رواية بين ظلال الماضي الفصل التاسع عشر19 بقلم رودينا يوسف

رواية بين ظلال الماضي الفصل التاسع عشر19 بقلم رودينا يوسف
مرّ أسبوع ظاهره الهدوء ... لكن داخله بركان ثائر فقط ينتظر لحظة الانفجار ....

دخل متأنقًا في أبهى حلة مع عطر قوي جذاب سبق خطواته و اشتمته مرام بوضوح؛ لترفع رأسها من على الأوراق أمامها ، وتنظر لإيهاب الذي فاجأها حقا ، هو دوما كان يبدو أنيقا ولكن اليوم بدا مختلفاً ..

فقد تعمد أن يظهر بهيئه خاطفة بها ملامح الترف الواضحه ؛ حتى عطره الهادئ سابقاً بدلّه بآخر أكثر قوه  وجاذبيه وتميز ...

اقترب منها بخطوات ثابتة وهو يتعمق النظر بداخل عينيها ، وقال بصوت رزين وهو يمد يده للسلام : 
ازيك يا مرام ...اخبارك ايه؟؟

وكالمغيبه استقامت من جلستها لتبادله السلام، وعينيها ينطلق منها نظرات التعجب والإعجاب معًا ، والتي كانت سابقاً تستطيع كبحه، لكن لا تعرف لما اليوم يخونها ثباتها أمام حضوره الطاغي،  ردت عليه محاولة التماسك وهو ما زال يملك يدها في يده: 
الحمد لله... اتفضل..

سحبت يدها بعدما شعرت بتلك القشعريره التي انتقلت من قلبها لجسدها مع تثلج كفيها الواضح، وقد شعر به أيضاً ذلك الماكث أمامها يتأملها لها بتفحص، وهذا ما جعله يبتسم داخلياً بغرور، فيبدو أن طريقه سيصبح ممهدا ...

جلس مقابلها وتحدث بود ورياحه:  ميرسي... بس بليز بلاش إيهاب بيه و أستاذ إيهاب والكلام ده مش بحبه..

ابتسم باتساع مما زاد ملامحه وسامة مهلكة لخافقها الصغير وقال : خليها إيهاب بس هتبقى أحلى 

ثم شملها بنظرات زيَّف بداخلهما الإعجاب وأكمل :
خصوصا لو منك طبعا

تحمحمت بخجل وتوردت وجنتاها ، ثم أجابته باندهاش: مني أنا ؟؟؟!!!!

وأكملت باستفهام متماسك:  اشمعنى يعني؟؟ وبعدين أنا على طول بنده لحضرتك كده... ايه الجديد بقى؟؟؟

رد بسرعه بديهة قاصدا كلماته كمن يرمي طعمًا ليرى نتيجته:  أنا طول عمري على فكره ما بحبش الألقاب عموما ... وأعتقد أنه بقى في معرفه بينا تخلينا نتغاضى عن الشكليات دي ولا ايه ؟؟

قطبت جبينها باستنكار بعد ما استفزتها كلماته ، و بجديه قالت مستفهمة :  معلش ممكن توضح لي معرفه اللي لما بينا دي إزاي ومن أي نوع ؟؟..يعني أنا مش شايفه غير إني سكرتيره عمك ...و إحنا هنا في مقر شغل زي ما حضرتك شايف مش أكتر من كده ...

أعجبته طريقتها كثيراً التي أوضحت أنها ليست من تلك الفتيات اللائي ينتهزن الفرص، يبدو أنه تسرع في الحكم، إذ أنه أعتقد من رد فعلها السابق أنها غُرّت بمظهره وستكون فريسه سهله ...

لاحت ابتسامه رضا عن غير قصد على محياه وقال موضحا بمزاح: سوري لو وصل لك معنى كلامي بطريقه غلط... أنا أقصد إنك شغاله معانا من فتره.. وبينا قهوه ههههه ... صحيح أنا شربتها ف مكتب عمو... بس أنتي اللي طلبتيها... ده غير العشا الأخير اللي كنتي فيه مع حنين ..

وعند ذكر هذه الأمسية ، تحمحم ليستطرد منتهزا الفرصه  و قال بأسف مقترحاً : طبعا آسف على اللي حصل يومها.... يمكن السهره ما مشيتش بشكل لطيف.... بس تتعوض.... إيه رأيك لو اعزمك في المكان اللي تحبيه؟؟ واهو تتسي اليوم ده واللي حصل فيه واللي فعلا ماكنتش أقصده ...

