رواية بين ظلال الماضي الفصل الثاني عشر12 بقلم رودينا يوسف

رواية بين ظلال الماضي الفصل الثاني عشر12 بقلم رودينا يوسف
استيقظ حازم باكراً بنشاط شديد ، وقام بروتينه المعتاد ثم تأنق في حُلَّة سوداء أنيقة أسفلها قميصاً أبيضًا فُتِح أول أزراره، ثم رتب شعره ولحيته الخفيفه ، ونثر عطره الرجولي الجذاب ، ونظر لنفسه في المرآة برضا ثم اتجه إلى دفتره ليلقي نظرة على صورة تلك الفتاة الصغيرة الموضوعه داخله، وحدثها قائلا:
قربت... تنهد بتمني وأكمل بتصميم : أتأكد بس إن إحساسي صح... وبعدها.. مستحيل أبعد عنك لحظه تاني... كفايه اللي ضاع

أغلق دفتره واتجه نحو الخارج ليودع أمه وينطلق نحو عمله الجديد بحماس ، وبمجرد أن خرج من باب بنايته حتى سمع صوت نعيمة يناديه 

أغلق عينيه بفروغ الصبر وهو يتمتم : يا رب عدي النهار ده على خير 

استمرت نعيمه في النداء :يا حازم ...انت يا ولا ..مش عماله انادي عليك يا ولاااااا

التف لها يا حازم واقترب من نافذتها وقال بمهادنة : صباح الخير يا نعناعه... وانا اقول صوت الكروان ده جاي منين

مصمصت نعيمه فمها مصدره صوتا ما: مسم... ابلفني يا اخويا ابلفني... عماله انده عليك وانت مش راضي ترد عليا ...كده برضه يا حازم...قالتها معاتبة اياه

حازم باعتذار: وانا اقدر يا نعيمه أتأخر عنك.. انا بس ما خدتش بالي عشان مستعجل ...اؤمري يا ستي عاوزه حاجه

نعيمه بطيبه : عاوزاك طيب يا حبيبي... ده انا شميت ريحتك اللي هَلّة من أول السلم وزايده النهارده حبتين... وشفتك لابس كده ومتشيك بسم الله ما شاء الله يعني... فقلت اما أسألك ..ثم نظرت له بشر وأكملت: انت يا ولا انت رايح تتجوز من غير ما تاخدني معاك يا منيل ولا ايه... ثم بدأ صوتها يعلو ببكاء: دي اخرتها يا ابني مش عاوزني اشوفك وانت في الكوشه وافرح بيك... سكتت فجأة ثم قالت بتساؤل: يوه ولا يكونش النهاردة عيد وانا اللي مش دريانه

نظر لها حازم بدهشه من تقلباتها الانفعالية و كأن نبت لها رأس أخرى ثم حاول كبت ضحكته التي على وشك الانفجار واقترب اكثر ليقبّل يدها قائلا بود : هو أنا أقدر اعمل حاجه زي دي من غيرك يا نعناعه برضه.. ده انا حازم ابنك وحبيبك... وبعدين هو في افراح بتبقى الساعه 6:30 الصبح ...ويا ستي ما فيش عيد ولا حاجه.. كل الموضوع ان انا رايح شغل جديد ولابس ومتشيك كده عشانه بس مش اكتر

نظرت له بحب وهي تربط على يده الممسكه بيدها قائله: تسلم لي يا حبيبي وتعيش.. اهو ده العشم برضه..
مازحته وهي تسترسل: بس يا اخويا شغل ايه ده اللي بيروحوله اخر ألاجه كده..مسسسم... قال على راي المثل ال ياخد بالمظاهر عمره ما يعرف الوحش من الطاهر ... لوحت بيدها اليمني ووضعت السبابه والابهام على ذقنها و مرفقها كان على يدها اليسري المستندة على صدرها مكملة : امال هتعمل ايه في يوم فرحك يا واد

ابتسم وقال : ادعي لي انتي بس دعوه حلوه كده على الصبح ابدأ بيها يومي... ووقت فرحي بقى يعدلها ربنا

نعيمه وهي ترفع يدها داعيه له : روح يا ابني ربنا يرضيك ويراضيك ...ويكرمك ويرزقك... ويعطيك ما يحرمك قادر يا كريم

حازم: احلى صباح ده ولا ايه.. يلا بقى انا همشي محتاجه مني حاجه 

تدخل عادل الذي وصل للأسفل توا قائلا : وهتعوز منك ايه يا..... قطع حديثه و هو ينظر له مستغربا ثم دار حوله و قال : ايه ده ايه ده... مالك ياض رايح فين بالشياكه دي كلها على الصبح

حازم بضيق وهو ينظر للأعلى: يا الله.. هو في ايه يا جدعان هو انا كنت معفن ولا ايه 

ضحك عادل و تحدث موضحا : مش قصدي.. بس يعني لابس بدله.. وبرفان جامد وساعه وحركات... غمز له و اكمل : خير يابني ما تفهمني ده انا اخوك 

حازم : يا ابني افهمك ايه ...ما انا قايل لك امبارح نازل شغل مع حنين

عادل بغمزه: ااااه ...حنين افتكرت ماشي يا عم الله يسهل له 

تدخلت نعيمه: يلا ياض انت وهو من هنا على مدارسكم... صدعتوني على الصبح و الواحد مش ناقص... حلوا عني بقى وخلوني اشوف اللي ورايا... عاوزة افكر كده هعمل غدا ايه لعمك ابو محمود قبل ما يرجع من الشغل... انكشحوا بقى بدل ما ارش عليكم ميه يلااااا

نظر حازم وعادل لبعضهما وانفجرا ضاحكين، و ألقيا عليها السلام وصارا معا كلا لوجهته ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وصل حازم أمام ڤيلا حنين ودخل للساحة حيث سيارتها، تعرف على السائق "عم صالح"، ثم هاتفها ليبلغها بانتظاره لها في الخارج...

