رواية بين ظلال الماضي الفصل السابع عشر17 بقلم رودينا يوسف

رواية بين ظلال الماضي الفصل السابع عشر17 بقلم رودينا يوسف
تجمد حازم مكانه غير قادر على استيعاب ما يشاهد، نيران في كل مكان تلتهم ما ظل عمرًا يمهد له ويحلم به، ما اتخذه خطوة في طريقٍ به مَن هام بها عشقاً، نيران لم تكن تحرق مجرد بضائع غذائيه، لا بل كانت تندلع من أحشائه مارةً بقلبه حتى تراقصت بوضوح داخل عينيه.......

اقتربت منه حنين أكثر لترى ما الذي بدَّل حاله في لحظه لتشهق بخفه مما رأت ثم وضعت يدها على ذراعه تحثه على الإفاقه وهي تصيح بتوتر : 
حااازم... ايه ده ...هو في ايه ...

حوّل جحيم عينيه لها وهو يطفئ شاشه الهاتف وقال بنبرة خرجت مريرة ممزقة : ده شقى وتعب عمري يا حنين... مخزن شركتي اللي ياما حلمت بيها...

تحرك من أمامها هاتفًا بعجاله : ادخلي انتي يا حنين...
أنا لازم اتحرك دلوقتي. 

اندفعت حنين خلفه بلهفة تمسك يده بإصرار وتقول :
أنا هاجي معاك ...مش هسيبك في الحاله دي لوحدك 

نظر لها برجاء ألا تتركه حقا ، ولكن تذكر المخاطر التي قد تحيط بها ، فضغط على يدها بتشبث كأنه يستمد منها قوة يحتاجها الآن و بشدة ، ثم خرج صوته بنبره غير قابله للنقاش : ممكن تساعديني إني ما اخسركيش انتي كمان زي ما خسرت كل حاجه ...ارجوكي اطلعي وانا هبلغك في التليفون اول باول ...مش وقت جدال من فضلك... لازم ألحق سعيد وافهم ده حصل ازاي ....

ضيقت حنين عيناها بعدم تصديق فهو يفكر بها وهو في أشد الاوقات صعوبه ، ثم شملته بنظرة ممتنه وداخلها امتلأ بالخوف عليه وعدم الرغبه في تركه، لكن اضطرت الإذعان لطلبه وعيناها اللامعه بدأت تغرورقان بالدموع وقالت بتأثر : طب ممكن تطمني بالفون بليز كل شويه... وكمان في عربيه في الجراچ هتساعدك توصل اسرع خدها .... 

أجابها وهو في عجلة من أمره : ما تقلقيش معايا مكنه بره بروح بيها كده كده ...من فضلك ادخلي بقى . 

تحركت تجر قدميها كي لا تعطله ، بينما هو اطمئن لتحركها من أمامه وأطلق ساقيه للريح بسرعه ....

صعدت بثقل على الدرج المؤدي لباب الفيلا الرئيسي وقلبها تتصارع خفقاته مما يشعر به ويحدثها عنه ، أيعقل أنه يخشى عليكِ ويفكر بكِ رغم ما يحدث معه؟؟...

كلماته الراجيه البسيطة تتردد بصدى وهي تؤكد لها أنها أعظم وأغلى ما يملك ، نظرته لها التي دوما ما رأتها بأعين والدها وفقط الآن و؟من وُهِبَت مثلها وربما أعمق منها والتي تبلغها بقدرها لديه ....

انهمرت الدموع اللامعه داخل عيناها وهي تتقدم من والدتها والتي بدورها استقامت من جلستها بلهفه وقلق من هيئة حنين التي اندفعت تسكن أحضانها بشهقات متقطعة ، والأخرى تضمها باحتواء وتسأل بصوت يملأه الرهبه مع يدين تفحصها أثناء احتضانها لها : مالك يا عمري ...في ايه يا حبيبتي ....ايه حصل بس لده كله... ماااالك .

رفعت عيناها الباكيه وقالت من بين شهقاتها : حااا...حااازم يا مامي 

رمقتها نادية باهتمام وسألت : ماله يا نونه 
وضعت يدها على وجنتها وأكملت مستفهمة : ضايقك حبيبتي... عمل لك حاجه تزعلك فهميني .

نفت مسرعه وقالت بتقطع : كنا لسه واصلين وواقفين نتكلم شويه ...وجاله فيديو كول ...ولقينا نار بتولع مكان و بيقول شركته ف..ف.. وصلني ومشي يا مامي وما رضيش ياخدني معاه ....

زاد بكاء حنين وزاد معه إشفاق ناديه كأم ، فضمتها ثانيه تبثها السكينه وهدهدتها وهي تقول بلطف : طب اهدي اهدي يا نونه... كله هيتحل ....حالا هكلم بابي وهو يتصرف ويبقى معاه ما تقلقيش ....

تحدثت حنين بتلهف كمن تذكر فجأه : صح صح ...بابي هيتصرف.... من فضلك كلميه حالا يا مامي... خليه يبقى جنبه .

ألتقطت ناديه الهاتف وطلبت رقم زوجها الذي كان في طريقه للمنزل فرد سريعا : للدرجه دي وحشتك يا نانا.... مش لسه قافلين سوا من ربع ساعه.... عموما أنا خلاص قربت على البيت .

ناديه : كرم من فضلك في حاجه مهمه حصلت ومحتاجينك تتدخل فورا .

اعتدل باهتمام وقال بجديه : خير يا ناديه حصل ايه 
استمع إلى شهقات حنين الباكيه المنخفضه وهي داخل أحضان أمها فتشنج جسده وقال بعصبيه : حنين اللي بتعيط دي يا ناديه.... في ايه مالها .

تنفست ناديه محاولة الهدوء وسط هذا الجو المشحون حولها ثم قصت عليه ما روته حنين طالبة منه المساعده .

وكرم أغلق عينيه بضيق فهو يخشى أن يكون سببا فيما حدث لحازم لمجرد أنه على مقربه منه وابنته، زفر الهواء ببعض الراحه ليطمأن على سلامة حنين، ولكن شعور الذنب بدأ يتسرب داخله فقال بعزم : اطمني وهدي حنين ... انا هاعمل اتصالاتي حالا ... وهشوف الموضوع فين بالظبط و أنا بنفسي هكون مع حازم .

اغلقت نادي الهاتف وربطت على ظهر ابنتها بحنان وهي تقول : خلاص يا حبيبتي بابا بنفسه هيكون عنده وهيكلم ناس ويعرف الموضوع واصل لفين.... كفايه بقى دموع.... العيون الحلوين دول تعبوا 

ابتسمت بلطافه ورفعت وجه حنين ليقابل وجهها وقالت محاولة جذب ابنتها لحديث يخرجها من حالتها تلك : قولي لي يا نونه...هو اللي انا شايفاه وحساه جواكي من ناحيه حازم ده حقيقي... سألتها بمباشرة: حنين انتي بتحبيه ....

