رواية براءة ايقظت غافلا
الفصل الثلاثون30
بقلم عاشقة القلم
منذ إعلان نتائج الثانوية، كانت سلمى تشعر بأن الحياة بدأت تتحرك بسرعةٍ من حولها.
ديلان تستعد لدخول كلية الصيدلة، وتحمل في عينيها أحلامًا كبيرة… أما هي، فرغم فرحتها بنجاحها، كانت تشعر بثقلٍ صغير يجثم فوق قلبها كلما فكّرت بالمستقبل.
لم تكن تريد أن تبقى حبيسة المنزل طوال العطلة الصيفية.
كانت تكره الشعور بالكسل والخمول، دون إستثمار في وقتها… وتكره أكثر أن تمد يدها لأحد، حتى ولو كان والديها، فعي تحب الاعتماد على نفسها مع انعا كانت وحيدة أبيها أيضا مثل ديلان.
ولهذا، جلست تلك الليلة على سريرها، تتصفح هاتفها بتركيز، تنتقل بين صفحات الإعلانات والوظائف الصيفية، حيث انها قبلت في كلية التجارة، عكس ديلان التي قبلت في كلية الصيدلة، وكانت تبحث عن وضيفة قريبة من التخصص الذي إختارته، بينما ضوء الشاشة ينعكس على ملامحها المتعبة.
وفجأة…
توقفت أصابعها.
ظهر أمامها إعلان لشركةٍ كبيرة تطلب موظفين ومتدربين للعمل خلال العطلة الصيفية.
اتسعت عيناها بلهفة، واعتدلت في جلستها سريعًا.
سلمى: شركة بهذا الحجم؟!.
قرأت الإعلان مرةً ثانية وثالثة، ثم شعرت بحماسٍ يتسلل إلى قلبها.
سلمى: ربما تكون فرصتي…
التقطت هاتفها فورًا واتصلت بديلان.
رنّ الهاتف مرة… مرتين… ثلاثًا…
لكن لا إجابة.
عضّت سلمى شفتيها بخيبة، ثم أعادت الاتصال.
ومرة أخرى…
لا رد.
تنهدت وهي تنظر إلى شاشة الهاتف بحزنٍ خفيف:
يلمى يبدو أنها مشغولة مع زوجها الآن…
شعرت للحظة بأنها تريد أن تخبرها بكل شيء، أن تشاركها حماسها وخوفها، لكنها بعد المحاولة الخامسة أغلقت الهاتف باستسلام.
همست لنفسها:
سلمى: لا بأس… سأخبرها بعد أن أُقبل.
ورغم محاولتها التظاهر بالقوة، إلا أن قلبها كان يخفق بتوترٍ حقيقي.
لأنها لم تدخل عالم الشركات والعمل من قبل.
كانت مجرد فتاة بسيطة… تحمل أحلامًا أكبر من خبرتها.
في صباح اليوم التالي…
وقفت سلمى أمام المرآة ترتب حجابها بعناية.
ارتدت ملابسها المحتشمة البسيطة، ثم حملت ملف أوراقها بين يديها.
نظرت إلى انعكاسها للحظات.
كانت تبدو صغيرة جدًا مقارنةً بالعالم الذي تستعد لدخوله.
لكن خلف تلك الملامح البريئة… كانت توجد روحٌ عنيدة ترفض الاستسلام.
أخذت نفسًا عميقًا وهمست:
سلمى: تستطيعين فعلها يا سلمى.
ثم خرجت من المنزل.
أوقفت سيارة أجرة، وجلست في المقعد الخلفي تضم ملفها إلى صدرها وكأنه طوق نجاتها الوحيد.
طوال الطريق، كانت تنظر من النافذة بشرود.
ترى الناس؛ المباني؛ والحياة التي تمضي سريعًا.
أما عقلها، فكان غارقًا في عشرات السيناريوهات المرعبة.
سلمى: ماذا لو رفضوني؟، ماذا لو سخروا مني؟، ماذا لو لم أكن مناسبة أصلًا؟.
شعرت بكفيها يبردان من شدة التوتر.
لكنها حاولت التماسك.
وبعد حوالي نصف ساعة، توقفت السيارة أخيرًا.
رفع السائق رأسه مبتسمًا: وصلنا يا آنسة، هذا هو العنوان الذي طلبته.
نظرت سلمى عبر النافذة…
فتجمدت.
كان المبنى شاهقًا بصورةٍ أربكتها.
