رواية بين ظلال الماضي الفصل الخامس والعشرون25 بقلم رودينا يوسف

رواية بين ظلال الماضي الفصل الخامس والعشرون25 بقلم رودينا يوسف
قد يلعب معنا القدر و يبدل لنا الحياة بين ليلة و ضحاها .. يعيد ما انتهى ... و يكشف ما خُبِّئ من أسرار الماضي ... و ما ظنناه وَلَّى و دُفن تحت الركام... ينهض من جديد ليكسر حاجز الوهم الذي رسمناه.... و يُكشر عن حقيقة كفيلة بقلب موازين الواقع رأساً على عقب... فهل سنصمد أمام ريح الماضي العاتية التي عزمت على اقتلاع ما اعتقدناه جذورًا ثابته ؟؟ .... أم الأهم أن نتمسك بحاضر  يرفض تركنا غرباء بل يُقدم لنا أكثر مما تمنينا  ...  و بغد يسطع بالاجمل وسط آنات الماضي ؟؟... 

لم تمض الليله على الجميع كسابقتها ، فحنين خرجت مصعوقة مما سمعت، وهو ما لم يكن يخطر لها على بال ، ولا حتى في أسوأ كوابيسها، فكيف لها أن تصدق أن مَن ربيت في كنفهم ، وغمروها بكل المحبه والاهتمام، ولم يدخروا جهداً لسعادتها ، بل حتى نجوم السماء ودُّوا لو بسطوها على الارض لها كي تخطو عليها ، في نهايه المطاف تكتشف أنها ليست من دمهم ، دخيلة عليهم ...

فجأة انقلب عالمها وحياتها التي كانت جنه نعيم، و تحولت في لحظه ، بكلمه .. إلى قاع الجحيم ..

أخذت تجري وتجري حتى خرجت خارج حدود منطقتها ، وقد وجدت بالمصادفة سياره أجره تمر ، فاستقلتها هاربة لا تعلم أتهرب من حقيقتها الجديده أم من مواجهه تخشى فيها الانهيار؟؟،  لربما هناك ما هو أسوأ ، هذا ما كان ينبئ به عقلها ، مع كم التدافعات الكثيره التي تناوبت على مخيلتها دفعه واحده ، وكأن الليلة وكل ما بها حتى أفكارها عقدوا العزم على ذبح روحها دون هواده ...

= هتنزلي فين يا بنتي 

جاء صوت سائق السيارة المسن التي استقلتها بنبره متعاطفه مع هيئتها وحالتها المزريه، فبكاء حنين لم يتوقف وصدمتها ظاهره على ملامحها في غنى عن أي توضيح، مَن يراها حتما سيرق قلبه لها، لأنه سيتأكد من أنها في مصيبه لا محالة ...

لم يتلقَ السائق ردّاً ليشملها بمزيد من الشفقه في نظراته وهو يعيد سؤاله لتنظر له حنين في المرآة الاماميه بتيه ، حقا هي لا تعلم جواباً ، جاهدت لتنطق بصوت مبحوح يكاد أن يسمع ودون وعي همست:  السيده زينب 

سألها باهتمام : عندك قرايب هناك ... عاوزه شارع معين يعني..... ولا هتروحي المسجد نفسه

ظلت ناظره له بضياع ثم حركت رأسها عده مرات بهستيريا وهي تردد كمَن وجد طوق نجاه:  المسجد ...المسجد 

تنهد السائق بهم وقال:  ش لله يا أم هاشم... ربنا يفك كربك يا بنتي وكرب كل مكروب... لو محتاجه حاجه أنتي زي بناتي

حركت رأسها بحركه نافيه ثم ضمت يدها حول نفسها كأنها تواسيها ، ونظرت من النافذه بشرود وعينيها لم تدخر جهداً في ذرف المزيد والمزيد من الدموع ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما كرم ....

فقد جاب ورجاله في كل الأرجاء يبحث عنها في محيط سكنهم ،  فانطلاقها على قدميها وعدم استقلالها أي سياره خاصة، يوحي أنها مازالت داخل الكومباوند ، و العثور عليها سيكون سهلاً ، و لكن عندما لم يعثر عليها ، راجع كاميرات المكان بغرفه الأمن ، ليرى خروجها من المنطقه بأكملها في سيارة أجرة كانت تمر بالمصادفه من أمام الكومباوند، ولم يستطع سوى أخذ رقمها لمعرفة أين ذهبت حنين؟؟!!..

