
وسط رحيل آخر إشعاعات الشمس وإفساحها لستائر الليل كي تنساب بنعومه على شوارع القاهرة الكبرى...
كانت حنين تجلس بجانب حازم داخل إحدى السيارات المملوكه لهم وعينها على نفسها بشرود في المرآه الاماميه ، وعلى وجهها بسمه مبهمه كأنها تحيا بداخل حلم، ما كانت تتوقعه يوم ...
فقد كانت بهيئه تختلف عن هيئتها تماما ، فشعرها الذهبي استبدلته بآخر مستعار باللون الاسود، وكانت تعقصه على شكل كعكه فوضوية، مع نظارة شمس كبيرة تخفي ملامحها الصافيه والتي لم تضع فيها أي من مساحيق التجميل...
ناهيك عن ملابسها الكاچوال والتي تختلف كليا عن طبيعه لبسها المعتاد ، فبدت أكثر بساطه مما اعتادت، وعينيها أيضا قد أبدلتهم بعينين زجاجيه بلون العسل ...
كل هذا فعلته من أجل أن تبقى مع حازم أطول فتره ممكنه، فقد عرضت عليه مساعدته في الشركه حتى يستطيع المرور من هذه الازمه، وهو ما بررته لوالدها بنوع من المؤازره ورد الجميل ...
أما حازم فقد سعد كثيرا بداخله من مقترحها ، فمعشوقة روحه لا تريد فراقه ، وهو كان أكثر من مرحب ، وعلى الرغم من انه كان سينظم وقته كالسابق كي لا يتركها لحظه ، إلا أنه بل وبذكاء استغل الأمر لحمايتها، وتحدث لكرم بأن هذه فرصه مناسبة ليستطيعوا من خلالها تغيير بعضاً من شكل حنين كي تتخفى عن أنظار مَن يلاحقونها ويهددون كرم بها ، وهو ما أثنى عليه كرم وبشده ...
و لكن ما بداخل سريرة حازم هو أن يصحبها لعالمه ويشبع عينيه منها طيلة الوقت، فلربما تتذكر شيئاً يعود بها لسابق حياتها والتي لا يعلم فيما فقدتها...
ولكن اتفق كرم وحازم فيما بينهما أن يكون الحديث أمامها عن حتميه إخفاء هويتها ، كي تمنع الاقاويل و الإشاعات حولها وعائلتها ، فمكانتهم الاجتماعيه ستجعل منهم عرضه وفريسه لصائدي الاخبار ومطلقي الشائعات ..
وهو ما اقتنعت به حنين سريعاً ووافقت عليه، فأي شيء سيساهم في وجودها في محيط ذلك المتيم ، والذي أصبح أكثر إفصاحا وتعبيرا عن مكنونات قلبه، ستفعله برحابه ودون تردد، كي تنعم أكثر وأكثر بهذا الاحساس الذي يجعلها ملكه على عرش الدنيا ....
قلّب حازم نظره بينها وبين الطريق وقال بمشاكسه لاستحضار انتباهها: هااااي يا امورتي.... سرحانه في ايه بقى .....ثم أكمل بتحذير مازح: لو حد غيري أنتي حره أنا بقول لك اهو ..
اعتدلت تتشرب ملامحه بعينيها وهي تقول : مستغربة قوي اللي بعمله بقالي أسبوع ده.. بس في نفس الوقت مبسوطه
وضعت قبضتها الصغيرة على وجنتها وهي تسترسل : وده الاغرب يا حازم.... أنا عمري ما حبيت حاجه بعملها بالطريقه دي ...والاجمل اني مش حاسه بالغربه جواها لا ده انا لاقيه نفسي فيها جدا ....مش غريبه دي ؟؟!!
حازم : لا مش غريبه... أنتي بس عشان يمكن بتتعاملي من غير قيود أو مراكز أو ضغوط.... بتتعاملي كنفسك.... ما حدش حاطك تحت ميكروسكوب ومستني يشوف هتوصلي لفين... وعلى فكره أنتي فعلا شاطره جدا في مجال التجاره وهتبقي سيده اعمال جباره ويتخاف منها كمان ...
سعدت كثيرا لإطرائه كمن حصل على أثمن الجوائز التي اغنته عن العالم أجمع ...
وهذا ما جعلها تنطق بحبور و شكر : بجد انت شايفني كده.... ميرسي يا حازم... ميرسي قوي على ال energy الحلوه اللي بتديها لي دي ...على فكره انت كمان في الشغل شاطر قوي وعقلك ذكي جدا
حازم مازحاً : اه... بترديها لي وكده ...ماشي بس على فكره بقى انا ما بعرفش أجامل
اهداها نظره ينبعث منها اشعه عشقه لتغلفها بدفء لم تتذوق حلاوته إلا معه وأكمل : يعني لما اقول لك إنك أجمل وأرق و أذكى مع أشقى بنوته شافتها عيوني مش بهزر.... توليفه غريبه يا حنين اتجمعت فيكي واستحاله تبقى عند غيرك يوم ...