واجهة زجاجية ضخمة تعكس أشعة الشمس بترفٍ وهيبة، وسيارات فاخرة تصطف أمامه، وحراس أمن يقفون عند المدخل بملابس رسمية.
شعرت فجأة بأنها أصغر من هذا المكان بكثير.
دفعت الأجرة بيدٍ مرتجفة، ثم نزلت ببطء.
وقفت أمام المبنى تحدق به، بينما بدأ قلبها ينبض بقوة.
للحظة…
أرادت العودة.
أرادت أن تستدير وتركض قبل أن يراها أحد.
لكنها لمحَت مجموعةً كبيرة من الشباب والفتيات يدخلون إلى المبنى وهم يحملون ملفاتٍ مثلها.
ابتلعت خوفها وتقدمت نحو أحدهم بتردد:
سلمى: عفوًا… هل أنتم هنا من أجل إعلان الوظائف؟.
ابتسم الشاب مجيبًا: نعم، اليوم مقابلات القبول.
شعرت سلمى بفرحةٍ صغيرة تشتعل داخلها.
إذًا الإعلان حقيقي…
ولم تأتِ عبثًا.
ضمّت ملفها أكثر، ثم دخلت معهم.
كل شيء داخل الشركة كان يوحي بالفخامة والتنظيم.
الأرضيات اللامعة؛ الموظفون بملابسهم الرسمية؛ الأصوات الهادئة؛ ورائحة المكان التي تحمل مزيجًا من العطور والقهوة.
شعرت سلمى بغربةٍ حقيقية.
وكأنها دخلت عالمًا لا يشبه عالمها أبدًا.
لكنها تماسكت، وصعدت مع المتقدمين إلى الطابق المخصص للمقابلات.
وما إن وصلت…
حتى أوقفتها امرأة أنيقة المظهر، حادة الملامح، تنظر للجميع باستعلاء واضح.
سكرتيرة باران.
حدّقت بسلمى من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، ثم قالت ببرود:
شيناي: من أنتِ؟ وماذا تريدين؟.
أجابت سلمى بتوتر:
سلمى: جئت بسبب إعلان الوظائف.
رفعت السكرتيرة حاجبها ببطء، وأعادت النظر إليها باستخفاف.
كانت ترى فتاةً صغيرة، بملابس بسيطة وحجابٍ مرتب يخفي جمالًا بريئًا لم تستطع تجاهله.
لكن بدل أن يثير ذلك احترامها… أثار غيظها.
ابتسمت بسخريةٍ لاذعة:
شيناي: واضح من ملابسك وهيئتك المتخلفة أنكِ لا تناسبين هذا المكان.
تجمدت سلمى.
أما السكرتيرة فأكملت باحتقار:
شيناي: ابتعدي من هنا أيتها الحشرة المزعجة؛ قبل أن أطلب الأمن ليخرجوكي بالقوة.
في تلك اللحظة…
شعرت سلمى وكأن شيئًا انفجر داخلها.
كل خوفها؛ كل توترها؛ كل إحساسها بالنقص أمام هذا المكان…
تحول فجأة إلى غضبٍ مشتعل.
احمر وجهها بعنف، وارتجفت أنفاسها.
ثم تقدمت خطوة.
وقالت بصوتٍ مرتجف من شدة الغضب:
سلمى: ماذا قلتِ؟!.
ضحكت السكرتيرة بسخرية:
شيناي: يبدو أنكِ لا تسمعين جيدًا أيضًا...
لكنها لم تكمل.
لأن سلمى انقضت عليها فجأة كالإعصار.
أمسكت شعرها بقوة وأسقطتها أرضًا وسط صرخات الجميع.
" آآآه!"
تجمّد المكان بالكامل.
حتى الموظفون لم يستوعبوا ما حدث.
أما سلمى، فقد كانت خارج السيطرة تمامًا.
جلست فوق السكرتيرة وهي تنهال عليها ضربًا، وصوتها يرتجف من الغضب:
سلمى: أنا متخلفة؟! ؛ أنا حشرة؟!.
ثم صاحت وهي تشد شعرها أكثر:
سلمى: هل نظرتِ لنفسكِ في المرآة قبل أن تخرجي بهذا الوجه الذي يشبه وجه مهرج؟!، وبتلك الملابس الفاضحة التي بالكاد تُسمّى ثيابًا؟!.
صرخت السكرتيرة بفزع:
شيناي: أبعدوها عني! مجنونة! هذه مجنونة!.
تجمّع الموظفون حولهما بسرعة، لكن أحدًا لم يجرؤ على الاقتراب من سلمى وهي في تلك الحالة.