دقائق وكانت تطل عليه بجانب والدها بجمالها ورقتها المعتاده، بل كانت أكثر إشراقا و أناقة اليوم ، بذلك الفستان البيچ النصف كم والذي رغم عدم تفصيله لجسدها ، إلا أنه كان منسدلا عليها بنعومه، وما زادها أنوثة هذا الحزام الذي كان يطوق خصرها، مُظّهِرا ضيقه مما أعطى لها رشاقه واضحه، ناهيك عن شعرها الذهبي التي اطلقت له العنان خلف ظهرها، فكانت ايقونه جمال متحركه أمام ذلك الناظر لها بانبهار ، وكل خطوه تخطوها نحوه كانت دقاته تتزايد بلهفه .

وهي لم تكن أقل منه فرحة واستمتاعا بقربها من ذلك الزائر الذي بدأ يتسلل داخلها شيئا فشيئا ، مستحوذًا على قلبها دون إرادة منها فرؤيته أصبحت تصيبها بإحساس ممتع ، كفرحة شاب مقبلا على الحياة بظهور شمس يوم جديد تغمره بالدفء وتعطيه أملا في قادم أفضل 

تبادل حازم وكرم وحنين تحيه الصباح ثم استقل كرم سيارته، تلاه حنين وحازم في سيارة اخرى، وانطلقوا جميعا نحو الشركة، تحت اختلاس حنين وحازم النظرات لبعضهما على استحياء بين فينه واخرى، ولكن بداخل كل منهما مشاعره الخاصه التي تتعمق بوجدان كلاهما و بقوه 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في شرفة منزل أيمن التي تعلو شقة حازم مباشرة، كان يقف وهو يمسك بيده كوبا من النسكافيه ، يحتسيه ببطء وهو شارد الذهن في تلك المشاعر التي باتت تراود قلبه منذ ان رأى تلك الصغيرة الفاتنة في نظره، فقد أصبحت بين ليلة وضحاها بطله لأحلامه كل ليلة ، وهو الذي لم يكن يوما يفكر سوى بمستقبله وفقط، ولم تستطع إحداهن سابقاً أن تضعه في تلك الحيره أو أن تأخذ أكثر من حيز إعجاب لأيام ثم ينتهي...

أخذ عقله يفكر ويفكر محاولا إيجاد حدٍ لهذا الشعور، احتراماً لصاحبه وأخيه في المقام الأول ، و مرورا بصغر سن الفتاة فهي ما زالت في الدراسه ، وتراه كأخيها وتناديه ب "أبيه" مما يجعله يعتقد أنها تراه كبيرا عليها، أو قد تعترض لفارق السن بينهما، ولكن داخله صوت آخر يرد عليه ويقنعه أن ما بينهما ليس سوى ثمانِ سنوات وهذا ليس بالكثير، فهناك من يتزوجا وهما أكبر من ذلك.
أكمل داخله بتمني ... أه لو وافقت.. 

مهلا مهلا ألم نتفق أن نتريث؟!!! إنه مجرد انجذاب أو إعجاب ليس إلا ، و من السهل تخطيه ، ( إجْمَد يا أيمن) كان يحدث نفسه هكذا محاولا إقناع حاله، و عاما على الهروب من كون أن هذا الشعور ليس كسابقه، ولكن ذهب كل هذا الحديث الداخلي أدراج الرياح، عندما استمع لصوت تلك الرقيقه الناعم وهي ترد على أمها من الداخل، والتي تريد منها أن تذهب وتلملم ملابسهم من على الحبال بعد أن جفت، ومن الواضح أنهما بالصاله لأن صوتهما قريبا يُسمِع مَن بالخارج أو بالأحرى مَن يقف بالاعلى ....

ايمان : يا چنا ادخلي لمي الغسيل يا بنتي احسن يترّب.. هنا هانم طلعت عيني جدال ومش راضيه تقوم... قال يعني المذاكره لو اتسابت خمس دقايق العالم هيقف ولا المستقبل هيضيع

چنا وهي تضع الكتاب الذي بيدها جانبا: حاضر يا ماما... ما هو هنا تدلع عليكي وانا اللي أشيل الليله... بس حاضر عشان ما تزعليش بس... هعمل لك اللي انتي عايزاه

ايمان وهي تدعو لها : إلهي يريح قلبك زي ما انتي دايما مريحاني يا قلب امك ...ان شاء الله تبقي دكتوره قد الدنيا ذي مانتي عاوزة... وربنا هيبارك لك في وقتك عشان راضيتيني

أنهت كلامها واتجهت للمطبخ ترى ما عليها فعله هناك 

تمتم أيمن بخفوت وابتسامه بلهاء: حلو.. عاوزه تبقى دكتوره ...جت في ملعبي... تنهد بهم مكملا : بس ده سبع سنين لسه

زفر بضيق من حاله :اوووف... ما تهدي يلا في ايه.. انا ما كانش لازم اخد اجازه النهارده... انا ما ينفعنيش غير نبطشيات تهد حيلي.. ما ليش راحه انا

نظر للاسفل لتلك التي تدندن وهي تلملم الملابس بصوت جميل يسلب العقل و كأن هذا ما كان ينقصه، فضلا عن تلك الحجاب الموضوع بإهمال على رأسها وبدأ بالانزلاق شيئا فشيئا، والذي أنهى على ثباته تماما عندما مالت للامام اكثر كي تستطيع التقاط الملابس من الحبال الاماميه ، فظهر جمال خصرها ومؤخرتها، نظر لاعلى سريعا وهو يستغفر ثم لم يستطع أن يصمت أكثر من ذلك، ودون أن يدري تلفت حوله بعيون صقر خوفا من أن يراها أحد بهذه الهيئه

تحدث بهمس غاضب وصل إليها : انتي يا زفته يا چنا

اعتدلت بفزع وهي تنظر للأعلى ووجهها صبغ بحمره قانيه ثم قالت وهي تضع يدها على صدرها وتعدل من وضع حجابها : 
بسم الله الرحمن الرحيم... خير يا ابيه في حاجه 

أيمن وهو يجز على اسنانه : انا مش نبهتك على لبسك وانتي خارجه بره البيت ساعه السلم قبل كده... ايه اللي انتي خارجه بيه في البلكونه ده 

نظرت له بغرابة ثم نظرت لحالها وعادت إليه ببصرها وقالت: ده ترينج واسع يا ابيه ...وحاطة طرحه على راسي اهو

اومأ ايمن رأسه بتهكم: طرحه اه.. لا عداكي العيب طبعا... احتدت ملامحه وهو يكمل : طرحه مين يا ام طرحه... الطرحه اللي هتقع ونص شعرك باين منها... والترينج ده مش واسع ولا زفت ...

