
بأحد أطراف حديقة ڤيلا ناجي و قبل انتهاء الحفل...
كانت هنا تقف ومعها الهاتف تحاول التواصل مع إحدى صديقاتها ، والتي ألحت عليها باتصال مسبق و أرسلت لها عبر الواتساب بمهاتفتها للضرورة..
و بنفس التوقيت كان عبدالله متواجد بصحبة رفيقيه على بُعد بضع مترات منها، يشربون المزيد من جرعات الخمر ، مع تبادلهم للنكات البذيئة ...
لمحها أحدهم فأشار إليها ليلفت نظر رفيقيه، ثم ابتسم عبد الله بخبث وهو يرمقها بنظرات شهوانيه وقال : السهره شكلها هتحلو... بدل الملل ده
رد آخر بلسان ثقيل: هي مين البنت الجامده دي يا مايسترو... تعرفها؟؟
عبد الله وهو يرمقها بتفحص: لا.. وجه جديد عليا... بس يمكن تبقى حد من معارف عمي ؟؟
رد الثالث ببعض الرهبه : عمك؟؟... بقول لكم ايه فككوا منها لاحسن عمك ده ما بيتفهمش يا عم
نطق عبد الله بخبث و خسه: وهو هيعرف منين؟!.. احنا لا شفناها ولا نعرفها ...ومشينا من قبل ما هو يجي ...والحمد لله ما ظهرتش جوه من ساعه ما وصل ....عشان حتى لو اتكلمت الكاميرات موجوده... وانا زهقت ومشيت بدري
ألقى سيجارة من يده بإهمال ثم دهسها وهو يحثهم: تعالوا بس ورايا.. ونقفل عليها الطريق كويس عشان ناخدها ونمشي بسرعه قبل ما حد يحس بينا ولا بغيابها... وبعدها نبدأ ليلتنا بقى
ضحك صديقيه باستمتاع وبالفعل توجهوا نحو هنا التي شعرت بوجود أحدا خلفها ، فالتفت وهي تغلق الهاتف بعد عدم تلقيها رد من صديقتها، نظرت في وجوههم ببرود و ثبات مزيفين ، تخفي خلفهما شعور بالخوف يتسلل بداخلها كسرعة البرق من هيئتهم المزرية أمامها ...
اعتدلت لتتحرك نحو البقيه ممثله عدم الاكتراث برؤيتهم، ليلحقها عبد الله مسرعاً حين أمسك ذراعها وهو يغرز أظافره بلحمها، ويجذبها نحوه متحدثا بهسيس متهكم : إيه قله الذوق دي... مش شايفانا قدامك... ينفع تمشي كده من غير ما نتعرف
غمز لها بوقاحه واكمل: مش يمكن قعدتنا تعجبك؟!!
رغم الألم الذي اعترى ذراعها ، لكنها نفضت يده بعزم وصاحت به بقوه محذرة إياه وهي تنظر له باحتقار: ايه الهبل اللي بتعمله ده... اتلم يا بابا وابعد عني... اللي بتعمله ده ما يخوفنيش على فكره... ابعد بدل مطفحك اللي انت شاربه ده
أمسك معصمها بقوه وتحدث بتحدي: بجد!!... أنا بحب البنات اللي قلبها جامد دي... وريني هتعملي كده ازاي... اقترب أكثر من وجهها وهو يكمل بمغزى: كل ما كنتي صعبه كل ما بقيتي ممتعه
وأثناء انشغالها بالحديث معه لم تلحظ صديقيه وهما يلتفان حولها ليضعانها بين قبضتهم ويسهل عليهم الإمساك بها ، وهي كانت تحاول تخليص يدها من يد عبد الله بكل ما أوتيت من قوة ، رغم بروده أوصالها لما تتعرض له، فهي برفقة أشخاص غير متزنة، ويبدو أنه من الصعب الإفلات وحدها...
هتفت بحدة: ولاااا.... انا مش زي الناس اللي بره دي... لا انا من السيده زينب واكلك حي لو فكرت تمس شعره مني.... أموت ولا إن كلب زيك يكسر عين أهلي
ضحك بصخب ومعه وصديقيه، ثم وجه حديثه لأحدهم متجاهلا حديثها: بص.. روح راقب الدنيا كده وانا هاخدها ومعايا نادر بسرعه... لاحسن عاجبني قوي شراشه القطه ومش قادر استنى اجرب طريقتها
وبينما هو يتحدث تسللت يدها الاخرى تسحب بخفه أحد دبابيس تثبيت شعرها المعدنيه من تحت حجابها، لتداهم غفلته بجرحها الشرس له في معصمه الذي يقيدها ،ثم باللحظه التاليه أطلقت ساقيها للريح عكس اتجاههم ، بعدما صرخ عبدالله بشده ووضع يده على معصمه بألم ، وبعد تدارك الموقف ركض وصديقه يلاحقونها وهو يتوعد لها...
وفي تلك الاثناء ....
مسح عادل المكان من حوله بعينيه عندما لم يرها منذ فتره، فقد انشغل عنها لدقائق فقط عندما التقى بأحد معارفه واضطر لمجاملته،و ريثما انتهى وذهب بعينيه لمكانها لم يجدها، شعر بانقباضة في صدره مما دفعه للتحرك والبحث عنها في كل الأرجاء...
وخلال ذلك سمع أصواتا وكأنها من بعيد زادت من انقباضته ، فهرول حيث مصدر الصوت لينخلع قلبه عندما شاهد هنا وهي تتوسط ثلاث شباب يحاولون الإمساك بها، ويبدو عليها اللهاث من فرط المجهود وهي تدور في كل الجهات محاولة الفكاك، مع صراخها العالي علَّ يأتي مَن ينجدها ...
لم يتخذ الأمر ثوانٍ كي ينطلق كالسهم نحوها، ويقبض على عنق عبد الله من الخلف بمهارة فهد ، وهو يهدر بهم بصوت جهوري في تهديد : بتعمل ايه يا(......)منك ليِه.. عاوزين ايــــه منهااا
فزع الاثنان الآخران وانطلقا بجبن هرباً تاركين خلفهم عبد الله بين فكي الأسد ، الذي زاد من ضغطه على عنقه بغل، والآخر يحاول ضرب ذراعه بكلتا يديه ولكن بلا فائده...