كانت غاضبة بحق.
غاضبة بطريقةٍ جعلت الجميع يحدق بها بصدمة.
في تلك اللحظة…
كان عاكف يمر في الممر المقابل عندما سمع الصراخ والفوضى.
عقد حاجبيه واتجه بسرعة نحو المصدر.
لكن ما إن وصل…
حتى توقف مكانه مذهولًا.
عاكف: مستحيل…
إنها هي.
الفتاة نفسها التي أنقذها منذ مدة.
لكن بدل أن يراها خائفة أو ضعيفة كما ظن…
وجدها فوق السكرتيرة كإعصارٍ هائج.
ورغم صدمته…
لم يستطع منع الابتسامة التي ظهرت على شفتيه.
حتى إنه شعر بشيءٍ مضحكٍ بشكلٍ لا يصدق وهو يرى السكرتيرة المتعجرفة تحت رحمة تلك الفتاة الصغيرة.
لكنّه سرعان ما تمالك نفسه وتقدم بسرعة، ممسكًا بذراع سلمى ليبعدها عنها.
قال بصوتٍ عالٍ وحازم:
عاكف: آنسة سلمى! اتركي السكرتيرة حالًا!.
انتفض جسدها فور سماع صوته.
التفتت إليه بصدمة…
ثم اتسعت عيناها:
سلمى: السيد… عاكف؟!.
شعرت بحرارةٍ قاتلة تصعد إلى وجهها.
يا إلهي…
لقد رآها في هذا الوضع!
ابتعدت بسرعة عن السكرتيرة، تعدل حجابها وأنفاسها متسارعة، بينما كانت تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها.
أما عاكف، فكان يحاول جاهدًا ألا يضحك.
نظر إلى السكرتيرة المبعثرة أرضًا، ثم إلى سلمى التي تحولت من لبؤةٍ غاضبة إلى فتاة محرجة خلال ثوانٍ.
وقال بصرامة حاول أن يجعلها حقيقية:
عاكف: هذه شركة… وليست حارة شعبية لتتصرفي بهذا الشكل.
خفضت سلمى رأسها بخجل، وهمست:
سلمى: هي من بدأت بإهانتي…
وقبل أن تتكلم السكرتيرة، رفع عاكف يده مشيرًا إليها ببرود(لانه لم يكن يعجبه تصرف تلك السكرتيرة، وبسبب علاقتها القذرة السابقة بباران كانت تتعالى على الموظفين، وتظن نفسها انها صاحبة الشركة، لكن اليوم قد اخذت نصيبها، وهناك من أعكاها قدرها، و وضعها في خانتها المناسبة):
عاكف : قفي بأدب… أو عودي إلى مكتبكِ حتى نحل المشكلة.
اختنقت السكرتيرة بصدمة.
فهو… لم يدافع عنها؟!،
في الوقت ذاته…
كان باران داخل مكتبه يبحث عن سكرتيرته بعد تأخرها.
وعندما لم يجدها، فتح كاميرات المراقبة بضجر…
لكن ما إن ظهرت الصورة أمامه…
حتى انعقدت دهشته.
فتاة محجبة، تجلس فوق السكرتيرة، وتضربها بلا رحمة!،
رفع حاجبه بذهول، ثم مال إلى الشاشة أكثر.
أما الشيء الذي شد انتباهه حقًا…
فلم يكن الشجار.
بل تلك الجرأة المشتعلة في عيني الفتاة.
أطفأ الشاشة ببطء، ثم نهض من مكانه.
ولأول مرة منذ فترة…
شعر بفضولٍ حقيقي.
خرج من مكتبه بخطوات ثابتة، وعيناه تلمعان بدهشةٍ غريبة،
بينما يتجه بنفسه إلى مكان الفوضى، ليشهد بعينيه تلك الفتاة التي قلبت الشركة رأسًا على عقب في دقائق معدودة.
______//////-----///////____
وصل باران إلى الطابق الذي تعالت منه الفوضى بخطواتٍ ثابتة، لكن ملامحه لم تكن تحمل ذلك البرود المعتاد تمامًا.
كان هناك شيءٌ من الدهشة يشق طريقه إلى عينيه للمرة الأولى منذ زمن.
وما إن اقترب حتى انكشفت أمامه الصورة كاملة.
الموظفون متجمعون في الممر بوجوهٍ مصدومة، السكرتيرة بثيابٍ وشعرٍ مبعثر، وسلمى تقف على بعد خطوات، تلهث بانفعالٍ واضح، بينما كان عاكف ممسكًا بذراعها يحاول تهدئتها وإبعادها عن الاشتباك.