زفر هواء غضبه محاولا الهدوء مكملا بنبرة أقل حده : بصي ابقي البسي اسدال احسن وانتي طالعه.. سواء عند باب ولا بلكونه ولا في اي حته مفتوحه... سمعاني 

نظرت له بعيون قطة حزينه من طريقته ثم اخفضت بصرها وهي عابسه وقالت : حاضر ..سمعت

نفخ بضيق من حاله فهو للمره الثانيه يحزنها ولا يستطيع التحكم في انفعاله، وهذا عكس طبيعته تماما فهو معروف عنه المزاح وعدم جرح من امامه حتى لو بالنقد، كما أنه أول مرة يشعر بنشوب حريق داخله أو أنه يريد تملك شخص لتلك الدرجه 

حاول تماسك حاله قدر الامكان و تكلم بنبرة خافته جذابه جعلت قلب تلك المسكينه ينبض بقوه : 
خلاص بقى ما تكشريش انا خايف عليكي يا چنا ...يعني ينفع حد يشوفك كده... مش انا كنت لسه قريب منبهك.. صح ولا ايه

تحدثت چنا بحرج فكلامه صحيح 100% وحاولت التحدث بتبرير: اصل انا كنت بذاكر وماما طلبت مني ألم الغسيل بسرعه... حسيت ان هدومي واسعه يعني مش اوفر ولا حاجه ...فدخلت و قلت يا دوب احط طرحه على راسي... بس انت صح... بعد كده هلبس اسدال افضل ..
نظرت له بوداعة وقالت: شكرا يا ابيه على النصيحه... وما تزعلش مني

تعمق بداخل مقلتيها الرماديتين التي أجهزت على الباقي من مقاومته لنفسه وتحدث بتحشرج : حصل خير يا چنچونة...اااا.... ادخلي بقى اعملي اللي قلنا عليه... و بعدين ابقي كملي

چنا : انا اصلا خلاص خلصت وداخله... عاوز مني حاجه

ايمن : عاوزك طيبه يا ستي ثم أكمل بملاطفه : كنتي بتذاكري ايه صحيح 

چنا بابتسامه خجوله : أحياء ..بحبها قوي.. انا علمي علوم على فكره وشاطره جدا في المواد دي 

ايمن بتلميح: وانا كمان بموت في الاحياء.. كويس خالص يعني هيبقى عندنا دكتوره شاطره ... عموما لو احتاجتي لاي مساعده او شرح انا موجود 

چنا بنبرة حيية محببة : ميرسي يا أبيه بجد على ذوقك.. عن اذنك بقى

كادت أن تتجه للداخل إلا أن صوته وهو يناديها أوقفها وجعلها تنظر له بتساؤل فقال بحمحمه وارتباك:ااا...احم.. هو... هو انتي ممكن تقولي لي ايمن على طول زي البنت هنا يعني..نظر لها بمغذى وهو يسمع نفسه قبلها: انا مش كبير قوي عليكي على فكره لدرجه ابيه يعني

ازداد احمرار وجهها ولم تستطع أن تنطق من شده قرع طبول الفرح داخلها، اكتفت ببسمه هادئه مع ايماءة من رأسها ،ودخلت سريعا تاركة أيمن لنفسه وهو يعيد محادثتها بتأنيب : ايه ال أنا هببته ده... مش قلنا عيب ونهدى شويه... مش كده ... خطر قوي اللي انا حاسه ده ولو طول يبقى اقصر الطرق هو اني اكلم حازم و اخد خطوه و ذي ما تيجي... مش هستحمل اخونه في اهل بيته

تحرك للداخل وبداخله العديد من المشاعر والافكار فهو في حيره مما حلّ به دون سابق إنذار ، و كأن هناك شخصان يتصارعان بعقله ، احدهما ينوي الابتعاد واعطاء فرصه لنفسه للتأكد مما يشعر، والآخر يؤكد له أنه في شعور وحاله حب مختلفه عما مر به من قبل و عليه أن يأخذ خطوه، ظل كما هو لفتره ثم قام وقرر أن يُخْرِج تلك الشحنه من الحيره والانفعال في الرياضه فارتدى ملابسه الرياضيه وصعد حيث غرفه تدريبهم بالاعلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل انتهاء موعد عمل حنين بما يقرب الساعتين قام إيهاب بالاتصال بمكتب حنين متحججا باعتذاره لها عن طريقته معها في المحادثه الاخيره، لكن مكنونه كان معرفة ما إذا بدأ حازم العمل معها أم لا ؟، كي يعطي الإذن لفتحي الذي استدعاه منذ دقائق ليتوجه حيث الشركه ويبدأ بمراقبه حازم ومعرفه كل التفاصيل التي يريدها إيهاب ليبدأ في خطه إبعاده عن حنين.

أما حنين فقد كانت تجلس مع مرام وقد انتهيتا من مراجعه بعض أوراق العمل وبدأتا حديث الأصدقاء ، فمنذ بدايه عمل حنين بالشركه وكل يوم يزداد تقارب الفتاتين اكثر فاكثر، وساعد في ذلك قرب شخصيتهما وصفاتهما إلى حد كبير، وأثناء حديثهما علا رنين هاتف حنين التي ردت بعدم اهتمام: ايوه 

ليأتها صوت إيهاب المازح: ايوة الله عليكي يا نونه

حنين بتقطيبه جبين مستغربه: إيهاب!!