توردت وجنتي حنين أكثر ولكن هذه المره بفعل الحياء وليس البكاء، وعيناها توترت ونظرت بكل الاتجاهات وهي تقول : ايه الكلام ده يا مامي... احب ايه بس... انتي عارفه مش بحب الكلام في الموضوع ده و قفلاه من زمان .....

ناديه : هتخبي عني ولا عن نفسك يا نور عين مامي... ايوه عارفه وجهه نظرك في الموضوع ده و إنك رافضه بس برضه اللي شايفاه بعيونك من فتره واللي بيأكده موقفك النهارده بيقول إنك اتشديتي في دوامه الحب من غير ما تحسي يا حبيبتي ....

تنهدت واسترسلت : انا بحب كرم جدا يا حنين واقدر أفهم وأحس اللي بيحب زيي بيبقى حالته ايه لأني عشت ده من قبلك ....نصيحتي بقى لو لسه مش معترفه وبتكابري اهدي وما تخنقيش مشاعرك اللي اصلا مش في ايدك.... لإن في الآخر هتضيعي أجمل لحظات عمرك... وبقول لك كده لأن الولد كمان يستاهل وباين عليه أنه مهتم وبيحبك وجدا كمان .....

حنين بمصارحه : والله يا مامي مش عارفه أنا معاه بحس بحاجات كتير قوي مختلفه كأني اعرفه من زمان وحتى يمكن اتولدت على ايده ....نظرته ليا مختلفه عن كل العيون اللي بتشوفني ....اهتمامه وحركاته وكلامه كل حاجه إحساسها غير ....بس خايفه برضه.... انا جوايا حاجه خايفه تتوجع وبرغم الأمان اللي زايد في حياتي من وقت ما ظهر ...حتى احلامي اللي بتضايقني اختفت من يوم ما شفته .... إلا إن في حاجه مش قادره أحددها مخوفاني.... يمكن لإن التجربه كلها أول مره ليا ...

احتوت ناديه كفيها بيديها ثم تحدثت : يا حبيبتي كل ده جواكي ومش بتقولي ليا ...

ابتسمت بحنان وأكملت : وكل اللي بتقوليه ده ومش عارفه يا حنين... انتي بتحبي يا قلب ماما ...معقول كبرتي يا بنتي و بقيتي بتحبي وتتحبي بسرعه كده .

قبلت حنين يدها وقالت : عمري ما اكبر عليكي يا حبيبتي انا بس مش عاوزه استعجل حاجه أو يمكن عاوزه أتأكد اكتر منه .

ناديه : خير يا حبيبتي اطمني... باين عليه صدقيني .

نظرت لوالدتها بهدوء ثم قامت لتطمأن عليه فاستأذنت: طيب ثواني هتصل اطمن عليه يا مامي ...وارجع لحضرتك .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في بعض الأحيان يكون الصمت أبلغ من أي كلام ، نتخذه ملاذا لنواري خلفه ما يعتري صدورنا من خيبات أو فواجع أو صدمات تغذينا بمشاعر متداخله وتغمرنا دون سابق إنذار ، محاولين بجهد الحفاظ على صورة رسمناها لأنفسنا في أعين المحيطين بنا ....

وحازم ارتدى قناع الصمت بإتقان منذ وصوله موقع الحريق ، فقط يتجول بعينيه على هذا الرماد المتناثر في الخارج، وعمال الإطفاء الذين سيطروا على الحريق ويتحركون هنا وهناك يلملمون معداتهم ، والأصوات المتداخله من حوله للناجين من داخل المخزن، وصديقه سعيد الذي بجانبه يثرثر عما حدث لوكيل النيابه الذي اتى تواً بعدما تحركت قوه الشرطه أثر البلاغ الذي تلقوه...

كل هذه المشاهد تمر أمامه وهو لا ينطق ببنت شفه، يستمع للأصوات كأنها هسيس بعيد ، يتأمل المكان بعيون خاويه، ويديه لا تفارق جيبي بنطاله ، ورأسه ما زال رافض الانكسار رغم أنين قلبه على حلم بلحظه ذهب أدراج الرياح ....

تفاجأ بربطة مؤازره على كتفه الأيمن جعلته يلتفت لصاحبها،و الذي تفاجأ به وهو يقول : 
ما تخافش حقك هيجيلك ....ولو ده بفعل فعل مش هسيبه ....انا معاك يا ابني 

كانت هذه كلمات كرم الذي وصل منذ دقيقة ، بعد إجراؤه عده اتصالات و قد سهل عليه معرفته المسبقه بعمل حازم ، عندما كان يستأذن للمتابعه مع صديقه أحيانا وقت وجود حنين بالشركه ....

ابتسم حازم داخليا على اهتمام حنينه وحنانه ، فقد أرسلت والدها بنفسه حتى لا يكون وحيدا في هكذا موقف ....

نظر لكرم الذي جاء حديثه بنبره أبويه صادقه ، وارتسم على وجهه بسمه مرارة وقال : شفت اللي أكتر من كده بكتير في حياتي ياكرم بيه ...وعمري ما خفت

تحولت بسمته لأخرى مزجت بالرضا ، مع التماع عينيه بيقين وهو يكمل : اصل اتعلمت واتربيت على إن رب العباد له حكمه... واكيد فيها خير حتى لو ما عرفتوش... فهخاف من ايه بقى ...

خرجت منه همهمه ساخره وهو يسترسل بتحدي: ولو على الفلوس... ربنا رزقني وانا اللي عملتها ...وبعون الله هقدر اعمل غيرها 

شمله كرم بعين معجبه بهذا الشاب الذي مذ عرفه يثبت له وفي أكثر من موقف مدى صدقه ورجولته، فتحدث باستحسان: تسلم اللي ربت راجل زيك... وما فيش مانع إنك تزيد على كل ده إني برضه معاك

رغم كل ما تحدث به وهو ليس رياء على الإطلاق ، إلا أنه لم يكن في حال تسمح بمجامله أو تبادل الكثير من الحديث، فاكتفى بابتسامة شكر على استحياء ظهرت فوق ملامحه اامشدودة، مع إماءة مؤيدة لما قال كرم...