هل سمعتم تلك الخفقات الصاخبه التي تدوي الآن من هذه الخجلى ؟؟؟.....خفقات تعلن لصاحبتها وللدنيا أنها ذابت في حلاوه كلماته وعذوبتها.... أنها خضعت له متأثرة بهجوم نظراته ، بل ومستعده للتضحيه بكل ما هو غالي ونفيس....
حازم مستمتعًا : ههههه.... كل ما اتكلم معاكي تقلبي ألوان كده ...طب ردي عليا يا حنين... أنا عاوز اسمعك ....صوتك وكلامك بيهونوا عليا كتير..
حنين بصوت يكاد يسمع: طب هقول إيه طب يعني بقى طيب
حازم: هههههه .... ما تقوليش خلاص
صمت برهة ثم سأل : حنين... هو انتي مستمتعه بس بالشغل معايا .. ما فيش اي حاجه تانيه بتحسيها؟؟
حنين بحياء من مغزى حديثه، مما جعل جمالها يزداد أضعافاً : حاجه إيه يعني مش عارفه ؟؟
حازم بوضوح أكبر: يعني وجودي معاكي وجنبك يا حنين بيخليكي تحسي بأي حاجه جواكي ليا...
دارت بعينيها فيما حولها فهي لم تستطع أن تنظر تجاهه أو تنطق، بل زاد حيائها واكتفت بتحريك رأسها بموافقه، ثم وجدت عينيها تذهب لتعانق عينيه في نظره طويله تبوح فيها بما لم يتفوه به اللسان، وهو استقبل نظراتها بأخرى سريعه مغلفه بكل وله وعشق ولكن بسبب القياده كان يبدل نظراته بينها وبين الطريق ....
طرأت على باله فكرة حسم من خلالها أمره ، فها هو تأكد بمباشرة من قبولها له ليس مجرد إحساس من تلميح أو موقف ...
نطق بحبور مقترحاً : بما أن الدنيا اتحسنت كتير الحمد لله والناس اللي معانا شغاله كويس... إيه رأيك لو بكرة ناخده إجازة ونقضيه سوا ...واوعدك هعيشك يوم مختلف تماما ....وعمرك ما هتنسيه ...ومش هقولك تفاصيل خليها مفاجأة
التمع الحماس بعينيها وظهر بصوتها وهي ترد : مفاجأة... وااااو ...طب ايه هي بسرعه ....بليز تقول... بل..
قاطعها حازم برفض مندهش : ياسلام... و هتبقى مفاجأة ازاي يا حلوة كده....
ابلغها بحسم : قلت مش هقول يعني مش هقول ماتحاوليش
تنهدت بإحباط وقالت وهي ترفع كتفيها لأعلى وتنزلهما باستسلام : اووف.... امري لله ...بكرة مش بعيد
حازم بمغزى : يعني موافقه تبقي معايا
ابتسمت حنين بتأكيد: sure
علا رنين هاتفها فردت على والدها قائلة بتهليل مرح:
بااابي..... روحت ولا لسه
كرم : اه يا نونة و مستنيكي كمان ...انتي فين دلوقتي ؟
حنين : خلاص قربت ع البيت وحازم معايا بيوصلني
كرم: كويس خالص... عموما أنا هبلغ مامي تحضر لنا الغدا على ما توصلي.... وخلي حازم يدخل معاكي عاوزه في حاجه مهمة
حنين باستفسار: هو في حاجه يا بابي ولا ايه؟؟
كرم: لا يا لمضه... شغل عادي... ولا ممنوع اني اشتغل مع حازم؟!!
حنين : نو طبعا مش قصدي كده ....عموما ..اوك هبلغه
اغلقت الخط ونظرت لمن ينظر لها بتساؤل ثم قالت:
بابي بيقول عاوزك تدخل معايا لأنه هيكلمك في شغل
حازم: تمام ما فيش مشكله... احنا خلاص قربنا وانا كمان كنت محتاجه اتكلم معاه ضروري في موضوع مهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى الجانب الآخر .....
