رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس والستون65 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس والستون65 بقلم عاشقة القلم
عاد أوكتاي إلى مكتبه بعد انتهاء التفتيش، إلا أن ملامحه لم تكن تحمل ما يطمئن. ألقى ملفه فوق المكتب، ثم جلس للحظات وهو يستعيد في ذهنه تفاصيل ما حدث، قبل أن يمد يده إلى هاتفه ويتصل بباران.
لم يستغرق الاتصال طويلًا حتى جاءه صوت باران:
باران: ماذا حدث؟ هل وجدتم طارق؟.
تنهد أوكتاي وأجاب بنبرة جادة:
اوكتاي: لا... لم نجده.
اعتدل باران في جلستهعلى مرسيه داخل مكتبه في مقر عمله، وقد انقبض قلبه فورًا.
باران: كيف ذلك؟.
اوكتاي: ذهبنا إلى منزلهم، وفتشنا المكان بالكامل، بما في ذلك غرفته، لكننا لم نعثر عليه، والأمر الأهم... لم نجد أيًا من الممنوعات التي تحدثت عنها دنيز، لا في غرفته ولا في أي مكان آخر داخل الشقة.
ساد الصمت للحظات.
كان باران يستمع إليه، لكن شيئًا في داخله بدأ يثير القلق، لم يكن اختفاء طارق في هذا التوقيت أمرًا يبعث على الارتياح، خصوصًا بعد كل ما كشفته دنيز من تهديدات وتفاصيل تربطه بما حدث في الماضي.
سأله باران بسرعة:
باران: وماذا قالت والدته؟، ألا تعرف أين ذهب؟.
اوكتاي: هذا ما يزيد الأمر غرابة، قالت إنها لا تعرف مكانه، وإنه لم يخبرها إلى أين سيذهب.
عقد باران حاجبيه، ونهض من مكانه وأخذ يخطو ببطء داخل مكتبه.
باران: أوكتاي... ألا ترى أن الأمر مريب؟.
ساد الصمت للحظة، ثم جاء صوت الضابط موافقًا:
اوكتاي: بصراحة؟ نعم، توقيت اختفائه ليس طبيعيًا، خصوصًا أننا كنا نبحث عنه بعد كل ما أدلت به دنيز.
توقف باران عن السير، وأطرق برأسه لحظة، ثم قال بقلق:
باران: أخشى أنه شعر بأننا اقتربنا منه.
اوكتاي: هذا احتمال وارد جدًا، قال أوكتاي؛ وربما تخلّص من كل شيء قبل أن نصل.
قبض باران يده بقوة.
كان أكثر ما يخشاه أن يكون طارق قد أدرك أن دنيز بدأت تتحدث، وأنها قد تكون الحلقة التي تقوده إليه.
قال باران بصوت حاسم:
باران: يجب أن نعثر عليه قبل أن يفعل شيئًا آخر.
اوكتاي: لا تقلق سنبذل كل ما نستطيع، وسأتابع البحث عنه بنفسي، وبمجرد أن يظهر، سيتم التعامل معه وفق الإجراءات القانونية، خصوصًا في ضوء ما ذكرته دنيز من اتهامات وتصريحات بحقه.
تنفس باران ببطء، ثم قال:
باران: هناك أمر آخر.
اوكتاي: ما هو؟.
باران: دنيز.
فهم أوكتاي مقصده فورًا.
اوكتاي: تقصد أنها قد تكون في خطر؟.
باران: لا أستطيع أن أجزم، لكن إن كان طارق قد اختفى لأنه علم بما يمكن انها قالته، فمن المحتمل أن يحاول الوصول إليها قبل أن نصل إليه.
صمت أوكتاي لحظة، ثم أجاب بجدية:
اوكتاي: معك حق، أخبر دنيز أن تكون حذرة، وألا تذهب إلى أي مكان بمفردها، ومن الافضل ان لاتغادر بيت اهلها حتى يتم القبض عليه، وألا تتواصل معه مهما حاول الوصول إليها، إلى أن نعثر عليه ونستجوبه، يجب أن تبقى بعيدة عن أي مواجهة معه.
