
دخل حازم وصديقيه لهذا المحل القديم الموجود بداخله عصام المعلق بحبل في السقف بوضعٍ مقلوب ، وهو يصيح بقوة من أسفل ذلك الغطاء الموضوع على رأسه ، حتى تفاجا بحازم وهو ينزع عنه الغطاء مع ابتسامة ساخرة خرجت من جانب فمه على كلام هذا العصام وصياحه، تحت تفاجؤ عصام وتلعثمه عندما رأى حازم وهو ينظر له تلك النظرة المميتة مع تلك الابتسامة الساخرة
عصام: اااا... أنت؟!!!
نظر حازم بقوه وهو يومئء برأسه مؤكدا : اه ..انا ..خير بقى عمال تصوت كده وتولول وهعمل وهسوي وصوتك جايب اخر الشارع زي الحريم...
فتح ذراعيه بحركة مسرحيه و هو يسترسل : يلا انا اهو هتعمل فيا ايه بقى؟!!
هدده عصام برعونته المعتاده محاولا اخافته و كأنه لا يعي وضعه و لا يريد الاعتراف بأنه الطرف الأضعف في هذه المواجهه : هفعصك تحت رجلي ...شكلك مش عارف انت واقع مع مين يا ابن الكلب انت ...فو....ااااااه
لم يكمل حديثه حيث تلقى لكمه قويه من يد حازم اليسرى تلتها أخرى و أخرى، فحازم تعامل معه وكأنه كيس ملاكمه وانهال عليه باللكمات عندما سمع سبابه لأبيه الراحل....
تدخل صديقيه لإبعاده بعدما رأيا حالة عصام النازف من وجهه بشده و قد بدأ أن يفقد الوعي، فحازم معروف عنه قوه لكماته وشراستها وبخاصة عندما يستخدم يده اليسرى...
تنفس بعصبية مفرطة وهو يقول بلهاث أثناء شد صديقيه له :
انا هعرفك مين فينا اللي ابن كلب... اوعى يا عم انت وهو سيبووووني
همس ايمن بجانب أذنه مهدئا : اهدى يا ابني شويه هيموت في ايدك مش كده
تبعه قول عادل: خد حقك بالعقل يا حازم هتضيع نفسك عشان ال... ده
رد عصام بصعوبه وعناد وهو يترنح اثر الضربات المتتاليه التي تلقاها: ما طبعا بتضربني وانا متكتف .. لهث و اكمل لاستفرازه : لو راجل نزلني وانا اوريك يا حيلتها
اومأ حازم برأسه موافقا بعدما تخلص من يد صديقيه وقال بابتسامه مرعبه تحمل الكثير من الوعيد :
تصدق انت صح... انا هفكك و راجل لراجل وهنشوف مين فينا اللي حيلتها... ده ان عاد فيك حيل انت بعدها
مال ايمن على أذن عادل وقال:
الواد ده شكله ابن حلال ويستاهل.. يلا مش خساره في طيبة قلبه
لكزه عادل و رد بنزق فحقا هو يخاف على حازم لانه يعلم أنه حاليا بلا عقل تقريبا وهو ما يصعب الأمر كثيرا : هو ده وقت هزار يا بني ادم ..ربنا يستر حازم مش شايف قدامه.. والغبي ده مصّر يستفزه
أنزل حازم هذا الغبي (على رأي عادل ههه) ووقف أمامه برجولة وهو يفتح ذراعيه على مصراعيهما مرحباً غير عابئا بجرحه و قال : ها ..يلا بقى وريني نفسك أنا قدامك اهو
نظر له عصام النازف من كل جزء في وجهه وقد بدأ يتسلل الخوف له من مظهر حازم القوي وعدم رهبته الظاهرة للأعمى ، وضع عصام سبابته على أنفه وهو يمسح عليه يمينا و يسارا ونظره مثبت على حازم، ثم تقدم بسرعة وحاول أن يلكمه بوجهه إلا أن حازم تفادى ضربته بمهاره وخفة معتادة وهو يعود للوراء، ترنح عصام وواصل تقدمه وهو يحاول أن يضرب حازم الذي تعامل وكأنه يتمرن تماما ، ويتفادى كل ضربات الخصم ، ولأن عصام كان مخمورا قبل اختطافه مع ضربات حازم الموجهه لرأسه مسبقاً ، كل هذا جعله غير متزن نوعا ما رغم قوه بنيته أيضا ، كل هذا جعل من حازم الأقوى في هذه المواجهه مع مهارته الفائقه في الملاكمة فهي هوايته التي يداوم على ممارستها منذ زمن ...