اندفع لداخل منزله وهرول يصعد غرفته محاولا  الاتصال بها ، ولكن لا رد  ، وكانت ناديه خلفه ، على وشك أن تصاب بنوبه قلبيه حاده بسبب ما حدث، كان نحيبها يعلو و يعلو ، وكرم في أوج عصبيته فصرخ بها بنفاذ صبر:  بس يا ناديه بقى.... كفايه ارجوكي ...عاوز اهدى عشان اعرف افكر في المصيبه دي ....بطلي مش وقته ده 

ناديه بمراره : حنين راحت فين... للمره التانيه يا كرم تمشي وتسيبنا... راحت... ومش هشوف بنتي تاني..

تقدمت نحوه ونظرت إليه بوجع ورجاء : أرجوك يا كرم رجعها تاني ...انا مش هتكلم أبدا ....هفضل ساكته اللي باقي من عمري ....بس اشوفها قدامي... معقول بعد كل السنين دي وكل اللي حصل ده برضه تخسرها

كرم بانفعال وعدم حساب لما يتفوه به: قلتلك كفايه بقى يا ناديه ...كفااايه... اهو كلامك كل شويه الماضي واللي حصل هو اللي ضيعها ... لو كنتي سمعتي كلامي قبل كده وانا بقولك أنسي .. ما كناش بقينا في الموقف ده ..

ملأ عيناها العتاب ممزوجا بشلالات الدمع المتدفقه منها وقالت بتقطع:  أس..فه ...هسكت... بس... اخر طلب ... هاتها ارجوك ....هاتها يا كرم

لم يتحمل المزيد اقترب منها وضمها يبث لها وله اي بارقة أمل وتحدث يطمأنها : هلاقيها ...هترجع ...دي بنتنا ولو غصب عنها... انا....

سكت لحظه ثم قال بتذكر : حازم... يمكن راحت لحازم 

اخرج هاتفه يهاتف حازم الذي رد عليه بصوت ناعس:  الو 

كرم بلهفه : ايوه يا ابني هي حنين عندك ؟؟

انتفض حازم من موضعه و أجابه : نعم ...حنين تبقى عندي دلوقتي... اللي هو ازاي ....هي مش في البيت

كرم بخيبة أمل : لا ...حصل تاتش كده بيننا وخرجت ....عموما انا هلاقيها ...افتكرت أنها كلمتك أو جت لك 

حازم بدهشه : تاتش ....وخرجت .....وحضرتك لسه هتلاقيها !!!!.....انا جاي حالا يا كرم بيه ...مسافه السكه وهكون قدامك

اغلق معه واستقام بعجاله ذاهبا لخزانته يرتدى أول ما يقابله، ثم أخذ هاتفه الذي أضاء بصوره حنين ليحدثها بلوعه لائما : ليه كل ما ألاقيكي تروحي مني؟؟... طب تعالي وانا كنت اداريكي في قلبي...

تحولت نبرته لتصميم وعزم وهو يردف : مش هسيبك تضيعي تاني ....فراقك المره دي بموتي... انتي معايا لآخر نفس... ما فيهاش اختيار 

أسرع متوجهاً لكرم كي يفهم ما دار وجعل معشوقته تفر من الجميع، عازما على إيجادها مهما كلفه الأمر...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نزلت حنين أمام مسجد السيدة زينب و كادت أن تتحدث للسائق معتذره ، وهي تخلع خاتم من يدها اليسرى لتعطيه له بدلا من المال،  فهي خرجت دون أن تأخذ أي شيء ليأتها صوته دون مجامله : مش عاوز منك حاجه يا بنتي... ربنا يصلح حالنا وحالك... الله يعينك على ما بلاكي

لم تكن في حاله تسمح لها بالكلام، أعطته ظهرها و حدقت في المسجد دقيقه وهي تشعر بالضياع، ثم جرت قدميها لتتقدم نحو المسجد الذي كان يتهيأ لاستقبال المصلين لصلاة الفجر  قبل ما يقرب من الساعه ونصف تقريبا على موعده ...

جلست بسكون في أحد الأركان وهي تضم ركبتيها لصدرها، ووضعت رأسها عليهما، هنا ازداد انهمار سيول عينيها،  كأن ما فات لم يكن سوى قطرات،ظلت هكذا فترة حتى بدأت أنفاسها تختنق وصدرها يعلو ويعلو بالبكاء وبحرقه ....

أتت نحوها سيده أربعينية بشوش آتية لصلاه الفرض محجبه، جلست أمامها وربطت على شعرها بحنو شديد وهي تسألها بصوت رخيم:  مالك يا اختي... ليه كل العياط ده... وحدي الله بس..

رفعت حنين فيروزتيها الذابلتين من آثار البكاء ولم تجب إلا بنظرة تيه ، كطفل ضال لا يعلم ماذا جنى ليفقد كل معانِ الأمان بغته دون سابق إنذار ...