توقفت خطوات باران.
وضاقت عيناه قليلًا.
لم يكن ينظر إلى الفوضى، بل إلى شيءٍ آخر.
إلى تلك النظرة العابرة التي لمحها بين عاكف وسلمى.
ارتباكها حين نطق باسمها، وطريقة وقوف عاكف أمامها وكأنه يحاول حمايتها دون أن يشعر.
شيءٌ ما كان موجودًا بينهما.
ورغم أن الموقف لا يحتمل التحليل، إلا أن عقل باران التقط التفاصيل فورًا كعادته.
أما سلمى…
فما إن وقع بصرها عليه حتى شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
يا إلهي…
من هذا هو؟، هل هو صاحب الشركة؟، يا ويلك يا سلمى ستطردين قبل ان توظفي؟.
ذلك الرجل الذي سمعت عنه صباحا عندما دخلت؟، الرجل الذي تغير و فتح ابواب الشركة لشباب؟، ذلك الرجل الذي كان الجميع يهابه، قرر يمد يد ✋ العون للشباب لإكتساب خبرات في مجال الادارة والتجارة؟.
كان حضوره وحده كافيًا ليجعل المكان يختنق بالصمت.
طويل القامة، حاد النظرات، وتلك الهيبة الظاهرة التي تحيطه كأنها جدارٌ لا يمكن اختراقه.
شعرت بقلبها يهبط إلى معدتها من شدة التوتر.
أما عاكف، فقد لاحظ وصوله فورًا، فاستعاد جديته بسرعة والتفت نحو الموظفين بصوتٍ جهوري أربك الجميع:
عاكف: الجميع إلى مكاتبهم فورًا!
لكن أحدًا لم يتحرك.
فارتفع صوته أكثر، هذه المرة بحدةٍ جعلت الممر يهتز:
عاكف: قلت بسرعة! كل واحد إلى مكانه!.
تحرك الجميع أخيرًا بتوتر، وتفرقت الوجوه المذعورة بسرعة، بينما بقيت السكرتيرة واقفة وهي تكاد تبكي من الإهانة.
أما باران…
فلم يرفع صوته.
اكتفى بإشارةٍ بسيطة من يده، لكنها كانت كافية ليعرف الجميع ما يريد.
ثم استدار بهدوء وقال:
باران: إلى مكتبي.
دخلت سلمى المكتب بخطواتٍ بطيئة، وكأنها تُساق إلى محاكمة.
كانت تشعر أن أنفاسها تختنق داخل صدرها.
كل شيء في المكتب كان مخيفًا بطريقةٍ غريبة.
المساحة الواسعة؛ الأثاث الفخم؛ الرائحة الباردة للمكان؛ والهدوء الثقيل الذي يسبق العواصف.
أما باران، فقد اتجه إلى خلف مكتبه بهدوءٍ قاتل.
ثم استدار ناظرًا إليها.
ولأول مرة منذ دخولها الشركة؛
شعرت سلمى أنها صغيرة جدًا.
صغيرة بصورةٍ مرعبة.
كان يراقبها بعينين حادتين، كأنهما تقرآن ما بداخلها دون عناء.
فتاة صغيرة؛ ملابس محتشمة؛ وجه بريء رغم الغضب الذي اشتعل فيه قبل قليل،
لكن أكثر ما أثار فضوله، أنها لم تخف من الدفاع عن نفسها.
بل هاجمت.
وهذا وحده كان كافيًا ليجعله يهتم.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة حتى شعرت سلمى أن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها.
ثم أخيرًا…
تكلم.
باران: من أنتِ؟.
كان صوته منخفضًا، لكنه حاد بصورةٍ جعلت القشعريرة تسري في جسدها.
رفع نظره إليها بالكامل وأكمل:
باران: وما سبب وجودك هنا؟.
حاولت فتح فمها، لكن الكلمات علقت في حلقها.
كانت عيناها تلتقيان بعينيه للحظات قصيرة ثم تهربان سريعًا.
أما هو؛ فلاحظ ارتباكها بوضوح.
اقترب خطوة واحدة فقط؛
لكن تلك الخطوة كانت كافية لتشعر سلمى بأن الهواء اختفى من حولها.