أسندت مرام مرفقيها على المكتب و أجابته بصرامه رغم فرحتها الداخليه التي لا توصف بكلمات، إلا أن تربيتها واحترامها لذاتها وأهلها يجبرونها على قول : 
ما فيش أي داعي للاعتذار يا استاذ ايهاب... ااموضوع أبسط من كده بكتير ...وبالنسبه لوجودي في العشا مع حنين...ده كان طلبها على فكره... وأعتقد أنها فسرته لحضرتك وهي كانت حابه تريحنا كلنا بعد فتره التعب اللي فاتت ... 

اخذت نفساً عميقاً وأكملت : وبالنسبة لعرض حضرتك... أسفه جدا مش هقدر أقبله ... أنا وافقت على الخروج المره اللي فاتت لاني مش مع حضرتك لوحدنا.... لااا ده كان في حازم وده في مقام أخويا الكبير.... وكمان حنين ودي صاحبتي... ده غير إنها رئيستي في الشغل.... والبيت عندي عارفين كده كويس ومش ممانعين... لكن حضرتك تقدر تقول لي خروجي معاك وحدنا هيكون بصفتك إيه ؟؟؟ ولا أنا المفروض أقول لأهلي ايه؟؟؟

أدرك إيهاب بأنه أمام فتاه مختلفه تماماً عما رسم وتخيل، خاصة بعد ردها تلك،  فتحدث بمهادنه لتلطيف الأجواء : طب بالراحه... بالراحه ... إيه كل ده ...قولي الأول عمو موجود أو حنين ولا لسه ما وصلوش؟

ردت عليه حنين بعمليه:  لا يا فندم لسه ما وصلوش

إيهاب مكرراً : مش قلنا خلاص نتعامل عادي من غير رسميات بقى...

تنهد وقال بطلب : ممكن تطلبي لي قهوه ونشربها سوا عشان نكمل كلام على مع عمو يوصل؟؟

اومأت له باحترام وقالت:  أكيد ...دقيقه واحده

طلبت من عامل من البوفيه قدحين من القهوة ، وبعدما أغلقت وجدته يقول:  على فكره... أنا مش قصدي إني اضايقك خالص.... الموضوع ببساطه إني حبيت أعتذر لك عن المره اللي فاتت خصوصا إن مودي وطريقتي ما كانوش أحسن حاجه ....وطبعا مش انتي المقصوده ومش حابب تاخدي حتى فكره وحشه عني.... ده يهمني جدا

تلفظ آخر جملته وهو ينظر لها باهتمام ، جعلها تحلق عالياً واقتنعت سريعا بعذره ، خاصة بعد كلماته تلك المماثلة لما كررته عليها حنين مراراً عندما سألتها ، وأنه شخص مجامل لأبعد الحدود ....

لذا ردت عليه وهي تضع بعض الخصلات الشارده خلف أذنها : حصل خير...و  ما فيش داعي لأي عذر..

عادت لما قال بشأن عدم قصده إياها ، و بالتالي مقصده كان حازم فسألته بفضول : بس ليه الطريقه دي مع حازم اصلا؟؟!!

أغمض إيهاب عينيه ليتمالك حاله ، فهو لا يطيق ذكر الآخر في أي حديث، ولكن لا يجب أن يظهر ذلك فقال مبررا : لا مش قاصد بشكل شخصي يعني ...هو طريقته غريبه شويه ...فيها كِبر كده مش بحبه ...ولا بحب اللي بيتعامل بيه

ضحكت مرام برقه وهتفت بعدم تصديق: يا خبر... حازم ... أنت بتهزر أكيد ....بص أنت عشان ما تعرفوش بتقول كده ....لكن هو أبعد ما يكون عن كل الكلام اللي بتقوله ده

ايهاب انتهز الفرصة وقال بتساؤل مزيف يملاؤه الاستغراب : فعلا ...شكلك تعرفيه كويس على كده ؟؟

مرام مؤكدة:  جدا ....بقول لك ده في مقام اخويا الكبير وجاري من زمان ....وبيته يعتبر بيتنا

حرك رأسه بتفهم وقال كذبا : ما كنتش اعرف... عموما هحاول افهمه يمكن فعلا اكون ظالمه أو أخدت عنه فكره غلط 

دخل الساعي وفي يده القهوه ليضع لكلٍ منهما طلبه باحترام ثم ينصرف، و إيهاب أخذ رشفة من فنجانه وهو يدقق النظر بمرام، التي نظرت للأسفل خجلاً من نظراته المصوبة تجاهها ، وبداخلها يزداد أملا تظنه أخيرا سيتحقق....

