الفترة القادمة.

أما منى... فلم تفعل شيئا حتى الآن. لكن هدوءها لم يكن مطمئنا، فقد كانت تقضي وقتها في التفكير والتخطيط، وكأنها تنتظر اللحظة المناسبة فقط.

وطه، على الجانب الآخر، لم يكن أفضل حالا
كانت حالته النفسية تزداد سوءا يوما بعد يوم، وأصبح الحزن واضحا على ملامحه، حتى بدأ من حوله يلاحظون التغير الكبير الذي طرأ عليه.

وبينما كانت الأيام تمر، كان كل شخص يقترب أكثر من اللحظة التي ستتغير فيها الأمور من جديد

فقد عاد ماسة وسليم للقاهرة حتى جاء موعد السفر.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل 
فيلا ماسة وسليم12ظ

غرفة النوم

كانت حقيبة سفر كبيرة موضوعة بجوار الباب، بينما وقفت ماسة بجوارها، وإلى جوارها حور كان يبدو على ملامحها الحزن.

كان سليم يرتدي ساعته ويهندم ملابسه، قبل أن يقترب منهما.

قال وهو ينظر إلى ماسة: خلاص بقى يا عشقي، أنا همشي دلوقتي علشان متأخرش على الطيارة..

انتبه لملامحها الحزينة، فاقترب منها حتى توقف أمامها مباشرة، ورفع يديه إلى وجهها بحنان: مالك؟

نظرت إليه بقلق: قلقانة

أومأ بهدوء: ماتقلقيش.

وضعت يدها على خده قالت برجاء بعينين تترقرق بدموع: علشان خاطري، خد بالك من نفسك، ماتعملش غير إللي إحنا اتفقنا عليه، ولو هتعمل أي حاجة تانية قولي، وخلي دايما سلاحك معاك، وماتستخدموش غير لما تحس إن مافيش حل تاني، وخلي مكي والحراس معاك طول الوقت.

ابتسم يطمينها: ما تخافيش يا ماسة، أنا مش رايح أعمل حاجة متهورة، أنا رايح آخد حقي بذكاء.

قالت بتنبيه: بس دايما خليك فاكر، إللي بيفتكر نفسه ذكي، بيبقى في أذكى منه.

ضحك سليم بمرارة: لا، ما أنا خلاص اتعلمت ماتقلقيش.

ثم ابتسم حاول أن يخفف عليها: بعدين هو مش هتقعدي تصلي وتدعيلي ولا إيه؟

أومأت ماسة: أكيد طبعا، هدعيلك.

ضمها سليم إلى صدره وقال: يبقي خلاص، أنا هرجعلك، وهجيب حقنا وهانعيش الحياة اللي إحنا نستحقها، الحياة اللي كان المفروض نعيشها من سنين.

ساد الصمت للحظات، ثم طبع قبلة طويلة على جبينها وخدها.

بعدها ألتفت إلى حور التى كانت عيناها تملئها الدموع، جلس أمامها جلسة القرفصاء سألها: إنتي كمان بتعيطي ليه؟

حور بصوت حزين: أنا لسه مالحقتش أعيش معاك شوية، وإنت هاتسافر تاني وتبعد يوم ويوم ويوم كتير.

ابتسم سليم وربت على شعرها مفسرا: لا، أنا هرجع على طول، هما يومين بس مافيش أيام كتير، مش زي المرة إللي فاتت، وبعدين ماما معاكي، وتيتة وجدو وكلهم هيبقوا معاكي.

هزت رأسها بحزن: أنا مش عايزاك تسافر، أنا عايزاك تفضل معايا يا بابا.

وفجأة ارتمت في حضنه وقالت: وأنا هسمع الكلام ومش هعمل شقاوة!

تأثر لكنه حاول الثبات، مسح على شعرها وظهرها بحنان، ثم أبعدها عنه قليلا: أنا رايح علشان عندي شغل، وأجيبلك حاجات حلوة وأنا راجع.

هزت رأسها: مش عايزة حاجات حلوة عايزاك إنت.