قال بصوتٍ أخفض:
باران: يبدو أنكِ فقدتِ قدرتكِ على الكلام بعد قليل من الشجاعة.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
أما باران فأكمل، ونبرته ازدادت صرامة:
باران: هل تدركين ما الذي فعلتهِ؟ ، هذه شركة… وليست حلبة مصارعة.
ثم ضيّق عينيه قليلًا وأضاف:
باران: ويمكنني استدعاء الشرطة حالًا للتحقيق معكِ بسبب اعتدائك على موظفة هنا.
ارتجفت سلمى فور سماع كلمة "الشرطة".
شعرت أن الدم انسحب من وجهها.
ولوهلة… تخيلت نفسها تُسحب إلى مركز الشرطة بسبب لحظة غضب.
لكنها رغم خوفها… شعرت بالغضب يشتعل داخلها مجددًا.
رفعت رأسها فجأة وقالت بصوتٍ مرتجف لكنه صادق:
سلمى: وأنا لم آتِ لأفتعل المشاكل أصلًا!.
عقد باران حاجبيه.
أما هي، فأكملت بانفعال:
جئت أبحث عن عمل فقط… لكن سكرتيرتك هي من أهانتني!
أشارت بيدها بعصبية:
سلمى: نعتتني بالمتخلفة؛ وبالحشرة الضارة؛ فقط لأنني أرتدي ملابس محتشمة!.
ثم أضافت بحرقةٍ خرجت من أعماقها:
سلنى: أنا جئت لأبحث عن وظيفة، لا لأعرض جسدي للبيع مثلما يفعل البعض!.
شهقت السكرتيرة بغضب:
شيناي: كيف تجرؤين....
لكن باران رفع يده دون أن ينظر إليها حتى.
إشارة واحدة فقط…
فصمتت فورًا.
ثم قال ببرود:
باران: عودي إلى مكتبكِ.
نظرت إليه السكرتيرة بصدمة:
شيناي: لكن سيد باران، هي....
رفع عينيه إليها أخيرًا.
وكانت نظرته وحدها كافية لإسكاتها تمامًا.
باران: قلت إلى مكتبكِ.
خرجت السكرتيرة وهي تغلي من الداخل، بينما بقيت سلمى واقفة تحاول تهدئة أنفاسها المتسارعة.
أما باران…
فلم يبعد عينيه عنها.
كان يراقب انفعالها؛ صدقها؛ وطريقتها العفوية في الدفاع عن نفسها.
ثم فجأة…
ظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
ابتسامة قصيرة جدًا؛ لكنها كانت حقيقية.
قال بعدها بهدوء:
سلمى: لديكِ لسانٌ حاد جدًا بالنسبة لفتاة صغيرة.
ارتبكت سلمى أكثر.
أما هو، فأضاف:
باران: لكن مهما كان السبب، لا أريد تكرار هذه التصرفات هنا مرة أخرى.
خفضت رأسها بخجل:
سلمى أنا… آسفة.
شعر باران أن اعتذارها صادق فعلًا.
في تلك اللحظة، تدخل عاكف أخيرًا بعدما بقي يراقب الوضع بصمت.
تقدم خطوة وقال بهدوء:
عاكف: انتهى الأمر يا باران؛ لا داعي لتعقيد الموضوع أكثر.
نظر إليه باران مطولًا.
ثم لمح مجددًا تلك النظرة العابرة التي ظهرت في عيني عاكف حين التفت نحو سلمى.
وكأن وجودها يهمه أكثر مما ينبغي.
ابتسم باران داخليًا دون أن يظهر ذلك.
أما سلمى، فكانت تشعر بالضياع الكامل بين الرجلين.
باران بهيبته المرعبة، وعاكف الذي بدا وكأنه يحاول إنقاذها من الموقف.
قال عاكف بصوتٍ هادئ لكنه حازم:
عاكف سأحل الأمر بنفسي، لا داعي للشرطة.
أجابه باران ببرود:
باران: وأنا لم أقل إنني استدعيتها بالفعل.
ثم أضاف وهو ينظر إلى سلمى:
باران: كنت فقط أوضح لها نتائج أفعالها.
شعرت سلمى بأن قلبها ما زال يخفق بعنف.
لكن الغريب…
أن خوفها من باران لم يكن شعورًا خالصًا.
كان هناك فضول أيضًا.
شيءٌ غامض في شخصيته جعلها غير قادرة على فهمه.
قسوة؛ وهدوء؛ وسيطرة مخيفة…
لكن خلفها شيءٌ آخر لا تستطيع تحديده.
أما عاكف، فلاحظ شرودها سريعًا، فتقدم نحوها قائلًا بلطف:
عاكف: تفضلي معي يا آنسة سلمى… لنتحدث بهدوء.