شجعتها على الحديث بقولها : قولي.... فضفضي يمكن ترتاحي..... عارفه ...ساعات الانسان يحب يتكلم مع حد ما يعرفوش.... عشان يبقى على راحته ويطلع اللي جواه من غير حساب.... ويمكن يلاقي حل ولا كلام يريحه.... أو حتى لو ما لاقاش كفايه أنه طلع الهم من جواه 

زفرت حنين بقوه علَّ ضيقها يفارقها مع الهواء ، ثم خرج صوتها ضعيفا ذو بحة يمزقها الألم والانكسار:  النهارده اكتشفت ان عمري كله كان مجرد كذبه... وهم... حياه جميله مرسومه وكنت عايشه جواها...و مجرد صدفه حولت الحياه دي لسراب.... لدرجة خايفه أعرف حقيقتي ...مرعوبه من رد فعل القريبين مني لو هما كمان عرفوها ...خصوصا جوزي وحبيبي

مسدت السيده على ذراعها صعودا وهبوطا ثم نطقت بملاطفه:  بصي يا ..... هو أنتي اسمك ايه؟؟

حنين :حن ... مش عارفه !

ابتسمت السيدة بود واستكملت بحكمه:  مش مهم الاسم خالص... المهم انتي جواكي ايه ...وقلبك أبيض وصافي ولا لا ....ياما ناس معروف أصلهم وفصلهم وتفتكريهم ولاد اصول ...وهما الحقد بيبقى عامي قلوبهم وبيبقوا عنوان الاذيه... وكل اللي قلتيه دلوقتي ده .... وبتقولي إنك عايشه في كذبه... اكيد ربك لي حكمه انه يفوقك منها ويكشفها لك... زي ما برضه كان ليه حكمه وهو بيحطك جواها.... احنا عايشين باقدار ربنا كاتبها.... ورحمته علينا بتهون... جوزك ده لو راجل بصحيح وشاريكي ....مش هيفرق معاه حاجه ....والناس اللي ما تقدركيش يبقى ما تستاهلش دموعك الغاليه دي

ربتت على يدها بمؤازره واقترحت:  وحدي الله كده وسلميها للواحد القهار ...ما فيش أرحم ولا أحن منه... تعالي كده... قومي اتوضي وبعدها اشوف لك اسدال هنا للصلاه على جنب ولا حاجه... و اقفي بين ايدين ربنا ....صلي ركعتين قبل الفجر ....قولي له وارمي عليه كل حمولك ... صدقيني هترتاحي قوي وهيشيل عنك كل وجعك ...بس اطلبي منه بيقين وحسي بقرب ربنا ...وهتشوفي بنفسك ... قومي معايا قومي

شدت يد حنين التي استسلمت لها بعد ان هدأت قليلا من كلماتها المريحه، وقررت العمل بنصيحتها، وبالفعل أسدلت ثوب الصلاه الذي غطاها بالكامل، وبدأت في الوقوف بين يدي الله بخشوع، مما جعلها تشعر بالسكينه والراحه عكس حالتها السابقه، وبعدما انتهت أدت فرض الفجر، جلست قليلاً تلملم شتات نفسها ، وتفكر فيما يجب عليها فعله....

وأول ما قررت أن تقوم به، هو الذهاب إلى حازم وسرد ما حدث له، لترى رده فعله على ما ستقول، خرجت متجهه لشارع السد حيث يقطن حازم ،وهو بالقرب من المسجد لحسن حظها ،مما سهَّل عليها الطريق أثناء سيرها، وعند سؤالها ، حتى وصلت للشارع وتوجهت مباشره لبنايته....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعلى الجانب الآخر في ڤيلا كرم ....

كان الموقف على صعيد ساخن فلم يتوانَ أحد في البحث عن حنين هنا وهناك ، الأمل الوحيد كان في رقم سياره سائق الاجره الذي ظهر في التسجيلات، وقد قام كرم باتصالاته وحازم أيضا أرسل الرقم إلى عادل لعله يستطيع إفادته بشكل أسرع ، وأثناء جلوسهم في انتظار خبر ...

علقت ناديه باقتراح:  كرم... كلم ايهاب كده يمكن تواصلت معاه... أو راحت عند عمها 

اندلعت نيران الغيره داخل بؤبؤي حازم، لتزيد من سوء حالته ولكن قبل اندفاعه بالحديث كان كرم الأسبق بردِّه: حنين تليفونها لاقيته فوق يا ناديه... يعني ما كلمتش حد ....وما اعتقدش بعد اللي سمعته هتروح عند أي حد من العيله 

حول حازم بصره باهتمام وسأل بهجوم : انا من حقي اعرف ايه اللي سمعته مراتي خلاها تسيب كل حاجه ورا ضهرها وتهرب

زاد بكاء ناديه ، و فرك كرم جبهته بتعب مستجمعا تماسكه ، و حاول الرد بتسويف ومراوغه : ترجع بس يا حازم وبعدين نبقى نتكلم وافهمك على كل حاجه

نفى حازم مؤكداً بتمسك : لا ...مش هقدر استنى لما نعرف هي فين... انا هعرف ودلوقتي... ولما ترجع هاخدها بيتي وهبعدها عن أي حاجه ضايقتها 

كرم بنبره خطره:  ده تهديد!!..... مين دي اللي هتاخدها .... في إيه انت اتجننت؟!!!