ابتسم بحنان: مش هتأخر عليكي وعد. 

ثم أمسك يديها وقبل جبينها قبلة طويلة، وقال: خدي بالك من ماما ومن أخوكي، ومش عايزها تعمل شقاوة ولا تتحرك كتير فاهمة؟ ولو ماما ماسمعتش الكلام، أتصلي بيا وقوليلي.

ضحكت ماسة: ماشي إنت بتوصي حور عليا؟

ردت حور بسرعة: من غير مايقولي، أنا هعمل كده! أسمعي الكلام يا ماما علشان النونو يكون كويس.

ضحكت ماسة من بين دموعها: حاضر يا ستي.

أمسك سليم حقيبته وجرها خلفه، ثم التفت إليهما قبل أن يخرج: خدوا بالكم من نفسكم.

ماسة وهي تلوح له: لا إله إلا الله.

ابتسم ورد: محمد رسول الله.

خرج وهو يجر حقيبته، وظلت ماسة واقفة مكانها تتابعه بعينيها حتى ابتعد.

ثم رفعت يديها في صمت، وقلبها يرتجف بالدعاء: يا رب... رجعهولي بالسلامة.

في المصحة1ظ
في إحدى غرف عزل مرضى الإدمان، كان هذا أول يوم لرشدي في المصحة. كانت الغرفة بسيطة ومجهزة بعناية، بأثاث آمن لا يمكن أن يؤذي المريض، بينما كان رشدي مستلقيا على الفراش، غارقا في نوم عميق تحت تأثير المهدئ. 

بعد قليل استيقظ ببطء، وفتح عينيه وهو ينظر حوله بتشتت، قبل أن يعتدل في جلسته محاولا فهم أين هو؟! وبعد لحظات، انفتح باب الغرفة، ودخل الطبيب الذي شاهدوا من الكاميرا الموضوعه في الاعلى.

اعتدل رشدي في جلسته وسأله بقلق: أنا فين؟

أجابه بهدوء: حضرتك في المصحة.

اتسعت عينا: مصحة إيه؟

رد بتوضيح: المصحة إللي هتبدأ فيها علاجك من الإدمان.

نهض بعصبية: علاج إيه؟! أنا عايز أخرج من هنا.

حاول الطبيب تهدئته: يا فندم، وجودك هنا لمصلحتك، وإحنا هدفنا نساعدك.

صرخ رشدي: أنا مش محتاج مساعدة! أفتحوا الباب وخلوني أخرج!

تراجع الطبيب خطوة، بينما بدأ صوت رشدي يعلو أكثر: إنتوا جبتوني هنا غصب عني؟! أنا مش هقعد في المكان ده!

رد بعقلانية: إنت كنت عايز تتعالج يا رشدي؟

صرخ رشد:  أتعالج بمزاجي وفي الوقت اللي أنا عايزه! أفتح الباب ده!

اندفع نحو الباب وفتحه، لكنه فوجئ بأثنين من الممرضين أمامه، فأمسكاه من ذراعيه بقوة وثبّتا يديه خلف ظهره، بينما ظل يقاومهما بعصبية ويحاول الإفلات منهما.

اقترب الطبيب منه وقال بهدوء: أهدى يا رشدي، إحنا مش عايزين نأذيك.

لكن رشدي استمر في الصراخ فاضطر الطبيب لإعطائه مهدئا.

نظر إليه رشدي بغضب: إنت اديتني إيه؟

إجابة: مهدئ عشان تهدى ونقدر نتكلم لما تصحى، هنتكلم براحتنا.

ظل رشدي يردد: عايز أخرج من هنا أنا مش عايز أتعالج... خرجوني...

وبعد دقائق بدأ يفقد قدرته على المقاومة، حتى فقد توازنه حملوه ووضعوه على الفراش

خرج الطبيب من الغرفة، والتفت إلى زميله: لازم نكلم أهله، واضح إنه مش متقبل العلاج، ومش هينفع نبدأ معاه بشكل حقيقي غير لما يبقى مستعد يتعاون.

رد الطبيب الآخر: أنا هتواصل مع عائلته.

