رواية بين ظلال الماضي الفصل الخامس5 بقلم رودينا يوسف

رواية بين ظلال الماضي الفصل الخامس5 بقلم رودينا يوسف
حلم ، مؤكد أنه يحلم ... وقف أمامها وهو لا يصدق أنه يرى نفس العينين اقترب اكثر ثم دنى يتعمق في سحر عينيها و بدون وعي منه أو تفكير حاوط وجنتيها بيديه و تمادى في قربه بشده حتى اختلطت أنفاسهما سويا و همس بعدم تصديق و دهشة :
مش ممكن ... انتي بجد

أما هي فرجفة أصابتها من فعلته الجريئة و المباغتة لها مع شلل مؤقت في حواسها جعلها صنما و لكن سرعان ما تماسكت ثم أنزلت يديه بعصبيه وتوتر من ع وجهها وحاولت دفعه ليبتعد عنها قليلا وهي تقول بحدة ممتزجه بقليل من التلعثم :
ااا...انت مجنون... ايه ال بتعمله ده.. انت ازاي تلمسني كده ..و... و...يعني ايه انتي بجد دي... امال يعني انمي 

نظرت أرضا لتخفي تأثرها بنظراته المصدومة التي تلتهمها فهي لم ترَ نظراته تحمل رغبة أو ما شابه، لكنها كانت نظرات تحمل الكثير من الألغاز ، ثم حاولت أن تتخطاه وتصعد لمرام ، لكنه منعها بوقوفه أمامها كلما تحركت يمينا أو يسارا و عينيه لا تفارقها كأنه وجد ما أعاد له روحه .. لم يكن يسمع أي شئ مما قالت فهو مغيب عن كل ما حوله ، فقط يتأمل كل تفصيلة بها ، لم يحد بنظره عنها ليرى نظرات مرام و أيمن المندهشة من تصرفه، وكأن العالم لم يعد به غيرهما .. أو ربما هذا ما يريد!!!

وهي رفعت نظرها إليه مرة أخرى متحلية بالقوة وهي تقول بانفعال زائف لتغطي به ع الارتباك الدائر داخلها:
طب وبعدين .. ينفع ال حضرتك بتعمله ده ..ااا..انا عاوزة اعدي

هلا صوتها قليلا بهذه الألحان الرائعه التي تخرج من فمها و تُعزف داخل أذنه على هيئة كلمات ..و هذا فقط ما جعله يعود للواقع قليلا.. تحمحم باحراج ثم قال بتيه :
احم...ااا.. انا ..اسف .. مش قصدى اضايقك..اتفضلي
وسأل باستفسار : هو انتي جايه لمين؟!!

التفت لصوت مرام التي نطقت أخيرا بتوضيح و هي تنظر له بدهشة ممزوجه بعتاب على تصرفه الغريب :
دي حنين صحبتي يا حازم ...وبنت صاحب الشركه ال بشتغل فيها .. تعبت شويه ف الشغل وجت توصلني وهتروح علطول 

هز رأسه وابتعد أكثر ليفسح لها المجال وهو لم يرفع نظره عنها .. نظرت إليه نظرة خاطفة ثم صعدت جانب مرام ليكملا طريقهما للأعلى...

أما ايمن فنزل لصديقه وهو يقول مستغربا :
مالك يا عم في ايه.. وايه ال انت عملته ده ..ضيق عينيه مكملا : انت تعرف الحلويات دى يلا يا حازم ومخبي علينا ؟!!

نظر له حازم بعد أن اختفت الفتاتين في الطابق العلوي وهو يقول من بين أسنانه :
حلويات ...ما تتلم يلا .. بقولك ايه مالكش دعوة بالحلويات لحسن أكلها مضر بالصحه فاهمني يا دكتور ...بقولك ايه روح شوف انت رايح فين لحسن افتكرت مشوار مهم ورايحه دلوقتي

نظر له ايمن بضيق مصطنع ثم قال: 
شوف يا اخي خيرا تعمل شرا تلقى يابني ده انا لسه عامل معاك احلى واجب قوام كده تنسى ..
غمز له وأكمل : وماتقلقش ياعم ع الحلويات.. ماليش تقل عليها خصوصا لو مش بتاعتي 
قالها وهو يضحك ويضع ذراعه ع كتف صديقه متجهًا معه للأسفل 