أومأ باران رغم أن أوكتاي لا يستطيع رؤيته وقال.
باران: سأفعل ذلك.
وقبل أن ينهي المكالمة، أضاف أوكتاي:
اوكتاي: باران، لا تواجهه بنفسك إن ظهر، دع الأمر لنا.
تجمد باران للحظة، وكأنه فهم ما وراء كلمات صديقه.
باران: لا تقلق، لن أتصرف بتهور.
اوكتاي: أعرفك جيدًا، ولهذا أقول لك ذلك.
أنهيا الاتصال.
بقي باران واقفًا في مكانه، والهاتف لا يزال في يده.
لم يكن يخشى طارق على نفسه، وإنما كان يخشى ما قد يفعله رجل يشعر بأن الخناق بدأ يضيق حوله.
رفع عينيه نحو الباب، ثم تمتم بصوت خافت:
باران: ماالذي تخطط له يا طارق؟.
ثم التقط هاتفه من جديد، وقد اتخذ قراره.
كان عليه أن يصل إلى دنيز بأسرع ما يمكن، وأن يجعلها تدرك أن الخطر لم ينتهِ بعد... بل ربما بدأ للتو.

ظل باران واقفًا في مكانه بعد أن أنهى المكالمة مع أوكتاي، وعيناه معلقتان بالهاتف الذي ما زال في يده.
لم يكن اختفاء طارق يطمئنه إطلاقًا.
بل على العكس... كلما فكر في الأمر، ازداد القلق الذي يثقل صدره.
كان طارق قد اختفى في اللحظة التي بدأت فيها الحقائق بالظهور، وفي الوقت الذي أصبحت فيه دنيز مستعدة لكشف ما تعرفه. وهذا وحده كان كافيًا ليجعل باران يخشى أن يكون الرجل قد أدرك أن دائرته بدأت تضيق من حوله.
لكن أكثر ما أرعبه لم يكن احتمال هروبه...
بل احتمال أن تكون دنيز هدفه التالي.
فهي تعرف الكثير، وقد اعترفت بأمور قد تضع طارق في موقف خطير إن ثبتت صحتها، وإذا كان قد علم بأنها تحدثت، فمن يدري ماذا يمكن أن يفعل لإسكاتها؟.
أمسك باران هاتفه بسرعة واتصل بديلان.
لم تمضِ سوى لحظات حتى جاءه صوتها الهادئ:
ديلان: نعم يا باران؟.
قال مباشرة، دون مقدمات:
باران: ديلان، أين أنتِ الآن؟.
استغربت نبرة صوته المشدودة، فأجابته:
ديلان: ما زلت في شقتنا، لماذا؟، هل حدث شيء؟.
باران: هل نزلتِ إلى شقة والديّ؟.
ديلان: لا، لم أنزل بعد... كنت أنوي النزول الآن.
تنفس باران بقلق، ثم قال:
باران: لا تذهبي إليهم الآن، أريدك أن تذهبي إلى شقة عمي إبراهيم.
ساد الصمت للحظة، قبل أن تسأله ديلان بقلق:
ديلان: إلى شقة عمك إبراهيم؟، لماذا؟ هل حدث شيء؟.
مرر باران يده على وجهه، محاولًا أن يخفي اضطرابه حتى لا يزيد خوفها، لكنه لم يستطع منع القلق من التسلل إلى صوته.
باران: أوكتاي عاد من تفتيش منزل طارق.
ديلان: وماذا وجدوا؟.
باران: لا شيء... لم يجدوا طارق، ولم يجدوا الممنوعات أيضًا.
تغيرت نبرة ديلان فورًا.
ديلان: لم يجدوه؟.
باران: لا؛ ووالدته تقول إنها لا تعرف أين ذهب.
صمتت ديلان للحظات، وكأنها بدأت تدرك خطورة الأمر.
ثم قالت:
ديلان: لكن... لماذا تريدني أن أذهب إلى شقة عمك إبراهيم؟.
أجابها باران بنبرة أكثر جدية:
باران: لأن دنيز هناك.
فهمت ديلان فورًا، وقلبها انقبض.