وهنا أسرعت نحوه ما إن رأته لتحتمي خلف ظهره ممسكة حله بدلته السوداء بنجده، ولسانها لم يكف عن الحمد لوجوده الآن ، هدأت قليلاً بعد فرار الاخرين ثم تحدثت لعادل برجاء: كفايه يا عادل سيبه هيموت في إيدك
زاد ضغط عادل دون قصد عليه وهو يفاجئها بصراخه عليها : اخرسي خالص... انتي قمتي لوحدك ليه ها... لو ماكنتش لحقتك دلوقتي كان ايه اللي حصل؟؟
نظرت له بصدمه من هجومه ثم قالت بعناد :
وانت مالك ...ولا بتدور عليا ليه ؟؟
سعل عبد الله بشده وكان على وشك الاختناق فغيرت حديثها برجاء : بالله عليك سيبه... هتروح في داهيه بسببه... انا هقول لك قمت ليه ...بس سيبه بقى ...سيبه
شعر بخوفها عليه في نبرتها ونظراتها وكلماتها مما هدأ من روعه قليلاً ، ليدفعه بقسوة سقط أثرها علي عشب الحديقه ، ثم رمقها بعتاب شديد على ما كان سيحل عليه إذا ما حدث لها مكروه ، و تحدث بحنق: اهو... اتهببت وسبته ....يلا... وكلامنا بعدين
قبل تحركهم تفوه عبد الله برعونه بعد أن تنفس بعض الهواء و اعتدل واقفاً ، مع طحنه أسنانه في حركه اعتاد عليها في الفتره المنصرمة أثر تناوله مخدر الآيس ، الذي اصبح مدمنا عليه...
اخترق صوته المتهم أذنيهما وهو يقول بفُحش:
ما الدنيا بيس اهو وطلع عندك صاحب.... امال ايه بقى النمره اللي عملتيها دي... ولا المشكله اني مش هو ؟؟
أكمل بفجاجه موجهاً حديثه لعادل الذي انتفخت أوداجه غضباً : أنا مستعد ابقى التاني.. وكمان هديك اللي تطلبه... لان بصراحه تستاهل وعجباني...قلت ايه؟؟
تجمدت هنا والتفت عادل له وعلى وجهه بسمه مريبه، وبدون إنذار انقض عليه باللكمات والسباب حتى سقط أرضا ثانية، وعادل لم يتركه بل نزل معه واستمر في لكمه وصفعه حتى كادت أن تزهق روحه
وهنا قد شُلَّت قدماها بعد سماعها لاتهام هذا السفيه اللهي ، التي جرحتها وبشده، ولم تفق سوى على صوت ناجي الآتي من قِبل المرآب ومعه كرم وهو يهدر بعادل : بتعمل ايه يا ابني انت. . ابعد عنه... ابعد
انتشل الأخوان عادل من فوق عبد الله بصعوبة، فهو لم يكن يشعر بكل ما حوله ، فصدى كلماته السامه اعمته عن كل شيء، استقام بعدما فرغ قليلا من شحنته ثم رد بعصبيه على ناجي وهو يشير تجاه عبد الله فاقد الوعي : ال(.....) ده كان عاوز يخطف هنا .... وياريت على قد كده وسكت بس.... لا ده كمان بيساومني عليها ...بصق عليه باحتقار واكمل : اللي ذي الكلب ده اقتله بدم بارد و مالوش عندي دية
اخذ أنفاسه المتلاحقة بغضب خاصة بعد مجهوده ، ولكنه تفاجأ بهنا تمسك بيده بقوه دليلاً على امتنانها لدفاعه عنها للمره الثانيه ، ثم قالت : يلا نمشي من هنا ...كفايه كده يا عادل
هز رأسه لها بموافقه ثم وجه بصره لكرم الذي يقف بجوار ناجي الناظر لولده بحسرة و أردف بنصح:
على فكره يا باشا... الواد ده بيتعاطى حاجه ومش طبيعي ... أنا شفت من أشكاله كتير... لا طريقه حركات جسمه... ولا كلامه مظبوطين... ده غير طبعا الخمره اللي ريحتها مهفهفه من بوقه... حاولوا معاه يمكن تلحقوه ...ولو اني نفسي يغور في داهيه من الدنيا كلها
أجابه كرم بأسف : للأسف عرفت بس متأخر ... وحقك تعمل اكتر من كده بعد كل اللي حصل... تنفس بهم و استأنف : انا هتصرف... اوعدك إنك مش هتلمحه تاني...
ثم خاطب هنا: انا بعتذر جدا يا مدموزيل عن كل اللي حصل... دي غلطه غير مقصوده بالمره... انتي زي بنتي ... وتأكدي اني هعاقبه بنفسي على اللي حصل... ومستحيل اعديه أبدا ...
هنا بأدب : شكرا ...الحمد لله عدت على خير
تحدث كرم بحكمه لكليهما : الحمد لله ... وبرضه مش هتنازل عن حسابه وبنفسي كمان... بس من فضلكم بلاش تعرفوا حازم ....احنا في بيننا نسب دلوقتي... ومدام الامور انتهت بدون خساير... يبقى أفضل ما نساعدش ان العلاقه تبدأ بمشكله وخصوصا من النوع ده...
عادل بتفهم: مفهوم طبعاً... ما تقلقش يا باشا... حازم مش هيعرف حاجه ...عن أذنك
هو مَن بادر و اختطف يدها بتملك هذه المره، فالان يشعر بظفر فارس خرج من المعركه بأثمن الغنائم...
وكرم وضع يده على كتف أخيه لينتبه له وهو يقول له بحسم ولكن يشوب نبرته الرأفه لحاله: شيله معايا يا ناجي... خلينا نوديه هناك ده أحسن له ...يمكن نلحقه...