أما عند حنين جلست قليلا مع مرام ولكن بنصف عقل، تعرفت على والدتها و أخيها ، ولم تطل ف الجلوس فقط اطمأنت على مرام واستأذنت للرحيل مع وعد بالزيارة مرة أخرى، ركبت سيارتها عائدة لبيتها ولم تلحظ هذه الدراجه النارية التي كانت تتبعها ، وصلت بسلام وسريعا ألقت السلام ع والديها وصعدت للنوم كي تنهي يومها وتهرب من شعور غريب يغزوها منذ أن كان حازم قريبا منها لهذا الحد .. شعور بالبعثرة والارتباك تريد أن تتخلص منه وبشدة....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(أشرق فجر يوم جديد على أبطالنا ... يوم ملئ بال..امممم لنرى)

اليوم كان مختلفاً عند حازم ، فعينيه لم تذق للنوم طعما، فبعدما عاد لمنزله ظل ممسكا بذلك الدفتر القديم الموضوع بداخله صورة لملاك صغيرة مميزة بشده ، وخاصة عينيها ولونها الفيروزي الخلاب مما يجعل الناظر إليه لا يمل أبدا ، كما حال ناظرنا الآن...

- زوما يحب روما .. صح

-صح يا احلى روما قولي لي بقى عاوزة ايه اجيبهولك معايا الإجازة الجايه

- مش عاوزة غير تاخدني من هنا يا زوما 
اقتربت لتهمس في أذنه بصوت خفيض : عارف انا بخاف قوي و انت مش هنا ولا بابا كمان .. ماما بتضربني جامد وكمان مش بتحبني اتكلم معاها ابدا ودايما تخلي روما تقعد وحدها ف الأوضه بسمع اصوات و حاجات كده بخاف .. بس انا شاطرة باخد عروسه زوما جوه حضني واطمن وانام 

جعد حازم حاجبيه بغرابه وقال مستفسرا : يمكن ماما بتعمل حاجات ف البيت يا روما عشان كده بتقعدك ف اوضتك لحد ما تخلص

- تؤ تؤ ماما مش بتعمل اي حاجه انا بسمع بتتكلم كتير مع حد بس مش عارفه مين لأنها بتقفل عليا باب الاوضه الكبير .. انا عاوزاك يا زوما خدني معاك بقى

- حاضر يا حبيبتي انتي عارفه عندى شغل وما بصدق يوم الإجازة اجيلك بس حاضر الجمعة الجايه هخدك ومش هسيبك تاني

- انت احلى زوما.. انا بحبك قوى 

عاد حازم من تلك الذكرى و همس أمام تلك الصورة بألم: ( ياريتني خدتك وماسبتكيش ابدا ... ياريت انا اللي مت ولا عشت يوم واحد بعدك )

انتبه على دقَّ باب الغرفه ، ف سريعا أخفى هذا الدفتر تحت وسادته ، ثم وجد والدته تدخل مبتسمه ببشاشة قائله : ايه يا حبيبي عامل ايه النهاردة 

اقتربت لتجلس أمامه على السرير واكملت باهتمام محبب : 
مالك يا حازم... في حاجه مش طبيعيه بتحصل صح؟؟؟ 

تنهد حازم وهو يعتدل في جلسته ثم قال : 
اه يا ماما... انا سبت الشغل ف الشركه 

إيمان وهي تضرب بيدها ع صدرها : يالهوي... ليه كده يا حبيبي... حصل ايه لده كله

قصَّ عليها حازم بعضاً مما حدث و ريثما انتهى قال بإيضاح :
ماقدرتش اكمل ف مكان جه ع كرامتي بالشكل ده يا امي ...حتى لو معاهم حق يتأكدوا .. انا مش جديد معاهم ده انا بقالي سنين والصغير قبل الكبير عارفني .. لولا ستر ربنا معايا وإني كنت سابق بخطوة كان زمانهم خدوني ف الرجلين

أجابته والدته بحمد : الحمد لله يا ضنايا ده دعايا ليك دايما أن ربنا يبعد عنك ولادالحرام ..
واسترسلت بشجن : آااه يا حازم... ربنا عالم بحالي أنا واخواتك يا بني ... ده انت الضهر ال ساندني من بعد ابوك و خالك... من غيرك ضهري يتقطم يا ابن عمري

نهض حازم من جلسته وجلس ع عقبيه أمام والدته ثم قَبَّل يدها وقال: 
ماعاش ولا كان ال يقطم ضهرك يا ست الكل ربنا يبارك لي فيكي يا رب.... كتري بقى من دعواتك ليا اليومين وماتقلقيش عليا ... ابنك راجل يفوت ف الحديد

قالت إيمان وهي تملس علي شعره الناعم بحنو :
روح يابن بطني... قلبي وربي راضيين عنك ... يارب يوقف لك ولاد الحلال .. ويرزقك ال بتتمناه وزيادة 

استقام حازم وهو يقول بحب : 
الله.. اهو ده الكلام و دي الدعوات ولا بلاش 

وقفت والدته متجهة للخارج وهي تردد : 
طب يلا يا حبيبي... تعالى نتوضا ونصلي الفجر وبعدين قولي أنت ناوي على ايه؟؟

اومأ حازم بموافقة : روحي وأنا جاي وراكي للصلاه وبالمرة صحي البنات و نكون كلنا جماعه... ومش عاوزك تقلقي يام حازم انا عارف بعمل ايه... مش واثقه ف ابنك ولا ايه يا ميمو!!!