♥️___________________بقلمي_ليلة عادل 
إنجلترا 2م

نادي (Wentworth)وينتوورث العريق

كان المظهر العام للنادي يصرخ بالعراقة والثراء الفاحش، في الخارج، المساحات الخضراء تمتد بلا نهاية، بعض الرجال يلعبون الجولف بملابسهم البيضاء الأنيقة، وآخرون يركضون في مسارات محددة، وكل شيء يبدو راقيا.

داخل إحدى القاعات الكبيرة المخصصة للبلياردو.

كانت الإضاءة خافتة، المصابيح المتدلية فوق كل طاولة، الموسيقى الهادئة تملأ المكان، ورائحة الخشب العتيق مختلطة بالخمور الغالية.

طاولات البلياردو مصفوفة بانتظام، وعلى كل طاولة رجلان يلعبان، وبجانب كل طاولة خادم يرتدي قفازات بيضاء، يلمع الكرات وينظم العصي في صمت واحترام، رجال يجلسون في الأركان، يحتسون الخمور، ويتحدثون همسا، كل شيء هنا يفوح فخامة وثراء مخيفا.

وبعد لحظات، انفتح الباب.

دخل سليم بهيبته المعتادة، وخلفه مكي وأثنان من الحراس، كان يرتدي الأسود كعادته، فبدا كظل قاتم وسط كل هذا البياض والضوء الخافت، ساد الصمت للحظات، وتعلقت به الأنظار.

تقدم سليم بخطوات ثابتة نحو إحدى الطاولات في المنتصف، حيث كان يقف رجل في منتصف الستينات، بملامح إنجليزية جامدة، ومعه رجل آخر في نفس العمر يلعبان.

ما إن رآه الرجل، حتى ترك عصا البلياردو جانبا، نظر له سليم وابتسم ابتسامة رسميه

قال الرجل في ترحاب: سليم؟ 

ابتسم سليم واقترب منه في صمت، بينما خلع الرجل قفازه الأبيض وصافح سليم باحترام شديد

سليم بوقار: بخير، كيف حالك كريس؟ منذ متى لم أرك! 

تبسم كرس وهو ينظر له: سنوات، أكثر من سبع سنوات، منذ مقتلك التابيلو وانسحابك. 

نظر له سليم بجدية: أريد التحدث إليك على انفراد. 

أومأ كريس برأسه، ثم رفع إصبعه بإشارة صغيرة لأعلى.

في لحظة، ترك كل من كان في القاعة عصي البلياردو من أيديهم، وبدأوا يخرجون واحدا تلو الآخر في صمت مطلق، كأنهم جنود يتلقون أمرا عسكريا.

تحرك كريس مع سليم نحو الجانب الآخر، نحو طاولة صغيرة مستديرة، تقدم أحد الخدم مسرعا، سحب لهما مقعدين، ووضع أمامهما كأسين من الخمر الغالي.

أشار النادل إلى سليم، لكن كريس تدخل بسرعة: سليم لا يتناول الكحول. 

ثم تابع بابتسامة وهو لا يزال ينظر إلى سليم: أحضر له كأسا من الليمون. 

قاطعه سليم بصوته الهادئ: أريد فنجانا من القهوة، لا أريد ليمون. 

هز كريس رأسه للنادل: نفذ ما يطلبه. 

أومأ النادل ثم تحر مبتعدا.

ساد الصمت لوهلة، وكريس يتفحص سليم من الأعلى إلى الأسفل، ثم قال: عندما أخبروني أنك تريد التحدث معي، دهشت! سنوات مرت وإنت مبتعد عن كل شيء، أعلم أنك ما زلت تتواصل مع ماركو، بسبب الصداقة التي بينكما.. لكنك أبتعد عن أعمالنا..

صمت لوهلة ثم سأله وكأنه يعرف الإجابة: أنت أتيت لشيء، أليس كذلك؟ 

تبسم وأجاب دون مراوغة: نعم، أتيت لشيء، شيء ثمين، وسأعطيك مقابله شيئا أثمن أيضا. 