ثم التفت نحو باران:
عاكف: سأحل الأمر وأعود إليك.
نظر باران إليه لثوانٍ قبل أن يجيب:
باران: حسنًا… أنا أثق بك.
ثم جلس خلف مكتبه ببطء، وأضاف بنبرةٍ منخفضة تحمل نفاد صبرٍ واضح:
باران: لكن أسرع… لأن مزاجي ليس جيدًا اليوم.
أومأ عاكف بهدوء.
ثم التفت إلى سلمى، مشيرًا لها أن تتبعه.
تحركت خلفه بخطواتٍ مترددة، لكنها قبل أن تخرج…
شعرت بنظرات باران ما تزال تلاحقها.
نظرات ثابتة؛ غامضة؛ وكأن ذلك الرجل لم يقرر بعد إن كانت مجرد فتاةٍ متهورة…
أم شيئًا آخر أثار اهتمامه دون قصد.
_____//////-----///////___
خرجت سلمى خلف عاكف بخطواتٍ مترددة، وكل خطوة كانت كأنها تبتعد بها عن لحظة الفوضى، وتدخل بها إلى مصيرٍ جديد لا تفهم ملامحه بعد.
كانت تشعر بثقلٍ غريب على صدرها.
ليس خوفًا فقط؛ بل خليطًا مربكًا من الإحراج، والارتباك، وشيءٍ آخر لم تعتد عليه: الإحساس بأنها تحت المراقبة.
أما عاكف، فكان يسير أمامها بهدوء، لكن ذهنه لم يكن هادئًا إطلاقًا.
كان يعيد المشهد في رأسه مرة بعد مرة: تلك الفتاة الصغيرة التي تحولت من خجولة مرتبكة أمام باب الشركة؛ إلى إعصارٍ هائج فوق السكرتيرة.
ابتسم داخليًا دون أن يشعر.
"جرأة غير متوقعة…"
توقف فجأة عند باب مكتبه، ثم التفت إليها.
عاكف: ادخلي.
ترددت لحظة، ثم دخلت بخطوات بطيئة، وكأن الأرض لا تزال غير ثابتة تحتها.
كان المكتب أصغر من مكتب باران، لكنه أنيق ومرتب، مليء بالأوراق والشاشات.
أشار لها عاكف إلى الكرسي أمامه:
عاكف: اجلسي.
جلست وهي تشد حقيبتها إلى صدرها كأنها درع.
ساد صمتٌ قصير، لم يقطعه إلا صوت أنفاسها المرتبكة.
ثم قال عاكف بهدوء:
عاكف: أولًا… ما حدث في الممر كان خطأ.
ارتبكت فورًا:
سلمى: أعلم… لكنني....
رفع يده مقاطعًا:
عاكف: لكنكِ أيضًا لم تكوني المخطئة وحدك.
توقفت الكلمات في حلقها.
نظر إليها بتمعن، ثم أكمل:
عاكف: السكرتيرة تجاوزت حدودها، لكن رد فعلكِ كان مبالغًا فيه.
خفضت عينيها بخجلٍ ثقيل:
سلمى: أعلم… فقدت أعصابي.
تنهد عاكف، ثم مال إلى الخلف في كرسيه:
عاكف: لهذا السبب… لن أستطيع تجاهلك.
رفعت رأسها بسرعة:
سلمى: ماذا تقصد؟.
نظر إليها مباشرة:
عامف: أقصد أنكِ لن تغادري الشركة.
تجمدت.
سلمى: لن أُطرد؟
هز رأسه: لا.
ثم أضاف بهدوء:
عاكف: بل ستعملين هنا.
اتسعت عيناها:
سلمى: أعمل؟!.
أومأ:
عاكف: سكرتيرة تحت التدريب في مكتبي.
ساد الصمت لثوانٍ…
كأن الكلمات لم تستقر في عقلها بعد.
ثم قالت ببطء:
سلمى: لكن… أنا لا أعرف أي شيء عن العمل هنا…
ابتسم عاكف ابتسامة خفيفة:
عاكف: لهذا السبب ستتعلمين.
ثم أضاف بثقة:
عاكف: وأنا سأعلمك بنفسي.
تسارعت أنفاسها من جديد.
سلمى أنت… ستعلمني؟.
أجاب ببساطة:
عاكف نعم.
ثم استقام في جلسته وقال:
عاكف: لديكِ سرعة ملاحظة… وشجاعة… وهذا نادر.
