رواية بين ظلال الماضي الفصل السادس والعشرون26 بقلم رودينا يوسف

رواية بين ظلال الماضي بقلم رودينا يوسف
رواية بين ظلال الماضي الفصل السادس والعشرون26 بقلم رودينا يوسف
بدت حنين ككتلة من الوجع المتكور حينما أسندت رأسها على ركبتيها اللتين تضمهما لجسدها الساكن بإحدى الزوايا المظلمة من تلك الغرفه الضيقة بعقلها ، وعيناها مستمرتان في الفيض بمزيد من سيل الدموع الغير منتهية ، ووسط صوت نشيجها المكتوم تفاجئت بلمسة حنون على شعرها المتدلي حول وجهها، مزامنة مع صوت طفولي هادئ :
=انتي بتعيطي ليه؟؟

دُهشت حنين من رؤية صغيرة حلمها القديم بجانبها ، وبهيئة مرتبة مريحة مختلفة عن سابقتها ، فهي تمسك دمية (دورا) المحببة في يدها و تبتسم لها بعذوبة ، فسألتها حنين بفضول بعد أن أزالت عبراتها : 
انتي مين؟؟

= أنا انتي!!!!!

يعني ايه ... إزاي ؟؟

= ايه اللي ازاي .. أنا نفسك.. مش عارفاني ؟؟

هزت حنين رأسها نافية بخيبة و ردت والدموع تعاود لمقلتيها : انا مابقتش عارفه اي حاجه ... حتى نفسي كانت كدبه و طلعت مش أنا ..

مسحت الصغيرة دمعة حنين الهاربة ومدت لها يدها ببراءة تعطيها دميتها علَّ بعض من ذلك الحزن المرتسم بعينيها يُزال، و بوداعة الأطفال الآسرة التي تقطر من بين نظراتها قالت : خدي دورا ومش تعيطي .... ثم استرسلت بحماس : قومي..تعالي معايا...

فما كان من حنين سوى أن تنهض ثم وضعت يدها بداخل كف تلك الملاك الصغيرة التي سحبتها خلفها وقادتها حيث زاويه اخرى ينبثق منها نور ضعيف، و هناك كان ينتظرها رجل يحمل نفس بشاشة الفتاة و نفس لون عيون الصغيرة أيضاً ، وعينيها!!!!

كان يتفقدها بشوق وافتقاد حنون وهي استجمعت شتات نفسها و نظرت للفتاة تستفسر بقولها : 
مين ده ... انتي جيباني هنا ليه ؟؟

أجابتها الصغيرة بلطافه وتلقائية وهي ترفع منكبيها لأعلى و تنزلهم بعفوية : ده بابا فريد ... اصل لاقيتك بتقولي كلام كبار ... وبتسألي سؤال روما مش هتعرف تجاوب ... فقلت بابا حد كبير هيساعدك... 

رفعت رأسها لوالدها المبتسم: مش كده يا بابا؟؟

اومأ الرجل بخفة و أمسك هو بدفه الحديث : 

ليه كل التوهه دي يا بنتي ؟؟؟

باحت بما ينغص روحها وهي تبتسم بمرارة متهكمة على حالها: لأني فجأة اكتشفت إني واحده تانيه غيري... عشت طول عمري صورة لمجرد إني شبه بنت تانيه... صدفه خليتني اكتشف زيف اللي كنت فكراهم أقرب ما ليا ... طول عمري مزروعه ف وسط أحقاد و غل و بيحسدوني على دنيا طلعت مش بتاعتي أصلا ... أنا كنت عايشه في حرب أنا أساساً مش طرف فيها... ودلوقتي جوايا سؤال مش عارفه إجابته... أنا بنت مين؟؟! ... ياترى اسمي إيه؟؟...هعيش اللي جاي إزاي؟!!! ....

نظر الرجل لها بعمق باعثًا الأمان و الثقة من بين نظراته التي تبعتها كلماته التاليه بنبرة مليئة بالشجن : اللي جاي ولا بإيدك ولا بإيد أي مخلوق ... ده مترتب من رب العباد وبس ... و كل اللي حصلك في حياتك و دلوقتي شيفاه كابوس أكيد هو الخير ...كنتي هتبقي فرحانه لو فضلتي تايهه ف الشوارع ... ولا حياتك كانت هتبقى وردي لو كملتي ف ملجأ ذي اللي مالهمش أهل ؟؟

أجابته بيأس : و هو أنا ليا أهل؟؟ ..ولا كويس إني انام و اصحى ألاقيني بنت حرام؟؟ 

نطق بصوت حاد وهو يمسك بذراعيها بقوة : 
بس انتي بنت حلال ... انتي بنتي ...

أكمل بنبرة مثخنه بمشاعر الندم و يده ارتخت قليلا من عليها : بنتي اللي ف لحظه جرح ويأس خسرت فيها حياتي و نسيتها... نسيت قد ايه هي محتاجه لي ومالهاش ذنب ف اختياري لأمها...

تنفس بعمق و نطق مجددا : مسيرك تعرفي الحكايه كلها ويمكن ماتفتكرنيش.. بس انا عمري ما نسيتك ... ده انا خفت أشوف الشفقة ف عيونك على أبوكي اللي عاش عمره مخدوع...

أكمل بحكمة ناصحاً : ابعدي الماضي عن اللي جاي يا بنتي... أنتي ربنا بيحبك .. اختار لك الاحسن وعوضك بأم تانيه و أب كمان .. ومهما كان غلطهم إلا أن فضلهم ما تقدريش تنكريه ... ما تحاسبيش الإنسان على قرار خده في لحظة ضعف ... واعرفي أن برضه ده من تدابير ربك و رحمته بيكي أنه بعتهم لك في وسط ظروف صعبة ...

نظرت له والتيه ما زال يغلفها ثم قالت : 
مش عارفه اللي بتقوله ده المفروض يهون عليا ولا يزود همومي؟؟..هما ما سابوليش أي ذكرى من اللي فات عشان اتأكد من اللي بتقوله وابص للموضوع من زاويه مختلفه...بس أنا قلبي مصدقك و يمكن ماعنديش حل غير كده ... انا مش قادرة افتكرك ... بس حاسه بصدق كلامك ...

أكملت متسائله باهتمام راجٍ: ارجوك احكي لي كل اللي حصل ... عاوزة اعرفك و اعرف اهلي وحياتي القديمه 

رد عليها مكررا : انا مش لسه قايلك ابعدي عن الماضي... عاوزة تعرفي وجعه ليه ... 

