
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحلقه الثانيه:
هاتف نصف الليل
رنّ الهاتفُ في عتمة الليلِ بصوتٍ حادٍّ شقّ سكونَ الغرفة، ليرتعدَ جسدُها وتتسارعَ دقاتُ قلبها قبيل أن تمدَّ يدها بوجلٍ وترفعَ السماعة:
"انتي فين يا هانم؟"
انحبست الأنفاسُ في حلقها، وخرج صوتُها متقطعًا ومذعورًا:
"مين معايا؟"
جاءها الصدى عبر الأثير بضحكةٍ ساخرة تحمل في طياتها الكثير من الغلّ والتهديد:
"نسيتي صوتي ولا إيه؟ هه... عزت!"
اتسعت عيناها من الصدمة، ولطمت صدرها بغير تصديق:
"عزت؟! أيوه عزت... انت طلعت من السجن امتى؟!"
ردّ بنبرةٍ ثقيلة تتطاير منها الشرور:
"طلعت النهاردة.. بقى كده يا أمنيتي؟ متستننيش وتستقبليني وأنا خارج؟ ده أنا حتى وحشني الترحيب منك!"
انسكبت الدموع الحارقة على وجنتيها، واهتز صوتها بالرجاء والمقت:
"ابعد عني يا عزت.. كفاية لحد كده! أنا عايزة أربي ابني بعيد عن البلطجة والإجرام اللي انت عايش فيه، مش عايزة أضيع ابني أكتر من كده!"
قاطعها بصوتٍ كالهسيس وهو يضغط على حروفه:
"انتي ناسية إن هو ابني أنا كمان؟ ومشفتوش من أربع سنين! وبعدين انتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ انتي لسة مراتي!"
صرخت والنحيب يمزق حنجرتها:
"أنا مش مراتك! أنا خلعنك من زمان والأوراق الرسمية تشهد على ده!"
رد بقسوةٍ وهو يطلق ضحكة بائسة:
"لا مراتي.. طالما مرميتش عليكي اليمين بلِساني تبقي مراتي! قوليلي انتي فين؟ عنوانك إيه بدل ما أجيلك وأجيبك من شعرك زي زمان عشان أفكرك إزاي تتكلمي مع جوزك!"
لم تحتمل الموقف، فأغلقت الهاتف بوجهه فورًا وهي تبكي وتنتفض رعبًا من ذكريات البطش والضرب التي طاردتها مجددًا. سقطت على ركبتيها تتضرع إلى السماء وصوتها يتقطع:
"يارب.. يارب خلصني منه، يارب احميني أنا وابني!"
بأصابع ترتجف، سارعت بالاتصال بوالدتها. وما إن فتحت خط الاتصال حتى صرخت أماني بنبرة انهيار:
"أيوه يا ماما.. هتيجي امتى؟ الحقيني!"
ردت الأم بلهفة وقلق:
"في إيه يا بنتي؟ لما خالك يتحسن شوية هجيلك، متستعجلنيش.."
قاطعتها أماني والدموع تعمي بصيرتها:
"مفيش وقت يا ماما! عزت طلع من السجن وكلمني حالا.. خايفة يعرف مكاني وياخد ابني!"
شهقت الأم بفزع وانطلقت منها دعوة حرّاقة:
"خرج؟! ياريتها كانت طلعت روحه والمخفي ده مات واسترحنا منه! هتعملي إيه يا بنتي؟"
أماني بنحيب:
"مش عارفة أعمل إيه! تعالي بسرعة أرجوكي.."
ردت الأم بحزمٍ يحاول طمأنتها رغم الخوف:
"حاضر يا بنتي، هاجيلك بكره من الفجر.. هركب أول قطر وأكون عندك. اقفلي على نفسك كويس بالمفتاح، واوعي تفتحي لأي حد مهجما كان لحد ما أجيلك."
"ماشي يا ماما.. مستنياكي."
أغلقت الهاتف وسارعت بالطواف على جميع منافذ الشقة؛ أغلقت الشبابيك والأبواب بالسلاسل والأقفال، وكأنها تحاول إغلاق منافذ الخوف عن قلبها. وبينما هي تستند إلى الجدار تحاول التقاط أنفاسها، ارتجت يدها مجددًا على صوت رنين الهاتف!
جف حلقها وارتعبت، وقفت مكانها متصلبة وهي تنظر للشاشة بوجل، قبل أن تلمح الاسم وتتنفس الصعداء جزئيًا.. إنه "ساهر".
فتحت الخط بصوت متقطع تحاول ترميمه:
"أيوه يا استاذ ساهر.."
جاءها صوته الهادئ الممتلئ بالشهامة والأخلاق:
"أيوه يا أستاذة أماني.. انتو مشيتو ليه؟ مستنتونيش ليه لحد ما أوصلكم؟"
ردت أماني بامتنان وتأثر:
"شكرا يا أستاذ ساهر، كفاية أوي اللي عملته معانا.. جميلك ده مش هنساه العمر كله، ياريت كل الناس بأخلاقك وشهامتك دي."
رد ساهر بسرعة وتواضع:
"انتي بتقولي إيه بس يا أستاذة؟ ده واجب على أي حد عنده نخوة، إحنا كلنا أخوة ولازم نكون في خدمة بعض في الظروف دي."
"انت إنسان محترم جداً، وأنا بشكرك من كل قلبي."
تردد ساهر لحظة ثم قال بنبرة ودودة:
"طب ممكن أبقى أعدي أطمن على أدهم؟"
ارتبكت أماني ولم ترغب في تحميله أكثر أو إقحامه في مشاكلها المعقدة فقالت:
"معلش.. ملوش لزوم أتقل عليك وأتعبك معايا.."
ابتسم ساهر وقال برقيّ:
"ولا تعب ولا حاجة.. بس زي ما تحبي طبعاً. المهم، لو احتجتي أي حاجة في أي وقت، رقمي معاكي متترددش تمام؟"
"أكيد.. أشكرك يا أستاذ ساهر، مع السلامة."
أغلقت الهاتف، وتوجهت بخطوات ملؤها الخوف إلى غرفة ابنها الصغير "أدهم". انحنت عليه وركعت بجانب الفراش، ثم ضمته إلى أحضانها بقوة وكأنها تستمد منه القوة وتمنحه الأمان، ودموعها تتساقط على شعره في صمتٍ مريب..
عينان شاخصتان نحو الباب، وقلب يعتصره الرعب من الآتي.. فتر ترى: ماذا تخبئ لها الأيام القادمة؟ وهل سينجح عزت في الوصول إليها، أم أن للقدر رأيًا آخر؟