اقترب منهم وكيل النيابه الذي أتى بصحبه المعمل الجنائي متحدثا بعمليه: محتاجين اقوالك يا استاذ حازم

حازم : للاسف يافندم ... انا ما عنديش اقوال اقولها ... لأن ببساطة مش متواجد هنا كتير ...انا اغلب الشغل بديره أون لاين... و جيت هنا بعد اتصال سعيد عشان يبلغني بالحريق ...واعتقد أن هو والحارس والمسؤول عن المخزن قالوا أقوالهم ... وإن كل حاجه حصلت فجأه

وكيل النيابه: اه ...مفهوم مفهوم... عامه احنا مستنيين بتوع المعمل الجنائي يخلصوا شغلهم عشان نحدد الموضوع ده حصل ازاي... وبعدين نقرر

عقب كرم بطلب: يا ريت يا فندم الموضوع يخلص على وجه السرعه...

اكمل وهو يمد يده إلى وكيل النيابه معرفا نفسه بوقار: انا كرم عثمان ومهتم بالموضوع ده بصفه شخصية

بادله وكيل النيابه السلام باحترام وقال : اشهر من نار على العلم يا فندم ...وحضرتك عارف اكيد إن النيابه عمرها ما بتتأخر في شغل... احنا بنقوم بواجبنا على أكمل وجه

كرم بتاكيد: ما فيش شك في ده أبدا ...واكيد مش قصدي تقصير منك او منكم عموما....انا بس اللي اقصده نسرع في الإجراءات شويه... لأن الموضوع مهم ويعنيني جدا 

صاح أحدهم على وكيل النيابه كي يحضر للاهميه، فقطع الحديث و استأذن منهم ليتابع واجبه....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد اتصال حنين عدة مرات للإطمئنان على حازم ، وعندما وجدته منشغل مع مَن حوله ، أغلقت على وعد منه بمكالمه أخرى عندما يرحل، ثم قامت بمهاتفه مرام لتقص عليها ما حدث تفصيلا....

ردت مرام بتأثر : يا خبر... إزاي ده حصل... لا حول ولا قوه إلا بالله.... يا ترى يا حازم حالتك ايه دلوقتي؟؟

حنين بصوت موجوع على مَن بات يسكن خافقها :
صوته رغم أنه ثابت... بس بيداري ألم كبير وراه يا مرام ...بجد زعلانه قوي قوي عليه 

ابتسمت مرام وقالت: طبعا ...حازم يستاهل إن كلنا نزعل علشانه ونقف معاه.... ما بالك انتي بقى ؟

رنت كلمه وقوف الجميع بجانبه داخل أذنها ، فمسحت دمعة هاربه من طرف عيناها، ثم اقترحت بأمل أن يخفف ذلك الاقتراح عنه: مرام.. انتي على طول بتحكي عن أن حازم واحد منكم... وإن أخوكي وجاركم ده أعز اصحاب ليه... ودايماً مع بعض.... إيه رأيك تقولي لهم اللي حصل ده ونتقابل الصبح كلنا عنده ...ونشوف ممكن نعمل ايه مع بعض عشان ما يحسش إنه لوحده... جايز ده يهون عليه

قالت آخر جمله بصوت خفيض مع تنهيده أمل أن يفيد هذا الاقتراح في تضميد أي جرح داخله ...

وافقت مرام بسرعه وردت باستحسان : ايوه طبعا.. هو اصلا اكيد مش هيسيبوه لما يعرفوا... عموما هظبطها حالا مع عادل ونتقابل عنده كلنا الصبح ...يا بخت حازم بيكي يا نونه بجد... معقول يهمك زعله للدرجه دي!!

خجلت حنين وقالت بتلعثم : يعني.. هو كويس معايا دايما... وله كذا موقف عمري ما انساه ليه... يعني و...

قاطعتها مرام: حنين صدقيني... انتي وحازم لايقين على بعض قوي ...وشكلك وقعتي زي ما هو باين عليه كمان

حنين: انتي هتقولي لي زي مامي يا مرام 

مرام: مش يمكن شايفين اللي انتي مش عايزه تعترفي بيه لنفسك ؟

حنين: أنا بس مش عاوزه اسبق الاحداث... لكن مش بنكر أبدا إنجذابي او اهتمامي بيه.... ده غير إنه يعني مشاعر كتير اتلخبطت جوايا وزارتني مع وجوده.... في حاجه بتاخدني لعنده كأن بينا سنين... وفي ألفه بحسها وهو معايا عمري ما حسيتها مع اي شخص تاني....

تنهدت بحيرة وأكملت : كل ده ممتاز ...بس برضه أنا لسه خايفه ...في جوايا حته متناقضه وضلمة... رغم إني حابه القرب ده والاحساس الجميل اللي عايشاه ...بس في حاجه تانية جوايا بتقول طب لو اتوجعتي ولا جه يوم وبعد... انا طول عمري محافظه على قلبي وبخاف عليه يامرام.... لأن لو حبيت هعيش بكل تفصيله جوايا في الحكايه... ومش هستحمل أي جرح أو غدر ...فهماني 

مرام : بس كل اللي بتقوليه يمكن أفهمه لو مع حد غير حازم.... لأن ممكن ما اكونش اعرفه ... لكن صدقيني يا حنين انتي لازم تكوني مطمنه إن قلبك لما اختار كان حازم صاحب النصيب.... لأن اختيارك صح جدا... واعتقد إنك عايشه في بيت جميل... وعلاقه كرم بيه مع مامتك كل الدنيا بتحلف بيها... يعني شفتي الاختيار الصح بتكون نتيجته ايه ولا ايه ؟؟

سحبت حنين أكبر قدر من الهواء داخل رئتيها ، ثم نفثته على مهل، كأنها تغلغل كلمات مرام داخل عقلها وفي كل ذرة من جسدها ، و التي كررها عليها قلبها مرارا، وتحدثت باقتناع: معاكي حق يا مرام ... عموما خلينا بس نركز في اللي قلت لك عليه دلوقتي... وبليز طمنيني أنه done.... وأنا بكره هستأذن ليا وليكي من بابي وهاجي لك ونكون مع حازم ...اوك 

أمنت مرام على حديثها ثم تركتها وذهبت لتخبر أخاها على عجاله، إلا أنها تذكرت أنه في مداهمه وخطه مغلق الآن ، فدونت له رساله على الواتساب ليراها حينما يفتح هاتفه ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد منتصف الليل بقليل......

وصل عبد الله لفيلا والده بعد غياب دام ثلاثه أيام متواصله، ولكن حالته هذه المره لم تعد كما كان قبلاً، فقد كان يهذي بشده ويغني بانتشاء غريب، وهو يتمايل كأنه في حفله راقصه، غير مبالٍ لأبيه الذي استيقظ أثر استماعه لصوت الضوضاء الحادثه بالبهو، وتخبطه في الأثاث من حوله ، وارتطام هذه المزهريه الكبيره على الارض لتتحول حطامًا....

وعبد الله ما زال غير مباليًا ويستمر فيما يفعل حتى أن قدمه دخل بها قطعه زجاج كبيره ولكنه لم يتألم أو يشعر بها حتى ....