ديلان: باران!!...
باران: أنا لا أريد أن أخيفك، لكن اختفاء طارق الآن مريب جدًا، ودنيز هي أكثر شخص قد يخشاه بعد كل ما أخبرتنا به.
سكتت ديلان، ثم قالت بحزم:
ديلان: فهمت.
تابع باران:
باران: أريدك أن تذهبي إليها وتحذريها، قولي لها ألا تخرج وحدها والافضل الا تخرج اصلا، وألا تتواصل مع طارق مهما حاول الوصول إليها، وألا تثق بأي اتصال أو رسالة مجهولة.
ثم سكت لحظة قبل أن يضيف بصوت خافت، وقد ظهر خوفه الحقيقي هذه المرة:
باران: لا أريد أن يصيبها شيء يا ديلان.
شعرت ديلان بمدى القلق الذي يخفيه خلف كلماته، فأجابته مطمئنة:
ديلان: لا تقلق، سأذهب إليها الآن، وسأبقى معها حتى تتأكدوا من العثور على طارق.
باران: كوني حذرة أنتِ أيضًا، وإعتني بنفسك وبطفلنا.
ابتسمت ديلان رغم القلق الذي تسلل إلى قلبها.
ديلان: لاتقلق سأكون كذلك.
ثم أضافت:
ديلان: وأنت أيضًا، لا تفعل شيئًا متهورًا.
تنهد باران وقال:
باران: سأحاول ان اضبط نفسي.
ديلان: باران!..
ضحك بخفة لأول مرة منذ بداية المكالمة، وقال:
باران: حسنًا، حسنًا... سألتزم بكلامك.
ثم عاد صوته جادًا:
باران: فقط لا تتأخري، ديلان.
ديلان: لن أتأخر، سأنزل الآن إلى شقة عمك إبراهيم.
أنهت المكالمة، بينما بقي باران للحظات ينظر إلى الهاتف.
لم يكن مرتاحًا بعد.
كان يشعر بأن اختفاء طارق لم يكن نهاية الخطر، وإنما بداية لشيء آخر لم تتضح ملامحه بعد.
أما ديلان، فما إن وضعت الهاتف حتى نهضت مسرعة، وارتدت عباءتها ثم وضعت ححابها ومن فوقه نقابها، ثم اتجهت نحو الباب.
كان في قلبها خوف على دنيز...
وخوف آخر لا تستطيع تجاهله، لأن باران نفسه كان يبدو أكثر قلقًا مما أراد أن يظهر لها.

ما إن أنهت ديلان مكالمتها مع باران حتى أسرعت إلى الخروج من الشقة، وقد استقر في قلبها قلق لم تستطع تجاهله.
كانت كلمات باران تتردد في ذهنها طوال الطريق:
«لا أريد أن يصيبها شيء يا ديلان.»
لم تكن تعرف لماذا شعرت بأن نبرته هذه المرة مختلفة... أكثر توترًا، وأكثر خوفًا مما حاول أن يظهره لها.
وصلت إلى شقة إبراهيم، ومدت يدها إلى جرس الباب وضغطت عليه مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة.
انتظرت.
لا إجابة.
عاودت الضغط عدة مرات، ثم طرقت الباب بيدها، لكن الصمت ظل يلف المكان.
عقدت حاجبيها بقلق.
ديلان: أين ذهبوا؟.
ألقت نظرة سريعة حولها، ثم ترددت لحظات قبل أن تستدير وتصعد إلى شقة والدي زوجها.
ما إن وصلت حتى طرقت الباب، وسرعان ما فُتح لها.
ظهرت عائشة أمامها، وما إن رأتها حتى ابتسمت بحفاوة.
عائشة: ديلان! أهلاً بكِ يا ابنتي، تفضلي.
دخلت ديلان وألقت التحية، ثم جلست معها لبضع دقائق، تبادلتا حديثًا قصيرًا عن أحوالها واحوال الحمل، قبل أن تنتهز ديلان الفرصة وتسألها بنبرة حاولت أن تجعلها عادية:
ديلان: أمي عائشة، هل تعرفين أين عائلة عمي إبراهيم؟، اقصد دنيز وخالتي صفية، لقد طرقت باب شقتهم عدة مرات، لكن لم يجبني أحد.