و حازم كان يتعمد أن يفقد الآخر طاقته أكثر فأكثر ، ثم فجأة باغته بضربه مقصودة موجعة بين قدميه فتألم على أثرها عصام و انحنى للأمام ، مما جعل حازم يكمل بضربه قويه من كوعه في منتصف ظهر الآخر ، ضربة قسمت له ظهره و جعلته يركع أرضا بخضوع وتوالت الضربات من حازم بقدمه في جسد عصام المسجي على الأرض و بعدها نزل إليه وهو يضعه بين قدميه ويصفعه بشده ثم اقترب منه وهمس في أذنه بفحيح :
ابقى اغلط تاني... ولا خليني اشوفك في سكتي ولا في سكه حنين ها.... حنيييين.... اقسم بالله لو عرفت انك دخلت شارع هي بتفكر تمشي منه لازعلك على نفسك باقي العمر.. ومش بشويه لعب زي اللي حصل ده لااااا
ابتسم بسخريه وهو ينظر داخل عينيه بمغزى فهمه الآخر سريعا و أكد استطراده بقوله : ده انا هخليك مش محصل راجل ولا نافع ست فاهمني يا ..ههه.. حيلتها ..فااااهم يلااااا
اومأ الآخر برعب بعدما فهم مقصد حازم الذي ضرب على جانب وجه عصام بخفه و حسم وهو يردد : شااااطر ..خلصت كده واعتقد الرساله وصلتك هتمشي المره دي سليم... بس اللي جايه مش عارف بقى دي بتاعتك
حدق فيه عصام باهتزاز حاول مداراته و نطق غل ظهر جليا في نبرته و هو يحاول تمثيل قوة واهيه : ما فيش جايه ولا زفت ابعد بقى خليني اغور من وشك
استقام حازم وهو يبتسم باستهزاء على عند وغرور هذا المتعجرف ورد قائلا وهو يشير له باتجاه باب المحل : وماله.. غور ..انا اللي عندي قلته وانت براحتك انا مش هحذرك تاني وعرفتك اخرتها ايه
انهى حديثه بغمزه ذات مغزى من عينيه تحت تحرك عصام بصعوبه وهو يتأوه ويعرج على قدميه حتى خرج من أمامهم
توجه أيمن وعادل نحو حازم وتحدث عادل معه بجديه : انا طاوعتك اهو مع إن اللي عملته ده غلط بس عاوزك تفهمني بقى ايه حكايتك بالظبط
شاركه أيمن الحديث مؤيدا : ايوه يا حازم فهمنا بقى في ايه معاك وايه حكايه البنت دي؟
تنهد حازم بصوت مسموع وهو ينظر للأعلى ثم أجابهم وهو ينقل بصره للأمام بشرود: هقول لكم ...هقول لكم اكيد بس مش دلوقتي... ادوني شويه وقت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عادت حنين إلى الداخل بعد أن ودعت إيهاب على وعد باللقاء قريباً ، وقد كان يجلس والديها ويتبادلان أطراف الحديث لتنضم لهما حنين التي نظر لها كرم وهو يتساءل :
ايه يا قلب بابي.. ايهاب مشي على طول وما دخلش تاني ليه؟!