هبط ناجي درجات السلم بغضب من مظهر ولده الذي يتضح عليه عدم الاتزان، ولكن صُدِم وجف الكلام على شفتيه عندما رأى كم الدماء النازفة من قدمه، حتى أنها تملأ أرضيه البهو ...

اقترب منه سريعًا يوقفه وهو يقول فزعًا : بس بس أقف يا ابني... انت مش واخد بالك إنك مجروح

سحبه من ذراعه وسط نظرات عبد الله المستهتره وأجلسه على اقرب كرسي، ثم هرول يحضر علبه الاسعافات ليضمد جرحه، عاد و أخذ ينظر باهتمام لموضع جرحه، وأخرج ملقاطًا يستأصل به تلك الزجاجه، كان حريصا كي لا يؤلمه مع استغرابه أنه لا يشعر حقا بالألم رغم عمق الجرح ...

نزع القطعة الزجاجية منه وهو يشمله بنظرات متفحصه تحولت لمندهشه عندما ضحك وقال بهذيان: ايه يا بوب مش مستاهله اوضه العمليات اللي عملتها دي... كل ده عشان اتخربشت الحته الصغيره دي... فكك بقى انا كبرت على كده 

رماه بسهام نظراته المغتاظه مما يستخف به هذا الابله، ثم أكمل تنظيف الجرح وتضميده بعنايه ودقه ، و ريثما انتهى جره خلفه لغرفه المكتب ثم دفعه بعنف ليدخل أمامه ، وبعد أن أغلق الباب هدر به بعصبيه مفرطه: 
أنت خلاص يا بيه وصل بيك الاستهتار إنك تكون شارب بالشكل ده... ايه ضعت يا عبد الله خلاص 

لوّح عبد الله بيده بلا مبالاه وهو يرد عليه بصوت عالٍ وقله احترام: شارب ايه و زفت ايه ... ده يادوب كاس صغير مع صحابي في سهرة وخلصنا ..

ثم ضحك بهستيريا وقال : ما تعملهاش موضوع بقى...اقولك سيبني اطلع انام احسن 

وقف ناجي أمامه وصاح: للدرجه دي بقيت واحد عياره فالت... للدرجة دي بقيت بتستمتع وانت بتضيع حياتك..

حاول التحدث بحكمه وهدوء لعله يكسبه : ليه يا ابني كده وانت في ايدك تبقى احسن شاب في الدنيا... سيب الدنيا بتاعتك دي وقرب لي... ما تسمعش كلام أمك وحط ايدك في ايدي واقفل صفحتك دي ...خليك معايا انا واخوك

كان يمد له يده بحب ، ولكن الآخر زفر بتأفف واختناق وأبعد يديه من أمامه ورد بفظاظه: بابا أنا كده مبسوط ومش هتغير... شيلني انت من دماغك أنا ما بقولكش تعمل ايه وما تعملش ايه.... يبقى مش من حقك انت كمان تحاسبني... كفايه خنقه وما تطيريش الكاس من دماغي بقى...

لم يجد ناجي رداً سوى أن يضربه على وجنته بقوة ضربة سقط عبد الله على أثرها أرضا ، ثم قال بملء صوته: واضح إنك في آخر طريق الضياع... بس اللي ما عرفتش اعمله معاك زمان لازم احاول انجدك بيه دلوقتي بص بقى ان...

استقام عبد الله ووقف أمام أبيه برعونه وعناد و أوقف حديثه وهو يقول باستفزاز : أنت قد اللي عملته ده.. هو انت كده بتربيني يعني ... طيب كل اللي بتقوله واللي هتقوله مالوش لزوم عندي... يا...هه.. بوب ...والبيت ده مش عاوزه... اصل ما تبقاش سايبني العمر ده كله لراويه هانم وفجأه كده افتكرت إني ضعت ويلا بقى أما أربيك وبلا ..بلا.. بلا ..انا همشي ومش عاوز حد فيكم يسأل عليا أو انا فين..

وقف ناجي مبهوتًا مما يرى ويسمع من ولده ، مَن هذا؟؟ كيف وصل إلى هنا ؟؟؟متى فقدته؟؟؟ ، شيعت عيني ناجي ولده بنظرات مصدومه حزينه ، ثم همهم بخفوت نادم : الله لا يسامحك يا راويه... ضيعتي الولد... وللاسف انا ساعدتك بسكوتي .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فجرًا ....

دخل حازم بخطى ثقيله إلى منزله بعد أن أخذ يجوب طويلاً في شوارع وسط البلد، واستقر أمام كورنيش النيل ، كان ينظر أمامه بشرود يناجي حاله وداخله تضاربت الاسئله ، هل أستطيع الوقوف ثانية؟؟؟ هل سيكون لي نصيب من الفرحه؟؟؟ حنين هل تنتظريني؟؟؟ هل تتمسكين بي للنهايه؟؟؟؟... هل وهل وهل ، عقله يقف غير قادر على التحليل وقلبه لم يعد يحتمل كل تلك السقطات، فقط يريد استراحه محارب....

وهذا ما وجده عندما دخل بيته ووجد أمامه والدته التي بلغ منها القلق مبلغه منذ ساعات، فلقد حاولت الاتصال به إلا أن هاتفه مغلق، وشعرت أن هناك خطب ما يدور مع ولدها، فلم تستطع أن تغفو قبل أن تطمئن عليه...

حركته الثقيله أثناء مشيته، وعينيه المفعمه بالحزن ، واكتافه المتهدلة كمن يحمل على عاتقه هموم الدنيا كلها، كل ما يبدو من هيئته وشى به لتلك التي ولدته وتحفظه أكثر من نفسها ....

لم تنطق فقط فتحت له ذراعيها بحنان الأم الفطري ، في دعوه صريحة ليرمي داخل أحضانها كل ما يؤرقه، وهي ستكون أكثر من مرحبة...

وحازم لم يفكر مرتين ، بل اقترب كظمآن وجد أخيرا ماء يروي عطش سنينه ، ارتمى بثقله داخل احضان أمه ، وهنا ووجد ضالته من السكينه التي يتوق إليها ...

احتوته إيمان بكل حب ، وربطت على ظهره كمن يربط على جرح ويمحي أثره ، لينطلق أخيرا الهواء داخل رئتيه بعدما شعر بتوقفها عن العمل، ثم استقام ينظر لوالدته بيأس ، وهي ردت له نظرته بثقه ، ثم تحدثت بعلم: 
تعالى يا حبيبي ندخل اوضتك واحكي لي كل اللي حصل معاك ...فضفضلي يا ابن عمري وارتاح

أمسكت بيده وهو لم يهرب منها ، هو يحتاج فقط لجلسته تلك مع والدته خاصة، فهي شريكة كل ما مرّ به وقدوته ، و دوما يدها كانت بيده، وهي مَن زرعت فيه حلو الصفات والجلد عند الازمات، و التي كان يراها عليه مع كل صدمة تواجهها....