تنهد و أوضح : الأهل مش بس اللي خلفوا لااا.... الأهل هما اللي ربوا وتعبوا وسهروا وكبروا ... هما اللي زرعوا حب و اهتمام و رعاية .. هما اللي كانوا ضهر و سند و لو حياتهم تمن ضحكتك يعملوا ده من غير تفكير... ربك ما أرادش إني أكون موجود .. بس عوضك بأهل مافيش منهم 

أشار للبعيد حيث زاويه أكثر إنارة و بهجه وما حولها كجنة صغيرة، يقف فيها كرم و ناديه يدعوانها للهرولة والعودة لأحضانهما و قال بنبرة واثقة: دول أهلك دلوقتي... خليكي ف ضلهم .... و صلتنا عمرها ما هتتقطع دي خلاص اتوصلت العمر كله ...

كانت تنظر اتجاه والديها بعتاب ولكن يتخلله الرضا عن وجودهما إلى أن أدارت وجهها نحو فريد وهو يوصيها : سلمي لي ع إيمان يا بنتي و قولي لها وحشتي فريد قوي... سامحيه ...

انتبهت للجهة الأخرى على صوت نداء والديها فابتسمت و عندما التفت للرجل ثانية كي تسأله عن علاقته بالمذكورة في حديثه ، وجدته يحمل الصغيرة المجاورة لهما و يرمقها بنظرة اطمئنان و لوح مودعًا وهو يعود للوراء و تبتلعه إحدى الزوايا المظلمه من خلفها ، شعرت بالخوف يتسلل لأوردتها فانطلقت دون تفكير صوب مأمنها و ارتمت داخل حصن احتوائهما ...

وهنا كانت تفتح عينيها ببطء لتستمع أصوات عدة تخترق أذنها ، فأبيها وحازم يتبادلان السؤال للطبيب أيمن عن حالتها و هم يقفون بجانب باب الغرفه،و والدتها المنتحبة تجلس من جهة، والجهة الاخرى والدة زوجها المشفقة عليها والتي هتفت بعدم تصديق فور أن رأتها تحرك أهدابها: 
حنين .. سمعاني يا حبيبتي؟؟.. انتي فوقتي ؟؟

اعتدلت ناديه تقبل جبينها و تمسك يدها و تقول : 
ردي حبيبتي.. ريحي أمك يا حنين ...بليز قومي يا بنتي ..

نظرت لها حنين دون رد ثم اعتدلت بمساعدة السيدتين وهي تستمع لصوت والدها المتسائل : 
انتي كويسه يا نونه .. دقايق حبيبتي و عربية المستشفى تبقى هنا ... لو تعبانه اتحرك بيكي فورا ..

أيمن متدخلا: صدقني يافندم مافيش داعي... زي ما قلت لحضرتك ده مجرد هبوط مفاجئ في الدورة الدمويه ....و انا اديت لها حقنه ساعدت على أنها تفوق 

ثم أكمل بمزاحه المعتاد كي يخفف شحن الأجواء من حوله : انتم بس اهتموا بأكلها .... يعني بطه بلدي محمرة بالسمنة على كام فرخة حلوين.... و شوربة كوارع.... على محاشي ... شوية حاجات من اللي قلبك يحبهم دول ... قوم يجي لها سكته قلبيه من كميه الدهون دي..... لأن حلوياته مش هتتحملهم.... و ماتكلمونيش وقتها اعملوا لها غسيل معده علطول هههههه 

رمقه كرم بنظرة مشمئزة ولم يعلق على ما اعتبره سخافة بغير وقتها ، وحازم دفعه بغيظ لخارج الغرفة وهو يقول صاكًا على أسنانه: ده وقته يا أيمن الزفت ..اصبر عليا ده أنا هحلي أيامك بالهباب على حلويات اللي كل شويه تقولها دي يا زفت ...

أيمن بخوف مصطنع: ليه كده يا أبو نسب .. ده انا كنت بفك القعده .. وبعدين ده انا قلت حلوياته .. الهاء دي عايدة عليك يا صاحبي والله .. انت ساقط عربي يلا و لا ايه 

زفر حازم بضيق ونظر للأعلى بنفاذ صبر : بالله عليك يا أيمن مش وقتك بجد ... سيبني اشوف المصيبه دي هتخلص ازاي 

أيمن بجديه : مصيبة ايه يابني .. والله مراتك كويسه ده ضغطها وطي وعمل هبوط مش اكتر 

حازم : الموضوع اكبر من كده ... هبقى احكيلك بعدين ... انا تعبتك معايا ... تسلم يا غالي 

أيمن بملاطفة : لا يا أبو نسب ماتقولش كده تحت امرك يا عم .... انت بس ارضى عليا ...

حازم : تس... قطع كلمته و هو يسأل : ولا .... ايه حكاية أبو نسب اللي ماسكها من ساعة فرحي دي .. هو في ايه ؟؟

أيمن بتسويف : بص مش وقته عشان الدنيا اللي عندك ... احنا نكلم عادل و نتقابل باليل على بعد ١٢ ضروري .. انت تحكي ... وانا اقولك ايه الحكايه... تمام 

حازم بريبة: هو مش تمام قوي بس ماشي لما نشوف ايه آخر اليوم ده ..

أيمن باستئذان الرحيل : انا همشي انا دلوقتي و هبقى اكلمك اتابع معاك ....محتاج حاجه 

حرك حازم رأسه بالنفي و قال : تسلم يا عم 

تقدمه ليفتح باب المنزل في حين لمح أيمن هنا تلوح له إشارة له ليهاتفها، أومأ بهدوء و تحرك خلف حازم الذي ما إن ودَّعه حتى عاود للصمت المخيم على الجميع بغرفته و الجميع ينظر لحنين التي لا تعطي أي رد فعل ، و ما كسر هذا الصمت هاتف كرم الذي رأى الاسم و طلب من حازم اصطحابه للخارج كي يرد ....

و المتصل كان مرام فرد كرم : مرام ... مش عاوز اسمع اي تفاصيل عن الشغل ... و ألغي كل مواعيدي النهاردة

لفته صوت مرام الباكي : مش بتصل عشان كده يا كرم بيه .. أستاذ ناجي وابنه عبدالله عملوا حادثه.... وانا ف المستشفى مع إيهاب و محتاجين حضرتك ضروري 

كرم بوجل : انتي بتقولي إيه.. ناجي اخويا وابنه .. مستشفى ايه يا مرام بسرعة ..