لن تنتبه لتلك التي نظرت أرضا ثم أغمضت عينيها حتى لا تفضحها وتفصح عن رعشه قلبها عندما استمعت لاسم المتصل

ايهاب بمداعبه: yes ...انا ...اقدر اتكلم معاكي ولا زعلانه بقى و مقموصه وكده يعني

حنين بهدوء وهي تعيد خصله شارده خلف أذنها :
لا ازاي بس تقدر تكلمني طبعا في اي وقت يا ايهاب.. ده كلام برضه

إيهاب بتساؤل: يعني اقدر اقول انك مش زعلانه مني عشان طريقتي امبارح ؟.. أخذ نفسا عميقا ثم قال : بصي يا نونا انا ما اقصدش اكون عصبي معاكي بس بصراحه اتضايقت لما حسيت انك بتتهربي من مقابلتي.. وحقيقي انتي كنتي وحشاني

نطق كلماته الاخيره بصدق لمسته هي ، ولكن فسرته على أنه من أخ لاخته ومن صديق لصديقته المقربه ليس اكثر، فردّت عليه بابتسامه لطيفه وكأنه يراها:
انا مش زعلانه منك يا ايهاب ولا اقدر ازعل اصلا.. و لو مش انا وانت ال هنعدي لبعض يبقى مين بقى... هو انا يعني اتضايقت حبه صغننه بس عذرتك برضه لان عارفه اخويا كويس جدا

كلماتها التي طالما تؤكد بها على مكانته لديها وتخرج منها بعفويه ودون قصد تثير ضيقه وضجره بشده، وتذكره دائما بفشله الدائم في الخروج من منطقه الصداقه تلك والاستحواذ على قلبها ، فنطق بتهرب من تلك السيره كالمعتاد وقال : طيب تمام قوي... قولي لي بقى حصل ايه امبارح... كنتي بتقولي ان حازم ده كان عندكم ومضى عقد وكلام من ده يعني

حنين بعفويه اعتادت عليها مع ايهاب ولكن دون شعور كانت نبره صوتها فرحه مطمئنه بمجرد ذكرها لحازم:
اه فعلا ...الحمد لله خلص هو وبابا كل حاجه ... وبدأ شغل معايا من النهارده كمان ..جه وخدني من البيت الصبح .. وشويه و هنزل معاه عشان اروح 

هز ايهاب رأسه بتفهم وهو يبتسم بنصر فقد حصل على مبتغاه ثم أشار بيده لفتحي بعلامه تأكيد للذهاب إلى شركه عمه و بدء تتبع حازم، وأكمل مع حنين بطريقه عاديه: اوك ...كويس اني اطمنت عليكي ...على فكره هستناكي بقى زي ما قلتي تحددي ميعاد عشان نسهر سوا... انا مش ناسي

حنين بمزاح : بس كده تمام جدا جدا يا سيدي... هو انا اطول أخرج مع ايهاب بيه ناجي بذات نفسه

ضحك ايهاب عاليا و رد بتفاخر مصطنع : قولي لنفسك يا هانم ...لا وايه هو بنفسه اللي طالب مقابله سعادتك 

حنين بلطافة: واحنا تحت الأمر يا فندم... هكلمك في اقرب وقت ونظبطها 

إيهاب مغزى :اوك يا نونه..وانا هستناكي حتى لو عمري كله .. بس يارب انتي تفتكريني 

حنين بطيبه وهي تظن كلامه مجرد مجامله: لا يا ايهاب مش هنسى ما تقلقش... وبعدين وانا من امتى نسيتك يا ابني ...مش عشان مره اعتذرت بقى ما تبقاش اوفر كده

ابتسم بغلب وقال : ماشي يا ستي انا اللي غلطان ..يلا بقى روحي شوفي شغلك وانا كده خلاص عملت اللي عليا وصالحتك اهو 

حنين : انا مش زعلانه يا ابني اصلا ...حصل خير.. ويلا انت كمان مش هعطلك بقى باي باي

اغلقت الخط ونظرت لمرام التي كانت تتصنع الابتسام لتخفي خلفه ألم قلبها من ذاك الحب الميؤوس منه، فهي تعلم أن إيهاب لم يرها ظنا منها انه بسبب الفرق الكبير بينهما، ورغم استطاعتها تزييف بسمتها إلا أنها لم تستطع كبح فضولها، فاندفعت منها الكلمات غصبا وقامت بسؤال حنين : هو أستاذ إيهاب كان متخانق معاكي ولا ايه
يا حنين ؟!!!

تداركت حالها و أكملت بتلعثم وحرج : اااا..انا ... انا طبعا اسفه لو بتدخل في خصوصياتك زياده عن اللزوم ..ب..بس يعني غصب عني عشان قاعده معاكي سمعت المكالمه وكده...و..وانا يعني ..

أوقفتها حنين عندما ردّت عليها قائله : في ايه يا بنتي ده انا لسه بقول لك احنا قد ايه بقينا صحاب بسرعه واخوات وكأننا معرفة سنين وده شيء جميل قوي وباسطني... يعني ما فيش بينا الحساسيه الرهيبه دي انا بقيت اتكلم معاكي اكتر واحده وفرحانه من إنك فهماني يا مرام.... من فضلك شيلي الحساسيه الزياده دي على جنب اتفقنا

مرام براحه شديده: صدقيني وانا فرحانه اكتر منك إن بقيت عندك زي ما قلتي.. لأن انتي كمان مليتي عليا جزء كبير قوي في حياتي ... انا فعلا ما ليش صحاب تقريبا وانتي فرقتي معايا في وقت قصير وبقيتي اقرب واحده ليا 

عادت لفضولها قائله بمرح وهي تضع يدها على المكتب امامها مستندة على وجنتها : قولي لي بقى ايه حصل مع ايهاب؟؟

روّت لها حنين ما حدث أثناء زياره حازم ومكالمه ايهاب معها ، ابتلعت مرام لعابها بوجل وخوف تسلل لقلبها و ظهر بمقلتيها رغم محاولتها المستميته للحديث بطبيعيه، ولكن كان بداخلها سؤال يفرض نفسه ولم تستطع منع لسانها من التفوه به فقالت: حنين.. انا عارفه انك وايهاب اخوات ومتربيين سوا تقريبا... صح ولا في حاجه تانيه اكثر من كده ...ااا...اقصد يعني في بينكم مشاعر حب وكلام من ده يعني

انهت حديثها وهي تنتظر رد حنين بفارغ صبر مع خفقان شديد داخل خافقها الصغير، نظرت لها حنين بابتسامه لطيفه وهي تنفي برأسها بعد أن بدأت تشعر بحدس الأنثى أن مرام قد تكن مشاعر لأخيها الروحي، وهي ما تمنت أن يكون حقيقيا بالفعل، فهي أحبت تلك الفتاه بصدق وتراها أكثر مَن يناسب ايهاب .