دلف الاثنين لغرفه حازم الذي جلس على تخته وأمه لجواره، وقبل أن ينطق أخذت رأسه ليريحها على صدرها وضمتها بحنان، كأنه عاد طفلا صغير ، وهنا و أنهار الجبل...

إذ أنه بكى، ولكن كعادته بصمت ، شعرت أمه به من أنفاسه فقررت أن يكفي هذا القدر، فابنها لا يليق بي ثوب الضعف ، ربطت على ظهره ليستقيم، وهو اعتدل بعد أن كفكف دموعه، وكأن شيئا لم يكن ...

ثم بدأت والدته بقولها : احكي يا حازم سمعاك

حازم باحباط: كل حاجه راحت يا امي بغمضه عين ...شقايا وتعب عمري كله اللي حطيته في المشروع أكلته النار ...وحرقت معاه قلبي مش فلوسي وبس... انا تعبت يا امي... هي ليه الدنيا بتعمل معايا كده 

طرحت عليه ايمان سؤالا: ومن امتى ربنا بيسيبنا يا حازم ؟؟؟

ثم اكملت بيقين طالما بثته داخل اولادها : ربك عمره ما كان ظالم يا ابني ...حاشا لله ...ده كل حاجه وليها حكمه واللي انت فاكره شر يمكن يكون هو كل الخير ...وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم ...نسيت يابني

حازم: مش ناسي بس تعبت 

ايمان : لا ... مش ده اللي انا ربيتك عليه... هتزعل شويه وماله... احنا بشر... بس اوعى تخلي الشيطان يتملك منك ويفضل يغذي جواك السخط على العيشه ...واللي بيجرى لك... احمد ربنا يا حبيبي... ده احنا في نعم وربك مافيش احن منه... والله يا ابني إنه معوض مخلف..

اكملت بأمل : وهتشوف انا عمري قلت لك كلمه وطلعت غلط ابدا... اللي تفتكره نهايه بيبقى اوقات بدايه جديده اقوى واشد

واسترسلت تذكره: فاكر يا حازم اللي جرى لي بعد ما راح خالك وابوك...انا وقتها قلت خلاص ضهري انكسر وقلبي اندفن ورحت وراهم... بس ربك عوضني بيك وباخواتك... وعافرت وانت كنت السند بعد ربنا اللي قواني ...ووقفت تاني على رجلي وعشت بيكم وليكم والحمد لله على اللي انا فيه

خبطت على كتفه بتذكير وتحفيز: افتكر إننا معاك .... وإن وجودنا كلنا في حياه بعض سبب كفايه عشان نقوم ثاني بعد اي وقعه... ما يليقش عليك توب الضعف يا حبيبي... ده انت راجل من ضهر راجل ...والرجاله يليق عليها المعافره والتحدي وبس.... وبكره لما توصل هتقول كلامك كله كان عندك حق فيه يا امي ...وهتبقى ايامك دي ذكريات وفاتت وما فيش اسرع من الايام

حملق حازم في عيون والدته بفخر وحمد الله على نعمه وجودها وكلامها الذي كان بلسما على قلبه، ابتسم لها بشكر وعرفان وقال بتأكيد : مافيش بعد كلامك يا ام حازم...واللي فيه الخير يقدمه ربنا

إيمان : ونعم بالله يا حبيبي... يلا بقى قوم كده وانفض عنك كل ده ...واتوضا وصلي ركعتين قيام على الفجر ما يأذن ...وانا هصحي اخواتك ونصلي جماعه 

حازم بطاعه وهو يقبل يد والدته برضا : حاضر يا امي هاخد دش بس وهعمل كده

استعدت إيمان للمغادره وهي تقول: طيب يا حبيبي على ما تخلص اروح انا بقى ادعي لك واخلص وردي

تركته منفردا لينظر قليلا لسقف الغرفه ثم تذكر حنين ووعده لها بمهاتفتها، وهو ما لم يفعله نظرًا للحاله التي كان عليها ، والتي لم يحبذ فيها سوى الاختلاء بنفسه ..

أعاد تشغيل الهاتف وتلقى رساله بمكالمات فائته من شركه المحمول ، ورساله عبر تطبيق الواتساب تقول بعتاب لطيف: كده برضه تنساني ...طبعا انا زعلانه منك خالص ومخاصماك ...بس ما يمنعش انك تبعت تطمني عليك اول ما تروح... انا عرفت من بابي إنك حبيت تقعد لوحدك شويه.... هستناك 

شقت ثغره ابتسامه هادئه على تلك الكلمات التي اعتبرها تحمل وعدا ، وأرسل : وصلت ...ما تزعليش ..اتحملي الفتره دي من فضلك... وخليك دائما مستنياني

ضغط زر الإرسال وذهب لخزانته حتى يجهز ملابس يرتديها بعد حماماً دافئاً يساعد على الهدوء ، ثم يلجأ للخالق العزيز يسأله قوه التحمل والتوفيق فيما سيأتي ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مع إشراقه شمس يوم جديد...

استفاقت حنين  بحماس على الرغم من قلة عدد ساعات نومها ، فقد ظلت مستيقظة بقلق طوال الليل حتى قرأت رسالته من الخارج دون أن ترد ، والتي ما إن تلقتها شعرت ببعض الهدوء يزورها ويساعدها في نيل قسط ولو بسيط من الراحه ...

ارتدت بنطالا من الجينز الفاتح،  يعلوه تيشرت يصل للخصر باللون الاحمر الناري ، وفوقه جاكيت صيفي خفيف بنفس اللون ، ورفعت شعرها لأعلى مع وضع نظارتها الشمسيه فوقه..

أما زينه وجهها فقد استخدمت موردا للخدود مع ملمع خفيف أظهر جمال شفتيها الورديه ،ثم ألقت نظره أخيره على نفسها برضا ، ورسمت بسمه مشرقه ستجعلها ترافقها حتى يراها...

هبطت للأسفل وشرعت في تناول الفطور مع والديها وهي تقول:  بابي.. من فضلك انا مرام النهارده كونجيه congé من الشغل ...وبعد اذنك انا وماما هنروح عند حازم البيت 

ابتسم كرم بجانب فمه بتسلية وقرر مشاكستها فأجاب متصنعا  الجديه:  وده ليه بقى ان شاء الله 

ارتبكت حنين ونظرت لوالدتها تطلب المساعده،  لتشارك الاخرى زوجها لعبته،  وترفع منكبيها بمعنى (ليس من شأني )...فاضطرت حنين للرد : أصل يا بابي ...متفقه مع مرام إننا يعني نتقابل كلنا عند حازم مع اصحابه ومامته ....يعني كنوع من الدعم عشان اللي حصل وكده بقى يعني ...