ابتسمت والدته وعينيها تفيض له بكل حب و ثقه : انا ما بثقش ف حد قدك يا حبيبي .. ده انت تربيتي ... يلا بقى انا هصحي البنات ونحصلك ع الصاله 

تحدث حازم وهو يتجه للخزانه : تمام انا جاي وراكي عشان يادوب نخلص وأجهز رايح مشوار مهم

سألت إيمان بغرابة : مشوار ايه ده يابني ع الصبح ؟!!!

أجابها وهو متجه للخارج ليتوضأ : ماتشغليش بالك يا امي .. كل خير ان شاء الله

تبعته والدته لتوقظ ابنتيها و يصلوا جميعا صلاة جماعة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأول مرة تجد الفتاة ملاذًا تهرول إليه وهي تضحك بفرحة شديدة ، ألقت بنفسها داخل أحضان هذا الشخص غير متضح المعالم ثم...

استيقظت بطلتنا وهي تنظر حولها عائدة إلى أرض الواقع ، تنهدت بضيق وقامت متوجهة للمرحاض لتستعد وتبدأ يوماً جديداً 

دقَّ حذائها برقه مثلها وهي تهبط للأسفل متجهة لتلك الاريكه ف البهو الجالس عليها والدتها ...
نظرت لها والدتها باندهاش ثم قالت :
صباح الخير يا نونه .. صاحيه بدرى النهاردة يعني

اقتربت لتجلس ع الكرسي بجانبها، ثم تنهدت و قالت بخفوت :
أبدا يا مامي.. قلقت بس من النوم بسبب الحلم ال قلت لك عليه قبل كده ده ... بقاله فترة مش سايبني والنهاردة حصلت حاجه غريبه

ناديه باهتمام : احكي لي يا نونه ايه موضوع الحلم ده... بتشوفي ايه يا حبيبتي.. وايه الغريب ال حصل ؟؟

قصت حنين لوالدتها الحلم الزائر لها باستمرار و أضافت بشرود : بس النهاردة في حد ظهر للبنت دي.... عرفته و جريت عليه بفرحه و راحه كده كأنها لقت كنز .. مش عارفه يا مامي مين دول وليه بيجي لي كده 

قبضه قويه اعتصرت قلب ناديه وخوف تملك منها ثم قالت محاولة إلهاء حنين عن أي تفكير : 
دى تلاقيها شويه احلام من غير معنى... يعني مش لازم تركزى معاها كده ولا تشغلي بالك بيها... اااا...ركزي بس مع الشغل و مع الوقت كل ده هيروح

عبرت حنينعما يختلج قلبها بنبرة مرهقة : مش عارفه يا مامي مش حاسه كده ... عارفه فكرت اروح ل psychiatrist ( طبيب نفسي ) عشان اطمن أو أفهم ... بصراحه متلخبطه ومش فاهمه

تنهدت ناديه مستجلبة هدوئها لكي لا تثير ريبتها وقالت بثقة لتطمئنها :
مش للدرجة دي يا نونه..ما تديش الموضوع اكبر من حجمه يا حبيبتي..ااا... صدقيني الموضوع مش مستاهل.. ما تركزيش بس معاه كده وهتلاقي كل حاجه راحت لوحدها ... و لو محصلش انا بنفسي هدور لك ع psychiatrist كويس ونروح سوا .. 

و أكملت : يلا يلا ع السفرة زمان البنات حضروا الفطار و أنا هطلع اصحي بابا .. اهو هو ال اتأخر النهاردة شفتي هههه

قالتها مازحة لتخفف من حدة توتر حنين .. ثم قامت بوجه قلق متوجهة لأعلى حيث زوجها علّها تجد عنده ما يريح قلبها من تلك الهواجس التي تلاحقها ، دخلت غرفتهما و جلست على اقرب مقعد منتظرة إياه يخرج من غرفه الملابس ....