أخذ العنوان وتحرك في التو و معه حازم الذي سمع حديثه السابق ، وأبى أن يتركه في هكذا موقف بمفرده ، و فوراً كان اثنيهما يتحركان صوب المشفى........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بذاك الرواق الطويل كان يقف إيهاب في حالة يرثى لها أمام غرفة العمليات حيث يرقد أخوه ، ملابسه ملطخة بالدماء أثر مساعدته في نقل ذويه لداخل المشفى ، رأسه محنيه أرضا كمن أنهكته الصدمة ، ينتظر أي خبر عن عبدالله ...

ومرام كانت تجاوره و لسانها يلهث بالدعاء لأجله، فهي أول مَن علم بالحادث حين هاتفت إيهاب مصادفة ووجدته وحيداً على تلك الحال المزرية ، فصدمته التي لم تكن لحاجه للملاحظة ، و صوته الخارج بشق الأنفس متصدعًا من بين أنفاسه أثناء إخبارها ، جعلاها دون أدنى تفكير تتوجه له تاركة كل ما تفعل فقط لمؤازرته ....

بخطى متعجلة اقترب كلُ من كرم و تلاه حازم ووقفا قبالة الآخرينِ ، وتكلم الأول مستفهمًا بقلق : 
إيه اللي حصل يا إيهاب .. ناجي وعبد الله جرالهم حاجه؟؟ 

رفع إيهاب بصره لعمه بنجدة ، ولم يتحدث فقط مط شفته السفلى للأمام دلالة على عدم إدراكه مع رفعه لمنكبيه و هبوطهما بانهزام، فتحدثت مرام عوضاً عنه بنبرة متأثرة : عبد الله في العمليات ولسه محدش خرج ولا طمنا ... و أستاذ ناجي حاطينه تحت الملاحظه دلوقتي ... هو حتى الآن عنده كسر في ايده واتجبست مع ردود و كدمات في باقي جسمه

كرم بتعب : ربنا يستر وتعدي على خير 

كان حازم ينظر لمرام بغرابة و استفهام عن وضع وجودها الحالي مع إيهاب، وعند سماعه لكلمات كرم تدخل مقترحاً وهو يشير جانباً: طب تعالوا اقعدوا على الكراسي دي لحد ما يطلع حد من الدكاترة ولا التمريض وإن شاء الله خير...

لم يتحرك إيهاب من موضعه قيد أنملة فهو كأنه مفصول عما يدور من حوله لا يريد أن يسمع سوى صوت فتح ذلك الباب اللعين، ومرام ظلت بمكانها لا تريد تركه...

أما كرم فتحرك باتجاه أقرب مقعد وجلس عليه بتعب ، فكل ما يحدث الآن يذكره بلحظة محوها مستحيل مهما حاول نسيانها ، جاوره حازم في صمت دام لما يقرب من الساعة والنصف ، حتى خرج الأطباء و الجهد بادي عليهم ومعه كل علامات الأسف أيضا ، أول مَن استقبلهم إيهاب و مرام و خلفهم وصل كرم وحازم ليستمعوا إلي صوت الطبيب باعتذار : احنا حاولنا ننقذ الحالة بكل الطرق .. بس للأسف دي أعمار و بيد الله ... شدوا حيلكم... البقاء لله

رحل الطبيب ومساعديه تاركاً الجميع بين الصدمة و الشفقة و الوجع و الحزن ، نظر إيهاب لمرام الباكية بعدم فهم و ردد بصدمة : هو قال ايه ... هو بيقول اخويا أنا مات .. 

نقل بصره بين الوجوه المتجهمة المكسوة بالألم من حولة و هو يؤكد بتقطع وهو يعيد بالكلمات كأنه يحاول فهم أبجديتها و الدموع تحرجت بعينيه آبيه للخروج: هو .. هو قال عبدالله ناجي عثمان ... عبد الله اخويا مات

بدون تردد ولا مقدمات أخذه عمه بداخل أحضانه يواسيه يحاول إمداده بالجلد وهمس في أذنه بعزم : إيهاب... فُوق ... أمر الله و نفذ يابني ... ابوك دلوقتي مالوش غيرك ... وأنا معاك ... شد حيلك حبيبي... شد حيلك

تمسك إيهاب بأحضان كرم ثم أغمض عينيه بوهن و انكسار يستدعي الهواء من حوله بعد شعوره بخلو المكان منه ، و مرام لم تحد بنظرها عنه ، تذرف الدمع و داخلها يتمزق لأجله ، تود لو تخبأه بداخلها و تمحو هذا الكم من الآلام التي حتماً تنهش بأحشاءه الآن ، و أيضاً لأول مرة يرمقه حازم بنظرات مشفقة ، فهو أكثر من مقدر لحالة إيهاب الحاليه، وكيف لا وقد مرَّ بسابقتها مع أغلى الغوالي ، أب كان له السند ، وخال كان له صديق محب ، و حبيبة عاش سنوات على ذِكرَاها يظنها ميتة ، و مفاجأة وجودها أعادت لروحه الحياة ...

تقدم حازم نحو إيهاب منحيًا جميع الخلافات السابقة جنباً ، و كعادة أبناء البلد مدَّ يده يربت على كتفه بمؤازرة وقال برجولة للذي اعتدل يناظره: البقاء لله يا ايهاب... ربنا يصبركم.... اصلب طولك عشان ابوك .. وانا معاك ف اللي تحتاجه

رد إيهاب بصوت متحشرج حزين : ونعم بالله 

ثم وجه حازم بصره لكرم و هو يسترسل بأسف : البقاء لله يا كرم بيه... شد حيلك ... ربنا يجعلها اخر الأحزان 

اومأ له كرم بأسى و نطق بـ: امين ... ونعم بالله .. 

فعاد حازم للحديث بسؤاله: طيب أروح أنا اخلص الإجراءات على ما انتم تطمنوا على ناجي بيه و تشوفوا هينفع تبلغوه ولا لا؟؟ عشان نلحق الوقت و نشوف هيطلع ف كشوفات وفاة النهاردة ولا ايه ؟؟ ... ما هو برضه اكرام الميت دفنه

أجابه إيهاب: ماعتقدتش هنقدر ندفنه النهاردة لان اكيد بابا مش هيقدر يخرج ... نظر لعمه بمغزى واكمل : ده غير ماما لسه ما تعرفش ولازم نبلغها... من حقهم يودعوا ابنهم لآخر مرة 

أومأ كرم لايهاب بفهم و أيد حديثه بقوله: مافيش مشكله اللي يريحكم يا بني ... احنا نخليه ف التلاجه لحد بكرة مثلا نكون رتبنا أمورنا 

حازم باستسلام: اللي تشوفوه

تحرك الجميع متجهين نحو الغرفة الراقد داخلها ناجي كي يطمأنوا عليه ، و يجدون طريقة لاخباره بهذا النبأ المؤسف والذي مؤكد سيعتصر له قلبه وجعًا .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و بمنزل حازم بالسيدة زينب ...