كرم مكملا إرباكه لها:  ما انا دعمته وروحت بنفسي وعملت اللي علينا... ولا يعني انا مش كفايه ...ونسيب بقى شغلنا عشان حازم

صدمت حنين من كلامه وقالت : مش ممكن يا بابا حضرتك اللي بتقول كده... ده حازم اللي كان هيضحي بحياته عشاني

احتوى كرم يدها سريعا بيده وقال بجديه : طب وانتي تعرفي عني كده... ان بابي عمره ينسى فضل اللي حواليه ...انا كنت بنكشك يا روح بابي... كده كده كان باين من لبسك الكاجوال ده إن ما فيهاش شركه النهارده

استقامت وذهبت له مقبلة إياه : بقى كده يا كراميلا برضه... بتخضني... شايفني بحاول اكون لذيذة عشان اعرف اتعامل تقوم توقع قلبي كده

كرم : سلامه قلبك يا غالي... وانا اقدر يا روحي

ناديه بتدخل : اطلع منها انا بقى واسيبكم وامشي

حنين:  وده ينفع  يا قمرنا.. انتي هتسيبينا بس عشان تجهزي بقى وتيجي معايا... بليز يا مامي

كرم باستحسان : اه افضل كده... وخدوا اطقم الحراسه بتاعتكم انتم الاتنين

نادية باستفسار:  مش كثير كده يا كرم ؟؟

كرم: لا انا كده هبقى مطمن وهعرف اتابعكم كمان من خلالهم ...ها قلتي ايه.. ما هو يا كده يا بلاش خروج 

حنين وهي تقوم بحركه مسرحيه كحركه تمام التي يعطيها الجنود : والله ما يحصل... ده انت لو عاوز تدينا طقم حراستك كمان احنا موافقين يا كرم باشا 

ضحك الابوين على تلك الجميله خفيفه الظل،  ثم غادر كرم إلى عمله وبعد فتره تجهزت ناديه لترافق ابنتها في زيارتها الأولى لمنزل حازم.... 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحركت حنين وقد تحدثت مع مرام وهي في الطريق لتستعد، والأخرى أكدت لها تواصلها مع أخيها ، والذي رد عليها صباحا بعد إنتهاء مهمته بنجاح ، وقام  بمهاتفه أيمن بعدما راقت له فكره حنين،  وأبلغه بأنه سياتي في الطريق نحوهم من العمل ، وأيمن أكد أنه سيهبط بعد قليل قبل ذهابه للعمل أيضا...

كانت مرام تقف أمام نافذه نعيمه تطمئن عليها بينما تنتظر حنين ، وصلت حنين وجهتها و خلفها سيارتين الحراسه ثم هبطت ووالدتها بأناقة ، مما جعل كل أعين الشارع تتجه إليهما ، فهما ملفتتين بشده، وهذا ما جعل اللمز والفضول من قِبل نساء الحي كبير...

تقدمت حنين من مكان مرام لتقول:  هاي يا مرام .. اتأخرنا عليكي

قبل أن ترد مرام علقت نعيمه:  بسم الله ما شاء الله... ايه الحلويات اللي دخلت الشارع دي.... مين دي يا بت يا مرام؟؟

مرام : دي صاحبتي يا نعناعه ... انتي هتعاكسيها وانا واقفة ولا ايه !!

نعيمه مصدرة صوتها المعتاد : مسسم ... اعاكسها... ليه يعني ... هي اه تهبل وحلوه شويتين... بس برضه تيجي ايه دي في حلاوتي زمان... ده انا يا بنت كنت بوقف السيده زينب كلها على رجل ...غيرشي الزمن... يلا 

وجهت حديثها لحنين : قولي لي يا حلوه يا ام ريحه حلوه انتي...  اسمك ايه؟؟

ابتسمت حنين بشده وردت بلطف وهي تمد يدها لها تسلم عليها : انا حنين وحضرتك ؟

نعيمه جذبت يدها لتعانقها بحميميه: ياختي حلوة... انا نعيمه يا اختي ... معقول البت دي ما قالتلكيش عليا... ده كله هنا يعرفني..

رأت ناديه من خلفها فسألتها : يا سلام يا ولاد على التربيه الحلوه ...هي امك باعته معاكي اختك الكبيره؟

ضحكت ناديه واقتربت منها بود تقول:  لا خالص... انا ابقى مامتها على فكره

رمقتها نعيمه بتفحص من أعلاها لاسفلها مع استغرابها ، وقالت وهي تضع سبابتها وابهامها بتفكر أسفل ذقنها : 
يوووه...امها.... مش باين عليكي يا حبيبتي.... يا حلاوه يا ولاد على أمهات اليومين دول...ما صحيح على رأي المثل ما تبان البضاعه غير بعد حبل ورضاعة...

مرام مستأذنه لتنهي تلك النظرات من حولهن:  طيب يا جميل هنسيبك بقى عشان نلحق نطلع لحازم... وابقى انزل لك تاني اوك

نعيمه بمقاطعه:  طالعين عند حازم ليه يا  بت عندكم درس النهارده؟

نظره حنين لوالدتها المندهشه ولكن أفهمتهما مرام حين قالت بصوت خفيض:  طنط نعيمه عندها أعراض زهايمر بقالها فترة ماتستغربوش

ابتسم الاثنتين بتفهم و مجامله ولكن صراخ نعيمه افزعهم:  انتي بتقولي لهم ايه يا بت عشان يضحكوا كده...انخفضت نبرة صوتها بتأثر مفاجئ : اخص عليكي يا مرام مش عاوزه تقولي لي نكته معاكم ده انا حتى زهقانه و...
سكتت كمن تذكر شيئا ثم قالت : هي الساعه بقت كام عاوزه اقوم اجهز الغداء لابو محمود... لازم اخلصه قبل ما يجي ...

اقتربت مرام تقبل رأسها وقالت : لسه بدري يا حبيبتي وسامحيني مضطره اخدهم ونطلع الناس عمالين يتفرجوا علينا يا نعناعه مش هينفع كده

نعيمه:  هتروحوا فين طيب؟؟

مرام : عند حازم اصله تعبان شويه.. هنسلم عليه 

نعيمه بخضه وهي تضرب يديها على صدرها : يا ندامتي تعبان.. لا لا... ده انا كده احط حاجه على راسي واجي اطمن عليه... ده ايمان ليها جمايل عليا ما ينفعش ...استني بقى يا حبيبتي وسندوني اطلع وياكم

طاوعتها مرام كي تذهب سريعا وتتخلص من تلك النظرات التي تحاوطهم ، وبالفعل ساعدوها حتى وصلوا لمنزل حازم الذي ما إن دق الباب فتحت لهم إيمان ، وكان أمامها نعيمه مرام أولا ..