بينما كان كرم شاردا في أمر هام ، كانت ناديه تتقدم منه حتى جلست تجاوره ، ثم وضعت يدها على يده وهي تسأله باهتمام: خير يا حبيبي ..سرحان في إيه ؟؟
نظر لها بحب يزداد ثم التقط يدها بين يديه وقربها من فمه يلثمه بحنان وقال : وانا اقدر اسرح في اي حاجه غيرك يا قمري
ابتسمت ناديه برقه وشاكسته بقولها : يا سلام ...ما انا لسه افشاك سرحان في غيري اهو دلوقتي يا قلبي
مدت سبابتها بتحذير وأكملت : اعترف بسرعه... ايه اللي شاغل عقلك
ضحك برجوله ثم أخذ بيدها ليحثها على القيام ، وعندما استجابت جذبها إليه لتجلس على ساقيه ، ثم نطق و هو يهيم بملامحها ويضغط على وجنتها برفق: يا ربي على الفضول يا ناس...
تنهد بعشق لن ينضب وعبَّر بصدق: هتفضلي طول عمرك البنوته الرقيقه اللي من غير ما تعمل اي مجهود بتسرق قلبي وعقلي وبالي ...
امتدت يده تعبث بخصلات شعرها الحمراء وهو يردد: خليكي دايما كده يا حبيبي... مهما يعدي العمر بينا ويمر يا نادية انتي المرسى اللي عنده برتاح من كل تعب ...
وضعت يدها بدلال أنثوي على صدره القوي وقالت بغنج: سيب انت بس همومك عندي وما يهمكش ...اوعدك هعمل اللي اقدر واللي ما اقدرش عليه كمان عشان اشيلها عنك... كلها.... كلها ...
اقترب منها أكثر بتجاوب حتى كاد أن يقتنص شفتيها بلهفه،، إلا أن صوت راويه الممتلئ بالغل مما ترى، جعلهم ينتفضون من جلستهم الحميميه تلك...
فقد أتت منذ دقائق وكعادتها آخر فتره، تصرف الخادمه وتأمرها بعدم البوح بوجودها، ثم تتمشى ببطء لتتسمع على أهل المنزل ، علَّها تجد شيئاً هامًا ...
عادت ناديه لجلستها بجانب زوجها وهي تنظر أرضا بحرج، و كرم نظر لها شزرا من أعلاها لاسفلها، ولم يحرك ساكناً ، بل عدَّل فقط من وضعيه جلسته وهو يضع ساقا فوق الاخرى بكبرياء يليق به ، وكأن لم يحدث شيئاً ...
بل ما جعل راويه تستشيط حقا، هو احتوائه لكف ناديه ونظرته المطمئمة لها ...
جلست على أحد المقاعد أمامهما وقالت باعتذار زائف: سوري يا جماعه لو جيت في وقت مش مناسب... أصل اتصلت عليكي يا ناديه كتير مش بتردي... فقلت اجيلك بنفسي بقى
نظرت لناديه و تحدثت بنوع من التقريز : بس يعني اسمحوا لي لو هتدخل... مش حلو أبدا المنظر اللي شفته ده... المفروض يا ناديه تحاولي تبقي على راحتك في اوضه نومك بس.... مش ...
قاطعها كرم بصرامه و حدة: احنا براحتنا في بيتنا يا مدام....اللي المفروض فعلا أنه كان يحصل... هو ان حضرتك تستأذني قبل ما تدخلي على الناس بيوتها ...مش هي دي الاصول برضه ولا ايه؟؟
تراجعت سريعا خشيه غضب كرم وقالت بمهادنه وتبرير: انا ما اقصدش اي حاجه خالص يا كرم صدقني... وبعدين انا افتكرت البنت بلغتكم بوجودي فاتعاملت بطبيعيه مش اكتر
استقام كرم بضيق وهو يهز رأسه بملل من تلك الأعذار الواهيه، والتي يعلم كذبها جيدا، ثم تحدث موجها حديثه لزوجته: أنا في المكتب... لما توصل حنين بلغيني
استوقفته راويه سريعاً وسألت بإلحاح كعادتها في الفتره الاخيره: طب ممكن قبل ما تمشي تعرفني على ميعاد يكون مناسب ليك عشان احدده للحفله...
استكملت حديثها بغرور و زهو : انا مش قادره اقول لكم يا جماعه هتنبهروا ازاي بالتجهيزات اللي حضرتها فيها... انا جايبه اكبر شركه في البلد تشرف على كل التفاصيل.... وعزمت اهم واشهر ناس في المجتمع عشان تبقى حفله تليق بينا وبيكم طبعا
ابتسم بتهكم على تلك المتعجرفه التي أبدا لم تهتم سوى بالمظاهر السطحيه الخداعه، والتي طالما لم يعبئ لها كأساس في حياته...