ثم تحدثت باستنكار موضحة كي تطمئن الهادئه التي أمامها :
ما فيش مشاعر بيني انا وايهاب اكتر من اللي قلتيه.. أخوه وصداقه.. تنهدت بألم و استرسلت وهي تنظر بعيدا: انا طول عمري لوحدي يا مرام بابا وماما دايما خايفين عليا ..وبصراحه هما قريبين مني قوي وخلوني استغنى بيهم وبحبهم عن حاجات كتير ...بس ده ماغيرش من حقيقه اني وحيده... واقرب حد ليا في العيله وبره العيله وكان دايما بيعاملني بكل حب ومن غير مصالح هو ايهاب ...فبقى اخويا وصاحبي اللي عمره ما اتأخر عني... وهو كمان كان اكبر احفاد العيله ومش عنده اخوات بنات فبقيت انا اخته واهتمامه بيا او معاملته معايا عمرها ما خرجت عن الاطار ده ابدا 

انفرج ثغر مرام ببسمه حلوة فرحه، فإن كانت حنين قد أكدت لها أي علاقه بينها وبين ايهاب، كانت حتما ستقتل أي شيئا بداخلها له وبدون نقاش، فهي عدَّت حنين أختا لها بحق .

ثم تكلمت بنبره صوت طغى عليها الراحه : فهماكي خالص على فكرة... اعتدلت بحماس لتكمل : عارفه احنا عندنا في الشارع بتاعنا حازم وأيمن وعادل اخوات واصحاب زي ما بتحكي كده ويمكن اكتر اضعاف...حالتهم فريده بجد يا حنين... شافوا كتير من الدنيا وهما مع بعض من صغرهم ودايما كانوا نعم السند لبعض ...مش مجرد كلام لا مواقف و مواقف جامده وكتيره كمان ...ورغم صعوبه اللي مروا بيه إلا أنهم كانوا رجاله...حقيقي بيدوني أمل رهيب في الحياه ...وانه بجد لسه الدنيا بخير

كانت حنين تنظر إليها باهتمام شديد بسبب ذكرها لحازم فهي تريد ان تعرف تفاصيل عديدة عنه وعن حياته ، ورغم أنها كانت تسأل مرام على استحياء في السابق كي لا تلحظ اهتمامها بتفاصيله، إلا أنها واليوم في جلسه الحديث المحببه تلك، انجذبت وراء قلبها دون تفكير وأخذت تسأل مرام عن حياته مطالبة إياها أن تروي كل ما تعلمه ورأته منه ، ومرام كانت تجيب عليها برحابه صدر وهي ترى بريق ما يحاول الاختفاء بين عينيها كي لا يفتضح أمرها ، إلا أن تلك المحبه تعلم هذا البريق جيدا فقد زارها قبلا .

وحنين كانت تصل للسماء بسبب تلك الجلسه التي شعرت بأنها تقرب بينها وبين حازم، وسعدت كثيرا لسماع سيرته التي تؤكد على رجولته وشهامته وتحمله المسؤوليه مع كل من حوله، واكثر ما جعلها كطائر محلق أنها علمت أنه أبدا لم يكن من مطاردي الفتيات ، وروت لها عن عائلته وذكرت ريم ابنه خاله تلك الفتاه شديدة الجمال التي كانت تأتي قليلا لديهم مع أبيها وكانت تلعب مع مرام احيانا ، تحت متابعه حازم وخوفه الشديد عليها مما جعل حنين تنطق بحنق واختناق: 
وهي لسه بتيجي عندهم بقى وكده

نظرت لها مرام بضحكه لطيفه ثم قالت مطمئنه إياها : 
لا مش بتيجي.. خفضت نظرتها بحزن و اكملت : ومش ممكن تيجي تاني للأسف 

نظرت لها حنين بتساؤل لتكمل مرام بتوضيح : اصل مره واحده كده العيله دي كلها ماتت ...انا فاكره انهيار طنط ايمان على اخوها وعيلته... بيقولوا انه قتل مراته وانتحر والبنت اختفت واتقال انها ماتت بعدها بفتره ...مش فاكره تفاصيل كتير يمكن عشان كنت 8 سنين وقتها... بس اللي فاكراه ان ماما كانت لما تاخدني وتنزل عندهم كنت ببقى متضايقه على طنط ايمان قوي وعلى حازم كمان اللي كان زعلان بشكل كبير وقعد يدور عليها كتير وفي أماكن كتير قوي بحكم شغله في اغلب الشوارع لانه كان بيوزع فيها اي حاجه يبيعها ...ورغم انه كان صغير تقريبا اعدادي مش فاكره قوي لكن اتأثر قوي بيهم خصوصا ان اللي حصل ده كان بعد وفاه والده بمده مش كبيره 

تمعنت مرام بعينين حنين ثم قالت ملاحظة للمرة الأولى: تصدقي يا حنين ان لون عينيكي في شبه رهيب من لون عينيها.. اصل هي كانت أموره قوي قوي وعيونها مميزين

كانت حنين تنظر أمامها متأثره بكلام مرام على ما عاناه حازم ، إلا أنها نظرت لها وقالت مشيره لنفسها: لون عيوني انا 

تذكرت لقائهما الاول ، ونظرات حازم دائما لها بعمق داخل بحر عيناها وتوجست من أن يكون اقترابه منها واهتمامه بها لانها فقط تذكره باخرى، نفضت افكارها ونظرت لنغمه هاتفها التي اعلنت عن وصول رساله لها من ذاك الذي كانت تفكر فيه توا مدونا فيها : 
فاضل خمس دقائق وتخلصي شغل.. هتروحي على طول ولا رايحه لاي مكان 