انفلت زمام حازم وفقد أخر ذره تعقل لديه، ففكرة بُعد حنين لأي سبب بعد هذه الأزمه لن يسمح بها، وقف بمواجهة كرم و صاح بشراسه و عروقه أصبحت نافره من شده الغضب والتوتر : الجنان اللي بجد إني اخليها تبعد عن عيني لحظه لما ترجع... مش بعد ما لقيتها هتروح مني تاني ....هي بتاعتي من أول يوم جت فيه الدنيا ...وهتفضل معايا لحد طلوع الروح 

أكمل باعتراف ضمني : يمكن القدر بَعدها زمان وحطها في طريقكم... بس برضه حافظ لي عليها وردها لي.... ما ربنا عدل.... شافني صُمت حياتي كلها ليها ...ومستنيها حتى لو في الاخره... فرضاني بيها وبعتها لي بعد سنين العذاب .. صبرت فجبرني وانا واثق انه مستحيل يكسرني تاني ..

تنفس بقوه ثم قال قراره بحسم: حنين خلاص بقت مراتي... وأنا هرجعها ومكانها مش هيكون غير معايا

شهقت ناديه بصدمه من حديث حازم ، بينما زوى كرم جانب فمه بسخريه ، و بادل حازم ثباته بنظره متحديه ثم قال : كل الهبل اللي قلته ده تنساه تماماً ... لأنه مش هيحصل غير اللي انا عاوزه... وبلاش تتحداني انا... ودي نصيحه 

ضيق عينيه يعيد ترتيب ما قيل ورد بفطنه:  انت إيه علاقتك بحنين بالظبط؟؟... ويا ترى كل اللي فات كان فعلا صدفه ؟!..ولا ترتيب منك ووهمتنا بكده

وقبل أن يجيبه حازم و يتحول بهو الڤيلا لساحة قتال كلاميه بين ندَّين قويين، كان رنين هاتف حازم الذي صدح بإلحاح له رأى آخر ، وجعل حازم يرد سريعًا على والدته التي أرادت أن تبلغه بـ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

وقفت حنين تقدم ساقا و تؤخر أخرى ،فرغم ما قررته وعقدت العزم عليه ، إلا أن جميع مشاعرها المتضاربه من ضياع وخوف وتيه ووحده، مازالت تسيطر على داخلها بشكل أو بأخر ...

لمحتها نعيمه من نافذتها فأسرعت تناديها بترحاب: انتي يا بت يا حلوه انتي... انتي يا اسمك إيه 

التفتت لها حنين محاوله حبس دموعها وتقدمت نحوها وقالت بصوت مبحوح من فرط بكائها:
ازيك ...حضرتك تقصديني مش كده؟؟

تفحصتها نعيمه بشفقه وقالت:  اه يا حبيبتي... هو انا باين عارفاكي ...شكلك مش غريبه عليا.... يا اختي شايفاكي واقفه تايهه كده ومش عارفه تروحي فين.... قلت أسألك انتي عاوزه مين؟؟

حنين بخفوت:  انا جايه لحازم

نعيمه وهي تضرب بيدها على صدرها : حااازم... وانتي يا اختي جايه لحازم على الصبح ليه كده... موصوف لك في الحلم ولا ايه؟!... بقول لك ايه يا بت انتي ... أنا ابني متجوز يا اختي مش عاوزين مشاكل مع مراته... لاحسن ده أهلها ناس أكابر يودوه و يودونا ورا الشمس ... روحي ارمي بلاكي على واحد غيره يا سنيوره

حنين بخوف: انا مش عاوزه مشاكل مع حد ...انا مراته اصلا يا طنط

أخذت نعيمه تمعن النظر فيها لدقيقه ثم نطقت بتذكر : يووه...تصدقي صح ... انتي شبه العروسه الحلاوه اللي كانت معاه... طب تعالي يا حبيبتي ادخلي ريحي... وبعدين ابقي اطلعي

دخلت حنين كي لا تدخل في جدال لا تقوى عليه من الأساس ، وبعد دخولها سألتها نعيمه بفضول:  بس انتي إيه اللي جايبك بدري كده ...وفين أمك ...مش عيب تيجي بيت ولوحدك.... يا اختي بنات اليومين دول حالهم حال ....مسم... ده احنا ما كناش بنات