خرج كرم وهو يعقد ربطة عنقه، ثم نظر لها مستغرباً من حركة يدها وهي تفركهما ببعض يمينا ويسارا بارتباك ظاهر على محياها فقال : 
مالك يا نانا خير في حاجه ولا ايه؟؟

نطقت ناديه بوجل : حنيين يا كرم 

ذهب إليها سريعا وجلس ع المقعد المقابل لها وقال بلهفة: 
مالها يا ناديه .. حاجه حصلت معاها

قصت عليه ناديه ما روته لها حنين.. ثم قالت بخوف :
يمكن ده تأثير زمان .. انا مش مطمنه يا كرم .. هي بتفكر تروح لدكتور نفسي .. توهت الموضوع .. انااا 
قطعت حديثها عندما رفع يده ليمنعها من تكملة حديثها ثم قال وهو ينظر لها بثقه : 
ممكن تنسي زمان ده خالص وتطلعيه من دماغك... انا قلت لك اني مأمن الدنيا كويس قوي .... ومافيش مخلوق هيعرف حاجه .. وبعدين لو حلم و موترها كده ذى ما بتقولي... ايه المشكله انها تروح للدكتور ... حتي يشيل اي أثر نفسي مش كويس لل فات

نظرت له ناديه برعب و الدموع بدأت تتكون داخل مقلتيها وتحدثت بارتعاش : انت بتهزر يا كرم صح .. ولو افتكرت ال كان بقى... أنت ناسي دى كانت ٦ سنين..يعني ... يعني عقلها الباطن اكيد مخزن ذكريات .. مش فاكر عملنا ايه لحد ما ظبطنا الدنيا معاها و و... 

كرم مقاطعا إياها مرة أخرى وهو يضمها لصدره بحب :
اهدي يا ناديه... أهدى... انتي بتتنفضي كده ليه .. مش ناسي حاجه وما تخافيش محدش هياخد منك حنين .. احنا نحاول نلهيها عن الموضوع ده وان شاء الله مع الوقت والشغل تنسى و ما تفكرش ف موضوع الدكتور ده خالص بس أهدى..

تشبثت ناديه به بقوة لتتنعم بالأمان داخل أحضانه الدافئة التي يغمرها بها دوما ... ثم قالت محاولة الهدوء:
يارب يا كرم يارب

رفع رأسها إليه ثم التقط شفتيها في قبلة ناعمه يبث من خلالها كل الطمأنينة داخلها ، جاعلا إياها تذوب مندمجة معه لابعد الحدود ... فصل قبلته بعد فترة واضعا جبهته على جبهتها قائلا:
بقولك ايه تعالي ننزل لحسن لو قعدنا هنا دقيقه كمان مش هخرجك من حضني ولا بعد شهر .. انا ماسك نفسي بالعافيه ها قولتي ليه 

ابتسمت برقه شديده محاولة مجاراته رغم بعض القلق النابت داخلها ثم قالت : 
يلا بينا أنا عارفاك بتلكك اصلا 

همت بتخطيه لكنه أمسك معصمها وجذبها لاحضانه ثانيه وقال: 
هو في احلى من التلكيك .. اموت انا ف التلكيك .. بقولك ايه انا كبرت ف دماغي بقى وعاوزك دلوقتي بلا شغل بلا بتاع 

ناديه وهي تنكزه في صدره بدلال : يا كيمو بقى مش وقت دلعك ده ...يلا بقى هتتأخر وحنين مستنياك تحت بقالها كتير ... أنا هستناك باليل و هعمل لك سهرة تجنن بس يلا بقى

حاولت جاهدة أن تبدو طبيعيه و تجاريه كالمعتاد حتى لا تنزع صفو يومه من البدايه ، ولأنها حقا تثق به وتعلم أنه لن يسمح بأي شئ يفرق عائلته.

و هو ابتسم بعدما نجح في تشتيت تفكيرها الخائف و قال: بقى بعد كيمو دى بذمتك ينفع انزل ... تنهد بقلة حيلة وأكمل: امري لله نروح لحنين عشان ام حنين تفضل مطمنه ... اقترب وهمس بحرارة داخل أذنها : بس مش هنسى موضوع باليل ده .. لااااا ده انا هاجي بدري مخصوص عشان أشرف ع الموضوع بنفسي كمان هههه

ضحك الاثنين بمرح و أكملا حديثهما وهما يهبطان للاسفل، بعدما وضع كرم يده على خصر زوجته متجها معها لغرفه الطعام ليشاركان ابنتهما ف الإفطار...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و داخل شركة كرم عثمان.....