نظرت لمرام وقالت: ثواني يا مرمر وهكون معاكي

اومأت لها مرام والتقطت هي الاخرى هاتفها لتعبث به لتفسح المجال لحنين من دون ان تتطفل عليها 

قرات حنين الرساله بعيون سعيده بعد أن رأت اسم صاحبها ثم دونت له: اممممم ..تؤ مش هروح في مكان النهارده.. اديني بس الخمس دقائق اللي انت قلت عليهم دول اجهز وانزل تروحني على طول 

أتاها الرد في غضون ثوان ممن كان ينتظرها ليكحل عينيه برؤيتها فأرسل لها مداعبا : 
تمام جدا وعشان انتي شطوره ومن الشغل للبيت على طول جايب لك هديه صغيره يا رب تعجبك

بفضول كتبت: هديه ايه؟؟ بليز بليز تقول لي

اجابها : ههههه وهتبقى مفاجأه ازاي لما اقول لك ..استني الخمس دقائق دول وهتعرفي يلا بقى ..بدل ما احنا عمالين نشيت كده انزلي

كتبت باختصار: اوك باي مؤقتا

عادت ببصرها لمرام وقالت وهي تقف وتلملم اشيائها: 
يلا يا مرمر ميعاد نزولنا قرب ...انا هجهز واعدي على بابا قبل ما انزل عشان حازم مستني تحت 

وقفت مرام وقالت: 
اوك.. انا كمان هروح على مكتبي اشوف الدنيا قبل ما امشي

كادت ان تخطو إلى الخارج إلا أنها استدارت لتستمع لحنين التي قالت باهتمام: بقول لك ايه يا مرام انا هروح على البيت ومش في حاجه هعملها ...ما تيجي تقعدي معايا شويه ونكمل كلام براحتنا .. واهو حازم يبقى يوصلك وهو مروح.. ايه رايك؟

مرام باعتذار: بلاش النهارده يا حنين مش عامله حسابي وعندي شغل هاخده اكمله في البيت لانه هيتعرض بكره على كرم بيه.. خليها يوم تاني و الايام جايه كتير

اومأت حنين برأسها و أهدتها ابتسامه متفهمه وهي تقول: خلاص تمام.. مش هضغط عليكي ...هجهز انا بقى واعدي على بابا وانزل على طول... اشوفك بكره سلام

وبالفعل انصرفت مرام وانهت حنين جمع أغراضها واتجهت لمكتب والدها مودعة إياه ، ثم ذهبت متوجهة إلى الخارج بسعاده وحماس 

استقبلها ذاك المستند على السياره بطوله الفارع في انتظارها بعيون متلهفه مخفيه تحت عدسات نظارته الشمسيه ، كانت عيونه مسلطة على بوابه الشركه حتى طلت شمسه تملأ ما حوله دفئا ، تقدم نحوها وما إن وصل اليها قال بمشاكسه:
برافو عليكي ما تأخرتيش.. بس يا ترى ده عشان انتي مواعيدك مظبوطه ..ولا عشان الفضول وعاوزه تعرفي المفاجأه ايه هي مش اكتر؟!!!

ردّت حنين على مشاكسته بأخرى قائله: 
ينفع يبقى الاتنين.. ولا يبقى عندك مانع!!

رفع كتفيه بلا مبالاة مصطنعة ثم اخفضهم وهو يقول: خالص هيبقى عندي مانع ليه 

أشار لها كي تتقدمه ثم قال : اتفضلي 

جعدت حاجبيها باستنكار طفولي ثم قالت : اتفضلي!!!... طب فين المفاجأه 

تحدث حازم بتعقل مع ابتسامه جذابه ظهرت بين شفتيه زادت من كاريزمته قائلا : 
هديها لك على البوابه هنا يعني... اكيد لا ..هي في العربيه اول ما نوصل البيت هديها لك قبل ما تطلعي ممكن بقى تتفضلي قدامي.. يلا 

اومأت حنين بخجل وتقدمته ليتوجها معا نحو السياره ، غافلين عن ذلك المتابع لهم من بعيد لكي يأتي بالخبر الاكيد لسيده عن حازم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبعد مده ...

نزل كلا من حنين وحازم الذي كان يحمل حقيبه في يده، و بمجرد أن تحرك سائق السياره من أمامهما حيث المرآب الخاص خلف الڤيلا، مدَّ حازم يده معطيا اياها الحقيبه التي يحملها قائلا بلباقة : ممكن تقبلي مني الهديه دي

اخذت الحقيبه بابتسامه بشوشه ممتزجه بالفرحه والحياه وقالت بعذوبه ودلال : 
ميرسي قوي عليها مبدئيا يعني .. ممكن تقول لي ايه اللي جواها بقى

تحدث حازم لرفع الحرج عنها : مش حابب اقول... عاوز اسيبك تشوفيها براحتك وعلى مهلك... يعني عشان لو ما عجبتكيش ما تبقيش محرجه مني... بصراحه انا مش بعرف قوي ايه اللي بيحبوه البنات يادوب شويه حاجات كده من اخواتي البنات 

اقترب منها خطوة وهو ينظر إليها و أكمل بنبره طلَّ منها الصدق والحب معا: وبصراحه اكبر ما كنتش اصلا مهتم.. بس الغريب اني بعد ما استأذنت من كرم بيه النهارده عشان اروح اشوف حاجه مهمه تخصني...ولمحت المحل ده لقيتني وقفت قدامه وقلت لنفسي يمكن تكون بتحب الحاجات دي... ولقيتني بدخل اشتري الهديه.. ضحك بلطافه وقال : والاغرب اني كتبت لك اهداء كمان... صدقيني انا مش كده خالص... عموما شوفيها براحتك ولو عجبتك ابقي بلغيني بعدها ....ولو لا اعتبري اني ما جبتش حاجه تمام

كانت تستمع له باهتمام و نظراتها تزداد بريقا، فكل كلمه يلقيها كانت تدخل على قلبها ليس أذنها وحسب ، وريثما انتهى كانت وجنتيها مخضبتين باللون الاحمر القاني مع ابتسامه منيره لوجهها ذو الغمازات الفاتنه، نظرت للأرض ثانيتين تحاول استجماع نفسها، ثم رفعت عينيها له ونطقت بلين: 
أنا متأكده انها هتعجبني مهما كانت ايه ومن غير ما اشوفها يا حازم ...كفايه إنك فكرت فيا وجبتها عشاني انا... وبجد مره تانيه ميرسي كتير 