حنين بإخبار : أبدا يا بابي... قال هيجي بكره تاني وهيروح دلوقتي عشان يعني يشوف اللي عنده في البيت حضرتك فاهم بقى
اومأ كرم بتفهم و قال : فاهم يا نونه فاهم.. المهم انا عاوز اللي حصل ده ما يضايقكيش.. انتي عارفه مرات عمك وطريقتها وسواء هي أو غيرها ما تحطيش أي حد في دماغك... انا في ضهرك دايما يا بابا ومش هسمح لحد يجي عليكي ابدا
تمسكت حنين بيد والدها بامتنان وحب و نطقت بعذوبة : عارفه يا بابي ومتأكدة كمان.. وانت عارفني يا كراملتي اخر حاجه افكر فيها هو كلام الناس.. اصلا ولا بيهمني ما تقلقش ده انا تربيتك
تدخلت نادية بلطف و مزاح : سيدي يا سيدي ايه الدلع ده كله .. اقوم أنا بقى واطلع منها خالص
قبَّل كرم يدها و نظر لها بعشق يسكن مقلتيه فور رؤيتها وتحدث بصدق : ده انتي اصل كل حاجه حلوة في دنيتي يا نانا .. انا ماعنديش اغلى منكم ف الدنيا
تدخلت حنين بمشاكسة و شقاوة : نحن هنا يا جماعه .. راعوا مشاعري شويه مش كده .. انا سنجل بائسة برضه
ضحك ثلاثتهم بمرح ثم قالت حنين ببعض من التلعثم :
ااا...بقول لك ايه يا بابي.. بص هو يعني... انا كنت عاوز اطلب من حضرتك طلب كده
نظر لها والديها باهتمام و قال كرم : اؤمري يا قلب بابي
تنفست حنين محاولة إخفاء اهتمامها و نطقت بطلب :هو يعني... ممكن حضرتك تكلم حازم... الولد ده اللي دافع عني يوم المشكله دي... يعني لو أمكن تطمن عليه وتعرض عليه شغل وكده... أصل يا بابي عرفت من مرام أنه كان بيشتغل وساب شغله من فترة قريبة.. وهو عنده اخوات ومسؤوليه والتزامات والحاجات دي... فيعني ابسط حاجه نقدمها له بعد اللي عمله عشاني اننا نساعده في شغل.. ولا ايه رأي حضرتك ؟
أيد كرم رأيها قائلا : طبعا يا نونه عندك حق دي اقل حاجه نعملها معاه.. الولد ده كان راجل معاكي فعلا ..وكان ممكن يجرا له حاجه بسببنا .. ده غير أنه مخافش وأصر إنه يحميكي و ما يجيبش سيرتك في أي تحقيق ...عموما أنا هكلمه بنفسي واعزمه عندنا على فنجان قهوه واعرض عليه شغل معانا...
و أكمل باستفسار: ايه رأيك لو يكون جارد ليكي ؟ انا بعد اللي حصل ده مش ممكن اسيبك تتحركي لوحدك تاني.. وكده كده كنت هظبط مع شركه الحراسه اللي معايا عشان يبقى ليكي حد شخصي ما يفارقكيش.. ولا تحبي نشغله في الشركه معانا ف اي وظيفه ؟ هو مرام ما قالتلكيش مؤهله ايه ؟
لا تعلم لِمَ راقت لها فكره وجوده بجانبها أغلب الوقت حين يكون حارسا لها فقالت بسرعه ودون تردد: لا يا بابي حلوة فكره ال جارد دي
أكملت بمدح له دون وعي منها أو انتباه لمن حولها:
اصلك مش شفته وهو بيدافع عني يا بابي وبيضرب الحيوان ده.. ولا لما واقف قدامي وأخد الطلقه مكاني وبرضه كل اللي همه اني امشي عشان الزفت ده مش يأذيني مش زي السواق الزفت اللي جري وسابني لوحدي
نظر كرم وناديه لبعضهما وهما يبتسمان على طريقتها في سرد ما حدث ، ثم نظرت ناديه لحنين مقرره مشاكستها فقالت وهي تضع يدها على وجنتها : ها ..وايه كمان يا نونه.. قولي قولي ما تتكسفيش
اشتعلت وجنتها حنين بحمره محببه ثم نطقت بتلعثم : هو.. ااا...هو في ايه يا مامي..ااا.... انا بحكي معاكم اللي حصل مش اكتر