فنطقت بغرابه وترحاب معا:  اهلا اهلا يا نعيمه... عامله ايه يا حبيبتي خطوه عزيزه والله 

اسدنتها وهي تدخل بها للصاله واكملت مرحبه بمرام:  ازيك يا مرام.. اخبار عادل ايه.. وماما كمان

لم تلحظ إيمان اللتان تقفان على باب المنزل،  إلا عندما حستهما مر الم على الدخول وهي تقول:  تعالوا يا جماعه اتفضلوا اتفضلوا... دي طنط ايمان مامت حازم 

اجلست ايمان نعيمه أولا باهتمام ثم عادت للخارج ترحب بالاخرين و تتعرف عليهم:  اهلا وسهلا اتفضلوا.. اتفضلوا 

نطقت مرام بتعريف : دي حنين اللي مع حازم في الشغل
ومامتها يا طنط ..

تقدمت ناديه وسلمت ببشاشه : اهلا بحضرتك يا فندم انا ناديه مامت حنين وجينا نطمن على حازم 

ايمان بلباقه مجانسه : نورتوا يا فندم وحصل لنا الشرف اتفضلوا

تبعتها حنين وقالت بعزوبه:  اهلا يا طنط انا حنين

لوهله نظرت لها ايمان بإعجاب تحول لألفه لا تعرف مصدرها ، فاقتربت منها تضمها بود وهي تقول:  اهلا يا حبيبتي اهلا...

ثم فصلت عناقها التي شعرت فيه حنين بالمحبه والراحه، ودعتهم للجلوس مع نعيمه في الصالون،  ثم توجهت لحازم تخبره بقدومهم ، والذي طار قلبه فرحا رغم دهشته لوجودها الآن ، إلا أنه قام بتجهيز نفسه سريعا ليقابلها وكأنها وحدها التي تهتم به ولا اناس غيرها في المكان...

ــــــــــــــــــــــــــــ

نقر الباب مره أخرى ففتحت هنا ووجدته ايمن ومعه عادل،  رحبت بأيمن مشاكسة كعادتها ، أما عادل تجاهلت حتى النظر إليه ،لترد له ما فعله معها آخر مره، فقد قررت تجنبه ثم رد الصاع صاعين له على تلك الطريقه الفظه التي أحرجها بها،  وهذا ما جعل عادل داخله يشتاط، ولكنه وبخ حاله قائلا:  مش ده اللي انت عايزه اشرب بقى..اتقل كده و اهدى  بقى في ايه 

وعندما زاد الأمر في المزاح مع أيمن وهي تلمح له على انتظاره لتحديد في أي ساعه سيعطيهم الدرس،  زاد ضيق عادل وصاح دون وعي:  هو في ايه.   عماله ترغي  من ساعه ما دخلت ...ما تروحي تندهي حازم احسن 

هنا بنديه : أولا أنا مارغيتش معاك ...لو مش حابب صداع تقدر تدخل جوه في نعيمه ومرام وزميله حازم ومامتها كلهم جوه.... ثانياً أيمن ما اشتكاش يعني وانا بسأله في حاجه مهمه... مش كده يا أيمن ولا ايه؟؟؟

وقف أيمن بنى المطرقه والسندان،  فهناك هنا التي تستشهده وكأنها تتوعده إذا رفض ، والآخر يطلق له نظرات محذره من أن يوافقها ...

فقال أيمن بمراوغه وكذب:  افتكرت... الحمام انا عاوز الحمام... هو فين

تحرك وتركهم ليتجه داخلا لدوره المياه،  وهو يبحث بعينه عن چنا...

أما الندان فوقفا يتبادلان النظرات المتحديه من قِبل هنا،  والأخرى التي بها لمحه اعتذار من عادل يحاول أن يخفيها وراء عجرفه ...

تحدث بسؤال مازح : يا ترى ايه اخر مصايبك يا مصيبه اتحفيني ...

هنا بضحكه مستفزه : ما اعتقدش يهمك عشان اقول لك ....بعد اذنك هروح اعمل حاجه للضيوف

هربت بخطوات سريعه عندما رأت شراسه نظراته من ردها،  فارادت الاختباء قبل أن يلتهمها حية على طريقتها معه ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بينما كانت الفتاتين في المطبخ تعدان الضيافه بين القهوه والعصائر للضيوف،  سمعتا همس باسم چنا من أيمن الذي خرج من الحمام حالا وحمد الله أنه لمحها بالمطبخ... 

تخضبت وجنتيها بلون الورد ،ثم ابتسمت لهنا التي دفعتها لتخرج ، فخرجت على استحياء وهي ترد: ايوه

ايمن بحب : ازيك يا چنا... كنتي فين ....ما شفتكيش من ساعة ما جيت

چنا:  اصل ...بحضر الحاجات اللي هنخرجها للضيوف ... و كنت هطلع دلوقتي بره

ايمن:  طب كويس.... اقترب منها وقال بهمس يستشف منه مدى تقبلها له:  ممكن تقعدي قدامي ....حابب ابقى شايفك طول الوقت لو مش هيضايقك يعني

تلألأت الفرحه في عينيها ، وهو لمس السماء من هذه الاشاره التي ارتسمت جليه في جوهرتيها الخلابتين،  ثم قالت بارتباك شديد :  طب.... ماشي.... هحاول اا

أنهت كلماتها بتلعثم واختفت من أمامه ، ليضع يده على قلبه في مشهد درامي  عندما التفتت لتراه فضحكت بخفه ، ورد لها ضحكتها بأخرى تحمل وعدا قريبا....

والتفت للخارج وهو يدندن بصوت وصلها:  ضحكت يعني قلبها مال.. وخلاص الفرق ما بينا اتشال 

إلا أنه استفاق على خبطه في رأسه من حازم الذي ظهر من باب غرفته الآن وهو يقول بسخريه: مين اللي قلبها مال يا زفت ع الصبح ...

وضع يده على مؤخره رأسه وقال بمزاح : بحب الاغنيه يا سيدي... حرام يعني ولا ايه.... وبعدين انت اللي المفروض تقول لي الحلويات اللي لمتنا هنا وصلت معاها لفين يا عم ....هنفرح امتى بقى

نظر له حازم بفطنه وتحدث باستفهام : حلويات مين اللي لمتكم يلا...