أجابتها عائشة وهي تتجه نحو المطبخ:
— نعم، صفية ودنيز نزلت أنا أيضا منذ قليل للاطمئنان على دنيز، لكن يبدو أنهم لم يكونوا في الشقة عندما ذهبتِ إليها.
رفعت ديلان رأسها بسرعة.
توقفت عائشة لحظة وكأنها تذكرت شيئًا، ثم قالت:
عائشة: في الحقيقة، رأيت دنيز هذا الصباح.
اقتربت منها ديلان باهتمام.
ديلان: رأيتها؟.
عائشة: نعم؛ عندما كنت أفتح نوافذ شرفة غرفة المعيشة لأسمح لأشعة الشمس بالدخول، لمحتها من الشرفة وهي تركب سيارة أجرة برفقة والدتها صفية.
تجمدت ملامح ديلان.
ديلان: سيارة أجرة؟.
عائشة: نعم، قالتها عائشة ببساطة، ثم هزت رأسها واكملت، لم أعرف إلى أين كانتا ذاهبتين، ولم أسألهما.
حاولت ديلان أن تخفي اضطرابها.
ديلان: ومتى كان ذلك تقريبًا؟.
فكرت عائشة قليلًا.
عائشة: صباحًا... منذ عدة ساعة او أكثر.
ابتلعت ديلان ريقها، بينما بدأت الاحتمالات تتزاحم في رأسها.
هل غادرت دنيز لأنها خافت من طارق؟،
هل اتصل بها أحد؟،
أم أنها ذهبت إلى مكان تعرفه وحدها؟.
ولم تكن المشكلة في عدم معرفتها بالمكان فحسب، بل في أن طارق نفسه أصبح هاربًا، ولا أحد يعرف أين هو.
استغلت ديلان دخول عائشة المطبخ بحجة لإجراء اتصال، وما إن ابتعدت عنها حتى أخرجت هاتفها واتصلت بباران.
لم يتأخر في الرد.
باران: ديلان؟ هل وصلتِ إلى دنيز؟.
تنفست بعمق وقالت:
ديلان: لا يا باران... لم أجدها.
ساد الصمت على الطرف الآخر.
باران: ماذا تعنين أنك لم تجديها؟.
ديلان: طرقت باب شقة عمي إبراهيم عدة مرات، لكن لم يجبني أحد، صعدت بعدها إلى شقة والديك، وأمي عائشة أخبرتني أنها رأت دنيز هذا الصباح مع والدتها صفية وهما تركبان سيارة أجرة.
تغير صوت باران فورًا.
باران: سيارة أجرة؟ إلى أين؟.
ديلان: امك لا تعرف إلى أين ذهبتا، قالت إنها لم تسألهما للنها رأتهما من شرفة المنزل.
سكت باران لحظات، وكأن الخبر زاد شيئًا كان يخشاه أصلًا.
ثم قال:
باران: ديلان، هل أنتِ متأكدة أن أمي رأتهما اليوم؟.
ديلان: نعم، قالت إنها رأتهما بنفسها من شرفة غرفة المعيشة.
مرر باران يده على وجهه، واشتد القلق في صدره.
كان اختفاء طارق قد أثار شكوكه، والآن اختفاء دنيز عن المنزل في التوقيت ذاته جعله يشعر بأن هناك حلقة مفقودة في الأمر.
قال بصوت منخفض:
باران: هذا لا يطمئنني أبدًا.
ديلان: وأنا أيضًا أشعر بالقلق.
باران: هل تعرفين إن كانت دنيز تحمل هاتفها معها؟.
ديلان: لا أعرف واظن انها غيرت الخط فقد حاولت سابقا الاتصال بها لكنني لم انجح.
صمت باران قليلًا، ثم قال بحزم:
باران: اسمعيني، ابقي مع أمي أو عودي إلى الشقة، وسأحاول معرفة أين ذهبت.