شعر كريس أن سليم لا يريد شيئا ماديا، بل يريد معلومة باهظة الثمن، فسأله: ماذا تريد؟

رد بنبرة ذات معنى مراوغه: أعلم أنك لا تحب إريك، وتريد إزاحته من على الطاولة والجلوس مكانه. 

أومأ كريس برأسه بتأكيد: هذا صحيح. 

هم سليم أن يتحدث، لكن النادل وصل، وضع القهوة على الطاولة، انتظره سليم حتى انتهى وابتعد.

ثم تنهد وارتشف القليل من الماء، وعاد بظهره إلى الوراء وهو يشير إلى رأسه باستغراب: لكن قبل أن أجيب، لدي سؤال أولا! أنا على يقين أنك تمسك عليه الكثير، لماذا لا تذهب به إلى باولو وتسقطه؟ 

تبسم كريس مفسرا: لأنني لا أريد أن تأتي الضربة منّي. 

سأله باستغراب وهو يضيق عينيه: لماذا؟ 

أخذ كريس قطعة من الحلوى التي أمامه بالشوكة، وتناولها، ثم أجابة ببساطة ممزوجة بالطمع: هناك مصالح مشتركة بيننا، إنت تعلم القوانين، لم يحن وقته بعد بالنسبة إليّ.

سليم بعينين تحملان حدة حاسمة: لكني أريد شيئا ثمينا يجعله بين يدي. 

مال كريس برأسه قليلا متسائلا بخبث: أتريد أن أوقع به؟

أومأ مؤكدا، فرد عليه كريس متسائل بخبث:
وما المقابل؟ ماذا ستعطيني سليم؟

ثم بدأ يشرح له قيمة إريك، رغم كراهيته له: إريك يعطيني كل عام أكثر من مئة مليون دولار، فماذا ستعطيني حتى أخسر تلك الملايين؟!

تبسم سليم ابتسامة جانبية ماكرة، وقال بهدوء قاتل:
سأعطيك مليارا وربما أكثر، فقط من أجل معلومة تجعل رأس إريك بين يديك.

اتسعت عينا كريس بدهشة: مليار؟!

أخرج سليم هاتفه بهدوء، وبدأ يمرر الصور أمام كريس، وهو يراقبه بابتسامة ماكرة، وكأنه يتعمّد إغراءه بما يراه.

تجمدت أنفاس كريس، وألتصق بصره بالشاشة، بينما أخذ سليم يراقب نظراته باستمتاع.

كانت الصور لمقبرة كاملة، جدرانها مغطاة بالذهب، وتماثيل باهظة الثمن مرصوصة بلا عدد.

لم يستطع كريس المقاومة، فمد يده وانتزع الهاتف من سليم، وبدأ يتصفح الصور بنفسه، وقد ارتسم الجشع في عينيه.

رأى سليم ذلك، وشعر أن اللعبة أصبحت بين يديه الأن.
بينما كانت عينا كريس لا تزالان معلقتين بالصور، وهو يقلبها واحدة تلو الأخرى تساءل بنبرة متلهفة: أهذه هي المقبرة التي يسعى عزت الراوي إلى بيعها الآن؟

أومأ سليم بابتسامة خبيثة: نعم. 

رفع كريس عينه مندهشا: أتخون والدك؟ 

وكأن سليم لم يستمع لسؤاله، تسأل حاسما:حسنا هل إنت معي؟ 

تبسم كريس بجشع وهو ينظر إلى الصور: معك يا سليم. 

ثم رفع عينه إلى سليم وهو يقول بنبرة شيطانية: وسأعطيك شيئا سيجعل رقبته بين يديك. 

أشار بإصبعه إلى كبير حراسه فاقترب منه، مال برأسه قليلا نحو كريس، فقال له كريس شيئا في أذنه، فخرج الحارس بهاتفه سريعا، وأعطاه لكريس. 

بدأ كريس يبحث في هاتفه، ثم مد الهاتف لسليم:
أنظر بنفسك. 