نظر لها دقيقه كأنه يفكر بموعد مناسب ثم قال بإقرار : ممكن آخر الاسبوع اللي بعد الجاي... قبل كده مش فاضي
لم ينتظر رداً منها ، بل أمسك هاتفه وغادر متجها لمكتبه وهو يدون في تطبيق الرسائل لابنته (طنط راويه هنا ادخلي من باب الوراني واطلعي غيري اللوك بتاعك وانزلي عادي وحازم خليه يدخل لي لوحده)
وراويه ثبتت بصرها مكان رحيل كرم بكره وحنق شديد من معاملته لها ، وما أخرجها من شرودها هي ناديه التي نطقت بمجامله رغم عدم راحتها لنظرات راويه أو قربها: منوره يا راويه...تحبي تشربي ايه يا حبيبتي
عادت راويه للخلف وعلت ساقها الاخرى وهي تقول: ممكن موكا... الجو بدأ يبرد ... محتاج حاجه سخنه ...
استطردت متذكرة : اه على فكره... احنا ممكن نسهر معاكم النهارده ...اصلي كلمت ناجي انه يجي لي بعد المعرض ونقعد سوا شويه
اومأت لها ناديه وقامت بمهاتفه المطبخ لتحضير ما طلبت، ثم قالت بترحيب: اهلا وسهلا... طبعا ناجي يشرف وينور في اي وقت
راويه: و أنا يا ناديه
ناديه بمسايره: مالك يا حبيبتي... اكيد تنوري طبعا.. ده بيتك
راويه ببسمه صفراء وهي تنظر حولها بطمع : ميرسي يا حبيبتي... اكيد بيتي ما فيش كلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبنفس التوقيت تقريبا بداخل حي السيده زينب....
كان أيمن قد وصل توا من عمله بعد يوم شاق في المشفى، ولكن متحمسا هذه الايام عند دخوله لشارع منزله و هذا على عكس أحواله في السابق...
ريثما دخل الشارع ذهبت عينيه تلقائياً لشرفه چنا على أمل أن يكحل عينيه برؤياها، إذا ما خدمته الصدف ...
لم يكن يعلم أنها كانت سابقا وباستمرار تترقب عودته بين كل ساعه وأخرى من خلف الشيش، دون أن يشعر بها....
ولكن اليوم كانت وبدون ترتيب تقف مع هنا أختها تتسامران بمرح، تحاول رسم بسمه على وجه توأمها ، والتي صاحبها الشرود منذ فترة ...
هنا بمشاكسه: أهلا ...اهو روميو بتاعك جه يا ست جولييت...و بيبص عليكي كمان وعينيه بتطلع عصافير يا اخواتي ..
تلفتت چنا بلهفه وهي تقول: فين.. بجد فين ...فين
هنا وهي تثبتها كي لا تظهر لهفتها تلك: اهدي يا بنتي واتقلي كده... بصي بالراحه كده عشان ما يبانش عليكي
چنا بتمثيل فاشل وحركه بطيئة: كده كويس صح... فين بق...
وقفت الكلمات بحلقها عندما رأته يبتسم لها بود و شوق لا تخطئه العين ، ثم يهديها غمزه شقيه وكأن النظر لها وحده يسحب منه كل ما عاناه في عمله...
توجه لنعيمه أولا زالتي تقف في نافذتها كالعاده تساير المارّه بحب لتمضي يومها الثقيل، صاح ببشاشه:
نعناعتي الحلوه ...مساء الجمال عليكي
نعيمه : ازيك يا واد يا أيمن ...ايه كل الدلع والرضا
ده ياولا
وجه بصره لأعلى بطريقه هائمه وقال: هيييح... وانا عندي اغلى منك يا نعناعه عشان ادلع فيه
نعيمه بصوتها المعتاد: مسسم ...مالك يا واد ...ما تتكلم عدل ...ايه الحسوكه دي كلها
نظر لها ممثلا الاستياء وقال ممتعضا: يا نعيمه فصلتيني ليه بس... ده انا زي ابنك يا شيخه سيبيني اعيش يا ستي
ابتسمت في وجهه بحب وردت: واغلى من ابني كمان يا حبيبي.... تحولت نبرتها للشجن وهي تكمل: ده لو كان موجود ما كانش عمل اللي بتعمله معايا... يلا ما هو على رأي المثل .... ربي يا خايبه للغايبه...