كانت ناديه بالصالون بعدما تركت حنين تستريح حين شعرت باحتياجها للراحة وعدم الحديث ، وما طمأن قلب ناديه قليلا استسلام حنين داخل أحضانها بل وشعورها باحتياجها له ...

أتت إيمان من الداخل بعدما استأذنت من نادية مسبقاً لتعد لها واجب الضيافه، و توصي ابنتيها بالاطمئنان على حنين المستلقية بغرفة أخيهما ...

وضعت ما بيدها و جاورتها قائلة : اتفضلي يا حبيبتي..

أومأت ناديه مجاملة بصمت من وسط نظراتها الشاردة و عقلها الغارق في أفكاره ، لتفتح إيمان الحديث تؤازرها بعدما رمقتها بنظرات متعاطفة : ماتقلقيش... هتعدي ... ديتها بس تهدى و تفكر...هتقدر و تحط لكم ميت عذر .. هي بس الصدمة كبيرة عليها و من حقها.. أنا اللي اسمي غريبة و مصدومة ما بالك هي؟؟

نطقت نادية بصوت حزين وهي تحرك رأسها بعلم و قد تملك منها الوجع : عارفة.... بس برضه صعب علينا احنا كمان... احنا حياتنا كلها اتقلبت

أكملت و هي تسبح بنظراتها في الفراغ : تعرفي.. انا طول الوقت عايشه في قلق من اللي عملناه و من العواقب 

استرسلت باختناق و الدمع بدأ يتسلل لوجنتيها : 
دايما حاسة أنها هتبعد عني تاني ...كنت بترعب لما من أي حلم تحكيه ليكون رابط بالماضي و يصحي اللي موتناه.. و بخاف لو حد لمح بأي طريقة على إن في حاجه ف حياتنا غلط .. أو لو اتكلم على وقت مرض بنتنا قدامها.... 

زفرت تخرج هواءً مثقلا بالألم و أكملت بإفصاح عن مكنون قلبها : كرم كان دايما يطمني ... بس قلبي كان بيقول لا ... رغم أن نيتنا كويسه.. بس غلطنا .. وأكيد ده ليه حساب...

نظرت لها و بررت : احنا ما كناش عاوزين نأذيها .. احنا بس كنا بندور على العوض .. و حاولنا نقدم لها كل اللي نقدر عليه و الله عشان نقدم لها مستقبل أحسن....

عادت ببصرها للأمام و هي تكمل : عمري ما تخيلت أن ممكن تكون دي الطريقة اللي تعرف بيها 

أشارت لنفسها و تحدثت بمرارة مطعمة بالندم : انا .... تعرف مني أنا... و صدفة .... عمري ما اتمنيت تتوجع كده .. وبسببي... 

أغمضت عينيها بقهر تعيد ما حدث بعقلها مع فيضان العبرات من عينيها كالسيل ، تأمل محو ما كان من ذاكرة الجميع ، و إيمان كانت تنظر لها بتأثر فقد رق قلبها لتلك الأم كثيراً ، تقدمت بجسدها للأمام قليلا مقتربة منها ، ثم ربتت بيدها على كتفها بمواساة و تحدثت ببضع كلمات حانية :  اهدي يا حبيبتي كده ووحدي الله... كل اللي حصل ده مقدر ومكتوب وأكيد ربك ليه فيه حكمة ...

و حاولت طمأنتها ناصحة : انتم برضه عملتوا فيها معروف ... زرعتوا فيها الخير و كبرتوها و ربيتوها وخليتوها ست البنات ... و هي اكيد عمرها ما تنسى لكم ده ... حاولوا بس الفترة دي  تفضلوا حواليها و تحتوّها و معلش اتحملوا معاها شويه ... 

حولت نادية بصرها نحوها و ردت: تفتكري ممكن تسامحني... انا ماعنديش مانع افضل معاها علطول... و ما سيبهاش لحظه لو ده يخليها ترجع و تنسى... انا أصلا مش عاوزاها تفارق عيني..

أكملت إيمان بتأكيد مقترحة بنبرة حماسية: افتكر و نص كمان و هتشوفي ....و أنا برضه هستنى تفوق بس كده و هتكلم معاها .. وحازم كمان هخليه يكلمها .. واحنا من ناحيه وانتم من ناحيه لحد ما واحدة واحدة تعدي الموضوع و ترجع زي الاول و كأنها ما سمعتش حاجه خالص.. الحكاية مسألة وقت مش اكتر..

نادية بشك :  حازم هيساعدنا؟؟ هه يااااريت... ده اول حاجه عاوز يعملها أنه ياخدها مننا ... انتي ما سمعتيش قال ايه لكرم لما عرف بهروب حنين .. و اديكي شفتي رد فعله عندكم هنا...

ابتسمت إيمان و اجابتها: لااااا ... اطمني أنا ابني مافيش ابيض من قلبه ... هو بس وقت عصبيته ما بيعرفش هو بيقول ايه ... لكن وقت الجد هتشوفي تصرفه... خصوصا بقى أن دي مراته .. و عمره ما يتأخر عن اللي يريحها .. وانتم أوله وآخره ليكم عليها حق الربايه امال ايه ده اللي ربى خير من اللي اشترى

أومأت ناديه و قالت بخفوت :  اتمنى ... لأن أكيد تأثيره على حنين هيكون مهم ...

تذكرت كلماته السابقه عن أنها هديته العائدة بعد سنوات و سألت باهتمام : انتي ما تعرفيش حازم يعرف حنين قبل كده ولا لا؟؟ 

ايمان بغرابة : يعرفها قبل كده !! ..مافتكرش انا حازم كان شايل موضوع الجواز ده من دماغه و عمر ما كان عنده علاقات زي الشباب دائما بيخاف ربنا و كمان عشان اخواته ... 

أخبرتها مازحة : ما تشقلبش حاله إلا من بعد ما ساب شغله و اشتغل معاكم و شاف حنين بدأ يبان عليه بقى و نطق... هههههههههههه 

ابتسمت نادية بسمة هادئة لتجاري ذوق تلك السيدة التي تحاول جَبْرِها بشتى الطرق ، و إيمان أخذت ما وضعته على الطاولة الصغيرة أمامهما من قبل و قالت : يلا بقى اشربي عصير الليمون ده يهدي أعصابك كده و سلميها لله و كله هيتحل ...