أيمن : يا سيدي حلوياتك... كلمت مرام تكلم عادل يكلمني عشان نتجمع عندك هنا... فهمت حاجه

وجه حازم نظره للصالون حيث جلوسها بعشق وقال:  فهمت كل حاجه ....ولكن سريعا جذب أيمن من ملابسه:  انا يا ابني مش قلت لك قبل كده بلاش حلويات دي تاني

أيمن : خلاص يا عم ايدك ما تزقش... انا ما اقصدش... وبعدين بقول حلوياتك انت مش بتاعه حد غيرك يعني

ثم أكمل بجديه : المهم يا صاحبي ايه اللي حصل ده عرفت الموضوع حد اللي عمله ومقصود ولا قضاء وقدر

حازم : لسه مستني تقرير المعمل الجنائي وربنا يسهل

أيمن بمؤازره : ولا يهمك ياض احنا في ضهر بعض... واللي اتبنى مره يتبني مليون ...شوف انت ناقصك ايه وما يهمكش

ابتسم حازم بتقدير:  تسلم يا صاحبي عارف والله 

تحرك الصديقان للداخل وألقى ايمن السلام بمزاح على الحاضرين،  أما حازم فتقدم من ناديه وحنين وبادلهم التحيه بترحاب شديد،  وعينيه مسلطة على حنين بالكثير من الكلام غير المنطوق،  فإنه يبلغها أن كل ما تفعل قد  اخترق قلبه كسهم راسخ،  وزاد أضعاف عشقها داخله، وأن رسالتها من هيئتها الخاطفه تلك التي تعبر بها عن الحياه بنبضها وشغفها وحرارتها ، وصل إليه وبدقه ...
وحقا بثت بداخله التمسك بالقادم كي يصل إليها في اقرب وقت،  ومهما كانت الظروف...

كسر حديث النظرات تلك نعيمه التي قالت بحب:
الف سلامه عليك يا حبيبي... ايه اللي حصل ده... امك لسه بتقول لي قبل ما تدخل... النبي ما تحط في بالك كله فداك يا قلبي ....بس انت كويس... ده انت اللي بتجيب الفلوس مش العكس

حازم : تسلمي يا نعناعه... فرحتيني قوي إنك جيتي لي ....ده انتي ما بتعمليهاش خالص.... ما بتطلعيش من بيتك

نعيمه : لا هو انا عندي اغلى منك... ولا هطلع لاعز منك ده ....انت والرمم دول اللي بتطلوا عليا في الطلعه والنازله وبتشوفوني يا حازم...

تحدثت بنبره شجن:  مش ابن بطني ...يلا هنقول ايه... وكلت امري إليك يا رب

تحرك حازم سريعا وجلس عند قدميها:  ايه يا حبيبتي... ده انتي عندك بدل العيل ستة ...بنات واولاد... انتي تشاوري بس.... واحنا نحطك جوه عينينا 

نال تصرف حازم وكلامه استحسان حنين ووالدتها،  واللتان لأول مره تشاهدان وتشعران بدفء العائله المصريه الشعبيه بهذا الشكل و عن قرب ، بعيدا عن تلك المظاهر والمصالح التي تحيطان بهما دائما،  هنا فقط وجدوا مشاعر الحب الصادق النابع حقا من القلب...

ردت نعيمه على حازم:  تسلم وتعيش يا حبيبي... هاااا ... يلا بقى.. لأتاخر على عمك ابو محمود ...خلي حد من البغال دول ينزلني... لاحسن لو قعدت معاكم اليوم كله هنا حالي هيقف.... ويبقى على رأي المثل... قعدوا الصبايا تحت الرعروعه لا جت لهم شروه ولا بيعه.... وانا يا اخويا الدنيا تحت تضرب تقلب ...والغدا بقى وبلاوي انت فاهم

ضحك الجميع بموده وتحرك عادل ليساعدها على النزول ولكن قبل أن تتحرك وجدوها تطلق زغروده قويه ، ثم تظهر محفظه نقودها والتي يطلق عليها في هذه المناطق (البوك) وتخرج منه بعض النقود، و تقول:  تعالي يا ايمان... تعالي يا حبيبتي 

أتت إليها إيمان وهي تنظر باستفهام لفعلتها ، فوجدتها تعطيها النقود وهي تقول بصوت عالٍ : مبروك يا حبيبتي طهور حازم ...ومتجمعين في الفرح دايما ...عقبال ما تجوزيه... رغم إنك غلبتيني واستنيتي انتي وابوه عليه على ما كبر... بس يلا بقى ربنا يعينك ...ولو احتجتي حاجه اندهي عليا بس

انفجر الجميع ضحكا ،  وحازم نظره لها ببلاهة وهو يوجه بصره سريعا لحنين  التي ولحسن حظه لم تفهم ما تتفوه به نعيمه عكس والدتها التي نظرت للأسفل بخجل .....

نطق حازم ليداري على ما قيل من جهتها : يلا يا حبيبتي
... يلا فضحتيني.... أنا بنفسي هنزلك لاحسن ابو محمود يعلقك... لو ما لقاش الغدا جاهز ...يلا يا نعيمه حرام عليكي ضيعتي الهيبه خالص 

استندت على عادل وحازم و أمسكوها من الجهتين باحكام،  ثم ساعداها حتى تصل لمنزلها ، وصعدا مجدداً لينضما لجلسة البقية...

وفجأة نطقت إيمان والتي كانت تحدق من وقت لآخر بحنين وقالت موجهة حديثها لحازم وسط الجمع :
سبحان الله يا حازم ....تصدق حنين من ساعه ما قعدت وانا مش عارفه اشوف قدامي غير ريم بنت خالك... خصوصا عينيها... اللي يشوفها يقول هي الخالق الناطق 

ارتبكت ناديه وارتجف فنجان القهوه في يدها، ولكنها حاولت ألا تظهر ذلك ،فوضعته على الطاوله أمامها وابتسمت بتوتر وهي تتمسك بيدي حنين كمن خافت أن تفقدها وسط الزحام...

تدخلت مرام : وأنا كمان يا طنط قلت لها قبل كده الكلام ده ....هي فعلا سبحان الله شبهها قوي ....يخلق من الشبه 40 حقيقي 

تنهدت ناديه براحه من تفسير مرام إلا أن حازم كان يراقبها بنظره ثاقبه تزيد من شكه ، وهو ما ألتقطه عادل لذلك أراد أن ينهي هذا ، فاستأذن من الجميع ليختلي بحازم وتوجه معه للشرفه،و التي ما إن  وقف الاثنين بها قال عادل بجديه:  حازم التحريات اللي طلبتها مني على حنين انا خلصتها ...وجبت لك الخبر اليقين 

نطق حازم بلهفه:  بجد... انطق يا عادل ...طمني ...هي مش كده 

نفى عادل وقال باسف : للاسف يا صاحبي ... احساسك غلط....حنين تبقى بنت كرم عثمان 
تعليقات



<>