تقدم أيمن سريعا ليدخل بيتها يشاركها جلستها بدلا من وقفته أمام نافذتها ، ثم أخذ يدها ضاغطا عليها بحب وتقدير رجل لأمه وقال بتأثر : اوعي تزعلي يا نعيمه أبدا ... أنتي عارفه من يوم ما أمي ماتت وانتي وأم حازم وأم عادل معوضني ومهونين عليا كتير.... ويمكن انتي بالخصوص لما كنتي تندهي لي وتاخديني في حضنك كنت بحس بروح امي فيكي من كثر الحنيه اللي بتديها لي.... انتي امي يا حبيبتي ويا رب اقدر اكون لك ابن بار
شعرت نعيمه بحاجته الماسه لها فاعتدلت قليلا وجذبته ليضع رأسه على قدمها، وعندها تنهد بهم ليسترسل معها وهو يفصح عما يختلج صدره برياحه: يوم ما ماتت ... أخدت معاها كل حاجه حلوه ممكن أحس بيها ....تعبت في حياتي قوي... وانا مش حاسس اني لما اتعب هلاقي المكان اللي يطبطب ويداوي....اكتر يوم كرهته غير وفاتها يوم عيد الأم و رغم اني بحوش واجيب لها احلى هديه بس هي مش موجود عشان تاخدها مني ....كنت بسحل نفسي في المذاكره عشان حلم شافتني في يوم عليه.. ويوم ما وصلت ما لقيتهاش قدامي عشان تشوف النتيجه اللي كانت بتتمناها
أكمل باستذكار: يوم تخرجي جات لي في المنام... وفضلت متبت في حضنها مش عاوز اصحى ولا عاوز افارقها.... انا طول الوقت يا نعيمه وانا مش حابب اعيش.... وما حسيتش بطعم فرح في حياتي بجد ...من يوم ما امي راحت وهي خدت معاها روحي واي طعم ممكن احسه للحياه.... كرهت اني احب وتتعلق باي حاجه فيها.... مادام آخرها موت وهتسيبني...
اعتدل مستطردا وهو يعترف: كثير اتمنيت اموت عشان ابقى معاها... وانا مش حاسس بقيمه ولا معنى في حياتي.... روح ميته في جسم حي ....
ظهر بريق الحب والحياه في عينيه وهو يخبرها : لحد ما صدفه واحده حصلت لي على السلم شقلبت حالي وقلبت كياني.... خطفتني يا نعيمه..... وزي ما أكون عوض عطش السنين في بير ميه مليان بينادي عليا وبيقول لي أنا ليك متشال عشانك ....مد ايدك.... قرب وارتوي .....بذمتك يا نعناعة ينفع اسيبه ولا حتى ارفض وجوده ؟؟؟ مش ده يبقى غباء!!!
ربطت بحنان الأم وعطفها على شعره وهي ترد بعفويتها المعهودة: تبقى حمار يا روح امك نعناعة
ضحك بلطافه وقبل أن يرد سمع صوت عادل الساخر يقول: سيدي يا سيدي على اعترافات اخر الليل... عامل لنا فيها عميق بقى واسامه منير في نفسك يا ابني ولا ايه... وياترى هتقدم لنا برنامج كلام الليل قريب
اعتدل ليرد مشاكسته قائلا : ايه ياض اللطافه دي على المسا ... قطب جبينه مستفهما بمداعبة : ثم ازاي تقتحم جلستي العلاجيه مع طنطك نعيمه كده... خلاص ما فيش اي خصوصيه للمرضى ولا ايه ؟؟
ربع عادل ساعديه و أمال بجسده يستند على باب الشقه الجالس بها نعيمه وأيمن ، ثم قال باستهزاء مازح : يا راجل خصوصيه ايه وحد الله ...ده باب الشقه مفتوح للرايح واللي جاي ... ده غير طبعا الشباك اللي قاعد تحتيه انت والمريضه... وده اللي خلى كل الحاره حضرت الجلسه العلاجيه بتاعتك
نهرت نعيمه عادل بقولها: انت مالك وماله يا واد انت سيبه في حاله ... و النبي لو ما بطلت ضرب في الواد وشتيمه فيه.. ل هقوم منسلة الشبشب ده على خلقتك
تقدم عادل وهو يقول باندهاش: الله الله.... ايه ده الواد ده عمل لك غسيل مخ ولا ايه ...ده انا عادل حبيبك يا نعيمه كده برضه
قطبت جبينها وقالت : ولا حبيبي ولا زفت يا جحش انت... اللي يزعل عيالي ما لوش عندي ديه يا اخويا
ابتسم بلطف ورد : لا يا حبيبتي انا مش بزعله ولا حاجه ولا هو كمان يقدر يزعلني... ده احنا اخوات ... بس اهو شويه نكش كده وخلاص
زفر بقوه وهو يتابع: خلينا نعدي الايام اللي مش راضيه تمشي دي
تدخل أيمن بفطنه ناصحا : ما احنا لو نرتاح ونريح قلبنا كله هيعدي ويبقى تمام... بس البعيد جبله
حاد عادل بصره قليلا بطرف عينيه لايمن وقال ممثلا عدم الفهم: قصدك ايه يا زفت
ايمن بعدم تصديق:: يا راجل مش عارف قصدي... عموما ما قصديش... لو عاوز تحكي يا صاحبي انت عارف انا موجود ....بس نصيحتي بلاش تقاوح كثير... ده هي مره بنعيشها يا عم.... دور على راحه قلبك
عادل باختناق : بس يا ايمن الله يخليك انت مش عارف حاجه
أيمن بملاحقة : انا برضو... يمكن... يا رب انت اللي ما تكونش بتكابر... بطل غُشم يا دوله ...صوابعك مش زي بعضها.... خليك ناصح
ألقى عادل عليه نظره اخرسته وقال بحزم: طب خف بقى مش وقته كلامك ده بدل ما اقوم لك .. و....