تناولت نادية الكوب منها و لكن تركته ثانية بعدما استمعت لرنين هاتفها الذي تحركت و ألتقطته مجيبة على زوجها : الو .. فينك يا كرم 

كرم بحزن: أنا ف المستشفى يا ناديه.. ناجي و عبدالله عملوا حادثه وكان لازم أكون جنب إيهاب 

ناديه بفزع: يا خبر حادثه .. طب طمني كلهم كويسين

اخبرها كرم بتحشرج متألما : ناجي عنده كسور و تحت الملاحظه ... و عبد الله مات للأسف 

شهقت ناديه بعدم تصديق و كفها وضعته على وجنتها في حركة لا إرادية ثم تمالكت حالها لترد بـ :
البقاء لله يا كرم.. انا جاية لك حالا مسافة الطريق.. من فضلك بس ابعت لي لوكيشن 

كرم بنفي: ماتسيبيش حنين خليكي جنبها ... احنا أساساً لسه مبلغناش ناجي ولا راويه وغالبا هيستنى في التلاجه النهاردة ..

ناديه بدموع : متأكد أنك مش عاوزني معاك ؟؟ ازاي عاوزني اسيبك لوحدك في الظرف ده ؟ 

كرم بحسم : ايوة  متأكد ومن فضلك مش وقت نقاش ... لانت نبرته قليلاً ليهدئها: اطمني حازم معايا ومش لوحدي ... اهدي بس و انا لما تخلص الإجراءات هبلغك اكيد ... المهم خليكي عندك وانا شويه و هبعت لك عربيه تاخدك انتي وحنين على البيت ... اوك 

ناديه بعدم طاقه : اوك اللي تشوفه

أغلقت الهاتف و عادت تجلس جانب إيمان و هي تبكي بشدة ، لتسألها الأخيرة باهتمام: بتعيطي كده ليه هو حصل حاجه ؟؟

قصت ناديه ما بُلْغَت به و الذي استقبلته إيمان بتأثر و قامت بتعزيتها و إلقاء بعض الأدعية محاولة تهدئة ناديه ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما بداخل كافيتريا المستشفى ....

بينما جلس إيهاب أخيراً على إحدى الطاولات بعد أن ألحت مرام عليه كي يسترح قليلاً حتى يطمئن على حاله والده ويستطيع إخباره بما حدث لشقيقه الأصغر ...

كانت مرام تتأمله بعينين يفيض منهما الاحتواء.. تتمنى لو يحق لها إخفائه داخل ضلوعها لتهدهد روحه وتمتص كل ما به من أحزان ...قلبها ينبض متألما على حالته الرثه أمامها ... مَن كان ينشر البهجه والبسمه بمجرد رؤية بشاشة وجهه وهيأته... الآن يقطر الحزن من ملامحه ....ويصرخ العجز من بين مقلتيه....

تحركت نحوه وبيدها كوب قهوته المفضله مع شطيرة صغيرة و بالمثل لها ...جلست بمواجهته وضمت يده  باحتواء و تحدثت بنبرة مهتمة حانية : إيهاب ...حبيبي ممكن تاخد القهوه مع الساندوتش الصغير ده... انت ما اكلتش حاجه من الصبح ... ومحتاج تكون فايق ومركز 

كم أعجبه اهتمامها ومواساتها... كم أحب ما تغدقه عليه من حب صافِ مذ عرفها ....كم أحب مساندتها له وعدم تركه وحيداً ... كانت كحائط أمان يستمد منه المؤازره ...وربتتها الحانيه تلك لم تكن على يده بل على قلبه المنهك من شده الوجع...

رفع نظراته المنكسره لها وخرج صوته ببحه ضعيفه متعبه: ما ليش نفس يا مرام ..شكرا 

مرام بإصرار يشوبه بعض المزاح : ما ينفعش كده انت ماكلتش حاجه من الصبح و اليوم لسه تفاصيله كتير لازم تبقى واقف على رجلك عشان باباك على الأقل ... و بعدين انا جايبه لك حاجه بسيطه و كمان هاكل معاك و هفتح نفسك .. ولا أنا شكلي يسد النفس بقى ولا ايه ؟؟

أفرجت شفتيه عن بسمة باهتة و لم يزد من رفضه كي لا يتعبها أكثر يكفي وقوفها جانبه من بدايه الحدث فرد أثناء أخذه الشطيرة منها : بالعكس ما تقوليش كده ... انتي اجمل شخص القدر بعته في حياتي ... حاضر بس يلا ابدأي معايا

و أثناء تناولهما الشطائر صدح رنين هاتف مرام معلنًا عن اتصال حازم بها أجابته مسرعة تحت انتباه إيهاب  : ايوة يا حازم في حاجه حصلت ؟

حازم باقتضاب : ناجي بيه فاق و أخوه دخل له قولي لايهاب و تعالوا

مرام و عينيها مسلطتين على الماكث أمامها: اوك يا حازم جايين حالا 

و بالفعل تحركا متجهين لغرفة ناجي و عندما وصلا وقفت مرام خلف إيهاب تنتظره أن يفتح الباب في حين كان إيهاب يشعر بالبرودة تسري في أوردته فنظر لها يلتقط بعض الدفء منها لتبتسم له بسمتها الهادئة و تحرك رأسها مشجعة إياه و قالت بثقة : انت تقدر يا إيهاب انت ووالدك محتاجين بعض اكتر من اي وقت 

عبأ رئتيه بأكبر قدر من الهواء ثم زفره على مهل و هو يخطو بداخل غرفة والده المسجي بتعب والكدمات تغطيه مع قيد أبيض يلف ذراعه و بمواجهته كان كرم  يبلغه بأسى خبر وفاة عبد الله و يواسيه بعدما لم يستطع الكذب بعد إلحاح ناجي في سؤاله عن ولده الصغير ...