رفعت عينيها لترى ذاك الواقف أمامها بهيئته الوسيمة الرجولية و عطره النفاذ الذي يحبس أنفاسها داخل صدرها ، رغم كل الضجيج الذي يحدث بداخلها عند رؤيته إلا أن اتزانها دوما ينقذها من هكذا موقف ، استقامت مرام مرحبة:
أهلا أهلا ايهاب بيه نورت المكان يافندم

ثم اكملت وهي تشير للمقعد تمام مكتبها: 
اتفضل ارتاح ..الباشا و الانسه حنين ع وصول 

جلس إيهاب أمامها ثم نظر لها وقال بود :
متشكر جدا يا مرام .. انا هستناهم ..عارف اني جاي بدري بس بقالي كتير ماشوفتش عمي ولا حنين قلت اعدي عليهم قبل ما اروح على شغلي

نطقت مرام بترحاب : حضرتك تنور ف اي وقت يا استاذ ايهاب ده مكانك
سألته وهي ترفع الهاتف بجانبها: حضرتك تحب تشرب ايه على ما يوصلوا 

أجابها ايهاب : ممكن قهوة مظبوط 

مرام وهي تحرك رأسها بنعم وتطلب من على الجانب الآخر : اتنين قهوة مظبوط يا ابراهيم ع مكتبي من فضلك

أغلقت الهاتف ثم قالت : 
طلبت قهوتي مع حضرتك لو مافيش ازعاج يعني

اعتدل ايهاب بجلسته وقال بابتسامه جذابة مجاملة : 
لا طبعا ازعاج ايه بس... ده انا حظي كويس خالص إنك هتشاركيني قهوتي .. اهو تفتحي نفسي برضه

نظرت للاسفل بخجل ووجنتيها الممتلئتين تلونتا باللون الاحمر الذي كسى بياضهما مما جعل ايهاب ينظر لها بإعجاب متعجبا ، أيعقل أن تكون هناك فتيات لازالت تخجل من مجرد مجامله ؟!!! ، فاق من تأمله على صوت عمه مرحبا و كانت من خلفه حنين
كرم : اهلا .. اهلا .. ازيك يا ايهاب عاش من شافك يا ابني

استقام ايهاب واتجه لعمه و تبادلا السلام ثم قال: 
سامحني يا غالي بس انت عارف الشغل كله عليا و فعلا مش فاضي 

أشار كرم لغرفة مكتبه وهو يقول : طب تعالى ندخل جوه ونتكلم براحتنا 

وافقه ايهاب و رد بـ : يلا طبعا 

ثم التفت لمرام قائلا:
من فضلك يا آنسه مرام.. دخلي قهوتي بقى عند عمو هشربها معاه 
ثم نظر أمامه بنظرة عتاب قاصدا حنين هذه المرة و تحدث مشاكسا إياها : الناس اللي مش سائله... لازم اجي انا لحضرة النايب بنفسي ولا ايه ؟؟

أجابته حنين مبررة : يابني احنا كنا لسه سوا من يومين لحقت ابقى مش سائله 

تحدث كرم بعمليه : نكمل وصله العتاب دى جوه يلا تعالوا ورايا ... ثم وجه حديثه لمرام وقال : وانتي يا مرام اطلبي قهوتي مع ايهاب وابعتيها لنا

ثم تقدمهما متجها لمكتبه ولحق به كلا من حنين وايهاب.. 

تنهدت مرام بعمق ووضعت يدها على صدرها مهدئة ضربات قلبها التي تعالت بصخب منذ أن دلف ايهاب إليها ثم همست محدثة نفسها:
بس اسكت اسكت ماينفعش ... يااارب 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و بداخل مكتب كرم ....

جلس كرم على مكتبه وأمامه حنين و إيهاب الذي أخذ يسترق النظر بحب لحنين التي اشتاقها بشدة ، تبادل الجميع أطراف الحديث بود ثم قال إيهاب : 
عمي انا عازمكم عندنا يوم الجمعه ع الغدا .. عاوزين نتجمع سوا كده زى زمان بقالنا كتير مش بنشوف بعض ..انا عامل حفله باربكيو ع الضيق كده .. ايه رأيك ؟؟

رحب كرم بالفكرة ولكنه قال مقترحا : والله انا معنديش مانع بس خلوها عندي انا ف البيت هكون مرتاح اكتر .. ولا ناسي أن انا الكبير يا ولد 

نطق كلماته بطريقه مسرحيه مازحا ، فضحك حنين وايهاب ثم قال: 
يا خبر وانا اقدر انسي يا كبير .. ماشي كلامك المهم نتجمع سوا مش مهم المكان 