باااااااااس...
ما كان هذا سوى صوت صراخ نعيمه بهما لينتبه اثنيهما بفزع ويهرولان متفاديان خفها الطائر، التي كانت تلقيه باتجاههما وهي تقول : صدعتوني يا ولاد الجزمه... وانا ناقصه ... غور انت وهو ذاكروا كلمتين... وإلا والله لو سقطتم لاعبطكم انتم الاثنين في نص الحاره .. و هديكم فين يوجعك
ضحك الصديقان بملء فيهم وهما يقفزان على الدرج بمرح، حتى وصلا أمام بيت أيمن الذي قال من بين لهاثه بخفه : الحمد لله هربنا منيها..هههه....
هدأ قليلا ثم قال مصارحا صديقه عادل: هنا مش زي ندى ياعادل.....سيب قلبك وعافر لحياتك عشان تستحق صدقني..
أغمض عادل عينيه ليداري اختناق روحه داخل مقلتيه و ردد : يا ريت ينفع صدقني
ايمن بتأكيد : ده هو ده اللي ينفع يا صاحبي...بنت متربيه بتربيه حازم وامه اللي انت طبعا عارف ما فيش عليها كلام ...وجدعه وبمليون راجل ...وحلوه وزي القمر
وعادل بضيق : ما تلم نفسك بقى بدل ما اديك بوكس اخنفك
ايمن ببسمه : شفت توكل على الله يا عم خلينا نفرح سوا..
تركه عادل ليصعد بيته وهو ينظر له باشمئزاز ويلوح بيده بدهشه من ايمن وتصرفاته ، وهو يغمغمم بحنق: اخويا هايس وانا لايص صحيح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دلف حازم مكتب كرم بخطى ثابته واثقه وهو يبتسم بموده صادقه، حتى وقف أمام كرم الذي استقبله بترحاب دافئ ، فهو يكن له معزه كبيره...
و بعد تبادل السلام بينهما...
جلس أمامه حازم وتحدث ممتنًا : متشكر جدا يا كرم بيه على كل حاجه عملتها معايا الفتره اللي فاتت
كرم بثناء: ما تقولش كده يا حازم... انت شاب طموح و مجتهد وتستاهل... انا يا دوب اديتك زقه عند كام تاجر عشان يصبروا عليك شويه... لكن انت كنت ذكي وشاطر وقدرت توفر بضاعه غير اللي احترقت... ووفيت التزاماتك... طبعا مش هقول لك ده هيفرق في سمعتك ازاي جوه السوق
حازم : والله ده توفيق ربنا وحده... مع وقفه صحابي واهلي اللي ساعدوني بسيوله سهلت الدنيا الحمد لله
حمحم ليستكمل بمدح : وطبعا غير دعم ومجهود حنين معايا..
شمله كرم باستكشاف وقال بقصد : ده أقل حاجه نعملها عشانك يا ابني.... وحنين بتحاول ترد جميلك معاها...
تغضن وجه حازم بضيق ثم تحدث باحترام بعد أن حسم امره مسبقاً : ما اعتقدش إن هو ده السبب لوحده يا كرم بيه
شبك كرم يده على المكتب وتساءل: أمال تفتكر ايه السبب يا حازم؟
حازم وقد ظهر العشق والوله على محياه و تجلى بين نظراته وكلامه: اعتقد السبب إن اللي في قلبي وصل لحنين بسهوله وهي حاسه بيه ...احساسي بيقول لي إنها بتبادلني شعوري تجاهها ...