أما هو فعقله يفكر ويعمل على خطه أقوى لجذب انتباهها  وكسب ثقتها ،حتى يتثنى له استغلالها كما يحلو له، فيبدو  أنها فتاه غير عاديه .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في داخل مكتب عادل بقسم الشرطه....

كان عادل يجلس شارد الذهن، يبحر بعينيه متأملا تلك الصغيره المشاكسة التي تنثر الحياة في كل مكان تخطوه، وتكسر معها قيوداً شيدها بإحكام حول قلبه.. 

فصباحًا كان يقف في نافذة غرفته يتصفح هاتفه بملل، ووجدها أسفل البنايه تتحدث بود ولطافه مع إحدى صديقاتها قبل أن تصعد لمنزلها ...

بدون وقت للتفكير وجد حاله يسجل لها فيديو وهو يقوم بتكبير صورته ويركزها عليها؛ حتى يستطيع رؤيتها بشكل أوضح ،وبعد أن سجّل لها دقيقه تقريبا أغلق الهاتف ودخل يتجهز لعمله بهدوء وراحه داخلية.....

عندما انتهى الفيديو ، وضع الهاتف على المكتب أمامه وتنهد بضيقٍ من حاله وتمتم : وبعدها لك ...انت عاوز ايه يعني... مش كفايه اللي حصل زمان

فرك جبينه بإرهاق محاولاً محو ذكرى ما زالت عالقة في مخيلته ....

# عاد بذاكرته لما قبل ثلاث سنوات من الآن ....
ـــــــــــــــــ

كان عادل مرتبطاً بفتاة هادئة الملامح في عامها الثاني بكليه إداره الأعمال ، والتي تعَّرف عليها أثناء حضوره مسابقة خيل بنادٍ شهير مع أحد زملائه الضباط...

جذبه هدوء ملامحها وشرودها فكانت تجلس كتائهة بينهم ، رأى فيها البراءة، وهي بادلته إعجابه بإعجاب..

وفي غضون شهراً من بدايه علاقتهما لمس ضعف شخصيتها الواضح وسيطرة أصدقائها المبالغة عليها، 
مع تهميش أسرتها لها فكانت وحيده بحق... 

وهي كانت كغريق وسط أمواج عاتيه ليس لها سوى بعض رفقاء السوء التي تستمع لهم حتى لا يتركوها للوحده تنهش فيها ، منصاعة لجميع آرائهم دون تفكير ...

ومع كل محاولاته للآخذ بيدها كي تخرج من دائره الوحدة ، بوضع مسؤوليات ومهام ، وجعلها تتقرب من عائلته علَّ ذلك يعوضها ما افتقدته من حنان أهل انغمسوا فيه لهاثهم وراء المال وحسب ....

إلا أن غيرة مَن حولها والذين صوروا لها خوفه وغيرته عليها واهتمامه بها على أنه تسلط وفرض رأي ليس إلا ، و  ساعدهم في ذلك هشاشتها الداخليه وضعف خبرتها مع تصديقها المعتاد لهم ...

هنا... وبدأت الخلافات في التفاقم بينهم ، وأصبحت كورقة تتقاذفها كل ريح حيثما تزر ، فمن ناحيه عادل الذي يبذل ما بوسعه لجذها لعالمه، و في الناحيه الاخرى أصدقائها والذين أخذوا الأمر تحديا مع حبيبها لا حبا فيها ...

وفي آخر لقاء لهم حدث ما لا يحمد عقباه ....
فقد تلقى عادل صوره لها بأحد النوادي الليلية مع صديقة لها كثيرا ما حظرها منها ومن التعامل معها ...

وتلك الصوره أخذت لها بوضعيه سافرة ويبدو عليها تغيب الوعي فيها وبيدها كأس ممتلئ من الخمر ، و لجانبها شاب يضع يده حول عنقها ويقربها منه بحميمية شديدة ...

نفرت عروق جسد عادل بطريقة مخيفة خاصة عندما قرأ ما دوِّن تحت الصوره (حبيبتك المحترمه قوي ...اللي بتمنعها مني عشان يا حرام ماوسخهاش ...هه...ابقى سلم لي على أدبها يا حضره الظابط)

تحرك بغضب حارق وخطواته تدك الارض من تحته، ولحسن الحظ كان وقتها يتدرب مع صديقيه اللذين تبعاه بقلق من هيئته ...