قالها وهو ينظر لحنين الشاردة بنظرة هائمه ألتقطها كرم سريعا فتحمحم وقال : احم .. اتفقنا يا حبيبي بلغ ناجي واللي عندك واحنا أن شاء الله ف انتظاركم هتنوروا الدنيا 

ايهاب : اتفقنا .. قام من جلسته ليودع عمه وينصرف فقال مكملا: انا هستأذن بقى عشان ما اتأخرش على المعرض ...و هنتقابل قريب إن شاء الله

كرم وهو يبادله السلام : أن شاء الله يا ايهاب... نورت يا حبيبي وفرحت خالص اني شوفتك 

نظر ايهاب لحنين ثم قال بطلب : ممكن سيادة النايب توريني مكتبها... ولا اجي وامشي كده وما شوفش مكتبك الجديد 

رحبت به حنين وهي تؤكد : يا خبر ايه ال بتقوله ده يا ايهاب طبعا ممكن ده مكانك... انا كنت هقولك تيجي الاول مكتبي بس دخلنا كلنا مع بابا .. انت عارفني مش بعرف أجامل قوي عديها يا هوبا

قالت جملتها الأخيرة بدلالها الطبيعي غير المقصود و ابتسامتها الرقيقه التي تجعل ذلك الواقف أمامها يذوب أكثر واكثر ، استأذنا من كرم وتقدمته حنين لتعرفه على مكتبها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على الجانب الاخر......

كانت تتجه هنا و چنا إلي دروسهما كالمعتاد حتي توقف أمامهما ذلك الغليظ مروان ومعه بعض من رفقائه السيئين الذين يراقبون له الشارع ، و نظرًا لأن الوقت يعد باكرا ، وللحظ السئ هذا الشارع لا يوجد به الكثير من المارة ، اعترض مروان طريق الفتاتين قائلا:
صباح الخير يا چنا

چنا بتلجلج وخوف ظهر على نبرة صوتها و ضمها لكتبها بشدة لصدرها :
ااا... صباح الخير يا مروان .. انت واقف كده ليه .. أبعد عاوزين نعدى
تدخلت هنا بقوة وثبات وهي تنظر لمروان : اهدي كده يا چنا.. خير يا مروان أنت واقف كده ليه .. معقول موقفنا عشان تقول صباح الخير .. عيب ال بتعمله ده .. وسع كده ورانا درس

مروان بتبجح: انا بكلم چنا .. مالك انتي و مالها 
نظر لچنا بتسبيل وأكمل وهو يقترب منها و كاد أن يمد يده ويمسك يدها ظنًا منه أنه يضعها أمام الأمر الواقع : بقولك ايه يا چنا... تيجي نفك من الدرس ده و نروح نقعد على كافيه قريب من هنا انا عارفه اسمه ( ليه لا) ..في كلام مهم عاوز اقولهولك ايه رأيك ؟

ارتجفت چنا رعباً وهي تتمسك بكتبها أكثر وتتراجع للخلف بخوف ثم ردت باستنكار : كافيه ايه عيب كده يااا... 
قاطعتها هنا وهي تبعد يده التي يمدها نحوهم بقوة وشراسه : استني انتي كده يا چنا ...انت بتهزر يا مروان كافيه ايه ده ال بتقول عليه وكلام ايه ال هتقوله .. انت مش عارف احنا اخوات مين عشان تعمل معانا النمرة دي.. اتعدل كده و امشي من سكات شوف انت رايح فين احسن لك .. ياخي عيب عليك كده ترضاها على اخواتك البنات
كانت هنا تتحدث بصوت عالٍ ربما يمر أحدهم الناس ويساعدهما ، وقد كان فقد فرَّ اصدقاء مروان هاربين عندما لمحوا عادل في بداية الشارع ، و تركوه وحيدا مع الفتاتين و هو يظن أنهم خلفه، اقترب عادل بحذر وهو ينظر للموقف ككل ووقف خلف مروان تماما وهو يقول : ماعنديش اخوات زفت يا ستي .. وبعدين ايه كل شويه تقولي لي انت مش عارف احنا اخوات مين .. هيكون مين يعني وزير الداخليه ..انا ما بخافش من حد يا بت... وانا مش لوحدي ع فكرة فاتلمي انتي بس ومالكيش دعوة بينا .. واخوكي ده لو فكر يقرب مني هيزعل اصلا 

هنا بضحكة شامته : اه يعني مش فارق معاك اخويا ولا معارفه.. تمااام .. انت ابن حلال وتستاهل 

تطلع لها باستغراب ذهب مع الريح وتحول لذعر عندما أمسك به عادل من تلابيب ملابسه من الخلف كالارنب ، ثم نظر له بشر وقال: 
أنت واقف كده ليه يلا ...وعاوز من البنات ايه انطق