أخذ نفساً عميقاً ليقول بعينين مثبته داخل عين كرم وبداخلهم ثقه وعزم: كرم بيه... بصراحه شديده انا بحب حنين وبجنون... و جاي النهاردة عشان اطلب ايدها من حضرتك ...ومستعد لأي طلبات حضرتك تؤمر بيها... انا طبعا ما قلتش ده دلوقتي من فراغ... انا بدأت تاني اقف على رجلي وبامر الله مش هخليها تحس بأي نقص أو تقصير.... ده غير إني هقدم لها عمري لو لازم الأمر ...واتمنى حضرتك توافق
لم يتفاجئ كرم كثيراً ، فهو ماهر في قراءه الأشخاص من حوله ، وخاصه ابنته التي تأكد من حبها لحازم من كلامها وتصرفاتها، وأيضاً إخبار زوجته له...
وكذلك يعلم حقيقه شعور حازم من فتره طويله ، فهو عاشق أيضاً ، ومَن ذا الذي يفهم على عاشق إلا مَن اكتوى بنار العشق مثله ؟؟
وكرم وزوجته لم يكونا يوما من الأثرياء المريضه بالمظاهر، بل يتعاملان مع الناس على حسب أخلاقهم وشخصيتهم، وهو ما عمل كرم على معرفته بكل الأشكال تجاه حازم الفتره المنصرمة ، و حقيقه لم تخب نظرته الأولى له منذ لقائهما الأول ...
نطق كرم بهدوء : قبل ما ارد عليك بأي قرار لازم تعرف إني الاول هتناقش معاها و مع والدتها اكيد زي الاصول ما بتقول.... بس رأيي انا الشخصي هكونه حالا لما ترد على سؤالي...
تأهب حازم بكل حواسه هو يستمع لكرم بترقب ويحرك راسه بموافقه ، مما جعل كرم يسأل : حبك اللي بجنون زي ما بتقول لحنين ظهر امتى بالظبط ....يعني بعد ما عرفت إنها بنتي... ولا قبل ....بمعنى تاني ...لو حنين مش بنت كرم عثمان كنت هتقعد مع والدها اي ما كان هو مين وتقول له كده برضه ؟؟
أجابه حازم فورا ودون ذره تردد و بنبرة تقطر صدقا ، و إجابته كانت تخرج من أعماق قلبه ليست مجرد كلمات ينطقها لسانه وحسب : انا حنين ملكتني من أول نظره وقعت عيني عليها.... وقت ما جت مع مرام على السلم... واقسم بالله كنت حاسس بوجودها حتى من قبلها كمان... و من غير أي مبالغه... حنين و بغض النظر عن هي عيلتها مين ولا تعليمها ايه... ولا اي مظاهر فارغه من دي .... هي عندي نفس بيحييني وسط دنيا مليانه وجع من يوم ما جيتها
و رغم صدق مشاعر حازم والتي وصلت بسهوله لكرم الرجل المخضرم ، إلا أن غيرته الأبوية على ابنته جعلته يقول بضيق واضح : مش شايف إنك مأڤور شويه في شرح مشاعرك لبنتي قدامي ...
حازم ببسمة محرجة مقدرة : حبي ليها مش حاجه عاوز اخبيه... بالعكس.... انا بتقدم دلوقتي عشان عاوز العالم كله يعرف... لاني ما اتعودتش أحس إني بسرق حتى لو نظره .... وحضرتك سألتني وانا جاوبت بصراحة...
هزَّ كرم رأسه بتفهم و تحدث : للأسف في خطر حوالين حنين وناديه وحتى انا يا حازم.. ومن أسباب موافقتي عليك دلوقتي هيكون الموضوع ده ....غير طبعا حاجات تانيه كتير متعلقه بيك ....ويمكن وجودك مع حنين دلوقتي بصفه تانيه هيساعدني كتير على حمايتها
تشنج جسد حازم وقال بشجاعه : خطر ايه تاني يا كرم بيه... في حاجه جديده غير موضوع الرسائل... انا والله بدور في كذا اتجاه بس للاسف مش قادر اوصل لحاجه
نظر كرم للأمام بشرود وأفصح : حاجات ما تشغلش بالك بيها... دي تصفيه حسابات ...وانا ان شاء الله قدها
حازم : من فضلك زي ما كتير قلت عني إني ابنك... عرفني ايه اللي بيدور بالظبط... عشان اقدر اكون معاك
كرم بموافقة : هعرفك يا حازم... لان في دماغي خطه كبيره هتخلصني من كل ده ...ولازم اعتمد على اكتر ناس ثقه حواليا عشان تخلص قوام قوام .... واللي اكيد انت منهم ...ودورك كله هيكون مع حنين ...وعشان كده كلمتها وقلت لها اني محتاجك النهارده في شغل
رد حازم برجوله لاحساسه الشديد بأنه مدين بالكثير لهذا الرجل : مش حنين وبس... أنا عاوز أساعد حضرتك في كل التفاصيل صدقني مش هخذلك أبدا ...