وصل سريعا لذلك المكان المشبوه والذي يعلم مسبقا تردد تلك الفتاه عليه،  دخل وملامحه لا تبشر بأي خير ، مسح المكان بعينيه حتى وجدها ؛ فتقدم بخفه كالفهد يقف أمام ندى حبيبته وذلك الشاب الذي يهامسها ويده تتحسس جسدها بفجور ووقاحه....

مد يده ينتشلها من مجلسها وهي شبه غائبه عن الوعي من كثره ما شربت،  سلّمها لحازم الذي كان خلفه وبكل ما أوتي من ثوره وفوران ، أخذ يكيل الضربات واللكمات مع السباب لهذا الذي تحول لجرذ خائف يريد فقط الهروب من أمام صائده.....

وكل مَن حاول التدخل كان يجد أيمن يحمي ظهر صديقه ، الذي ما إن انتهى حتى بصق على الشاب وحول  بصره لندى بشرارات متطايره تكاد تحرقها ، ثم سحبها من معصمها بعنف، و من خلفه صديقيه ليصعدوا جميعاً بسيارة أحد جيرانهم قد استقلوها مسبقاً عندما تحركوا من أمام منزلهم....

انطلق عادل بسرعه البرق حتى وصل أمام منزل ندى، والتي ما زالت لا تدرك ما يحدث حولها بل تضحك وتصفق ببلاهة ....

تمسك حازم بكتفه من الخلف وتحدث مهدئًا : عادل كفايه كده بقى ...الحمد لله عدت ولحقتها ...اهدى كده وامسك العقل 

نظر عادل نظرة مميتة على القابعه بجانبه، ولم ينطق ببنت شفة ، بل هبط من السياره لينزلها ويتجه بها نحو شقتها غير عابئًا بنداءات أيمن ...

صعد الدرج جارًّا إياها خلفه، وما إن وصل أمام بيتها حتى واجهها بوقفته،  ودون أن يتفوه بحرف صفعها بعنف ووجع، ثم مرر بصره عليها من أعلاها لأسفلها باحتقار وقال بمرارة : أنا اللي غلطت لما عافرت مع واحده ما تستاهلش.... لا وحبتها من قلبي وكنت عاوز آمنها على شرفي واسمي.... خلصت لحد كده يا ندى 

رفع سبابته بتحذير جاد و أردف : اوعي في يوم تفكري ولا عقلك يوزك تعدي في شارع أنا فيه حتى .... لأني مش هعمل حساب لأي حاجه كانت ما بينا ...

ضرب كفيه ببعضهما و هو يقول : لحد هنا وخلصت خلاص... فهمتك ياما طبعي... وإن عمري ما بنسى أي اساءه بتجيني... وحذرتك كتير ... انتي اخترتي... كملي في طريقك بقى...

تركها في صدمتها ودموعها تغرق وجنتيها كشلال لا يتوقف من أثر كلماته،  ويدها تلمس وجنتها بندم ، ضغطت على جرس الباب وهي تنظر أسفلها بخزي ...

فتح أحدهم لها فدخلت وهي تجر أذيال الخيبة،  وكالعاده في هذا البيت البارد، لم يشعر بها أحد ...

استمرت شهراً كاملاً لا تبرح محاولة الوصول لعادل بكافه الطرق الممكنة وغير الممكنة ،  تعض أصابعها ندما على ما أضاعت من يدها...

فقد قطع كل صله لها بها منذ ذلك اليوم، وتعهد بدهس قلبه تحت قدميه، ومحو كل ما يتعلق بها من حياته...

يأست من كل محاولاتها الفاشلة وزادت برودة أيامها ، خاصه بعدما ابتعد عنها كل مَن كان يتظاهر بصداقتها مؤخراً ، بعدما بدت كئيبه حزينه لهم أغلب الأوقات ، و أبويها حتى لم يلحظوا شحوب روحها ، وهزل جسدها الواضح، وعزلتها الدائمه ،بقيت على وضعها أسبوعين آخرين ،حتى دفعها تفكيرها إلى قراراً خطير...