أجابته ديلان:
ديلان: لكن يا باران، ربما تكون قد ذهبت إلى مكان عادي برفقة والدتها، واظن انهما ذهبتا لأخصائية نسائية فقد طلبت منها الطبيبة امس إجراء بعض الفحوصات والتحاليل، للإطمئنان على صحتنا وصحة جنينها .
باران: أتمنى ذلك.
ثم سكت لحظة قبل أن يضيف:
باران: لكن بعد اختفاء طارق، لا أريد أن أتعامل مع الأمر على أنه مجرد صدفة.
شعرت ديلان بالخوف من نبرته، فقالت:
ديلان: باران...
باران: ماذا؟.
ديلان: فقط كن حذرًا أنت أيضًا.
أغمض عينيه للحظة، ثم قال:
باران: لا تقلقي سأكون كذلك، لكن أريدك أن تبقي بعيدة عن أي شيء قد يعرضك للخطر.
أنهت ديلان المكالمة وعادت إلى غرفة الجلوس، بينما بقي باران في الطرف الآخر من الاتصال يحدق في هاتفه.
قبل ساعات فقط، كان يعتقد أن الخطر يكمن في طارق وحده.
أما الآن...
فلم يعد يعرف أين يوجد طارق، ولا أين ذهبت دنيز، ولا ما الذي يمكن أن يكون قد حدث بينهما.
وكان ذلك الغموض هو أكثر ما يخيفه.

في تلك الأثناء، كانت دنيز برفقة والدتها صفية في عيادة الطبيبة الأخصائية، بعيدًا عن كل ما كان يدور في المنزل من قلق وتوتر.
فمنذ أن علمت دنيز في اليوم السابق بحملها، لم تهدأ مشاعرها. كان الخبر لا يزال جديدًا عليها، يحمل في داخله فرحة خافتة تختلط بالخوف والارتباك؛ فهي لم تكن قد استوعبت بعد أنها تحمل في رحمها حياة صغيرة بدأت تنمو داخلها.
وفي مساء اليوم السابق، كانت قد اتصلت بمدحت وأخبرته بما حدث، فاستقبل الخبر بفرح واضح، ثم سألها عن نصيحة الطبيبة التي أخبرتها بحملها.
وعندما أخبرته بما قالته لها، جاءها صوته حازمًا:
مدحت: أريدك أن تذهبي غدًا صباحًا إلى طبيبة أخصائية برفقة والدتك، يجب أن نطمئن على صحتك وعلى صحة الجنين، وعندما أعود من مأموريتي لاحقًا سأأتي لأصطحبك إلى بيتنا.
نقلت دنيز حديثه إلى والدتها، فلم تتردد صفية في اتخاذ قرارها.
صفية: سنذهب غدًا، وسنطمئن عليكِ وعلى صغيرك بنفسي.
وفي صباح اليوم التالي، وبعد أن تناول إبراهيم وروني إفطارهما وغادرا إلى عمليهما، خرجت دنيز برفقة والدتها متوجهتين إلى عيادة الطبيبة.
كانت صفية تسير إلى جانب ابنتها، تراقب خطواتها بين الحين والآخر، وكأنها تخشى أن تبذل دنيز مجهودًا أكثر مما ينبغي.
أما دنيز، فكانت شاردة الذهن.
كانت تضع يدها فوق بطنها بين لحظة وأخرى، رغم أن بطنها لم يكن قد تغير كثيرًا بعد، وكأنها تحاول أن تستشعر ذلك الكائن الصغير الذي بدأ يحتل جزءًا من قلبها قبل أن يكبر في جسدها.
وبعد انتظار قصير، دخلت إلى غرفة الفحص.
خضعت دنيز للفحوصات والتحاليل اللازمة، وظلت صفية تنتظر خارج الغرفة بقلب أم لا يعرف الهدوء، حتى خرجت الطبيبة أخيرًا وهي تحمل ابتسامة مطمئنة.
الطبيبة: اطمئني يا ابنتي، حملك يسير بصورة طبيعية، والحمد لله، الجنين بخير.
أطلقت صفية زفرة ارتياح طويلة، بينما لمعت عينا دنيز بفرحة لم تستطع إخفاءها.