نطق مروان بتلعثم وهو يكاد أن يبول على نفسه من الفزع : اااا... ده .. ده..ده... اه دول زمايلي و .. و.. كنت بسألهم على مذكرات الدرس 

تكلمت هنا بسخريه على تراجعه : دلوقتي مذكرات الدرس ..نظرت لعادل بقوة وشجاعته واكملت بنبرة واثقة : كداب يا عادل... ده مش مبطل مضايقه ف چنا من فترة و كذا مرة نصد ونتعامل بأدب .. بس هو ساق فيها و ذى ما انت شايف موقفنا قال ليه عنده كلام مهم عاوز يقوله ف كافيه 

نظر له عادل باشمئزاز ثم لكمه لكمة قويه أطاحت به أرضا ثم أمسك به من ذراعه و أوقفه وأعطاه أخرى مما جعل بعض من أسنانه تنزل أمامه أرضا و فمه نزف دما ثم قال عادل بتهديد : كافيه يا روح امك .. ولااااا اول واخر إنذار ...لو شفتهم و عقلك بس فكر أنك تدخل شارع هما فيه هوديك ورا الشمس يا حليتها .. أخفى من قدامي بلا قرف ع الصبح ...

وعندما افلته عادل ، أطلق هذا السمج ساقيه للريح و اختفي في ثانيه واحدة، نظر عادل للفتاتين و قال: 
انتم ازاي مش قايلين لحازم ع الموضوع ده .. ازاي بتتصرفوا من نفسكم مع الاشكال الضاله دي

چنا ببكاء: ااا .. انت صح يا أبيه .. انا اسفه

ردت هنا بجرأة و تفسير : الموضوع ما كانش مستاهل نشغل بيه حازم يعني... اصلا اول مرة الاهبل ده يعمل كده ..وانا ماسكتش على فكرة ..ولو كان كتر كان ممكن اضربه... عموما شكرا يا عادل على وقفتك معانا عن اذنك بقى عندنا درس و هنتأخر

تمسكت چنا بيد اختها ويديها باردتين كالثلج أثر ما حدث منذ دقائق وتفوهت باقتراح : ما تيجي نروح احسن انا خايفه واعصابي باظت

احتوت هنا يد اختها بطمأنه و قالت تقنعها : يلا يا بنتي احنا هنضيع مستقبلنا عشان ده .. موقف وعدى الحمد لله و ربنا ستر .. يلا بينا عشان نلحق وقتنا 

نظرت إلى عادل وقالت مستئذنه : عن أذنك يا عادل 

تحركت ساحبة أختها خلفها وهي تخطو للأمام وانطلقتا نحو درسهما، نظر عادل بإعجاب شديد ل هنا ، ولم يشعر بنفسه وهو يتمتم ويقول : 
هي البت دى كبرت كده امتي.. شكلها قويه ومفتريه كده عاوزة ال يشكمها... لا وايه موزة عيونها و..... ايه ده يا عادل اتهبلت ولا ايه يا عم... دى اخت صاحبك اتلم وشوف رايح فين احسن لك .. اللهم اغزيك يا شيطان

انهي كلماته وانطلق في الطريق المعاكس ليتجه لعمله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرت الساعات سريعاً و في ميعاد إنصراف العمل توجهت مرام لمكتب حنين و في يدها إحدى الملفات ، دلفت عليها ووقفت أمامها وقالت بجدية : 
كله تمام يا آنسه حنين... انا راجعت كل حاجه ذى ما طلبتي والملف مظبوط وتمام مافيهوش غلطه .. ما شاء الله عليكي حقيقي..بتتعلمي بسرعه ..

نظرت لها حنين بشرود وقالت : كويس يا مرام تمام .. انا كمان فاضل لي حاجه بسيطه ف الملف ال قدامي واخلصه

علقت مرام بعمليه : اوك ...انا هودي الملف ده لكرم بيه حالا ..

كادت أن تذهب ولكن أوقفها مناداة حنين لها : 
بقولك ايه يا مرام .. لو فاضيه أنا مضايقه ومحتاجة أخرج وأتكلم مع حد .. تعالي اعزمك على العشا ونتكلم شويه و ماتقلقيش هوصلك عشان لو الوقت أتأخر

أيدت مرام فكرتها بحب : بس كده... مافيش اي مشكله انا هودي الملف ده و اكلم ماما ابلغها عشان ماتقلقش و بعدها نروح اي مكان تحبيه 

اومأت حنين بشرود وتحركت مرام للخارج لتنفذ ما قالت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هاتف كرم زوجته وأخبرها بذهاب حنين مع مرام للعشاء ، و ذكّرها بوعدها الصباحي له وأن الجو أصبح خاليا لهما على حد قوله لها .....