توقفت عند كلماته.
لم تتوقع أن يسمعها أحد بهذه الطريقة.
أكمل وهو يراقبها:
عاكف لكنكِ تحتاجين إلى ضبط… وتوجيه.
سكت قليلًا، ثم أضاف:
عاكف وهذا دوري الآن.
شعرت بشيءٍ غريب في صدرها.
ليست مجرد وظيفة…
بل فرصة.
فرصة لم تكن تخطط لها أصلًا.
همست:
سلمى: ولماذا تفعل هذا من أجلي؟.
نظر إليها لثوانٍ طويلة قبل أن يجيب:
عاكف: لأنني لا أحب خسارة الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا جيدين في أماكنهم… فقط لأنهم بدأوا بشكل خاطئ.
ابتلعت ريقها.
كان صوته هادئًا… لكن كلماته كانت ثقيلة.
ثم قال:
عاكف: ستبدئين من الغد.
وقبل أن تنهض، أضاف:
عاكف: لكن هناك شرط.
توقفت:
سلمى: شرط؟.
أومأ:
عاكف: الالتزام الكامل… لا أعذار.
أجابت بسرعة:
سلمى: أستطيع ذلك.
راقبها لحظة، ثم قال:
عاكف سنرى.
خرجت سلمى من المكتب وهي تشعر أن عقلها لم يعد قادرًا على ترتيب ما حدث.
وظيفة؟ تحت تدريب عاكف نفسه؟
هذا الرجل الغامض الذي لم تفهم طبيعته بعد…
لكن أكثر ما أربكها، أنها شعرت بشيءٍ من الطمأنينة بجانبه، رغم هيبته.
وفي نفس اللحظة…
داخل المكتب الآخر…
كان باران يقرأ ملفًا، لكن عينيه لم تكونا فيه أصلًا.
كان ذهنه عالقًا عند صورة واحدة: فتاة صغيرة؛ شجاعة؛ تجرأت على ضرب السكرتيرة أمام الجميع.
رفع عينيه ببطء.
ثم تمتم لنفسه:
باران: غريبة…
لكن ما لم يكن يعرفه بعد…
أن هذه "الغريبة" ستعود إلى شركته كل يوم من الآن فصاعدًا.
في صباح اليوم التالي…
دخلت سلمى مبنى الشركة من جديد.
لكن هذه المرة…
لم تكن مجرد متقدمة لوظيفة.
بل موظفة تحت التدريب.
كانت تمشي بخطوات أبطأ، لكنها أكثر ثباتًا.
توقفت عند مكتب عاكف.
كان جالسًا ينتظرها بالفعل.
رفع عينيه وقال:
عاكف: وصلتِ مبكرًا.
أجابت:
سلمى: لا أريد أن أتأخر في أول يوم.
أومأ بإعجاب خفيف:
عاكف: جيد.
ثم أشار إلى المقعد:
عاكف: اجلسي… سنبدأ.
جلست وهي تفتح دفترها.
عاكف: أول درس… لن تتعاملي مع الأعصاب مرة أخرى كما فعلتِ أمس.
احمر وجهها فورًا:
سلمى: أعلم… لقد كان تصرفًا سيئًا.
قال بهدوء:
عاكف: كان خطأ… لكنه مفهوم.
رفعت رأسها بدهشة:
سلمى: مفهوم؟.
أجاب:
عاكف: لأنكِ تعرضتِ للإهانة.
ثم أكمل:
عاكف: لكن في هذا المكان… الذكاء أهم من الغضب.
سكتت تستمع إليه.
ثم قال:
عاكف: هنا لا نضرب… هنا نربح.
نظرت إليه بصمت.
كلماته كانت بسيطة… لكنها أصابت شيئًا داخلها.
------///////------///////------
وفي الطابق العلويّ من الشركة…
كان الهدوء ينساب عبر الممرات الطويلة، لا يقطعه سوى وقع خطوات الموظفين وهمسات الأوراق المتناثرة خلف الأبواب الزجاجية.
خرج باران من مكتبه بخطواتٍ ثابتة، يحمل بين ملامحه ذلك الجمود الذي اعتاده الجميع… الجمود الذي كان كافيًا ليزرع التوتر في أي مكان يمرّ به.
لكن خطواته تباطأت فجأة.
هناك… عند نهاية الممر.
كانت تقف بجانب عاكف.
فتاة صغيرة الملامح، مترددة النظرات، تحاول بكل ما تملك أن تبدو واثقة.