كانت الصدمة جلية على ملامح ناجي حين رفع عينيه التي أفرجت عن دمعها فور رؤيته إيهاب الذي هرول لوالده يحتويه قائلاً في أذنه بصوت متهدج : أرجوك يا بابا قوم أنا محتاجلك قوي .. خليك جنبي

أغمض ناجي عينيه بألم ينهشه الذنب تجاه ولديه فردد بتعب : لله الامر من قبل و من بعد

شعر كلا من حازم و مرام بخصوصية اللحظه فانسحبا تاركين المجال للعائلة 

اقترب حازم من مرام و قال : محتاج اتكلم معاكي يا مرام 

مسحت مرام دموعها المتأثرة بما حولها و ردت : اكيد يا حازم انا سامعاك اتفضل

حازم معلقاً بنصح : انا ملاحظ إنك متعلقه قوي بإيهاب يا مرام ... ماسيبتيهوش لحظه من الصبح .. وواضح برضه إنك أول حد هو اتواصل معاه ... ايه الحكايه فهميني ...أنا زي عادل و خايف عليكي

مرام : انا مقدرة اللي بتقوله يا حازم و فاهمه خوفك بس احب اطمنك انا و إيهاب ف حكم مخطوبين انا معرفه ماما و عادل و هو طلب يتقدم لي من يوم كتب كتابك انت و حنين بس ظروف سفر والدته المفاجئ و تعب أخوه عطل الدنيا لكن هو فاتح أهله و اهلي و كان هيجي آخر الأسبوع الجاي بس اديك شايف اللي حصل 

حازم : وانتي شايفه أن هو الشخص المناسب يا مرام .. متأكدة من حبه ليكي و إنك مش مجرد لعبة مثلا أو سد خانه

مرام بثقة : لو انت بتثق ف رأيي يا حازم احب أكد لك أن إيهاب بيحبني بجد يمكن اوقات كنت احس بلغبطته و تقلباته بس ده في الاول بعد كده كل ده اتغير و اعتقد مافيش دليل اقوى من أنه هيتجوزني

حازم بشك : اتمنى يا مرام يكون احساسك و كلامك صح ... قلبك غالي و ما يستاهلش غير اللي يصونه....عموما انا لسه قايلك إني اخوكي الكبير و طبعا لو احتجتيني في أي حاجة انا ف ضهرك 

ابتسمت مرام بامتنان و قالت : ده كده كده من غير كلام ..... ثم أردفت طالبة : من فضلك يا حازم خليك جنب إيهاب الفترة دي و أكسبه هو شخص طيب و يعني لو على طريقته في بعض الأوقات زي يوم السهره إياها ده لانه بيخاف على حنين زي أخته لأنهم متربيين سوا و هو خلاص اتأكد أنك بتحبها عشان خاطري قرب منه هو بعد أخوه اكيد هيحتاجنا كلنا

اومأ لها حازم بالموافقة و رغم أن داخله لا يقتنع بأن إيهاب كان يعامله كأخ يغار بل في أعماقه ما هو أبعد و لكنه رأى أيضا تغييره في الفترة الأخيرة و الأهم أن حنين معه  زوجته و قد أغلق جميع الأبواب لدى الجميع باقتناصها ، فجاء رده على طلبها بشهامة: 
هحاول أقرب منه عشان خاطرك يا مرام .. و بالنسبة لموضوع أخوه انتي عارفه أكيد مش هنسيبه طول فترة العزا لحد ما يشد حيله احنا برضه في بينا نسب

وقف حازم إلى جانبها منتظراً مَن بالداخل و تعامل بطبيعيه فلم يفشي سر حنين حتى تستقر الأمور و تتبين كل الحقيقة وقتها سيجلس مع كرم و معها كي يحددوا الأنسب في هذا الأمر 

أما إيهاب الذي كان يسير بالممر متجهاً للطبيب فقد تضخم قلبه بعشق تلك الرقيقة مرام بعد سماعه لحديثها مع حازم و دفاعها عنه من خلف باب الغرفة عندما كاد أن يخرج ليأتي بالطبيب كي يعلم إن كان سيمكن إخراج والده بهذه الحاله أم لا ، يحمد الله في سريرته على عوض ربه له ، فوجودها بمحض الصدفة في طريقه كان سبباً في جبر قلبه و خروجه من نفق مظلم دفعته الغيرة العمياء داخله ، وحدها مَن  أعانته على التخطي دون حتى أن تعلم ، وحدها مَن ساعدته كي يستطع المضي قدماً في حياته ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و مع بداية ساعات الليل بحي السيدة زينب...

= اتفضل 

كان هذا صوت حنين الخافت بعدما اعتدلت بتعب تسمح للطارق بالدخول و القادم كان چنا التي دلفت بهدوء و اقتربت من حنين و سألت ببسمة بشوشة : 
عاملة ايه دلوقتي يا حنين

تبسمت حنين بتعب و أجابتها بصوت به أثر النوم : احسن الحمدلله... ثم نظرت لها بحرج و أردفت باعتذار : سوري على الدوشة اللي اتسببت فيها النهاردة يعني..

قاطعتها چنا أثناء جلوسها بمقابلتها على السرير ومازحتها بحب : دوشه ايه بس ده انتي ملاك بالنسبة لهنا و جنانها... لامست كف يدها و أكملت بصدق : انتي بقيتي مرات اخونا الغالي دلوقتي و فرد مننا يا حنين يعني مافيش داعي تعتذري أصلا 

استقامت بحماس تغير الحديث و بعدما رأت ابتسامة حنين الممتنة و قالت مشيرة للغرفه من حولها : قولي لي بقى ايه رايك في اوضه زوما ... انتي اول مرة تزوريها... هي طبعا رجالي قوي بس ماتعرفيش هو بيحبها و يرتاح فيها ازاي 

اتجهت بسبابتها تشير لمكتبه الخاص و أوضحت : خصوصاً بقى المكتب ده ... ده حتى ما يحبش حد يجي عنده و لا يروقه هو بنفسه اللي بيوضبه 

اتسعت شفتيها و هي تخبرها بحب : بس اكيد مش هيبقى عليكي الكلام ده 

استطاعت دون قصد إثارة فضول حنين نحو هذا المكان ، و إلهاء جزء بداخلها يتطلع لمعرفة ما يأخذ اهتمام عاشقها ، ظهر على محياها بسمة خجله و نظرت أرضا ثم رفعت بصرها لچنا تسألها : هو مين برا ؟؟

تشعر أن كلمة والدي ثقيلة لذا لم تقلها رغم عظم حبها لهما إلا أنها مازالت تحتاج مزيد من الوقت للتعافي و حينها تقرر...

چنا : ماما و طنط ناديه .. حازم وباباكي نزلوا من بدري و مش عارفه راحوا فين .. تحبي انده مامتك ؟؟ دي دخلت تطمن عليكي كتير قوي بس انتي كنتي نايمه..