أمسك سليم الهاتف وضغط على زر التشغيل، ظهر مقطع يُظهر إريك مع إحدى النساء في موقف فاضح. عقد سليم حاجبيه في البداية بعدم فهم، ثم اتسعت عيناه ببطء حين دقق في وجه المرأة.

قال كريس بصوت خافت كالفحيح: نعم هذه زوجة باولو... مينا.

ساد صمت ثقيل لثوانٍ، ثم ارتسمت على وجه سليم ابتسامة واسعة باردة، لم يستطع كبحها، شعر وكأن القدر نفسه يضع رقبة إريك بين يديه.

نظر إلى كريس متسائلا بدهشة: كيف استطعت أن تحتفظ بمقطع بهذا الثمن ولم ترسله لباولو؟ 

تبسم ابتسامة جانبية مفسرا بطمع: قلت لك، إنه يعطيني في السنة أكثر من مائة مليون دولار، كنت أريد التخلص منه، لكني قلت، سأنتظر قليلا، لكن بعد تلك الصور لا يهم أن نستقطع من تلك السنوات التي كنت سأنتظرها القليل. 

رفع سليم عينيه المشتعلتين، وقال له بحسم لا يقبل النقاش: أريد هذا المقطع، وسأعطيك المعلومات الكاملة عن تلك المقبرة..

ثم اضاف بتنبيه: لكنني لن أتدخل في الأمر، سأعطيك العنوان فقط، وليس لي علاقة بأي شيء آخر، إذا نجحت في الحصول عليها فهي لك، وإن لم تنجح فلا شأن لي.

تبسم كريس ابتسامة واسعة: اتفقنا. 

ابتسم سليم بانتصار، ورفع فنجان قهوته، وارتشف منه رشفة هادئة، بينما رفع كريس كأس خمره، لم يكن هذا نخبا عاديا، بل كان عهدا صامتا وكأنه جرس إعلان الحرب.

مصر 

في أحد الملاهي داخل أحد المولات،4م.

كانت أصوات الأطفال تملأ المكان بالضحكات، مع حركة دخول وخروج الزوار.

دخلت ماسة وهي تمسك بيد حور، وبرفقتها سلوى وعشري وعرفان، بينما انتشرت مجموعة من الحراس حولهم، بعدما سبقهم بعضهم إلى المكان لتأمينه.

تقدم أحد الحراس منهم فور وصولهم وقال باحترام:
كل حاجة جاهزة يا فندم.

نظرت حور حولها بفضول، ثم سألت ماسة: هو في إيه؟

ابتسمت ماسة وهي تنحني قليلا نحوها: مش أنا قلت لك إن في حرامي، وبابا خايف علينا وأنا كمان خايفة؟ فعمو عشري وأصحابه هنا علشان يحمينا منه.

رفعت حور قبضتها الصغيرة بحماس وقالت: لما أشوف الحرامي هدي له بوكس في مناخيره!

ضحكت سلوى وقالت بسرعة: لا، لو شفتي الحرامي مالكيش دعوة بيه، نادي على ماما أو عمو عشري.

ثم التفتت حور إلى ماسة بحماس: تعالوا هاتولي فشار، وبعدين نلعب.

ضحكت ماسة: ماشي.

وبالفعل، أُحضرا لها الفشار، وسرعان ما انشغلت به وهي تتنقل بين الألعاب.

جلست على الأرجوحة تتناول منه وهي تضحك، ثم انضمت سلوى لها في إحدى الألعاب، وظلتا تتنقلان من لعبة إلى أخرى، وسط أجواء مليئة بالمرح.

كانت ماسة تراقب حور وتلتقط لها الصور بين الحين والآخر، ثم اجتمعوا جميعا لإلتقاط بعض الصور معًا وتناولا الآيس كريم..

وبعدها دخلوا إحدى الألعاب الجماعية، وارتدوا النظارات المخصصة لها، وانطلقت المؤثرات أمامهم، فبدأوا يضحكون كلما ظهرت أمامهم الشخصيات الافتراضية وكأنها تهاجمهم وهما يحاولون حماية أنفسهم، كانت الأجواء ممتعة، والضحكات لا تتوقف.