ابتسم والدها و تحدث رافعا عنها الحرج : عارفين حبيبتي ليه الكسوف ده كلها ...ده مامي بتهزر معاكي... عموما انا هقوم اكلمه واحدد معاه ميعاد ولما يجي هفاتحه في موضوع الشغل
أنهى كرم كلماته وتركهما ليهاتف حازم كما اتفق معهن ، نظرت حنين بعتاب لوالدتها وقالت بلطافه :
كده يا مامي تكسفيني قدام بابي كده
ابتسمت ناديه قائلة : ليه يا نونه ما فيش حاجه حصلت يعني وبابي فاهم اني بهزر معاكي
ثم اكملت مغيره الموضوع باهتمام بالغ : المهم بقى قولي لي اخبار الحلم اللي كان بيجي لك ايه يا حبيبتي لسه برضه بيجي لك ولا خلاص اختفى
تنهدت حنين بحيرة و سردت : والله يا مامي لسه البنت دي بتجيلي بس نظرتها اتغيرت من ساعه ما بدأ يجي معاها حد مش واضح شكله بس بتجري عليه وهي بتضحك ومبسوطه كأنها مطمنه بوجوده ..مش عارفه بقى ده ايه.. الاغرب اني مش بقيت اتضايق زي الاول لما اصحى من النوم.. مش عارفه يا مامي الموضوع ده محيرني قوي ومحتاجه افهمه انا بعمل نفسي مش واخده بالي بس مش عارفه اوضح محتاره
ناديه بترقب وتساؤل : طب هو انتي عارفه اي حد من اللي بتشوفيهم في الحلم ؟
أجابت حنين نافيه : تؤ.. خالص يا مامي وده الاغرب.. هو بس الشخص اللي مش واضح ده اللي حاسه انه معاه حل لغز الارتياح اللي ظهر على البنت ده و اللي غالبا انعكس عليا انا كمان .. لأنه من وقت ما ظهر وحتى انا ما بقتش احس أن ده كابوس او اصحى مخنوقه زي الاول ...مش عارفه غريبه بصراحه.. معقول ممكن يبقى كل ده مرتبط بيه!!!
ابتسمت نادية بارتياح عندما علمت جهلها بتلك الوجوه و عن تعرفها على اي منهم وتحدثت محاولة صرف تفكير حنين عن ذلك الحلم تماما : راجل ايه وبتاع ايه يا نونه ما تشغليش بالك كده ... ده شكله حلم من غير معنى زي اللي بيحصل مع اغلب الناس ... و ....
قاطعتها حنين باصرار : لا يا مامي انا مش حاسه كده.. وبعدين ده بيتكرر مش ممكن ...
ناديه بمقاطعه هي الأخرى : ما يمكنش ولا حاجه صدقيني هيطلع بس شويه ضغوط في عقلك الباطن مش اكثر او أضغاث احلام ..انتي اتصرفتي صح لما بعدتي تفكيرك عن القصه دي ...هو ده اصح حاجه فعلا
اومأت حنين بعدم اقتناع لوالدتها التي اخذت تغير مسار الحديث إلى أكثر من موضوع لتشغل حنين وتفكيرها عن الحلم تماما حتى نجحت في جذب انتباهها معها في الحديث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما كان يسير الثلاث اصدقاء عائدون إلى شارعهم ، علا رنين هاتف حازم الذي أجاب بعدما رأى هوية المتصل
حازم : السلام عليكم
كرم : عليكم السلام..ازيك يا حازم .. اخبارك ايه النهاردة يا بطل ؟
حازم : الحمد لله ذي الفل يافندم ...الموضوع بسيط .. عدت على خير
كرم : الحمد لله... المهم انا اتصلت عشان طبعا اشكرك على موقفك مع حنين واطمن عليك.. و كنت حابب اعزمك عندي ف البيت على فنجان قهوة لو فاضي طبعا .. اهو نقعد ونتكلم مع بعض و اعرض عليك موضوع كده عاوز اخد رايك فيه
حازم: ما فيش داعي للشكر ولا حاجه يا فندم.. ده اقل واجب ..بس حضرتك كده قلقتني ممكن اعرف موضوع ايه ده اللي هنتكلم فيه مع بعض؟!!