كان شكلها شهي بدرجه كبيره لا يتحملها قلب هذا المسكين الذي ذهب واختفى بداخلها واندمج مع جزيئاتها تاركا إياه وحيدا ، سماعه لاسمه من بين شفتيها الكرزيه كان له نغمه خاصه جعلته يحلق ويحلق في عنان السماء

اجلى صوته بحمحمه رجوليه ثم قال قبل أن يهرب من امامها خشيه عدم سيطرته على حاله اكثر من ذلك :
احم ...طيب انا هستنى رأيك زي ما قلت لك ومضطر استاذنك بقى عشان اسيبك ترتاحي... وهروح انا كمان ولا في عندك اي مواعيد مفاجأه النهارده 

حنين : لا مش في تغيير النهارده في مواعيدي ومش رايحه مكان تاني... انا هقضي الوقت مع مامي وبعدين هطلع انام... و اكيد هكلمك واشوف الهديه بتاعتك

حرك رأسه بموافقه وتحركت هي من امامه ثم صعدت السلم الامامي المؤدي لبوابه الفيلا، و استدارت تلوح له بيدها بالسلام وبادلها هو ثم انطلق في طريقه 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومع بدايه قدوم الليل و إسدال أول ستائره، كان حازم يخطو إلى داخل شارعه في حي السيده زينب العريق، واثناء توجهه للمنزل شاهد أخته (هنا) تقف بداخل محل البقاله القريب منهم ويرتسم على ملامحها التجهم الشديد وهي تتحدث ملوّحة بيدها في الهواء علامه على أنها تستعد لشجار مؤكد لا محاله مع ذلك الذي يقابلها على طاوله الدفع (الكاشير)

أسرع خطاه إليها حتى وصل لجانبها ووضع يده على كتفها وجذبها إليه ضاغطا على كتفها لتصمت، لتلفت هنا كي تهجم على من تجرأ ولمسها هكذا ولكن وقفت الكلمات بحلقها عندما وجدت اخيها ينظر لها بشر وهو يقول بهدوء معاكس لما يعتريه من الداخل : 
ايه يا هنا في حاجه ولا ايه يا حبيبتي

نظرت هنا بامتعاض لذلك الشاب السمج الذي أمامها ،فهي كانت تجلب بعض الاغراض لوالدتها وعندما انتهت وذهبت لمحاسبته، وجدته ينظر لها نظرات غير مريحه ويتكلم معها بطريقه سخيفه يعتقد أنه سينال بها اعجابا منها، وقد يتمكن من التقرب لها و الحصول على رقمها الخاص ، مسكين فهو لا يعرف أن التي يعاكسها بتلك الطريقه ليست فتاه تقليديه

حولت هنا بصرها لحازم وهي تقول بثقه وقوه : 
لا يا حبيبي ولا حاجه ...ولا اصلا حد يتجرأ يعمل لي حاجه 

تفوهت باخر كلماتها وهي تلقي نظره مقللة على ذلك الشاب الذي لا يعلم مَن هذا؟! ، ولكن يبدو أنهما يعرفان بعضهما جيدا وهو جديد على هذه المنطقه 

نظر بتوتر لهما وهو يمد يده لها بالباقي ويقول بارتباك: ااا... اتفضلي يا انسه

التقط حازم المال من يده ونظر له بتحذير وقال:
شكرا يا هندسه ...والمفروض انك توجه كلامك للراجل اللي مع الانسه ولا ايه 

اومأ الشاب برأسه عده مرات بخوف ونطق معتذرا : 
معاك حق يا باشا ...اسف

نظر حازم لها و أمال برأسه تجاه الخارج لتسبقه ، وعندما خرجت اقترب برأسه من الشاب وقال: 
شكلك جديد هنا ونصيحه مني لم عينيك ولسانك مع البنات اللي هنا ...لاحسن اكيد هتزعل قوي عليهم لو حد فقعهملك 

ربط على كتفه بخشونه وقوه واكمل: ماشي يا شبح

لم يستطع ذلك الشاب ان ينطق بكلمه من الخوف، فقط تصبب عرقا من نظرات ذلك الشرس الذي أمامه ، واكتفى بهز رأسه بموافقه عده مرات متتالية

خرج حازم لاحقا باخته وبالفعل لحقها عند بوابه المنزل، وقبل أن تصعد للأعلى بساحه البيت أمسكها من تلابيب بلوزتها من الخلف وهو يقول من بين أسنانه :
يا بنتي مش هتبطلي الشبحنه اللي انتي فيها دي... ده انتي بنت... ماتقفيش وتعملي خناقه مع ولد في الشارع كده ماينفعش

أكمل بضيق : هو اللي هنعيده هنزيده يا هنا 

نظرت حولها لتتأكد من أن ليس هناك مَن ينتبه لهما وقالت بتلطيف: يعني اسيبه يستظرف عليا يا حازم... ما لازم ياخد على دماغه يا عم عشان ما يسوقش فيها

اخفضت صوتها بوداعه لا تمط لها بصله ثم قالت: نزل ايدك بقى يا حزوم ...ما ينفعش ماسكه الحراميه دي.. نفترض حد شايفك وانت ماسكني كده... ينفع تضيع هيبه اختك 
اكملت وهي تضع يدها بخصرها وترفع هامتها لأعلى بغرور مصطنع: انت مش عارف انا مين في المنطقه ولا ايه

التفت كلاهما لصوت نعيمة الساخر الآتي من خلفهما وهي تقول مستهزئه: هييييئ قال على رأي المثل قالوا للحمار انت مين قال لهم الجحش خالي

انطلقت ضحكات عادل الجالس بالاريكه المجاوره لها ، فهو قد أتى منذ قليل وعندما وجد باب شقتها مفتوحا قرر الجلوس معها قليلا والاطمئنان عليها ، ووقت ان دخل حازم خلف هنا لم يلحظ أي منهما باب شقه نعيمه الذي ظل على حاله، واتاح للجالس بالداخل متابعه كل ما حدث منذ دخولهما بوضوح