استجاب ناجي لأخيه وبالفعل رفعا عبد الله ليتوجها به خارجاً ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي طريق عوده عادل وهنا للجمع في مكان إقامة الحفل ، توقف عادل ثم نطق بعتب: ممكن أعرف مشيتي ليه لوحدك؟؟؟... كنتي بعيد عننا في مكان ما نعرفوش أصلا ليه ؟؟
هنا بنبره مختنقه على وشك البكاء: ما قصدتش والله ...انا كنت بكلم واحده صاحبتي كانت هتقول لي على حاجه مهمه علشان درس بكره ...وما حستش بنفسي لما بعدت ...انا بس كنت عاوزه اقف في حته هاديه شويه عشان الصوت
عادل لتهدئة : خلاص.... حصل خير... بس اوعي يا هنا تعملي كده تاني... مش صح.... انا قلبي كان هيقف لما شفتك وسطهم بالمنظر ده
نظرت هنا بعمق لعينيه وقد ظهر بهما الأمان مع الحب الذي طفا على بؤبؤها بشده ، مما جعله يدرك انزلاقة لسانه، ليتحمم مغيرا من الحوار : بصي... سريعا كده خشي الحمام ظبطي نفسك عشان ما حدش يحس بحاجه ...انا هستناكي ونرجع سوا
اومأت له و انخفضت عينيها بخجل لا يظهر عليها إلا قليلا ، وهو على ما عكس ما كانت عليه منذ لحظات، وقبل أن تمشي من أمامه نطق بتساؤل ملهوف:
هنا ...هو ...هو حد فيهم لمسك او عرف يجي عندك يعني ؟؟
حركت رأسها بالنفي وهي تجيبه بثقه: ما حدش يقدر يلمسني على فكره... اصلا انا عورته ببنسه شعري في ايده جامد ...وجريت بعيد عنهم...هما فرهدوا من الجري ورايا لعلمك...لولا إني تعبت من الجري جوه بيت الاشباح ده ...وما كنتش عارفه مخرج ....ما كانوش عرفوا يمسكوني
ابتسم براحه وقال ليخفف حدة الموقف: ايوه كده يا وحش... احنا عارفين ان ورانا رجاله ...مش متعودين منك غير على كده
نظرت له بغيظ زائف وردت باستنكار : رجاله ....ماشي... عارف انا مش فايقه لك والا كنت رديت عليك
عادل : طب يلا يلا ما تتأخريش
استمر في وقفته ينتظرها، و استدار على نداء احداهن باسمه، ليتعجب عندما وجدها بيري إحدى صديقات حبيبته السابقه ، والتي كانت من أسباب فراقهم الاساسيه ، حول عينيه للأعلى بملل وردَّ بضيق : اهلا... انتي هنا
تفرسته بمزيج من الرغبة والإعجاب ثم قالت : اها... انت اللي هنا بتعمل ايه بقى؟
عادل باختصار : فرح صاحبي
بيري بتفاجئ : صاحبك!!!.... اللي اتجوز بنت كااارم عثمان ده... يبقى صاحبك... ازاي ده؟؟
عادل: يهمك في ايه ده ؟؟
تقدمت بيري إليه ووضعت يدها على صدره وتحدثت بغنج غير محبب : ما يهمنيش ولا حاجه... انت عارف كويس انا مهتمه بمين ومن زمان
صدح صوت هنا مفعمًا بالغيره من خلفه وخرجت كلماتها مغتاظة و هي تصك على أسنانها: ايه يا عادل ...مش يلا ....ولا جيت في وقت غير مناسب
انتبه عادل لها و أنزل يد بيري باشمئزاز واضح، ثم اتجه لهنا وهو يقول بقصد : انتي تيجي في اي وقت يا هنا ...كل الاوقات مناسبه لك انتي بالذات
رغم علمها أن ما يقال منه صادر بقصد صرف الأخرى ، إلا أن قلبها رغماً عنه ارتجف بين أضلعها، وكأنها سمعت منه أعذب كلمات الغرام ...
رمقتها بيري بتقليل من أعلاها لأسفلها ثم قالت بحقد:
ودي بقى صاحبتك الجديده ...صغيره برضه... مش خايف عليها تتخنق هي كمان من تحكماتك وتنتحر زي اللي قبلها ...ولا انت اتعودت خلاص؟
اخترقت كلمات بيري أذنها و أصابتها بالصمم للحظات ، ولكن حاولت التماسك وردت عليها النظره بأخرى كيديه وهي تقول بثقه: انا مش زي غيري يا حبيبتي... ده غيري اللي بيتمنى وهينتحر عشان يبقى مكاني.... بس يا حرام مش عارف ولا هيعرف
احب عادل قوتها تلك ونبرتها الواثقة ، و التي زادت من شعوره نحوها أضعافاً ، مما جعله يوقن أنها مَن تستحق بحق أن يسلمها مفاتيحه ...
ابتلع ريقه بعدم تصديق عند سماعه الباقي من حديثها وهي تدلله : يلا بقى يا دوله ...هيمشوا ويسيبونا... ينفع كده
جاراها في الحديث وهو ينظر الثانية بتحذير أن تعيقهم مرة أخرى : لا يلا بينا مش مستاهلة نعطل نفسنا عشان واحده فاضيه بترمي في كلام فارغ..
غادر الاثنان من أمام تلك الحقود و كلا يملؤه مشاعر مختلفه ، هو يود لو يترك قلبه وعقله معها وينزع كل أفكاره البغيضه التي تحرمه الحياه، فقلبه يردد (أحسنت اختيارك هذه المره)... وعقله يُحذر( كفاك ما لاقيت )...
وهي عرفت أن هناك ما لا تعرفه عنه ، فيبدو أن هناك أسراراً تجعله يتصرف معها هكذا، وهي لم تكن هنا بحق إذا ما تركت الأمر دون علم ، بل وستعمل على حله أيضا.....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثلاثة أيام انقضت بعد الحفل، بين أعصاب مشدوده وانتظار مرتب لدى كرم ، وبين هدوء وأحلام ورديه كعند حازم وحنين ، وقرب محسوب كالذي بين چنا وأيمن ، وفضول وبحث عند هنا خلف عادل الذي اتخذ الصمت ملاذًا منذ آخر موقف جمعهما، في حين لاح في أفق إيهاب انجذاب هادئ لتفهم مرام واحتوائها الغير متوقع له و لانفعالاته غير المبررة في كثير من الأحيان....
وفي اليوم الرابع بغرفة الاجتماعات الخاصه بمكتب كرم ......
انعقد الاجتماع الذي قد اتفق عليه مسبقاً ، وقد أعد له كرم منذ فترة على قدم و ساق ، و جهز مفاجئته التي حتما ستقلب الموازين ...
دخل المحامي وشيري ليجدا في انتظارهما كرم، الذي كان يترأس الطاوله دون اهتمام بمصافحه زواره ، جلسا على يساره بعد ما ألقيا التحية و ردٌها لهما بفتور، وكانت عين شيري موجهة له بنظرات بها من الخبث ما بها ، والمحامي يحاول كبح بسمة نصر لوصوله لهذه النقطه التي سعى لها منذ البدايه...
وبينما كادت شيري أن تتحدث لتبدأ مناقشتهم، أوقفها كرم الذي رمقهما بغموض وقال بنبره حاسمة:لسه شويه على الكلام يا مدام....لسه في حد ناقص ف اجتماعنا...
نظر لساعته بإهمال و أردف : هو على وصول.... خمس دقايق ويبقى هنا ...ويمكن قبل
وجه المحامي بصره لشيري بعدم ارتياح و هي بادلته النظر بريبة ، ثم تحمحم وقال متسائلاً : احم... هو مين ده يا باشا اللي ناقص؟؟
اخذ نفسا عميقا وأكمل بتلميح: أنا شايف إن احنا كاملين كده ...ومش حلو يبقى معانا حد في الاجتماع ده بالذات ...صدقني مش في المصلحه ان العدد يزيد في كلام زي اللي هنقوله ده ..
وضع كرم الوسطى والسبابة على شفتيه ووجنته بينما إبهامه كانت تداعب ذقنه باستمتاع، وعلى زاويه فمه بسمه تهكم لم يخفها، وعينيه تتحرك بين الاثنين بنظرات نافذه ، يلوح بها الرضا عما ترى من توتر وخوف ، و يحاولان التظاهر بعكسه، ثم نطق بنبره حازمه وهو يقلل من شأن الآخر : مش من حقك تقول مين يكون موجود في مكتبي ومطّلع على شغلي ومين لا .....انت طلبت مقابلتي وانا وافقت... بس مش هتمشي غير بشروطي انا ....و لو مش حابب يبقى اتفضل ما تضيعش وقتك ووقتي
تدخلت شيري لتلطيف الأجواء : هو ما يقصدش إنه يعدل على رغبات حضرتك بوجود حد معين ...بس اعتقد الخصوصيه مطلوبه يا فندم في الشغل... واحنا حتى ما بدأناش كلامنا ...