حتى توقفت ماسة وسلوى لإلتقاط صورة أخرى، بينما ذهبت حور إلى إحدى الألعاب المناسبة لعمرها، وظلت تلعب وحدها، وهما تلوحان لها من بعيد
ورغم المرح الذي يملأ المكان، لم يكن الحراس غافلين للحظة.

كانوا منتشرين في أرجاء المكان، يراقبون كل حركة بعناية، بينما وقف عشري وعرفان في حالة يقظة تامة، لا تفوتهما شاردة ولا واردة.

وبالقرب من حور، وقف أحد الحراس يراقبها عن كثب.

لكن في الجهة الأخرى، كان هناك رجل وامرأة برفقة طفلة صغيرة، يقفون بعيدا نسبيا، ويتابعون المكان بنظرات متقطعة، بينما يتحدث الرجل في الهاتف بين الحين والآخر.

كانت ماسة وسلوى متوقفتان عند سور اللعبة، تتحدثان، وعيناهما لا تفارقان حور.

ماسة بقلق: والله مش عارفة سليم ناوي على إيه، بس أنا مش مطمنة.

قاطعتها سلوى مستهجنة: أصلا المفروض أول واحد يخلص منه.

اومأت ماسة بتوضيح: ما هو حكالي الخطة اللي عايز يعملها، علشان كده سافر، بس رغم أنها ذكيه بس خطر، دول مافيا، هو عايزهم هما يقتلوا بعض، ومش عايز يلوث إيده بالدم.

أومأ لها وهي تمسح على ظهرها: إن شاء الله خير ربنا يحفظهم..

نظرتا امامهم بإبتسامة وهنا لوحا أبيديهن لحور..

ثم ابتسمت سلوى وهي تتذكر الأيام الماضية نظرت لها: بس تعرفي؟ اليومين إللي إحنا قضيناهم في الساحل دول فرقوا معانا جامد بجد، أنا كانت نفسيتي في النازل.

ابتسمت ماسة وأومأت وهي تنظر لها: آه والله يا بنتي، الواحد اتخنق، كمان حور انبسطت أوي بالبحر.

وفي أثناء حديثهما، اقتربت من حور طفلة صغيرة في مثل عمرها، التي كانت برفقة الرجل والمرأة يقفان بعيدا، وبدأت تتحدث معها وتضحك لها ظلت ماسة تراقبهما للحظات، ثم ألتفتت إلى سلوى وقالت: بقولك، بفكر أخلي سليم يجيب لكم فيلا جنبنا، ونعيش كلنا جنب بعض. 

أومأت سلوى بحماس: موافقة جدا. 

في نفس اللحظة التي كانت حور تسير فيها خطوتين مع الطفلة مبتعدة عن اللعبة، تعالى صراخ مفاجئ من الجهة الأخرى، رجلان يتشاجران بصوت عالٍ وكادا يضربان بعضهما، فالتفتت كل الأنظار إليهما، حتى اندفع بعض الحراس بسرعة نحو الشجار ليفرقوا بينهما.

كانت ثانية واحدة، ثانية التفتت فيها ماسة وسلوى لا إراديا نحو صوت الخناقة.

ثم عادتا تنظران إلى حور.

لم تكن هناك.

لا حور، ولا الطفلة، ولا الرجل.

اللعبة أمامها فارغة من حور.

تجمد الدم في عروق ماسة، واتسعت عيناها في صدمة، واندفعت تبحث عنها بين الأطفال بجنون، قبل أن يخرج صوتها صارخا يشق أرجاء المكان:
حــــــــور! 

وفي اللحظة نفسها، التفتت سلوى إليها مذعورة، بينما اندفع الحراس في اتجاهات مختلفة، وتحولت أجواء المرح والضحك في ثوانٍ إلى فوضى وصراخ وقلق.

أما ماسة، فظلت تحدق أمامها بذهول، جسدها يرتجف وقلبها يكاد يتوقف عن النبض.

وهي تتمتم بنبرة كادت أن تزهق روحها: حور.. حور..
يتبع 
تعليقات



<>