كرم: خير ما تقلقش.. ده بخصوص شغل.. لما تيجي نتكلم مع بعض.. ولا انت مش حابب تشرب معايا فنجان قهوة؟!!
حازم : لا طبعا .. ده انا يزيدني شرف..عموما اتفقنا .. إن شاء الله اكون عند حضرتك .. اسمحلي بس اعرف مناسب مع حضرتك امتى و الساعه كام؟!
أُعجب كرم بلباقة حازم و ردَّه كثيرا ، ثم أجاب عليه بابتسامه رضا : هستناك ع اخر الاسبوع الجاي يوم الجمعه ع الساعة ٦ يبقى كويس و مناسب جدا .. انا هبعت لك العربية تجيبك لحد البيت
حازم : لا يافندم مفيش داعي ابدا .. هو حضرتك كفايه قوي انك تبعت لي اللوكيشن وانا هاجي ف الميعاد متتعبش نفسك
كرم : تعب ايه بس يا حازم .. ده اقل حاجه اقدمها لك وبعدين انا قلت كلمتي و مش هرجع فيها .. ما تتعبنيش انت ف النقاش معاك
حازم : خلاص يافندم اللي حضرتك تشوفه .. انا هكون جاهز ف الميعاد إن شاء الله ...سلامي ل حنين وللهانم طبعا واشوفكم على خير
كرم: تمام... حمد الله على سلامتك مرة تانيه واشوفك قريب .. سلام
انهى حازم المكالمه مع كرم وبعدما أغلق وجد عادل و أيمن ينظران له ببلاهة ، ثم تحدث ايمن بمشاكسة وغمزه مرح:
هو مش ده ابو حنين ... الحلويات اللي كانت السبب في خرشمة سعادتك صح
لكزه حازم في ذراعه و قال بجدية : ولا ..اتعدل قلت لك بدل ما اخرشمك انا ....سااامع
تدخل عادل في الحديث بمزاح هو الآخر : بس يا ايموني بقى.. مش قلنا مش هنجيب سيرة الموزة قدام زومي عشان بيغير وكده
هدر حازم بعصبية : ايه ياولاد الجزمه انتم هتاخدوني تسليتكم و لا ايه؟
هرول حازم خلف كلا من عادل وأيمن الذي صاح وهو يلهث بضحك : شوفت قلبت بلدي فجأة بعد حضرتك و يافندم رجعت لاولاد الجزمه ههههههه
ضحك الثلاثه اصدقاء بود معتاد ، و لكن توقفوا فجأة على صوت صياح و صراخ آتي من أمام نافذة نعيمه التي كانت تتشاجر مع أحد الفتية ، الذي طلبت منه أن يأتي لها بمعكرونه وصلصة من محل البقاله القريب ، ولكن هذا الفتى استغل ذاكرتها المغيبة اغلب الاحيان و غالطها في الحساب و من سوء حظه أنها كانت متذكرة ما أعطته من مال ، تحرك الثلاثة شباب سريعًا إليها و دخلوا وسط زحام الناس الملتفون حول الشجار دون تدخل على عكس ما كانت عليه هذه المناطق الشعبية فيما مضى من حب و إيخاء بين الجيران جميعهم ، أما الآن للاسف قل ذلك كثيرا وأصبحت اللامبالاة و البحث عن التريند بتوثيق الحدث بالهاتف عنوانا لدى الغالبية وهو ما يحدث الآن ...