نظرت حنين أرضا وقالت بتبرير:  أصل عاوزاه في موضوع مهم قوي

نعيمه بإصرار : ولو .... الأصول أصول ...واللي يمشي عليها ما يتعبش ....مسم ....قال على رأي المثل.... اللي ما عندهاش كسوف تقول وتعمل من غير خوف 

ثم أكملت بفضول أكبر : وبعدين مالك كده شايله طاجن ستك واحنا لسه بنقول يا صبح... خديها مني الراجل ما يحبش الست النكديه ام بوز.... خليكي زيي كده فرفوشه ونغشه .... راخر عمك أبو محمود ما يستغناش عني أبدا 

نظرت لها حنين واكتفت بتحريك رأسها بمسايره ثم نهضت تستأذنها بقولها : بعد اذنك... انا هطلع بقى

استوقفتها نعيمه برفض قاطع:  أبدا ...والله ما يحصل ....لازم تفطري معايا الأول ...ده انا قاعده لوحدي وزهقانه... اهو تفتحي نفسي ...وكمان يكونوا صحيوا فوق بدل ما يتخضوا من دخلتك البدري دي

لم تستطع حنين الرفض و جالستها ،فربما يرسل الله لها فرصه للتفكير وترتيب ما ستقول ، بجانب إشفاقها على نعيمه التي شعرت حقا بوحدتها وحاجتها لمَن يشاركها بعضاً من الوقت...

لكن لم يدم الوقت طويلاً إذ أن قطع تلك الجلسة إيمان والده حازم، والتي استفاقت فجراً كعادتها ، وبعد تأديتها للفرض ، ألقت نظره على ماذا تحتاج لتكمل وليمتها التي حضَّرت أغلبها و دعت لها حنين اليوم ، وبالفعل كتبت كل ما تريد وقررت النزول باكراً لجلب الاحتياجات، وفي طريقها لباب البنايه استمعت لنعيمه تحادث أحدهم فأصابتها الدهشه وذهبت تلقي نظره وتطمئن على تلك السيده الحنون، لتتضاعف دهشتها برؤيه حنين وبهذا المنظر ...

فعندما تركت حنين منزلها كانت ترتدي ملابس رماديه منزليه (سوت) وهو مغاير لهندمتها و أناقتها المعتادة، ناهيكم عن وجهها المرتسم عليه الإرهاق والألم ، وعينيها التي تحجب الدمع داخلهما بصعوبه وخلفه يسكن انكسار و صدمه ما زال استيعابها يفوق الاحتمال....

انضمت لهما وعيناها تتجول على حنين بحنان أم وقالت بصوت حنون : صباح الفل عليكم... ازيك يا نعناعه..

جلست بجانب حنين واحتوتها بوضع ذراعها على كتفها تقربها وتقول بود : وانتي يا حنين عامله ايه يا حبيبتي... ما طلعتيش على فوق ليه على طول؟؟

بينما كانت حنين تأخذ نفساً عميقاً تمنع فيه بكائها بصعوبه من أثر لمسه إيمان ، ردت نعيمه:  انا اللي قلت لها تفطر معايا الاول... ما هو ما يصحش تطلع بدري كده عليكم ... وكنت هطلع معاها كمان مادام لوحدها .... يا اختي انتي عارفه لما نقبلوش على بناتنا ما نقبلوش على حد... وربنا يستر على ولايانا

ايمان بقله حيله:  أنتي تطلعي في أي وقت يا خالتي ده بيتك ...واصلا كنت هبعت حازم عشان يجيبك تتغدي في وسطنا ... إنما حنين أنا كده كده عزماها النهارده على الغدا.....واهلها عارفين... وبعدين دي مرات ابني دلوقتي... يعني مش واحده غريبه ... فالبيت بيتها ومفتوح لها الليل قبل النهار

وجهت بصرها لحنين في آخر حديثها لتؤكد على كونها بالفعل أحد أفراد أسرتها ، أجابتها نعيمه: يا سلام يا اختي ...دلعيها دلعي... ما هي مرات الحيله... مسم ....قال على رأي المثل..... اللي حماتها تحبها الشمس تطلع لها ...واللي حماتها معها تمشي وتطرقع صوابعها..... بس يا اختي خدي بالك لاحسن بعد كل الدلع ده تركب و تدلدل رجليها

لم تكن حنين معهم بشكل كامل ف عقلها ما زال يتقاذفه دوامات الفكر، في حين نطقت إيمان بدفاع:  لا... حنين مش من النوع ده يا نعيمه ....دي بنت اصل وست البنات.... ربنا يعلم من اول ما شفتها وفيها حاجه خطفت قلبي وبقت غلاوتها من غلاوه بناتي

ربطت ايمان على ظهر حنين وسألت : المهم ...حازم عرف إنك هنا ولا لسه ؟؟

هزت حنين رأسها بنفي، لتقوم إيمان بإخراج هاتفها من محفظتها ثم تتصل على ولدها والتي تعتقد أنه مازال نائما بالاعلى ، لتتفاجئ بصوته المشدود وهو يجيب:  خير يا امي ....في إيه ؟؟

ايمان بدهشه : انت صاحي ولا ايه ؟!.. 