اقتربت بمقعدها منه قليلاً ونطقت بقصد وهي تركز بعينيه بإغواء محسوب : ولا ايه يا باشا؟؟... مش كل المواضيع يبقى حلو فيها الناس ....في حاجات حلاوتها في سريتها ...مش كده ولا ايه ؟
شملها بنظره مشمئزة وتحدث بصرامه: انا عكسك يا مدام ... بشوف إن لكل مقام مقال ... ومش كل المواضيع محتاجه السريه.... والشغل لو هيمشي مظبوط يبقى كده كده لازم هيطلع للنور
وضع يده على الطاوله ليهمس لها بتحذير: أنا ماليش في الرخص.... يا ريت تلتزمي مكانك وبلاش التلميحات دي.... أنا ما بحبش اعيد كلامي.... واعتبري ده أول وآخر إنذار ...
عاد للخلف بشموخ وهي تحركت لمكانها جانب المحامي مره أخرى ، تحاول كتم ما يخالجها من غيظ شديد بسبب رفضه و إهانته لها ، وجهت بصرها لمن يجاورها وهي توسوس له بإحباط : ما كنتش متخيلة أنه صعب للدرجه دي ... يعني قلت يمكن كلام اللي بيتقال عنه ... اووف...احنا مش هنعرف نعمل معاه حاجه... و لا نخليه ينفذ المطلوب بطريقته دي..
لوى الآخر فمه يحدثها بخفوت مماثل : والله احنا بننفذ الأوامر وبس ... انتي مش عارفه وجوده معانا هيعلينا ازاي عند البوص... و لو ما رضيش بالذوق هما بقى يتصرفوا معاه ويخلوه ينفذ بالعافيه
التفت لكرم ثم تحدث بجدية: باشا ... كتير كده.. و......
قطع حديثه فتح باب المكتب والذي كان عابره مفاجأه مدوية لدى الاثنان الذي انفرج فاهُما باندهاش بالغ ، عندما رأوا مَن يدلف عليهم، فقد أمر كرم مسبقاً بأن يدخل زائره فور وصوله على جلستهم مباشرة، هذا الرجل لم يكن سوى(( زاهر المحمدي))
تقدم زاهر منهم وحوله شعاع من القوه والثبات الذي يفرض الرهبة على من في مداره، تبادل مع كرم السلام بعمليه يشوبها بعض الود ، فهو ذلك الفَتِي صاحب أكبر شركات للاستيراد والتصدير في الشرق الأوسط ، ومالك الشركه التي يعمل لحسابها شيري والمحامي ، ورؤيته تعد درب من المستحيل لعدم تواجده في مكان ثابت إلا لفترة وجيزة للغاية، غير أنه لا يراه سوى كبار المديرين المعدودين الذين تحت إمرته ويختارهم بعنايه فائقه....
و قدراً كان قد جمعه موقف مع كرم ذات مره منذ سنوات في إحدى الدول الأوروبية ، عندما تعرض لهجوم مباغت في محاولة اغتيال له على يد أحد المأجورين داخل سيارته، وبالمصادفه كان يمر كرم بنفس الطريق ليجده غارقاً في دمائه ومعه حراسته، فتصرف سريعًا و قاد سيارة زاهر بعدما ساعده مَن معه في نقل المصاب الآخر إلى سيارته ثم إتَّبعه ليصل بالجميع إلى أقرب مشفى ، ولم يتركهم إلا بعدما اطمئن عليهم، حتى أنه تبرع بالدم لزاهر الذي نزف كثيراً جراء جرحه ، كي ينقذ حياته ، وهو ما علمه الأخير فور استفاقته ، و تواصل مع كرم وشكره ممتنا لما فعل ، ووعده برد الدين ، وها هو قد جاء الوقت .....
بعد أن اتَّخذ كل مقعده ....
بدأ كرم الحديث وهو يشير للمحامي بأمر : دلوقتي نقدر نتكلم.... سامعك
ابتلع الآخر لعابه بوجل وهو ينظر لمَن أمامه بعدم تصديق ، و نطق بارتباك متلعثم : طب... طبعا منور الدنيا كلها يا زاهر باشا....ااا .. اا.. أنا مش مصدق إني قاعد في حضرتك والله... و...و...و احنا كنا جايين النهارده عشان نخلص موضوع المنياوي وابنه ونشوف ..
زاهر بإنهاء لهذه اللعبه قبل أن تبدأ ، وصوته خرج بنبره قدر هدوءها قدر خطورتها : مين انت عشان تشوف؟؟....و مين اللي طلع أوامر بالتعامل مع كرم عثمان بدون الرجوع ليا اصلا ؟؟....انتم بقيتوا تشتغلوا من دماغكم ؟!!!!!
تدخلت شيري سريعًا لتبرئ نفسها : أنا ما ليش دعوه بحاجه .... أنا نفذت اللي اتطلب مني وبس.... وكنت فاكره أن الأوامر جايه من معاليك كالعاده
لم يكلف حاله عناء النظر إليها ، أخرج هاتفه ونطق بكلمه واحده كفيلة بمعرفة مصيرهم : تعالوا
وبالفعل دخل اثنان اشبه بمصارعي الثيران، وتوجها إليهما مباشره ، ثم أمسكا بكليهما كالفرخ المبلول، بعد إشاره سيدهما، مع صياح المحامي وشيري بتبرير و نجده لكن لم يعيرهما أحد انتباه كأنهما و الهواء سواء.....
=الأول بتبرير واعتراف : يا باشا أنا عبد المأمور ...ده فوزي بيه هو اللي كان عاوز ياخد بونط عند جنابك
=والأخرى هتفت باستغاثة : أنا ما ليش ذنب يا باشا... انا نفذت و بس ماليش دعوة ..
وبعد خروجهما تحدث كرم بشكر : متشكر جدا على مجيتك الخاصه عشاني.... وأكيد مش هنسى جميلك أبدا
ابتسم له زاهر وقال : على ايه بس... ده انت اللي كان ليك دين في رقبتي وبحاول ارده ....عامه ما حدش منهم هيجي ناحيتك تاني ....انا أصدرت اوامري وانا في الطريق أن القصه بتاعه المنياوي وابنه اتقفلت.... والناس اللي بره خلاص اتعوضوا بالشركه اللي سبتها في بلجيكا... واعتبروها قرصه الودن المناسبه ليك
أكمل بتوضيح: أنا حاولت إني أقلل الخسارة او ادفع فلوس من معايا... بس هم كانوا عاوزين حاجه تخصك أنت.... أكيد أنت فاهم ..