كانت نعيمه جالسة كعادتها على تلك الاريكة أسفل النافذة المطله على الشارع ولكن كان تقريبا نصف جسدها خارج النافذة نظرا لأنها تمسك بملابس ذلك الفتي من الخلف كمن يقبض على لص ، و هي تصرخ فيه :
بتضحك عليا يا ولا فاكرني مغفله يا روح امك... هات باقي ال 200 جنيه ياض ..هات يا ابن صفاء بدل ما ابهدلك وانسل الشبشب على دماغك
تحدث علي الفتى صاحب المشكله وقال بكذب و جدال : ما انا اديتك الباقي يا نعيمه هو حوار يا وليه الله.. سيبيني وبلاش قفشه الحراميه دي
انتشله عادل من يدها وامسك به وتدخل حازم ليفهم الموقف متسائلا :
في ايه يا نعيمه حصل ايه لده كله.. عملك ايه الواد ده؟
روت نعيمه ما حدث قائلة : الواد الحرامي ده بيستغفلني ..اديته ٢٠٠ جنيه يجيب لي مكرونه وصلصه من عند رجب .. جابهم لي و يقول لي قال ايه اداني الباقي و هو ما ادانيش حاجه .. الحرااامي
نظر ايمن للفتى و قال بلوم : ليه كده يا علي... هات الباقي واديه لخالتك نعيمة عيب كده
علي بمكابرة : انت هتصدق الوليه الخرفانه دي يا دكتور ... انا اديتها الباقي يا جدعااان.. اعملها ايه يعني...انا غلطان أني جبت لك حاجه اصلا
نعيمه وهي تخلع نعلها الخاص و تلقيه عليه : وليه خرفانه يا اللي ماتربتش ... ده انا قد ستك يا ولا .. بس هقول ايه هي صفاء هتعرف تربي منين بلا وكسه ع الستات
تدخل حازم بغضب و قال : ما تلم لسانك يا بني .. عيب كده ايه ال بتقوله ده
ثم التفت ووجه حديثه للناس المتجمعين من حولهم و صاح بصوت جهوري : كل واحد يشوف حاله يالا .. الموضوع خلصان خلاص .. يالا كل واحد يروح لحال سبيله يا جدعان .. كنتم حليتوا بدل الفرجه دي .. لا حول ولا قوة الا بالله
انفض الجمع من حولهم و نظر حازم للفتى وهو بين يدي عادل، الذي كان يتحدث معه بتوبيخ وينصحه بأن مثل هذا الفعل لا يصدر من الرجال الجيدين، و أخافه بدخول السجن إذا ما فعل فعلته مرة اخرى، مما جعل الفتى يرتعب و ظهر الخوف على ملامحه بوضوح
أخذ حازم الفتى من عادل وحاوط كتف علي بذراعه و تحدث بعظة :
كده يا علي.. بقى دي رجوله برضه.. خالتك نعيمه تستأمنك وانت تخون الأمانة.. دي معناها كبير قوي عند ربنا على فكره ...ده غير انك بتثبت ليها ولكل الناس انك لسه عيل لان دي مش تصرفات راجل جدع
نظر علي أرضا بخزي واعتراف ونطق بندم : انا ما اقصدش كده يا عم حازم... انا قلت يعني هي مش فاكره حاجه واللي هي عاوزاه انا جبته لها خلاص وكنت عاوز اجيب لامي اي خضار ولا حاجه... ما انت عارف ابويا ايدك منه والارض اعتبرتها حق خدمتي ليها
اخرج علي باقي النقود و أعطاها لحازم وأكمل حديثه وهو يكاد أن يبكي : اهو ده كل الباقي والله العظيم وانا مش هعمل كده تاني انا مش عيل زي ما قلت يا عم حازم انا راجل والله
ربط حازم على كتفه وأخذ منه النقود و قدمها لنعيمه التي كانت تستمع لحديث الفتى بتأثر فقالت رافضه أخذ مالها :
خلاص يا حبيبي انت زي ابني برضه.. وزي ما قلت اعتبرها تمن الخدمه اللي عملتها لي... ولا حتى هديه من ستك وانا مش هقول لعمك ابو محمود.. بس نصيحه من ستك يا ابني قالوها لنا زمان (ما تمشيش في الغلط وتقول مضطر ..ما هو ما ينفعش تلبس شتوي وتقول الدنيا حر )