ثم تحمحمت لتكمل حديثها بحكمة : احم  ... حنين لو في مشكلة مع أهلك.. يعني ... اسمعيهم هما اكيد عاوزين مصلحتك و بيحبوكي .. خلي دايما في مساحه للتفاهم ... و اسفه لو اتدخلت بينكم بس احنا اخوات مش كده ؟؟

أغمضت عينيها حين انخفض رأسها أرضا و انزوت شفتيها الرقيقتين بمرارة ، كما عضت على شفتيها محاولة إخفاء شهقة هددت بالخروج فيبدو أن الفتاة لاتعلم شيئا مما يدور ، ابتلعت غصتها و نظرت لچنا قائلة بصدق : طبعاً اخوات .. انا فهماكي و ماتقلقيش اكيد هنتكلم و كل حاجه هتبقى أحسن 

چنا بلطف: طيب  انا هروح اقول لماما انك صحيتي و اطمنهم عليكي و احضر لك اكل خفيف و اجيلك بسرعه

اومأت حنين موافقة و تحركت چنا للخارج تبعتها نظرات حنين التي انقلبت بعدها لزاوية الغرفة حيث المكتب حاولت ألا تكون متطفلة أو أن تعبث بأشياء ليست لها دون إذن ، لكن الفضول أعزائي الذي أُثير بنفسها كان أكبر من أن تتجاوزه ، وكأن لجسدها إرادة اقوى فوجدته يسحبها إلى ذلك الكرسي أمام المكتب ، سحبت أولا الدرج الصغير يميناً فوجدت بعضاً من الكتب الدراسية المتعلقة بدراسة التجارة و بعضاً آخر متعلق بالتنمية البشرية ، و مفكرات  فتحتها لتجد بها تخطيط لشركته الحاليه وواضح أنه حلم راوده مذ أن كان طالباً ، كما كتب بها بعض التدوينات الحماسية لشخصه ..

كانت تنفرج شفتيها لا إراديا و هي تتجول بين مقتنياته البسيطة ، ترى الأشياء وتلامسها بقلبها قبل يدها ، أعجبها أسلوبه كثيراً يبدو أنه يمتلك موهبة خاصة و يستطيع أن ينفذ بحروفه لعقل أي من سيقرأ كلماته ، و أكثر ما استحوذ على إعجابها جملة رددتها لنفسها كأنه يعلم أنها تحتاجها الآن و كانت : 

الحياة بحرٌ لا يهدأ...
أمواجه تعلو... وعواصفه لا تستأذن
لكن مَن تسلّح بالإيمان... وأبى الاستسلام
لا يغرق
بل يعبر... ويصل
وربما يجد على الضفة الأخرى
ما لم يجرؤ يومًا على تمنّيه

وضعت كل شىء بمكانه و انتقلت للدرج الأكبر أمامها فتحته بشغف متطلعة لمعرفة المزيد ، بداية استغربت وجود قفل صغير عليه ، فاتجهت تبحث عن مفتاحه بالدرج السابق و بالفعل تحت مفرشه وجدت مفتاح صغير فتح لها ذاك القفل ، وجدت ألبوم صور قديم قلَّبت بين صفحاته لترى صور رضيع ملائكي الطلة ، يليها أخرى لنفس الطفل في مراحل عمره المختلفة ، يحمل نفس الوسامة و بداخل عينيه يكبر الإصرار معه ...

تركته جانباً لتجد عدة أوراق مرسوم بداخلها يدوياً رسمة له و معه آخر قد يكون والده ، و أكثر من رسمة لفتاة ملامحها تبدو قريبة ولكن أعمارها مختلفه و عينيها فقط الملونه وسط الرصاص و الغريب أنها تمتلك نفس لون عينيها المميز ، دبت الغيرة أوصالها فهذه رسومات قديمة ، ترى بمَن كان يفكر و يرسم؟؟ ، أيمكن أن تكون ابنة خاله المتوفاة لطالما سمعت عن قرب علاقته بها ، لكن مهلا لما تشبهها ف الملامح و العينين ؟؟ ، أهذا سبب قربه منها ؟؟ 

تركت ما بيدها لتلتقط دفتر يوميات شكله مميز مدون عليه ( طيف ملاكي ) ، و مع تقليبها داخل صفحاته كان قلبها يتقلب على جمر الغيرة ، فكم من أشعار كتبت يتغزل فيها بملاكه المفقود كما سمَّاها ، كم من رفض لفكرة موتها وأنها حية بداخله إلى أن يحن اللقاء فمثلا وجدته يقول : 

يقولون افترقنا لكنَّ القلب مسكنكِ
فنبضي هواكِ و أنا لولاك كالعدمِ

وأخرى يحتويها قلب داخله مدون :

كل ما أحببته صرت أعشقه
كيف لا و قلبك بات بين أضلعِ

و صفحه كتب فيها بلوعة : 

اه يا وجع أيامي... مالكة قلبي لطفاً عودي لأحلامي...هجرك أماتني ... فأحيّ صريعكِ بنظرةٍ ... بكلمةٍ .... بنداءٍ لاسمي بصوتك الحاني...

أخذت تقلب و قلبها يدمي مما يقرأ تشاركه عينيها البكاء ، فكلماته مؤثرة و تعبر عن عشق مستحيل أن ينسى ، إذن فمن تكن هي بالنسبة إليه ؟؟؟ ...

جحظت عيناها بذهول عندما توقفت عند تلك الصورة الموضوعة بمنتصف الدفتر ، كيف؟؟ هي؟؟ إنها هي حينما كانت طفلة؟؟ ، ما أتى بها جواره ، لاحظت كلام مكتوب خلف الصورة وهي تضعها أمامها ( ريم ملاكي...   
                      معا للابد.....  
                               زوما يحب روما )

قلبت الصورة تمعن النظر فيها وعقلها مكوك يعمل بكل الاتجاهات ، هي لا محالة ، أيمكن ألا يعرف احد نفسه ، وضعت منكبيها على المكتب بانهاك ، ويديها حاوطت رأسها في محاولة استعطاف لتهدأ من ذلك الفوران ، أخذت نفساً و زفرته بتمهل تحاول ربط الأحداث ببعضها ، رويدك حنين ، أنتِ لست ابنه كرم عثمان ، حلمك الدائم و زائرك هناك ، زهول حازم و اقترابه مذ اول لقاء ، حمايته و حبه الظاهر بعينيه ، شعور الألفة المتبادل مع والدته وأسرته  ، وأخيرا حلمها بذلك الفريد ووصيته لها ، إذن أنا .....

طرقات خفيفة فوق الباب جعلتها تستفيق و تلملم الاشياء سريعا ، ثم نهضت تعدل هيأتها و تمسح دمعها وبعدها سمحت للطارق بالدخول ...