أومأ كرم بمعرفه وفهم ورد : فاهم طبعا... ولو راحة عيلتي تمنها شركه ولا شويه فلوس زياده
.. مش مشكله في داهيه
زاهر باستفهام : بس أنت اتأخرت قوي على ما بلغتني بالحكايه ليه؟
كرم: انا عرفت بالصدفه انهم تبعك... اكيد ما كنتش حابب اني اعيش في كم التوتر ده ...
استقام زاهر وقال: تمام... حصل خير ...ولو احتجت حاجه تاني حتى لو مش تبعي كلمني.... انا ليا في كل مكان عيوني ومعارفي الخاصه... حتى لو ده خارج حدود شغلي ...
وقف كرم هو الآخر وتحدث مستنكرا : اكيد طبعا هبلغك.... سيبك بس من الشغل دلوقتي ...انت رايح فين... لازم نقضي اليوم مع بعض النهارده.... كفايه تعبك يا راجل..
زاهر باعتذار: مره تانيه.. أنا ورايا شغل كتير يادوب أخلصه و أسافر ماعنديش وقت صدقني.....
وبعد محاولة كرم مره أخرى وإصرار الأخير على الرحيل ، قام كرم بتوصيله ثم عاد لمكتبه يتنفس الصعداء، أخيرا ستعود حياته الهادئه كما كانت....
بعد استعانته بالوزير والذي أنهى لعبه شطرنج تلك بخطوة ، مما ساعده في الفوز و فرض سطوته على الرقعه كلها، فعلاقته بهذا الرجل لم تكن ورقه ضغط فقط ، بل كانت سلطة قائمة بذاتها ، وحين ظهر في جبهته تغير حساب اللعبه بأكملها، وكرم لم يكن يوماً القطعه التي يحركونها ، و إنما هو صاحب الحركة التي انهت الدور كله...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اما بالخارج.....
كانت ملامح مرام منزعجة للغايه عكس طريقتها التي تحاول بها قدر الاستطاعة التحكم في انفعالها والتحلي بالهدوء أثناء محادثتها مع إيهاب ، و الذي كان يطلب مقابلتها بأحد المطاعم ، و اعترض بثورة على رفضها كحال ثورته المطلقة في الأيام الأخيرة الملاحقة للحفل..
وخاصة من بعد اختفاء والدته و أخيه، ناهيكم عن تغير والده الذي أخذ يعطيه تبريرات غير منطقيه لذلك الأمر ، مما زاد من ضيقه و إحساسه بعدم فهم ما يحاك من حوله...
ولكن لم يفلح الأمر عندما استمعت لكلمات إيهاب التالية والتي أذتها بشدة حين قال بغضب وفظاظة: هو في ايه يا مرام.... أنا بقى لي ساعه بتحايل عليكي عشان نخرج مع بعض.... وأنتي رافضه تماما ....قلت لك عاوز اظبط معاكي ترتيبات عشان أقابل أهلك ....ما بتفهميش ليـــه بقى... ايه ده ....هو انا هقعد مع الاميره ديانا ولا ايه عشان كل المحايله دي...
هنا وقد انفرط عقد صبرها الذي ظلت متمسكه به في الأيام المنصرمة ، ولم تجد بُدًا من ردِّ كرامتها ورفع شأنها بعد تقليله منها بهذه الكلمات السامة، فهتفت بكبرياء : والله انا شايفه نفسي أحسن منها مليون مره ....وشرف مقابلتي ده ما ينفعش يبقى مع حد لا تربطني بيه صله قرابه ولا غيره..... وبالرغم من شرح موقفي اكتر من مره ... إلا إنك مصِّر مش فاهمه ليه برضه... ايه اللي هيختلف يعني لو الكلام ده اتقال ف الفون يعني....
سكتت تلتقط أنفاسها ثم تكلمت بجدية : عامة يا أستاذ إيهاب أنت مش مضطر أبدا تربط حياتك مع واحده مش عاجبك طريقه تفكيرها أو شايفها غبيه زي ما بينت... أنا رأيي إنك تصرف نظر عن عرضك ده... زي ما أنا سحبت موافقتي بالظبط...
أكملت تعتذر حتى لا يفضحها اختناق صوتها بالبكاء: انا مضطره اقفل... عندي شغل كتير وكرم بيه عاوزين ف مكتبه
أغلقت دون انتظار إجابه من ذلك المصدوم الذي أعجبه كثيراً إحساسها بذاتها وحفاظها على كرامتها، ولكن زادت صدمته فور إغلاقها الهاتف بوجهه ، مما جعله ينظر له بغير تصديق ويضغط عليه بغيظ شديد، ثم جمع أشياءه سريعًا وهو يتمتم بتوعد حارق: بترفضيني يا مرام ...عاوزه تضيعي مني أنتي كمان ....طيب يانا يا انتي...
انطلق بسيارته كصاروخ ملغم بالمواد النووية متجهاً رأسا إليها ، وفي الطريق كان بداخله غليان لا يعرف ماهيته ، وسؤال لأول مره يطرحه عقله عليه في تلك العلاقه، لِمَ شعر بالفقدان المفاجئ بعد رفضها ؟؟ ولِمَ لا يتقبل فكره رفضها ؟؟؟ أليس من المفترض أنها لا تعني له شيء، كما أن غيرها كثيرات يتمنين فقط إشارته، ووجودها من البداية لم يكن سوى مصادفه ، لِمَ يريدها هي الآن رغم تلك الفتره القصيرة بينهما؟؟
توقف بسيارته أمام شركه عمه وزفر الهواء بقوة من داخله علَّه يهدأ من سعيره المشتعل ، و ما إن رآها تظهر من البوابه حتى هرول باتجاهها وأمسك معصمها بقوة، وسحبها خلفه ، تحت اعتراضها و محاولة التملص منه ولكن بحساب ، كي لا تلفت الأنظار تجاههما أكثر ، خاصة عندما تلفتت حولها وشاهدت نظرات التعجب من زملائها والحراسه عند رؤيتهم ذلك المشهد...
و ريثما وصل بها للسيارة فتح بابها أشار لها كي تدخل ، فصرخت به : كفايه بقى من فضلك... هو في ايه ؟!! .. ايه الطريقه دي!!!
ايهاب بصرامه : مرام ...من فضلك ادخلي وخلينا نتكلم
مرام بعناد: الكلام خلص ...ابعد لو سمحت ... عاوزه اروح
حركه جانب فمه بتهكم مع نظره لها بتهديد ونطق بتكرار متوعد: ابعد ...وهتروحي.... تماااام
ضغط على شفته السفلى بسخط ثم دفعها عنوه بعزم لداخل السيارة، و قام بإغلاق قفل السياره من الداخل قبل أن يتجه للجهه الاخرى ويصعد أمام المقود، ثم اندفع نحو المكان الذي اتَّخذه مأوى عند وحشته، وهي كانت تنظر له بتوجس مع عدم رغبتها في المزيد من الجدال معه ، وتمثيلها التجاهل التام ، كي لا يتفاقم الوضع أكثر ، فيبدو أنه في ذروة غضبه ...