ترك حازم هنا الغاضبه ثم أخذ يدها وتقدم نحو شقة نعيمه ليلقي التحيه عليها وعادل، و الذي استقام ليبادل صديقه السلام ثم نظر لهنا بتشفي وشماته قائلا وهو يضغط على الحروف بمشاكسه: 
ازيك يا هنا.. عملتي ايه يا مصيبه المره دي عشان تتعلقي كده

نظرت له ثم قالت باستنكار مصطنع لتحافظ على صورتها أمامه : اتعلق!!!..... انا...... لا طبعا ده اخويا حبيبي لسه راجع من الشغل وشافني طالعه وطبعا كان مفتقدني جدا ووحشته جدا جدا فكان بيسلم عليا وياخدني حضن وكده 

شهقت نعيمه وضربت يدها على صدرها ثم نظرت لحازم الذي جلس جوارها للتو بعد أن سلم عليها، وشدَّت على أذنه قائله باندهاش: 
حضن... بقى يا مفعوص جايب نسوان في بير السلم وفاكر اني مش هعرف... طب ودين النبي لاكون قايله لامك يا حازم على كل المسخره دي يا واد

ألقت عليه نظره مشمئزة محتقره بعد أن تركته واكملت وهي تشيح بوجهها عنه: اخص عليك الله يكسفك

انقطعت انفاس حازم من الضحك، هو و كل من موجود بالشقة ، وقال من بين ضحكاته وهو يضرب يديه ببعضهما بدهشه: يا نهار ابيض هتلبسيني مصيبه وقضيه تحرش في ثانيه يا نعيمه... نسوان ايه دي اللي هجيبها بس ....دي هنا اختي يا نعناعة مالك

نعيمه وهي تنظر لهنا بتفحص وقالت مندهشه: 
يووه.. هنا.. هي مش كانت بتلعب مع اختها من شويه في الشارع... ده انا لسه شايفاهم

اشارت باصبعها محذره: اوعى تكون بتضحك عليا

حازم نافيا برأسه : والله ابدا حتى عادل وهنا قدامك اهم اسأليهم

أكد عادل كلامه قائلا: اه يا نعيمه دي هنا اخته..ثم أكمل وهو ينظر لهنا بنظرات ذات مغزى: اخوات حازم كبروا يا حبيبتي وبقوا آنسات زي القمر

للمره الاولى تخجل بشده وتحمر وجنتيها وتنظر ارضا امام غزل احدهم لها ، و دون أن ترد بكلام لاذع 

بينما رد حازم قائلا: ما تتلم يا بني ادم انت.. ايه بقوا زي القمر دي هتعاكس اخواتي قدامي ولا ايه

عادل بمشاكسه: اعاكسهم من وراك عادي يعني

قذف حازم عليه وسادة صغيره تحت يده وهو ينهره، وقد تدخلت نعيمه قائلة: قوم امشي ياض انت وهو من هنا مش ناقصه صداعكم انا... انتم بتتخانقوا قدامي.. يلا هووني بلا قرف ...عاوزه اقوم اجهز لعمكم ابو محمود زمانه على وصول وانا احب لما يجي يلاقيني بدر في ليله تمامه

قالتها وهي تحرك يدها مفتخره بنفسها مع رفع رأسها للاعلى ببعض الغرور، ابتسم الجميع على حديثها ثم ودعوها متحركين للخارج 

واثناء صعودهم قال حازم: 
بقول لك يا عادل بما إنك هنا بدري النهاردة.. كلم ايمن وقابلوني كمان ساعه كده في الاوضه فوق عاوزكم في حاجه مهمه

عادل : خلاص تمام هغير واتعشى واطلع على طول وايمن هخبط عليه دلوقتي قبل ما ادخل... واهو برضه بقى لي شويه ما قعدتش معاكم ولا اتدربنا سوا

وصل حازم امام شقته ثم اخرج مفتاحه ليفتح الباب وهو يؤكد على حديث عادل: حلو قوي... يلا اشوفكم كمان حبه

أشار عادل برأسه موافقا وهو يشبع عينيه من رؤيه تلك المشاكسه الواقفه خلف اخيها التي أخذت حيزا لا بأس به من تفكيره في الفتره الماضيه، ثم صعد سريعا حيث شقته بالدور العلوي، والمشاكسه لا تعلم لما ظلت تنظر في أثره وهي تتذكر هيئته الخاطفه للنظر 

عادت من شرودها على صوت اخيها الذي قال : ما تدخلي يا بنتي ..واقفه متنحه كده ليه 

دلفت خلفه واغلقت الباب ووضعت ما بيدها على منضده الطعام (السفره) واتجهت مباشره لغرفتها 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي نفس الوقت تقريبا بفيلا كرم عثمان... 

كان كرم بمكتبه يراجع بعض الاوراق الهامه قبل أن يصعد للنوم ، نظر لهاتفه عندما سمع نغمه تنبيه الرسائل، ليلتقطه متفحصا إياه بملل تحول لانزعاج وشراسه سكنت مقلتيه عند قراءه كل حرف بها مع ضغطه الشديد على الهاتف بين يديه حتى كاد أن يكسره 
عاد برأسه للخلف محاولا التحكم في انفعالاته التي تتزايد بداخله و كأنها بركان ثائر سيفجر كل ما حوله، وبدون سابق إنذار داهمته الذكريات وكأنها على موعد معه، تأبى أن تتركه وترحل مهما طالت مدتها ، ومن بين ذكرياته الاليمه تلك الجمله البغيضه التي تتردد بداخله ضاغطه على جرح لا يندمل وبرغم كل محاولاته لأن يطيب إلا أن هذا الجرح يرفض أن يشفى ، أغمض عينيه مستسلما لتلك الدوامه التي تسحبه لأسفل بسرعه كبيره، و من حوله يتردد جمله واحده فقط
=We made every possible effort, but unfortunately, My heartfelt condolences

احنا عملنا كل ال نقدر عليه بس للاسف البقاء لله ...

تعليقات



<>