استيقظت بانعدام رغبه، وارتدت ملابسها بلا اهتمام، ثم توجهت إلى سطح بنايتها بخطوات ثقيله، وفي يدها هاتف جديد أحضرته لتحاول التواصل مجدداً مع عادل للمره التي لا تعلم عددها ....

حاولت الاتصال مره أخرى ،وكالعاده لا رد ،  وقفت في منتصف السطح وحبست بداخل رئتيها اكبر قدر من الهواء،  كأنه آخر ما ستأخذه من هذه الدنيا...

دخلت لتطبيق الواتساب وضغطت على زر التسجيل الصوتي،  و قالت بمراره وندم وعبارات تبدو غير مترابطة : كان نفسي تديني فرصه واحده كمان... يمكن ما كنتش اعمل اللي هعمله ده.... أنا كنت محتاجه لك أكتر من الهواء اللي بتنفسه..... عارفه إني غلطانه بس والله حبيتك ... 

أزالت دموعها المنهارة وهي تسرد: أنا طول عمري لوحدي.... بابا و ماما مش معايا.... مع كل و أي حاجه بتجيب فلوس غيري.... وما عنديش أخوات ....واصحابي وانت شفت حياتهم بنفسك واللي شدوني ليه ... ولو قلت لهم لا مره هفضل من غير صحاب كمان ...

أوضحت بألم : دنيتك كانت غريبه عليا يا عادل... احتجت منك صبر.... مشكلتك إنك عمرك ما عرفت تنسى أي غلطه ليا.... أنت زيهم... كلكم... كلكم ما بتفكروش غير في نفسكم واولوياتكم واللي يرضيكم و بس.....

صرخت المرارة من بين حروفها وهي تشير لنفسها بصراخ : وأناااا ...أنا ما ليش اي قيمه عندكم ....

أكملت بعزم : بس خلاص... أنا تعبت.... ومن النهارده مش محتاجه ليكم ثانيه ....ذنبي هيفضل في رقبتكم كلكم وعمري ما هسامحكم.... أنا همشي وهموت نفسي وهرتاح .....وانتم كل ما تفتكروني ده لو حصل يعني وافتكرتوني..... عمر الراحه ما هتزوركم .....سلام يا عادل .....و سلام يا كل الدنيا 

أغلقت تسجيلها وضغطت إرسال ، ثم أخرجت شفره حلاقه حادو ومزقت شرايين يديها بحده وقسوه، و بعدها سقطت أرضا وحولها بركة دماء تتسع رويدا رويدا،  إلى أن أغلقت عيناها و للأبد ....

وهنا ولم تفقد روحها فقط... بل استسلمت لإثم عظيم سحبها إليه الشيطان في لحظه يأس واكتئاب،  ونسيت أن الملجأ هو الله ، وأنه العوض عن كل شيء ، فقط لن تكن بحاجه سوى اللجوء إليه وحده،  وبعدها كانت ستأتها الدنيا ومَن عليها راغمين....

كانت صدمه عادل قوية عندما سمع رسالتها في اليوم التالي،  فقد كان يستمع ويرى رسائلها المستمره له، ولكن يفعل خاصيه عدم الظهور أو القراءه، هرول بفزع ليتأكد من حديثها، يأمل أن يكون مجرد تهديد واهي،  ولكن صُدم عندما رأى والدها يتلقى التعازي على باب بنايته....

ـــــــــــــــ##
عاد من ذكرياته وشعور الذنب لا يفارقه ، والأسئلة تتردد بداخله بقسوة ، ماذا لو كان أعطاها فرصه وتخلى عن طبعه العنيد وعدم غفرانه لمرة ؟؟؟ ، ماذا لو كان احتواها لمرة أخرى ؟؟؟؟ ، ماذا وماذا وماذا .....

وهنا وجد لسان حاله يقول لإقناعه : أنا مش لازم اقرب منك يا هنا ....طباعي هتأذيكي ...انتي غاليه واخت الغالي ...ولا هقدر اوجعك... ولا هينفع اعذبك معايا بذنب شايله على كتافي...

تنهد وهو يعود برأسه للوراء ويدعو: يا رب قدرني وصبرني ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عصراً بمنزل حازم ....