وما إن وصل بها حتى رفع رأسه لأعلى يسحب أكبر قدر من الهواء، ثم نظر لها وبدأ الحديث بعصبيه لا يستطيع التحكم بها : ايه كل الكلام الفارغ اللي عماله تقوليه ده.... ابعد ....وانسى ارتباطنا.... ايه ده هو انا لعبه في ايدك.... في ايــــــه....
رغم ارتعابها من هيأته و نفضتها الداخليه من صرخته ، إلا أنها تحلت بالثبات و أجابته: عايزني اقول لك ايه يا ايهاب وانت بتقلل مني بالطريقه دي.... وعمال تتناقش معايا بأسلوب مش مقبول بالمره ..... وأنا فعلا مش فاهمه سبب واضح لثورتك دي ....اللي عملته ده رد فعل طبيعي من أي بنت بتحترم نفسها
قدَّر ردَّها ولانت نظراته الغاضبة و تفوه بأسف :
مرام... انا ما قصدتش إني أقلل منك... ازاي اكون بعمل كده وانا بطلب منك تبقي مراتي!!!!
وقعت الكلمه على ما مسامعهما لتزيد خفقه عند مرام ، وتسرق خفقه أخرى من إيهاب ، في حين أردف بتمني وعينيه يتملك منها الرجاء، ويده احتلت يدها بتملك رافضا الانسحاب، أما جسده فتحرك نحوها ليحبسها بينه وبين السياره : أنا عاوزك تعذريني الفتره دي... انا مش ف نيتي اللي وصلك... مرام أنا مضغوط ....وبجد محتاج لوجودك في حياتي.... أرجوكي
ضعفت بشده أمام تلك الأسلحه الموجهه لقلبها العاشق دون رحمه ، لتقع تحت أسره في الحال، اومأت برأسها موافقة ، بعدما خانتها الكلمات وتعلقت بحلقها آبية الخروج، انتشلت يدها واعتدلت متحمحمه بخجل، زاد محياها توردا ، مع دفعها له ليعود بموضعه، ثم نطقت بحشرجه : انا بحاول فعلاً افهمك يا إيهاب ... وبقى لي فتره حاطة كذا عذر لتقلباتك اللي مش مفهومه بالنسبه لي...
رفعت رأسها باعتزاز وهي تستطرد بحزم : بس كرامتي لا...
ابتلعت لعابها و أكملت بتعريفه عليها : بص... أنا شخصيه صبوره وحموله جدا... وبقدَّر اللي قدامي لابعد حد ...بس ما اتحملش أي شيء يجي على كرامتي ويقلل مني.... هنا أنا اشتري نفسي و أغليها ولا أبدا أقبل إن حد يهينها أو يجي عليها ..
تفرس في وجهها وتغيراته من الخجل للشموخ، من نظرات التفهم لأخرى بها تحذير حَيّي ولا يدري وقتها كيف تسرب له شعور الراحه في حضرتها ، مع رغبه تعاظمت بأنه لن يتركها ، وسيجعلها للأبد صريعه هواه ...
أما هو....هنا وقفت الاجابه بداخله، ولأول مره عندما يفكر في أمرها يعجز عن اتخاذ قرار بشأن تعامله معها، عاد من تيهته بها على نظرتها الحزينه وهي تقول : واضح ان كلامي مش عاجبك.. لو سمحت... لف بالعربيه حالا ورجعني...
إيهاب دون وعي: ازاي كلامك مش عاجبني وأنتي كلك عاجباني ...
تنفس بعمق وأكمل ببوح بعد زفيره وهو يريح رأسه على مسند مقعده: أنا بجد تعبان ...
أمال رأسه ليناظرها باحتياج حقيقي وهو يفصح : محتاجك جنبي... ما تسيبنيش ....خليكي معايا
ابتسمت مرام بسعادة وحركت رأسها بشدة دلالة على موافقتها ، فلقد رفرف خافقها الصغير حين شعرت بتقدم جديد في كلماته ونظراته الصادقه، مما دفعها تحادثه بتشجيع : قولي ايه تعبك يا إيهاب ...انا هسمعك ...ويمكن اقدر اساعدك وتعدي اي فتره صعبه جواك
ردّ لها بسمتها بواحدة أجمل مفعمه بالأمل ، وجاراها بثقه: هتقدري يا مرام .....هتقدري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومع بدايه ارتخاء عباءه الليل على شوارع القاهرة....
كان كرم وناجي بداخل سيارة الأول متجهين لأرض يمتلكها بأحدى المدن الجديده بأطراف القاهره، والصمت كان مهيمنا عليهما، نظرًا لحساسيه الموقف الذي سيواجهه ناجي بعد قليل، فقط لمسات مؤازره من قِبل كرم على يد أخيه بين فينة وأخرى ، كلما لمح شروده وحسرته باديان على ملامحه بوضوح....
وصلا إلى تلك الأرض و وقفا عند نقطه معينه ، ثم أمر كرم حاريه بإزاله بعض الرمال أسفل أقدامهم ، لتظهر تلك الفتحه الصغيره التي تحمل بابا يلتصق به الغبار...
وبعد فتحه هبط كرم وأخيه إلى سرداب تحت الأرض ، كان يستخدمه كرم أحيانا كمخزن عند الأزمات ، وأيضاً يحتفظ فيه بما يجب أن يبقى في الظلال أحيانا ، تقدموا واحدا يتلوه الآخر وفي مقدماتهما حارس بإناره تساعدهم على المضي نحو هدفهما...
دقيقتين وتوقف أمام غرفه لها باب حديدي أشبه بأبواب السجن ، وبمجرد دخولهما انتفضت راويه من مكانها بلهفة ، وتقدمت نحو زوجها وهي تقول بانهيار: ناجي.... الحقني يا ناجي .....كويس انك عرفت توصلي.... شفت.... انا ....انا ....اتخطفت
وبمنتهى الجمود زجَّها ناجي بعيداً عنه، كمن يتخلص من ثعبان سام، ونظراته تشي بأكثر مما يقال، مزيج من الأسى والاحتقار والخذلان، فضلاً عن خنجر الغدر المغروز بداخله بدقه وما زال نزفه لم يقف بعد.....
ورغم مظهرها البالي وشعرها المشعث وضعف بنيتها أثر تناولها لقيمات مع شربات ماء خفيفه ليجعلها بالكاد على قيد الحياه ، كل هذا لم يجعل قلبه يلين قيد أنمله ، بل لم يؤثروا فيه إطلاقا ، كفاه لاقى على يدها......