ومع بدايه حلول المساء ...
كان قد عاد للمنزل بقلب متلهف ، صعد السلم وكأنه يسابق الريح ، فتح باب الغرفه وتصنم مكانه من جمال ما رأت عينه ، فقد أعدت ناديه الغرفه برقه وجمل شديد يماثلها ، نثرت بعض الورود على الفراش ، و جهزت عشاء رومانسي رائع لفردين على المنضدة الصغيرة التي تتوسط الجناح الخاص بهما على إضاءة الشموع العطرية ، مع إضاءة الغرفه الخافته التي أشعلت الأجواء أكثر ، وكل هذا مصاحب لموسيقى مونامور الهادئة الرائعة .. 

أما طلتها ، و اه من طلتها التي خطفت بصر كرم و سحرته، فقد كانت ترتدى فستاناً أبيض اللون يضاهي بياض بشرتها ملتصق على جسدها باغراء و اغواء ، يصل لفوق ركبتيها بقليل به فتحه صغيره من الجانب ، ذو قصه صدر منخفضه بلا حمالات ( كب) مما أظهر عنقها و مقدمة صدرها بسخاء، أما عن شعرها الاحمر فكان مصففا بعناية على جانب واحد ، ووجهها موضوع عليه القليل من مساحيق التجميل وأحمر الشفاه التي زينت به ثغرها الوردى ، كل هذه التفاصيل كان يلتهمها كرم بعينيه وهو يتحرك نحوها كالمغيب و كأنها مغناطيس تجذبه إليها

وضع يده ع خصرها يقربها إليه وهو ينظر داخل عينيها بوله : طب وبعدين .. عامله ذى جنيه البحر كل مرة سحرك بيقوى على قلبي براحه يا نانا عليا انا غلبان مش قد الجمال ده كله 

وضعت ناديه يديها على كتفيه و همست بغنج أطاح بما تبقى من عقله : الجمال ده كله بس عشان عيونك هي اللي شيفاه .. ما فيش حاجه تكتر عليك يا كراملتي .. الجنيه ملك ايديك وليك يا حبيبي 

وبدون كلمه اخرى بدآ معا رقصه على هذه الموسيقى الهادئه و تركا العنان لمشاعرهما تحرك جسديهما بتناغم شديد ، و أعين كل منهما تفيض بالكثير والكثير من الكلام الذي لا يقال ، دارت برأسها وجسدها للخلف بدلال وحرفية ثم عادت أمامه ، ليفاجأها هو بمعانقته لشفتيها بين شفتيه في قبله رومانسية شغوفه متطلبه ، أخذ يقبلها وهو يعود بها للخلف حتي سقطا معا على فراشهما الوثير ، لم يفصل قبلته بل ذاب كلا منهما أكثر ف الآخر و آن جسدهما شوقا للمزيد....

هو ... و بين يديه فاكهة شهيه يريد التهام كل إنشًا بها مستمتعا بمذاقها الذي يسكره . وقد كان لم يترك جزءا منها إلا و تذوقه واضعا عليه صكوك ملكيته بكل حب الدنيا بداخله ...
وهي ... غارقة في بحور عشق زوجها الحبيب و مستمتعة بفنون عشقه الذي يزيد مع مرور الوقت ، ولا يمل أبدا من التعبير عنه ....
أخذ يستمتع معها وبها و يمتعها ، لم يشعرا بزمان ولا مكان فقط احتواء كلا منهما للآخر و كفى... لا يريدان اي شئ اخر ، و عندما انتهيا من نوبة عشقهما التي تضاف بجانب نوباتهما الأخرى ....
اعتدل كرم وضمها لصدره وقبّل أعلى رأسها بعشق وامتنان على ما يعشه داخل أحضانها ، و كاد أن يتحدث ولكن أوقفه رنين هاتفه الذي نظر فيه بغرابه من هذا الرقم المجهول الذي يتصل به ، فتح الخط وقال : ألو
المتصل : الاستاذ كرم عثمان معايا
عقد حاجييه وهو يسأل : انا يافندم مين حضرتك؟
المتصل : احنا محتاجين حضرتك ف مستشفى أجيال .. حنين بنت حضرتك موجودة عندنا و ..
انتفض كرم بفزع و أفلت الهاتف من بين يديه قبل أن يستمع للطرف الاخر، سقط الهاتف أرضا وهو يقول بذعر : حنيــــــــــن

تعليقات



<>