تنهد حازم بضيق وقال : انا بره يا أمي في حاجه مهمه بخلصها وهرجع 

نطقت إيمان بما جعل قلبه يخرج من بين أضلعه ذاهبا إليها : طب على مهلك... انا بس كنت نازله ولقيت حنين قاعده هنا مع نعيمه قلت أبلغك
إنها وصلت... ما اعرفش إنك ...

حازم مقاطعا إياها بلهفه : حنين عندك بجد... انا جاي حالا ...خليها معاكي.... اوعي تمشي يا امي.... اوعي تمشي 

هرول حازم وخلفه وكرم وناديه تجمعهم اللهفة تاركين كل خلافاتهم جانباً ،حتى يطمئنوا على حنين أولا ...............

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صعد كلا من إيمان وحنين للأعلى ،وحاولت الأولى إلهاء حنين والحديث معها بمرح، رغم الفضول الذي ساورها بعدما جاءها رد فعل حازم مؤكداً لحدسها ، بأن حتما شيئا كبيرا قد حدث...

ولم تمر الساعه حتى كان والديها وحازم أمامهما،  مما جعلها تظن أن خلافا قوياً قد نشب بينها وبين والديها 

وحنين انتفض جسدها من موضعه وتقدم نحو والديها ببطء رغم ارتعاشه، و عيناها فاضت بما كتمت ، ولسانها رغم ثقله إلا أنه نطق فور وقوفها في مواجهتهم بسؤال وحيد:  أنا مين ؟؟

انتقل حازم الذي كان يحتضنها بعينيه ليقف خلفها مباشرة بمسانده ، ثم وضع يده يلفها له ويضغط على كتفيها بقوه بعدما علم من سؤالها ما سبب هروبها، ثم نطق باحتواء : انتي أجمل حاجه خلقها ربنا يا حنين ....انتي مراتي وحبيبتي وبنتي وعمري كله... انتي حنين حازم المهدي

باغت كرم حنين بشد يدها جاذبا إياها لأحضانه بعيدا عن حازم ، و زأر بصوت جهوري : دي حنين كرم عثمان وبس.... بنتي انا ....اللي ما فيش مخلوق هيقدر يحرمني منها..

قبَّل رأسها وقال: أنتي بنتي غصب عنك وعن كل الدنيا ...بنتي... 

نظر بعدائية لأول مره تجاه حازم واكمل بلوم:  كده يا حنين... معقول بابا هان عليكي تعملي فيه كده ...وفي ماما كمان 

خرجت حنين من بين أحضانه وصرخت بمراره : 
مين بابا وماما اللي بتقول عليهم وانا سامعاكم بتقولوا اني مش بنتكم.... هو ده سهل يا(...).... انا مش عارفه اقول ايه..... مش عارفه..

وضعت كفيها ع وجهها وهي تزيد من نوبه بكاها، تدخلت ناديه من بين شهقاتها وهي تقترب منها : ما فيش حاجه من اللي سمعتيها صح.... انتي بنتي زي بابا ما قالك... اسمعيني بس...

وضعت حنين يدها على أذنيها وصاحت بهيستيريا:  كفايه سمع بقى ...سنين بسمعكم وبصدقكم ...مش عاوزه اسمع تاني...

نظرت لها برجاء واقتربت تمسك بيديها و أكملت :
كل اللي عاوزة أعرفه .. أنا بنت مين... وازاي بقيت معاكم ...وحياتي عندك لو بجد بتحبيني قولي لي

اتاها صوت كرم الصارم :  حنين... يلا من هنا بقى ما فيش داعي لكل ده .... قلت لك انت بنتي.... بنتي

جاء حازم المتحدي: تمام يبقى نعمل دي إن إيه (DNA) نتأكد يا كرم بيه

نقلت حنين بصرها بين أبيها وزوجها بتيه ، ثم أمنت على كلام الأخير : اه... صح كده... هو بيقول صح... انت بتقول بنتك... وانا سمعتكم وعرفت إني مش...

نظر لها كرم ولأول مره يعنفها بهذه الطريقه مقاطعا إياها : اخرسي..... ولا 100 دي إن إيه هيقدر ياخدك مني ولا يقول إنك مش من دمي..... افتكري يا حنين...  انا بابا كرم اللي ياما دعمت وقت قلقك وامتحاناتك ....وسهرت مع امك وقت تعبك لحد ما خفيتي.... وربيتك على الصح والغلط والاخلاق.... وعلمتك واتمنيتك احسن مني.... واللي بينا اكبر بكتير من مجرد تحليل... 