كانت تنصت إليه بانتباه شديد، تدوّن ملاحظاتها بسرعة، ثم ترفع عينيها نحوه كل لحظة وكأنها تخشى أن يفوتها حرف واحد.
توقفت عينا باران عليها لثوانٍ أطول مما ينبغي.
لا يعلم لماذا شدّه المشهد…
ربما لأنها بدت مختلفة عن عالمهم الصاخب.
أو لأن الارتباك الصادق في ملامحها كان نادرًا وسط الوجوه المتصنعة التي تحيط به كل يوم.
رفع حاجبه قليلًا، ثم أخرج هاتفه واتصل بعاكف دون أن يقترب.
اهتز هاتف عاكف، فنظر إلى الشاشة قبل أن يجيب سريعًا:
عاكف: نعم، باران؟.
جاءه صوت باران هادئًا… لكنه يحمل تلك النبرة التي لا تحتمل نقاشًا:
باران: إذًا… الفتاة بقيت ووظّفتها.
التفت عاكف نحوه من بعيد، ثم أجاب:
عاكف: نعم، وسأتكفل بتدريبها.
ساد صمت قصير…
قبل أن يقول باران بنبرة أكثر حسمًا:
باران: أريدها سكرتيرةً لي.
اتسعت عينا عاكف بدهشة واضحة.
حتى سلمى رفعت رأسها نحوهما دون فهم.
أكمل باران ببرودٍ ظاهري يخفي خلفه قرارًا اتخذه بالفعل:
باران: لقد طردت شيناي أمس… ولا أريد رؤيتها بعد ما فعلته.
ثم أضاف بصوتٍ أخفض، وكأنه يحدث نفسه:
باران: في الحقيقة… كنت أفكر بطردها منذ مدة، لكنني لم أجد سببًا مقنعًا. أما الآن… فما فعلته لا يُغتفر.
تجمد عاكف للحظة.
لم تكن الصدمة بسبب طرد شيناي… بل بسبب باران نفسه.
هذا الرجل الذي لم يكن يمنح الفرص بسهولة…
ولم يكن يلتفت أصلًا إلى الموظفين الجدد…
يقف الآن ليدافع عن فتاة بالكاد دخلت الشركة؟
قال عاكف باستغراب:
عاكف: لكنها لا تعرف شيئًا عن العمل بعد… ما زالت تتدرّب.
أجابه باران فورًا، وكأنه حسم الأمر داخله منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها:
باران: أعلم.
ثم أضاف وهو يراقب سلمى بعينين ضيقتين:
باران: لاحظت صغر سنّها… ومن الواضح أنها ما تزال تدرس. نحن فتحنا هذا المجال للشباب أصلًا… وبما أنك أنت من سيدربها، فستتعلم بسرعة.
انعقد حاجبا عاكف بدهشة حقيقية.
شيءٌ ما تغيّر في صديقه…
شيء لم يستطع تفسيره.
لكنّه في النهاية قال باستسلام خفيف:
عاكف: حسنًا… سأبلغها.
أغلق الخط، ثم التفت نحو سلمى التي كانت تنظر إليه بترقب وارتباك.
ابتسم بخفة وقال:
عاكف: افرحي… ستصبحين سكرتيرة المدير نفسه، باران كول أوغلو.
شهقت سلمى، واتسعت عيناها كأنها لم تستوعب ما سمعت.
سلمى: ماذا؟!.
ضحك عاكف على ذهولها، ثم قال:
عاكف: ستتدرّبين معي هذا الأسبوع… وبعدها ستبدئين العمل مباشرة مع المدير.
ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما أخذ قلبها يخفق بعنف.
باران كول أوغلو؟،
الرجل الذي كانت تسمع اسمه في كل زاوية من الشركة؟،
الرجل الذي يخشاه الجميع؟،
شعرت للحظة أن الأرض تميد تحت قدميها.
أما باران…
فكان قد أكمل سيره بالفعل، ملامحه عادت جامدة كما كانت، وخطواته استعادت برودها المعتاد.
لكن رغم ذلك…
كان هناك شيء صغير تحرّك داخله دون تفسير.
إحساس غريب…
خفيف… ومقلق.
وكأن تلك الفتاة، بعينيها المرتبكتين وملامحها البريئة، نجحت أن تلفت إنتباه باران، وجعلته يفكر في مساعدة الشباب، لكن شيئا ما داخله جعل ذلك الجدار الصلب، الذي بناه حوله منذ سنوات يتصدع.
الفصل الحادي والثلاثون من هنا