دنيز: حقًا؟ إنه بخير؟.
ابتسمت الطبيبة.
الطبيبة: نعم، وبحسب الفحوصات، فقد أتممتِ الشهر الثاني من الحمل.
وضعت دنيز يدها على بطنها، وشعرت بقلبها يخفق بعنف.
شهران...
كانت كلمة صغيرة، لكنها حملت إليها إحساسًا هائلًا بأن هناك حياة تنمو داخلها بالفعل.
لكن الطبيبة لم تكتفِ بذلك، إذ تغيرت ملامحها قليلًا وهي تقلب نتائج التحاليل.
الطبيبة: هناك أمر آخر يجب أن تنتبهي إليه.
رفعت دنيز عينيها إليها بقلق.
دنيز: ماذا؟.
الطبيبة: لديكِ بعض الضعف بحسب نتائج التحاليل، وهذا أمر لا أريد إهماله، خصوصًا أثناء الحمل، سأكتب لكِ بعض الفيتامينات والمكملات الغذائية، وعليكِ أن تهتمي بغذائك جيدًا.
ثم نظرت إليها بجدية وأضافت:
الطبيبة: والأهم من ذلك، لا تبذلي أي مجهود بدني في الفترة القادمة، أريد منك الراحة قدر الإمكان.
سألت صفية بقلق:
صفية: هل هناك خطر على الجنين؟.
هزت الطبيبة رأسها مطمئنة.
الطبيبة: لا، لا يوجد ما يدعو للقلق حاليًا، لكن عليكِ الالتزام بالتعليمات حتى يستمر الحمل بصورة سليمة.
ثم التفتت إلى دنيز وقالت:
الطبيبة: ولا أريدك أن تجهدي نفسك نفسيًا أيضًا، لاحظت عليكِ التوتر أثناء الفحص، والحالة النفسية للأم مهمة جدًا، حاولي أن ترتاحي، وأن تبتعدي عن كل ما يسبب لكِ القلق.
خفضت دنيز عينيها، وكأن كلمات الطبيبة لامست شيئًا عميقًا داخلها.
كيف لها أن ترتاح، وهي تحمل فوق قلبها كل ذلك الخوف؟،
لكنها اكتفت بهز رأسها.
دنيز: سأحاول.
خرجت دنيز مع والدتها من العيادة بعد أن اطمأنتا على صحتها وصحة الجنين.
وبينما كانتا تسيران في الشارع، لاحظت صفية وجود صيدلية في آخر الطريق.
صفية  لنذهب ونشتري الأدوية والفيتامينات التي كتبتها الطبيبة، ثم نعود إلى المنزل.
أومأت دنيز موافقة.
دنيز: حسنًا يا أمي.
بدأتا تعبران الطريق.
كانت صفية تسير أمام ابنتها بخطوات هادئة، بينما كانت دنيز خلفها بقليل.
لكن عقل دنيز لم يكن مع الطريق.
كانت غارقة في أفكارها...
في طفلها الذي بدأ يكبر داخلها، وفي المستقبل المجهول الذي ينتظرها، وفي مدحت، وفي كل ما حدث خلال الأيام الماضية.
كانت تفكر في كيفية تغير حياتها بعد هذا الخبر، وفي الطريقة التي سيصبح بها كل شيء مختلفًا حين تحمل طفلها بين ذراعيها.
ولهذا لم تنتبه إلى ذلك الصوت.
صوت محرك سيارة يقترب بسرعة جنونية.
كانت السيارة تتجه نحوهما مباشرة.
وفجأة التفتت صفية.
اتسعت عيناها رعبًا.
رأت السيارة على بُعد أمتار قليلة، مسرعة بصورة لم تمنحها سوى ثوانٍ معدودة.
صرخت بكل ما أوتيت من قوة:
صفية: دنيز! ابتعدي!.
رفعت دنيز رأسها بفزع.
دنيز: ماذا؟.
التفتت نحو الصوت...
وفي اللحظة نفسها، رأتها.
السيارة.
كانت قريبة جدًا.
حاولت التحرك، لكن جسدها لم يسعفها في الوقت المناسب.