ابتسم كرم بأُلفه وقال بيقين:: عارف و متأكد كمان..
ثم أكمل بشرح: بص يا حازم........
استمرت جلسه حازم وكرم لرسم ما يتعين على كلاهما فعله في الأيام القادمه وبدقه، وقد ازداد كلا منهما إعجابه بذكاء الآخر ، ونسبة التفاهم التي بينهما وضحت بشده ، مما جعل الراحه تطغى على كلاهما
و عندما انتهيا من الحديث في كافة التفاصيل نطق حازم: كده كل التفاصيل مفهومه... وتمام على بركه الله
عاد حازم لحمحته بحرج وسأل ثانيةً: احم احم ...هو طلبي يا كرم بيه بخصوص حنين يعني ...ممكن ترد عليه في رد نهائي امتى
وضع كرم يده على جبينه وهو يبتسم مع تحريك رأسه بيأس : أول مره أحسك زنان على فكره ...انا مبدئيا ما عنديش مانع ...بس لازم اسألها كمان و اخد رأي والدتها
حازم : مفهوم مفهوم... استطرد حازم بتلعثم بعض الشيء: هو انا ممكن اطلب طلب تاني
كرم بغرابه: طلب ايه يا حازم اتفضل
حازم ببعض الحرج : انا كان نفسي أخد رأي حنين بطريقه مختلفه ...يعني حضرتك لو تسمح لي انا كنت قايل لها اننا إجازه بكره بمناسبه ان الشغل الدنيا فيه اتظبطت... وكنت ناوي نخرج وننزل يوم سوا و افاتحها في الموضوع
سكت كرم برهه ثم رد بعد تفكير: ما فيش مشكله انا واثق فيها وفيك
ثم سأله بتذكر : صحيح بمناسبة الشغل ...انت اتقفلت قضيه الحريق دي مش كده
حازم ؛ ايوة يا فندم من يومين طلع تقرير الطب الشرعي بأنه ماس كهربائي ...يعني مجرد قضاء وقدر الحمد لله
كرم : الحمد لله يا ابني
همَّ بالنهوض وهو يحسه كي يتقدمه ويقول بمزاح:
يلا بقى يا عم لحسن بقيت واقع من الجوع وانت جوعتني زياده بعد الرغي ده كله
حازم بلباقه : اسف والله مش قصدي... بس ممكن تعفيني انا هروح واتغدى في البيت
جعد كرم بين حاجبيه بجديه وقال بأمر : ايه ده من أولها كده بترفض طلباتي... طب تمام قوي... وانا برفض طلبك وكده خالصين... وانا بتلكك بصراحه أصلا
سبقه حازم بعجاله وهو يقول: فين السفرة يا فندم... ده انا ميت من الجوع... ولا تحب ادخل على المطبخ على طول... اخلص اكل البيت كله احسن ...اللي تشوفه حضرتك
ضحك كرم باستحسان وقال : لا تمام السفره مليانه... وريني انت بس همتك
خرجت ثانيهما و الراحه تسكن ملامحهما ، وذهبا حيث غرفه الطعام، ليجدوا عليها ناجي وراويه مع ناديه وحنين بانتظارهما...
جلس كرم مكانه على رأس الطاوله، وانضم حازم لجوار حنين التي تجلس على يمين والدها ، و أمامهما ناديه تجاورها راويه ثم ناجي...
شرعوا في تناول وجبتهم تحت نظرات راويه الثاقبه نحو حازم وحنين، إلا أنهم انتبهوا على صوت إيهاب القادم بحماس يهتف بمرح: خيااااانه ...بتاكلوا من غ....
علقت الكلمات بحلقه ونظر بصاعقه على حازم الذي يجلس بانسجام جوار حنين ولا يبالي له من الأساس ، بل و الانكى من ذلك أنه قام بوضع قطعه لحم أمام حنين وهو يهمس بهدوء: كلي... كلي....الاكل هيبرد
كرم : ايه يا ايهاب... تعالى يا حبيبي... سكت ليه.... تعالى جنب بابا هنا وكل معانا ما حدش غريب... ده حازم اكيد عارفه
إيهاب باقتضاب : اه عارفه طبعا
تحرك إيهاب بخطوات ثقيله تجاههم، وتوجه بنظرات تنطق بالكثير من الشتائم والسباب لحازم، الذي يقتحم عليه وجوده داخل عائلة عمه ليس مع حبيبته حنين فقط...
جلس أمام حازم و عينيه مازالت مسلطة عليه ، وحازم رفع عينه يناظره بتحدٍ وكأنه يقول له بشماته... (حذرتك... والآن حنين أصبحت لي... ولن يفرقني عنها سوى الموت )