ابتسم الفتى بغلب وقال برفض : لا والله مش هاخد حاجه خلاص ...انا راجل يا خالتي وما كانش قصدي والله حقك عليا
ردت نعيمه بمشاكسه: ما خلاص يا واد بلا قصدي بلا ما قصديش خلصنا... والفلوس والله ما هي راجعه هات لامك شويه خضار ولا حاجه تعملها لاخواتك بدل خيبتها اللي قاعد لها في البيت وملطمها جنبه ..يا اخويا ده لو كان دكر بط كان نفعها بس هنقول ايه رجاله اخر زمن.. قُصروا ما تنرفزنيش وخد الفلوس... بدل ما والله اناولك بالشبشب التاني في خلقتك
ضحك الجميع و قَبِلَ الفتى المال ، وقبل أن ينصرف أخذه حازم بجانب الطريق وأخرج بعض النقود ليعطيها له وقال :
مش حابب اشوفك في الموقف ده تاني يا علوه.. الراجل ما ياخدش الظروف حجته عشان يعمل الغلط ويبرره لنفسه.. ازاي كنت هتأكل اهل بيتك حرام ..الراجل يدور ويتعب ويشقى على كل قرش داخل له عشان يحس بقيمه اللي عمله ويكون راضي وضميره مرتاح.. خد دول على اللي معاك ودور على شغل مع الدراسه ..مش عيب.. انا قدامك اهو ابويا مات وسابني ومعايا امي واخواتي طفحت الدم واشتغلت كل حاجه حلال وربنا وفقني وعمره ما سابني.. اجتهد هتلاقي يا علي.. إن الله لا يضيع اجر من أحسن عملا يلا .. اصبر وهتلاقي ولو احتجت اي حاجه تعالى لي وانا في ضهرك واخوك الكبير اتفقنا ياض
قالها مادًا يده للفتى الذي تأثر بشده من ذلك الحديث الذي لم يجده من أباه ، ذلك الذي لا يفعل سوى النوم وشرب المواد المخدره غافلا عن بيته وزوجته واولاده، ارتمى علي بين احضان حازم وهو يهز رأسه موافقا على حديثه الصحيح مئة بالمئة ، و بداخله يوعد نفسه قبل حازم بالتغيير والسعي ، ثم غادر وترك حازم الذي أخرج هاتفه ليرسل منه رساله نصيه قبل أن يعود لصديقيه اللذان كان يتسامرا مع نعيمه بمزاح وانضم اليهم ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان ناجي يجلس باستياء على أحد مقاعد غرفة الصالون في منزله أثناء حركة راويه ذهابا وإيابا أمامه بعصبيه مفرطه مع ترديدها لكلماتها المسيئه لاخيه وزوجته وابنته فكانت تقول :
انا.. انا ...راويه عمران.. يطردني الزفت ده كده بالطريقه دي.. وده كله عشان البرنسيسه مراته والهانم بنته.. اه يا ناري اللي يحكمني عليهم.. كنت خنقتهم بايدي وارتحت وريحت الدنيا منهم
تدخل ناجي بفروغ صبر قائلا: ما خلاص بقى يا راويه ياريت تراعي انك بتتكلمي عن عيله اخويا الكبير اهدي شويه مش كده
التفتت راويه له بغضب وصاحت: اخوك ايه يا بيه.... اللي متضايق علشانه ومراتك اللي اتهانت واطردت قدامك وانت والكبير ابني ولا اتدخلتوا كأني ما خصكوش.. مش شايف هو عامل ازاي مع مراته وبنته.. خليني ساكته يا ناجي وابعد عني دلوقتييييي
ناجي بقله حيلة وضيق: ما احنا كنا قاعدين وكويسين انتي اللي بدأتي بكلام ما لوش لازمه من ساعه ما دخلتي وكانك داخله خناقه ولا حرب من بدايه القعده ..احنا مالنا ببنته ولا تفاصيلها ..ما تلوميش على اخويا يا راويه قبل ما تلومي على نفسك اللي خلتك تسمعي اللي ما يعجبكيش يا راويه هانم
جلست على الكرسي المقابل بغضب وعلا صوتها اكثر :