صرخت صفية:
صفية: دنيز!!!...
ثم وقع الاصطدام.
ارتطم جسد دنيز بمقدمة السيارة، فقذفتها قوة الصدمة إلى الأمام، وسقطت على الأرض بقوة.
صرخت صفية صرخة مزقت سكون الشارع، واندفعت نحو ابنتها.
صفية: دنيز!.
لكن الصدمة الأكبر كانت أن السيارة لم تتوقف.
لم يتردد سائقها لحظة واحدة.
تابع طريقه مسرعًا، وفرّ من المكان، تاركًا خلفه دنيز ممددة على الأرض.
توقفت صفية فوق ابنتها، عاجزة عن استيعاب ما حدث.
صفية: دنيز... ابنتي!.
انحنت إليها، وراحت تهز كتفها برفق.
صفية: دنيز، افتحي عينيكِ... أرجوكِ!
لكن دنيز لم تجب.
كان الدم يسيل من مواضع عدة في جسدها، ووجهها شاحبًا بصورة أرعبت أمها.
وضعت صفية يدها المرتجفة على وجه ابنتها.
صفية: دنيز... اسمعيني، أنا أمكِ... أنا هنا.
ثم نظرت إلى بطن ابنتها، وكأنها تذكرت فجأة أن هناك روحًا أخرى تشاركها هذه اللحظة المروعة.
صفية  يا الله... طفلها...
انهارت دموعها وهي تصرخ فيمن تجمعوا حولهما:
صفية: اتصلوا بالإسعاف! أرجوكم! ابنتي حامل!.
كان الناس قد بدأوا يتجمعون حول مكان الحادث، بعضهم يحدق في ذهول، وآخرون يحاولون الاقتراب لمساعدتها.
قال أحدهم:
رجل: لقد رأيت السيارة... كانت مسرعة جدًا!
وقال آخر وهو ينظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة:
رجل آخر: السائق لم يتوقف حتى!
لكن صفية لم تكن تسمع شيئًا.
لم يكن في عالمها كله سوى ابنتها.
أمسكت يد دنيز بين يديها، وراحت تقبلها وهي تبكي:
صفية: لا تتركيني يا ابنتي... أرجوكِ لا تتركيني.
ثم وضعت يدها الأخرى على بطنها، وهمست وسط شهقاتها:
صفية  وأنت أيضًا يا صغيري... تمسّك بأمك... تمسّك بها، أرجوك.
كانت الدقائق تمر ثقيلة كأنها ساعات، بينما بقيت دنيز ساكنة على الأرض، لا تدري أن أمها تحارب العالم كله من أجل أن تبقيها على قيد الحياة.
وفي مكان آخر، كان باران لا يزال يحاول معرفة مكانها...
دون أن يعلم أن دنيز التي كان يخشى عليها قبل دقائق، أصبحت الآن بين الحياة والموت.

لم يكد إبراهيم يستوعب ما أخبرته به صفية حتى شعر بأن العالم من حوله قد انقلب في لحظة واحدة.
دنيز...
ابنته.
كانت الكلمة وحدها كافية لتبعثر أفكاره، خصوصًا بعدما أخبرته زوجته بأنها فقدت وعيها وأن الإسعاف تنقلها إلى المستشفى بعد تعرضها لذلك الاصطدام العنيف.
خرج إبراهيم مسرعًا من مقر عمله، وقلبه يخفق بعنف، ثم أخرج هاتفه واتصل بأخيه عزت.
إبراهيم: عزت... دنيز تعرضت لحادث!
جاءه صوت عزت مشدوهًا:
عزت: ماذا؟! ماذا حدث لها؟.
إبراهيم: صدمتها سيارة وفرّ سائقها، نقلوها إلى المستشفى، وصفية معها الآن.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يسأل عزت بقلق:
عزت: هل هي بخير؟.
ابتلع إبراهيم غصته.
إبراهيم: لا أعرف... صفية قالت إن حالتها خطيرة، والأطباء يتعاملون معها الآن.
تغيرت ملامح عزت، وشعر بانقباض مؤلم في صدره.
عزت: سأصل إليكم فورًا.