أخذت تنقل بصرها بينه وبين كرم ، وهي تتراجع للخلف وصدرها يعلو ويهبط بسرعه من الخوف والتوتر، ثم قالت باستعطاف مرتبك مع تساؤل غير مترابط بعد تأكدها من كشفها :
انا ....ليه.... هو... ما عملتش حاجه... انت مش جاي عشان تنقذني يا ناجي.... انا مراتك حبيبتك
تابعت بلهاث ورجاء مشيره نحو كرم: اوعى تصدق اخوك ....ده بيغير مننا.... انا بحبك يا ناجي.... بحبك صدقني..... خرجني من هنااااا....
كان كرم ينظر لها بتشفي ثم قال كاشفا إياها:
انتي لسه بتحاولي تمثلي يا راويه.... ما خلاص كل حاجه اتكشفت ....ما هو كده دايما الغبي هو اللي بيفتكر نفسه أذكى واحد في اللعبه
رفع منكبيه لأعلى ثم أنزلهما وهو يقول ببديهيه :
بس ربك عادل... ما بيرضاش بالغدر ولا بخبث النفوس المريضه
حركت رأسها نافية وتحدثت ممثله عدم الفهم:
انا مش فاهمة بتتكلم عن ايه ....انا ما ليش دعوه.... والناس بتوع الحفله..... انا قلت لك ده صدفه
نظر لها بمعنى لا فائده ، ثم أدار لها ظهره، وابتعد يقف عند باب الغرفه تاركاً المجال لشقيقه ، الذي تحرك نحوها ثم خرَّ على عقبيه أمامها يسألها بلوم وقهر: ليــه.... انا عملت لك ايه عشان ده يبقى جزائي.... طول عمري كنت عايش عشان اريحك.... اتاريني بربي حيَّة ....وحتى سمَّها ما سلمتش منه انا واولادي...... ليـــــه انطقي....
شهقت من بين دموع التماسيح خاصتها ثم ردت محاوله استمالته: انت هتصدقوا زي كل مره... لازم هو اللي يبقى صح.... صدقني أنا يا ناجي.... انا مراتك ...و اقسم لك ما اعرفش حاجه عن كل اللي بيقوله.... وما قلتش لحد يقتله ولا اتفقت معاهم على حاجه.... وناديه وكلهم كويسين اهو يبقى انا عملت ايه بقى
لم يشعر بحاله وهو يغرز أصابعه في خصلاتها المشعثه بعد سماعه اعترافها، ثم رفعها بقسوة لأعلى و صفعها بكل ما أوتي من قوه و هو يهدر بها: شايفاني حمار عشان تضحكي عليا تاني.... انا سمعت كل حاجه بودني.... وعرفت كلها ألاعيبك... ما تخيلتش يوم أنك بكم الغل والحقد ده.... كنت بقول لنفسي دي غيرة ستات فارغة ومقدور عليها... زود ف الدلع والفلوس والمركز يمكن تشبع و عيونها تمملي ...
أكمل بإهانة مذكِّراً: لكن أنتي انسانه قذره... ما يملاش عيونها إلا التراب ...نسيتي أفضال كرم ومراته علينا...واللي ياما فتح انا بيته وكان في ضهري لحد ما وصلت بيكم للي احنا فيه.... وقدرت اعملك هانم بين سيدات المجتمع..
أخذ يلتقط أنفاسه المتلاحقة وهو يضع يديه في خصره من فرط المجهود ، ولكن تفاجئ بها تستقيم في مواجهته وتقول بكره : تستاهلوا كل حاجه عملتها ..... انتم طول عمركم مش شايفين غير كرم ومراته وبنته ....وحياته هو اللي لازم تبقى top في كل حاجه ....واحنا مجرد ضل ليهم .... هو مركز الدايرة واحنا خيالها ....جاي دلوقتي تضربني وانت طول عمرك عايش مذلول وراضي وماشي وراه وبس..... انا عمري ما شفتك راجل زيه ياناجي....ولا حتى عرفت تبقى ربعه.....
صفعة تلتها أخرى بكل وحشيه، حتى أن وجهها اختفت معالمه وسقطت أرضا من شده الألم ، وكرم اقترب من أخيه بلحظه كي يفصله عنها ....
أما ناجي فبمجرد سقوطها عند قدمه ركلها باحتقار وهو يصرخ عليها ، وكأنه يعطي لنفسه قبلها جناحي الحريه : أنتي طالق يااا راويه ....طالق ....طالق
كان ينطقها وصوته يتردد في المكان ببأس ممزوج بالحياة، وهي لا تستوعب انقلاب عالمها بأكمله في غضون أيام ، رفعت بصرها له بضعف ثم قالت بكبر متأصل فيها : تمام ... مش طلقتني ورديت كرامتك كده.... طلعني بقى من مكان المقرف ده ....وديني عند ولادي ....وانا هعتبر نفسي ما شفتكش انت واخوك.... وحقكم بيتهيأ لي اخدتوه دلوقتي
ضحك بصخب مستهزئا وشاركه أخيه ثم قال بدهشه: أنتي بجد مصدقه إنك هتطلعي من هنا... هههههههههههه ....الثقه دي جايباها منين نفسي اعرف
دارت بعينيها بينهما برعب ثم قالت باهتزاز محاولة اللعب بآخر أوراقها : انا ولادي مش هيسكتوا لو اتأخرت عنهم... خرجني يا كرم من هنا أحسن لك ...بدل ما يبقى شكلك وحش وانت واقف قدام ولاد اخوك.... ولا برضه مش هيفرق معاك
رمقها كرم باستخفاف، في حين صدمها ناجي بقوله بنبرة يقطر منها المرار : هه...ولاد أخوه ....فين ولاد اخوه دول يا هانم.... ما بغبائك ضيعتيهم
اقترب منها ثم استرسل : عبد الله بقى مدمن ياراويه ....ويا عالم هلحقه ولا لا..... و إيهاب تايه ضايع ... وأنت مشغوله في خططك ومؤامراتك وبس ....ولادنا ضاعوا .... وللأسف بسببنا احنا الاتنين
فسَّر مكملاً: أنتي بغلِّك وكرهك وتركيزك مع غيرك .... وأنا بسلبيتي و سكوتي...