والله يا بيه ده اللي قدرك عليه ربنا.. طبعا هو انت هتيجي معايا ابدا .. بدل ما تتعلم من اخوك يا بيه اللي بيعامل مراته كأنها تحفه نادره... انا ما ليش غير عبد الله ابني حبيبي هو اللي دافع عني ..ويا حبيبي من كتر العصبيه والزعل طلع من ساعه ما جه اوضته وما نزلش تاني ..طبعا ينزل ازاي بعد ما اتحرق دمه من عمه انا هطلع له هو اللي فاهمني في البيت ده
وقبل أن تكمل باقي حديثها كان ينزل عبد الله من الدرج بتمختر وهو يدندن احدى الاغاني الاجنبيه غير مباليا بالدنيا و مَن عليها ، ثم اتجه للخارج وهو يوجه لهم الحديث ويلوح بيده بدون اهتمام و يبلغهم :
باي انا مش جاي النهارده ما تستنونيش ها
خرج من الباب و ألقى ناجي نظرة ذات مغزى لزوجته وهو يشير بيده على مَن خرج للتو بمعنى ( أرأيتي) ثم قال:
هو ده اللي محروق دمه و زعلان ..هه يا خساره.. ضيعتيه بدلعك ويا رب اعرف الحقه
راويه بعصبيه وهي تحاول مداراة فعلة ابنها والدفاع عنه: بس بس وانت ايه اللي فهمك اصلا في التربيه.. ابني وانا اللي فاهماه ده بيهرب بالخروج عشان يخرج من المود اللي هو فيه ...وبعدين ايه ضيعته دي ما هو زي الفل اهو وكله بيحلف باولادي وتربيتهم... ده بدل ما تحمد ربنا ان جايبه لك ولدين مش زي اخوك بنت وما عرفش يجيب غيرها
ضحك بتهكم و كاد يرد إلا أن دخول إيهاب أوقفه فقد كان ايهاب يدخل بوجه متجهم وهو يقول : سلام عليكم
نظر له ناجي باهتمام وقال بتساؤل:
عليكم السلام يا حبيبي.. ايه الاخبار عند عمك.. انت مش كنت هناك برضه ولا ايه؟!!
تنهد ايهاب بضيق وجلس على الاريكه بجانب والده وقال:
اه يا بابا كنت هناك بتكلم مع حنين شويه خلصنا كلام وجيت على طول ..ما فيش جديد حصل بعد ما مشيتوا يعني
نظرت راويه بغيظ لكلاهما وقالت :
والله طب كويس يا حبيبي ان ما فيش حاجه اختلفت.. والهانم رضيت عنك عشان سبت مامتك وقعدت تحكي معاها بقى ؟!!
رد عليها ايهاب بنظرات تحمل من العتاب والغضب ما يكفي ثم تنهد بتعب وهو يستقيم ليذهب غرفته ولكن قبل ذهابه التفت لها وقال:
بلاش تقلبي الترابيزه يا ماما وتبدلي الادوار انتي كنتي عند الناس في بيتهم واهانتيهم.. منتظره رد فعل عمي يكون ايه؟!!!
زفر بقوه و تحدث بنبرة مستعطفة : بلاش تهدمي لي يا امي اجمل حلم بستناه وببني فيه بقى لي سنين ..شيلي عمو وعيلته من دماغك ارجوكي يا ماما لو فعلا عاوزه سعادة ابنك
أنهى كلماته وانطلق لغرفته وتلاه والده الذي نظر باشمئزاز لراويه التي لم ولن تتخلى عن حقدها وطمعها المتأصل بداخلها، وحتى لم تتأثر بكلمات ولدها ورغبته التي تعلمها جيدا تحدثت مع نفسها بعد ذهابهما قائله :
هه.. اطلعهم من دماغي.. دول هما دماغي نفسها ..كل حاجه كويسه عندهم مال وسلطه وحب الناس.. حتى الحاجات اللي بشوفها قوه عندي ما حدش واخد باله منها ولا مني.. من ساعه جوازها من كرم وحتى قبله وناديه هي المحبوبه وهي اللي بتعرف تتصرف وهي الشيك.. كأن ما فيش على الكوكب غيرها وجوزها يتمنى لها الرضا ترضى ..وبنتها من بعدها محور الدنيا.. وانا..هه .. انا مش موجوده
استقامت وهي تنظر أمامها بتفكير وعزم مستطردة :
بس لاااا ..انا موجوده وهعرف الكل مين هي راويه عمران وكل اللي عندهم ده هيبقى ملكي ..والايام جايه وهتشوفوا