علا بكاء حنين بحرقه ومعه بكاء والدتها التي لم تستطيع المواجهه أكثر ،وجلست على أقرب مقعد خلفها تستنشق هواء محملاً بالوجع و الاهات، ثم نطقت بانهيار بما قد يخفف احمال الجبال العالقه على صدرها : عاوزة تعرفي ايه يا حنين... شكل مهما حاولنا ما فيش فايده... خلاص 

رمقها كرم بصلابه وقال : انتي ليه مصره تنبشي في الماضي يا ناديه وتفتحيه ومش عاوزه تنسي

ناديه بنفاذ طاقه:  لأن ما سابش الحاضر في حاله وفضل يطاردنا طول السنين ....ريحها وخلينا نرتاح يا كرم...

وجه بصره لحنين وجدها تنظر له بتوسل و استعطاف ، فجلس بتعب على كرسي مجاور لزوجته وفرك جبهته باستسلام ، وحنين جلست على ركبتيها أرضا بينهما تمسكت بيده ويدها تحثهم على الحديث لتبدأ ناديه السرد بقولها : أنتي العوض اللي ربنا رزقنا بيه بعد موت بنتنا قدام عينينا ....الامل اللي نور حياتنا ورجع لبيتنا الروح بعد ما راحت ورا حنين 

ابتلعت لعابها بغصة واسترسلت:  حنين بنتي ماتت بالكانسر وهي عندها ٨ سنين.... كانت رحله عذاب قضيناها في أمريكا... ما بين ادويه... و جلسات... و اخرهم كانت عمليه من بعد ما نجحت برده ماعاشتش...

زفرت بألم وهي تبكي وتقول : انهرت و وقعت... ما قدرتش استوعب اني مش هشوفها تاني ...وخصوصا اني كمان عندي مشكله ومش هقدر اخلف .... طبعا كرم حالته ما كانتش افضل مني... حاول يتماسك كالعاده بس مع انهياري ما قدرش.... نزلنا بطياره خاصه للقاهره بدون علم حد... بعد ما دفنا البنت... لان انتي عارفه مرات عمك واغلب الناس كانوا هيضايقونا مش يقفوا جنبنا ....وكمان... يعني ...جدتك كانت هتضغط على كرم عشان يتجوز ويجيب طفل.... لان ما فيش مني أمل 

لم تستطع إكمال حديثها وسط دموعها الغزيرة لتتفاجئ بصوت كرم يكمل عنها وهو ينظر للأمام بوجوم : كنا محتاجين بس نتقوى ببعض... وفي وسط وجعنا ....جت على بالي فكره التبني.... بس هي كانت رافضه وخايفه اللي حوالينا ما يقبلوش بالطفل ونبقى سبب معاناه ليه وهو ما لوش ذنب ....فقلت لها انا كفيل بكل الناس تعالي الاول نجرب ونختار ونشوف هنتعايش ولا لا وبعدين نواجه ....وفعلا اتفقت مع مدير ملجأ في وسط البلد .....ورحنا بالليل ..و للحظ كان لسه في مجموعه ولاد جداد ....دخلنا الاوضه اللي فيها الأطفال وبالصدفه لقيناكي.... 

ثبت عينيه بداخل عيناها ووضح وهو يمسد على وجنتيها : نفس عيونك الحزينه دلوقتي... بس كنتي قاعده في آخر الاوضه بعيده عن كل الموجودين... مش لابسه غير بيجامه بسيطه ...شعرك دهبي قصير مش لابسه حاجه في رجليكي ...كل ملامحك رغم أنها مرعوبة ومليانه خوف بس كانت شبهها... حتى عيونك ملونه زيها ....شدتينا ودخلتي قلوبنا.... لقيناها فيكي.... وهنا جات لي الفكره... إني أرجع بيكي امريكا..... كده كده ما حدش يعرف اي شيء حصل معانا ....والمدير طمعه بشويه فلوس هيسكته ....وده غير إنه ما يقدرش يقف قدامي.... وفعلا خدناكي واكتشفنا إنك ما بتتكلميش.... تقريبا كان في عندك صدمه.... بدانا في علاجك في سريه تامه لحد ما حولناكي نسخه تانيه من حنين.... وكان مستحيل حد يقدر يكشفك 

سألت حنين بصوت متهدج:  و ازاي مش فاكره اي حاجه من طفولتي ؟؟...ازاي ما خفتش اني اعرف من اي طريق غيركم ....

كرم : مستحيل كنتي هتعرفي من حد غيرنا...  خصوصا إن المدير واللي هو كان تالتنا والوحيد اللي يعرف السر مات بعد الموضوع ده بخمس سنين....