تابع و كأن حديثه لنفسه قبلها لا يعفي حاله من الذنب : كنت فاكر بحميهم وبحافظ على البيت... وأنك ممكن تتغيري مع الوقت والكبر ....اتاريني بساعدك تضيعي كل حاجه.... وبقدم لك البيت والاولاد على طبق من ذهب
وقف كرم خلفه وربط على كتفه بحنو يهون عليه، ثم أكمل عنه: بصي يا راويه .... الحل الوحيد اللي قدامك ....إنك تفضلي هنا .... وأنا إكراماً للعشره اللي كانت ليكي في بيت اخويا هجهز لك المكان هنا و طلباتك فيه مجابة ...و ده عشانهم بس .... لكن أنتي ما فيش أي أمان ليكي عشان اسيبك تعيشي حياتك عادي بعيده عن عينينا.... انتي الكره بيجري جواكي بدل الدم يا ماما
تملكت من راويه حاله من الشلل المؤقت لثواني، غير مستوعبه ما يقال عن أولادها وخاصه عبد الله طفلها المدلل ، لتندفع نحو ناجي قائله بريبة :
انت كذاب... كل ده كذب ....صح..... اتكلم
وعندما وجدت عينيه لا يوجد بهما إلا تأكيدا على قوله مع خروج كلماته التاليه بنبره نادمه : يا ريتني ما عرفتك..... يلا يا كرم من هنا.... كفايه كده
وبالفعل ، خرج كرم وتحرك بعده ناجي لتتمسك به راويه وتستجديه بإذلال لأول مره : ناجي.... ابوس ايدك بلاش تسيبني هنا .....انا خلاص مش هعمل حاجه تاني .....وديني عند عبد الله ....حرمت
أزال يدها بمقت ، ونظر لها نظره اخيره ناريه، ثم غادر تحت نحيبها المستمر : يا ناااااجي.... خلاااااص..... خرجوووني .....انا هوريكم..... هقول لاولادي...... هموتكم كلكم........ يا نااااااجي
صعد الأخوان للأعلى بعد ان تركاها تسدد فاتوره أفعالها ، ثم ركبا السياره متوجهين لمنازلهما، تحت سعي كرم لاحتواء أخيه وتخفيف الموقف عليه، وناجي كان شعور الخيبه يلازمه كظل، وعقله لا يكف عن التفكير كي يصل لإجابة عاجله على سؤال ..
كيف سأستطيع إنقاذ ما تبقى من أولادي ؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دلف كرم لمنزله و أخيرا سكنته الراحه، عكس القلق الذي صاحبه الفتره الماضيه، وجد ناديه تنتظره بغرفتهما بصحبه كتاب، اتجه نحوها وقبَّل أعلى رأسها بحب ، ثم ألتقط يدها لتقف معه تحت غرابتها من تحديقه بها دون كلام ، وجعلها تجلس على الاريكه ليخلع عنه سترته ويذهب اليها يضع رأسه على قدميها، لتفهم سريعًا حاجته للكلام الآن ...
بدأت في التمليس على شعره بلطف كما يفضل ، ليلقي ما في جعبته لها وتستقبله في قلبها برحابه صدر ، أغمض عينيه يستمتع بتدليلها وتحدث:
خلصت كل الصعب وجيت عشان ارتاح في حضنك كالعاده
ناديه بعشق : وحضني مفتوح لك طول الوقت يا حبيبي.... ارمي فيه كل تعبك وانا راضيه ومستنيه من بدري
كرم : ياااه يا ناديه....كأن ما بتعديش علينا سنين...وكب مرة الاقيكي حاسه بيها ومش ضغطاني ...
ناديه : أنا ربنا خلقني منك وعشانك يا عمري... يلا احكي لي ايه اللي كان شغلك الفتره اللي فاتت...
وبنفس التوقيت... في الغرفه المجاوره ....
كانت حنين تهاتف حازم في وصله جديدة من الحب والغرام اللذان اغرقها فيهما مذ عقد قرانهما ...
حازم : بلغتيهم يا حبي اني هاخدك وتقضي اليوم معايا انا وماما واخواتي بكره
حنين : لسه يا زومي والله ....انشغلت في كذا حاجه وكنت بكلمك حتى بابي لسه ما شوفتوش
حازم : طب اوعي تنسي ....ده ميمو راضيه عنك وعامله لك حته طاجن ورق عنب.... ملوش حل... عقبال ما أكله من بين ايديكي يا رب
حنين : اكيد مش هنسى ... بس ممكن تقولها تبدأ فيه لما اجي عشان اشوف بتعمله ازاي
حازم : بس كده انت تؤمر أمر .... وحشتيني قوي يا حنين ....مش ممكن لسه هستنى لبكره.... فيها ايه لو جيت خدتك دلوقتي وبقيتي معايا ....مش مراتي ولا ايه
حنين : زومي بس بليز ....مش بعرف ارد على كلامك ده
حازم : اه منها زومي دي.... ماشي.... عارفه لما تيجي بكره هفرجك على كل حاجات كتير تخصني وفي حاجات مهمه قوي يا حنين عاوز اوريها لك أولهم اوضتي ...
حنين : انا كمان متحمسه إن بكره يجي بسرعه.... البيت عندكم جميل قوي يا زوما.... وأهلك لطاف جدا انا حقيقي بحبهم قوي
حازم : بنت أنتي بقول لك ايه ....روحي بسرعه قولي لهم قبل ما تنسي واقفلي دلوقتي.... لاحسن دلعك ده هيخليني اجي اخدك حالا عندي....يا هاجي ابيت انا عندكم واللي يحصل يحصل
حنين : وعلى ايه.... الطيب احسن.... انا هروح اقول لمامي اني هكون عندكم.... وبالمره اشوف بابي جه ولا لسه .....تصبح على خير يا زووومي
حازم ؛ وأنتي من أهل الجنه وأهلي يا قلب زومي...
أهداها قبلة سريعة قبل أن يغلق معها ، ثم تحركت بحيويه وحماس نحو غرفه والديها ، لكن سرعان ما تبدد هذا الشعور بلحظه ، حينما سمعت صدفة ما يُقال بسبب باب الغرفه المفتوح قليلاً ...
= الحمد لله يا كرم إنها عدت ....انت متخيل لو كان حد اذى حنين انا كان ممكن يجرى لي ايه...ولا لو كان حد عرف ان حنين مش بنتنا واستغل النقطه دي و ..
اعتدل كرم بحده وهو يلومها : يا ناديه كام مره هقولك اقفلي الموضوع ده خالص ... اطمني الراجل اللي كان جايبها مات يا ستي ....ومحدش يعرف بالموضوع ده غيرنا احنا الثلاثه.... يبقى......
صوت تكسير في الردهة جعلهما ينظران حولهما بفزع ، فأسرع كلاً منهما يرى من استمع لحديثهما....
بينما حنين أغرقت الدموع عينيها بغزارة شلال، وهي تعود للخلف بعدم استيعاب لما اخترق أذنيها توًّا كالرصاص ، مما جعلها لا ترى أمامها لتسقط مزهريه أثناء جريها نحو السلم ، ومنه إلى بهو الڤيلا و بيد مرتعشه فتحت بابه ، كأنها تفتح أبواب الماضي البعيد ، ليعود فارضًا ظلاله على حاضر ظنته مشرقاً ....
تجاهلت تردد اسمها بصياح ملتاع من قِبَل والدها الذي هتف متلهفا :
حنيــــــــــــن