بينما كانت چنا تستذكر أحد دروسها الهامة ككل طلبه الثانويه العامه،  وجدت هاتفها يهتز معلناً عن اتصال جعل قلبها يقفز داخل ضلوعها من الفرحه،  تنفست لتجلب بعض الهدوء وردت محاوله الكلام بعدما هرب صوتها: السلام عليكم

أيمن مشاكسا:  وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته... ايه ده مش معقول.... برنامج العلم والايمان.... وانا اقول النور اللي  مالي الدنيا ده جاي منين 

لم تعقب على حديثه  من شده حيائها ، وهو تنهد بغلب على تلك التي تذوب خجلا من مجرد مزاحه ، ثم تحدث هو : عامله ايه يا چوچو

ردت بتيه:چوچو...  أنا 

أيمن : لا... أنا ..هههههه مالك يا بنتي ما تركزي معايا كده تايهه كده ليه بس 

چنا:  مستغرباك

أيمن : اشمعنى 

چنا:  ما فيش... أصل يعني كلامك حساه غريب الفتره دي ومش متعوده عليك كده معايا

أيمن : طب الحمد لله انك بتحسي طمنتيني

چنا بحزن طفولي :  ايه ده... انت فاكرني ما عنديش دم يعني ولا ايه... اكيد بحس طبعا

أيمن : طب وحساه بإيه بقى 

چنت:  ما انا قلت لك

ايمن : يا ستي قولي تاني يعني احنا ورانا حاجه

أرادت المراوغه وتغيير الحديث فقالت : هو ...هو انت متصل ليه

أيمن : بصراحه ولا كده وكده

چنا : بصراحة طبعا

أيمن يبقى خليني اقولك اللي كده وكده ... بقول لك ايه تعرفي تدي حقن 

چنا بغرابه :  حقن... اه بعرف... مش بقول لك عاوزه ابقى دكتوره.... في دكتوره مش بتعرف تدي حقن

أيمن بمغازله:  سيدي يا سيدي على اللي هتبقى احلى دكتوره على المجره والله

چنا بحياء:  شكرا 

أيمن بصدق : مش بجاملك على فكره ...انا عن نفسي شايفك كده من دلوقتي ....احم ...المهم بما إنك قرده وبتعرفي تدي حقن..ممكن اطلب منك خدمه بقى 

چنا بغباء و عفوية:  ايه عاوزني اديك حقنه 

ضحك أيمن بملء فِيِه ضحكا متواصلاً نزل كحبات مطر روت أرض قلبها المتعطشة ، لتزهر فرحه وسعاده،  ثم شهقت بخفة  بعدما أدركت غباء كلماتها ، وضعت يدها على فمها بخجل و قالت :  اوبس ...والله مش قصدي

هدأ أيمن وقال : فاهم فاهم ....عموم مش ليا المره دي يا ستي.... انا للاسف عندي ظرف في الشغل ومضطر أتأخر شويه كمان.... ونعيمه ميعاد الحقنه بتاعتها دلوقتي ...هي بتبقى جاهزه في الثلاجه انا بحطها على الرف اللي جنب البيض.... ممكن تاخديها وتديها لها عشان ميعادها ما يفوتش

چنا وقد تضخم قلبها بحبه بعد شعورها باهتمامه بنعيمه:  حاضر... سهله دي ....تعرف حلو قوي اهتمامك بنعيمه ده حبيته

أيمن باعتراف : نعيمه دي في مقام أمي الله يرحمها وليها معزه أنتي ما تتخيليهاش في قلبي

أكمل ملمحًا :  مش لوحدها طبعا ....ناس كتير حواليا ليهم حته لوحدهم وبتكبر وبتزيد يوم عن يوم يا چوچو

چنا بتلعثم:  أيوه ...اه..... كويس خلاص..... هروح اقول لماما بقى عشان ألحق انزل اعمل اللي قلت عليه.... عاوز حاجه تاني 

أيمن : لا تسلمي لي يا رب ... هتف بتذكر : چنا

چنا:  نعم 

أيمن : البسي الاسدال زي ما اتفقنا قبل كده ما تنسيش

چنا : حاضر 

أغلقت الخط سريعاً ولم تصدق أنها حقا كانت تتحدث مع أيمن تلك المده،  بل ومازحها وغازلها واهتم بأمرها ولما سترتدي،  قفزت بفرحة على السرير وهي تدندن: 
حبه جنه انا عشت فيها
قرب فرحه حلمت بيها
ده اللي بيه احلو عمري
ده اللي انا هدي له عمري
ياما ليالي بستنى لقاه

نزلت أرضا وهي تأخذ الاسدال المعلق خلف باب الغرفه وتتجه للخارج كي تستأذن والدتها للهبوط إلى نعيمه ....
تعليقات



<>