نكس كرم رأسه و أفضى بآخر حديثه: وبخصوص انك مش فاكره... الدكتور هناك كان بيديك دواء معين بنسبه وتركيز معينين يساعدك على النسيان وفقدان الذاكره لكل اللي فات... واحنا قدرنا نرسم ونشكل كل اللي جاي والذكريات بتاعتك كانت صور حنين بتأدي الغرض في السن الصغير لما بيبقى عندك فضول عليه واحنا بتحكي لك الموقف وتكمل الصورة....

قامت حنين تعود للخلف بظهرها وعينيها لا تبرحان التنقل بين كرم وناديه بضياع أكبر ودهشه مما سمعت،  ليته أحد كوابيسها التي ستفيق منه عما قريب ،كوابيسها ؟؟؟، مهلا ...هل يعقل أن تكون هي تلك الفتاه التي في كابوسها الملاحق لها؟؟

ارتطمت أثناء رجوعها بحازم الذي كان يستمع لكل ما حدث وداخله يكمل ما غاب عنه طيله تلك السنوات لتتضح الحكايه لديه ، علقت عيناها بعينيه ترجوه أن ينفي ما يدور الآن ، وهو ضمها بين ذراعيه بقوة وهمس بأذنها:  أنا بيتك و امانك من اي توهة... وكل ده ولا يفرق معايا... انا عارفك اكتر من نفسك يا حنين

رفعت رأسها ورددت:  نفسي.... فين نفسي؟؟؟

عادت بنظرها لهم وصرخت:  انااا مييين؟؟؟... انا مسخ ...صوره من بنت ميته.... انا بنت من ملجأ ..يعني ممكن أكون لقيطه... وبنت...

اندفعت ناديه تحتضنها مقاطعه حازم الذي كاد أن يتحدث ، و انضم لها كرم وكلا منهما يؤكد:

- أنتي بنتي... بنت قلبي وعمري

= انتي بنت أبوكي يا حنين... أبوكي اللي رباكي مش اللي خلفك 

انتزعت نفسها منهما عنوه وهدرت بكل قوتها: انا اللعبه اللي رضيتم بيها نفسكم..... المسكن اللي سكنته بيه وجعكم من غير ما تعملوا له حساب.... حرام عليكم.... دمرتوني ووقعتوني من فوق السما السابعه لأبعد نقطه في الارض

وضعت يدها على رأسها بتعب، وذهبت في غيبوبه رافضه واقعها الجديد وكل ما يحمله لها من حقائق لم تكتمل بعد ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي مكان آخر أمام مبنى مستشفى لمعالجه الإدمان ......

كان إيهاب بصحبه والده ناجي داخل سيارته يستعد لزياره أخيه عبد الله ، فبعدما ضغط على والده ليلة أمس ليخبره بما يحدث في حياتهم من تغيرات لا يستطيع تجاهلها ،  استجاب والده و أفصح عما دار بينه وبين كرم، وكيف تصرف مع والدته و أخيه بعد علمه لحقيقه كلاً منهما ، والآن بعد أن طلب رؤيه أخيه والاطمئنان عليه ذهبا له سويا ...

وما لبثا أن يهبطا من السياره حتى وجدا عبد الله يقفز من أعلى سور المشفى، وخلفه الأمن يحاولون منعه وهو لا يلتفت لأحد ، بل ينطلق بعزم هارباً دون انتباه لتلك الشاحنه العظمى الآتيه نحوه بسرعه، واول من انتبه كان والده  الذي لم يتردد في الاندفاع نحوه ليحتضنه مفاديًا إياه ، ولكن قد فات الأوان وطار كليهما في الهواء، ثم استقر كلا منهما على جانب الطريق يمينا ويسارا، وتجمع الأمن حولهما...

إيهاب الذي فشل في اللحاق بوالده يقف في المنتصف أمام الشاحنه بين أبيه و أخيه، لا يستوعب ما رأى ، لينتبه على صراخ المحيطين به وهم ينقلونهما للسيارات المتاحه،  لعلهم يستطيعوا إنقاذ أي مصاب، ليتحرك ويجلس أمام المقود وينطلق بسرعه قصوى لأقرب مشفى،  آملاً الحياه لأخ شعر بتقصيره تجاهه، و لأب كان سنده وصديقه الوحيد في خضم أحلك الأوقات ....

يتمنى فقط عوده الزمان قليلا للوراء، يتمنى ويتمنى ولكن ما بال الأمنيات قد تلاشت ، والواقع فرض حصادا لكل فعل مضى ، حتى أنه لا يعلم أ يفيده الآن الندم أم  قد سبق السيف العزل؟؟؟؟
تعليقات



<>