دخلت نادية تلاها كرم وحازم اللذان وصلا توا و صحبتهم إيمان بعدما أبلغتهم جنا بصحوها ، لاحظ الجميع إرهاقها و ربطوه بحالتها النفسية ، اتجهت ناديه نحوها وضمتها بحنو وبدأت الحديث ببكاء : 
نونا احنا مضطرين نمشي دلوقتي .. عمو ناجي عمل حادثة و عبد الله مات ولازم نكون موجودين معاهم

خرجت شهقت حنين المعدومة في حين  رفعت نادية  رأسها بين كفيها و أردفت : احنا مش عاوزين نجبرك على حاجه بس والله محتاجين لك..

انعقد لسانها و هطلت الدموع من بين عينيها في صمت ، ليتها بأحد كوابيسها ، لما لا يأتِ أحد ليوقظها الآن ؟، جاء صوت حازم حاسما بعدما رأى حالتها: 
خليها النهاردة هنا و بكرة تكون بس شدت حيلها و نشوف هي حالة تعمل ايه 

أيدته والدته : أيوة يكون أفضل.. اكيد كمان جو الحزن اللي هيكون موجود هيزود تعبها .. خليها و الصباح رباح ما تقلقوش دي في عيوني و اهو هنا بيتها و هناك بيتها ...

راقب كرم الوضع بثبات ، كان واضعاً يديه داخل بنطاله ، ينظر نحوها بشفقة و عيناه كانت ترجوها رجاء مخفي بالعودة معهما إلا أن نبرته الرزينة قالت : 
محدش هيضغط عليها أكيد... هي واثقة أن مصلحتها عندنا قبل كل شئ 

وجه حديثه لزوجته بعدما اقترب منها يحتويها كي لا تنهار من ترك حنين بهذا المكان : يلا يا حبيبتي... بكرة نيجي تاني ... سيبيها على راحتها النهاردة 

لم تتفوه بحرف بل زادت من احتواء حنين بين أحضانها ثم نظرت لكرم و امتثلت لقراره و قبل أن بخطوان خارج الغرفة سمعا صوت حنين المبحوح : استنوا 

التفتا لها ملهوفين فقالت : أنا جاية معاكم .. عمرنا ما بعدنا عن بعض وقت الوجع ... تفتكروا هعرف اسيبكم في الوقت ده ..

ناديه بنبرة سعيدة لم تستطع كبحها : نور عيوني احنا عمرنا ما هنبعد أبدا.. يلا احنا مستنينك برا 

خرج الزوجين و تبعتهما إيمان مفسحين المكان للعاشقين بعدما لاحظوا  نظرات حازم وحنين لبعضهما ، اقترب حازم بهدوء و حاصر ذراعيها بين يديها و تحدث بحنو : متأكدة انك عاوزة تمشي معاهم دلوقتي .. هتقدري ... انا مش هسيبك لوحدك كده كده و هبقى عندك من الصبح بس لو حاسة بتضغطي على نفسك بلاش 

صوبت حنين نظرتها داخل عينيه بسهام الخذلان و التساؤلات اللا متناهيه و هي تعقد يديها أمام صدرها بضيق ثم خرجت كلماتها مبطنه : 
هما عمرهم ما ربوني على اني اتخلى عن القريب مني وقت وجعه... ولا عودوني ألف و أدور على اللي بتعامل معاهم .. الناس اللي برا دي ربتني اكون واضحة زي الشمس و صريحة ماكذبش لأي سبب فاهم يا.....زوما

عقد حاجبيه بعدم فهم مبتعدا خطوة ثم سأل: مش فاهم يا حنين ياريت تفهميني بتتكلمي ليه كده وقصدك ايه 

أخرجت المفتاح الصغير من جيبها وامسكت يده واضعة المفتاح بقوة و قالت : خد مفتاح مكتبك يمكن يفهمك انا عرفت ايه ...

امممممممممممم

خرجت منه وهو يومأ برأسه متفهما ، ثم أغمض عينيه ساحبا قدرا من الهواء واقترب منها بخطوات لا تبشر بخير  تحت رجوعها للخلف وهي تمثل الثبات لكن اهتزاز حدقتيها أوشيا بها ، و فجأة كان ظهرها للحائط و جسدها حبيس بين يديه ، و نبرته انخفضت كثيرا و هو يهمس : بصي عشان نقفل الموضوع قبل ما يتفتح لو مين ما كان على الكوكب فكر أنه يبعدني عنك مش هيقدر ... حتى لو انتي مش هسمح لك مع أن رغباتك أوامر عندي ..  بس ده لا والف لا يا روما ..

جحظت عيناها من تأكيده وهو لم يعطها فرصة بل زاد من اقترابه حد الخطر وأكمل : أنا عارفك و حسيت بيكي من أول نظرة ومن قبل ما تظهري و انا قلبي دلني عليكي ... وكنت ناوي يبقى في قعدة عقل و نتفاهم انا وانتي براحه ... بس  تلميحك ما ريحنيش فاسمعي الحقيقة بقى واستوعبي على مهلك وانا معاكي 

وضع يده أسفل ذقنها يرفع وجهها له مستطردا : انتي ريم فريد بنت خالي و حب عمري و مهما كان اللي حصل و مهما اتغيرت الأسامي انا قلبي على عهده ليكي من يوم ما اتولدتي ... من أول نظرة و ربنا زارع حبك ف قلبي و جذورك جوايا كبرت ويوم بيوم معايا و عمرها ما تموت ... أنا بحبك .. بحبك

سكت الكلام بينهما و ذابت بين يديه عندما خطفها لدوامة عشقه الجارف ، و رغم جهلهما كونها أول قبله لاثنيهما إلا أن القلوب هي من ألتحمت قبل الشفاه لتعلن عن سكنها و سكينتها عندما وجدت أخيرا طوق النجاة.....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و بالأعلى فوق بناية حازم أمام غرفة الرياضه....

صعدت هنا بخفة دون أن يرها أحد فقد علمت من أيمن بوجود عادل هناك ، و قد أخبرها بحكايته كاملة ، فقررت المواجهة و افاقته من فقاعة وهم يعش داخلها و تأكل حياته ...

بداية .. تفاجأ عادل بها و بمنتصف مواجهتهما ، و تحت اقتراب كل منهما للآخر نسى عادل المكان والزمان و أسرته جرأة هنا و سحبه ليل عيناها لفضاءه الواسع ، ودون أن يحسب حسابا لفعله ضمها لصدره رافعا إياها نحوه و اقتنص من ثغرها قبلة حياة بالنسبه له وهي لم تقدر على التملص منه فقد احكم قبضته عليها ولم يفق إلا على الصوت القوي الصادر من أحدهم ....
 يا نهار أبوك اسووووووووود
تعليقات



<>