ثم أغلق الاتصال، واتصل مباشرة بزوجته عائشة ليخبرها بما حدث.
كانت عائشة تجلس مع ديلان عندما رن هاتفها.
عائشة: عزت؟.
استمعت إلى عزت، وما إن سمعت اسم دنيز حتى تغير وجهها.
عائشة: ماذا تقول؟!.
كانت ديلان بجانبها، ولاحظت الاضطراب الذي اجتاح ملامحها، فاقتربت منها.
ديلان: أمي عائشة، ماذا حدث؟.
وضعت عائشة الهاتف جانبًا لحظة، ثم قالت بصوت مرتجف:
عائشة: دنيز تعرضت لحادث سيارة... صدمتها سيارة وفرّ سائقها.
شعرت ديلان بأن قلبها هبط إلى قاع صدرها.
ديلان: دنيز؟!.
لم تحتج إلى سماع المزيد.
تذكرت على الفور أنها كانت قد ذهبت قبل قليل للبحث عنها، وأنها لم تجدها، وأن عائشة أخبرتها بأنها رأتها صباحًا برفقة صفية.
أما الآن، فقد تحولت كل تلك التفاصيل إلى شيء أكثر رعبًا.
أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بباران.
لم يتأخر في الرد.
باران: ديلان!!..ما الاخبار؟.
جاء صوتها مضطربًا:
ديلان: باران... حدث شيء لدنيز.
اعتدل باران في مكانه.
باران: ماذا حدث؟.
ديلان: تعرضت لحادث سيارة.
سقطت الكلمات عليه كالصاعقة.
باران: ماذا؟!.....
ديلان: صدمتها سيارة في الشارع، ثم فرّ السائق، نقلوها إلى المستشفى على جناح السرعة.
نهض باران من مكانه دفعة واحدة.
باران: أي مستشفى؟ وهل هي واعية؟.
ارتجف صوت ديلان.
ديلان: لا أعرف التفاصيل، أمي عائشة لم تعرف سوى ما أخبرها به أبي عزت... كل ما نعرفه أنها نُقلت إلى المستشفى.
سألها بسرعة:
باران: وماذا عن صفية؟.
ديلان: كانت معها وهي بخير وقد ذهبت معها للمستشفى.
أغمض باران عينيه للحظة، محاولًا السيطرة على القلق الذي اجتاحه.
دنيز كانت هي الشخص الذي كان يخشى عليه منذ اختفاء طارق.
والآن تعرضت لحادث، والسائق لم يتوقف.
لم يستطع تجاهل الرابط بين الأمرين.
قال لديلان:
باران: ابقي مع أمي، ولا تذهبي إلى المستشفى وحدكِ، سأحاول معرفة ما حدث.
ديلان: حسنًا.
باران: وسأتصل بكِ فورًا عندما أعرف أي شيء.
أنهى المكالمة، لكنه لم يبقَ ساكنًا.
أخرج هاتفه واتصل بأوكتاي.
جاءه صوت صديقه بعد لحظات:
اوكتاي: باران؟.
قال باران مباشرة:
باران: أوكتاي، هل وصلكم بلاغ عن حادث دهس أو اصطدام سيارة بامرأة؟.
أجاب أوكتاي:
اوكتاي: نعم، وصلتنا إفادة عن حادث وفرار السائق، لكنني لا أعلم من هي الضحية.
قال باران بصوت مشدود:
باران: الضحية دنيز.
ساد الصمت على الطرف الآخر.
اوكتاي: دنيز؟!.
باران: نعم، نُقلت إلى المستشفى منذ قليل، وحالتها غير واضحة حتى الآن.
أخذ أوكتاي نفسًا عميقًا.
اوكتاي: أنا موجود في المديرية الآن، وسأتابع الأمر بنفسي.
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
اوكتاي: وبما أن السائق لم يتوقف وفرّ من المكان، فعلينا ألا نتعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد حادث مروري قبل أن نعرف كامل التفاصيل.
قال باران:
باران: هذا ما أفكر فيه بالضبط.
 اوكتاي: سنجمع إفادات الشهود، ونبحث عن كاميرات المراقبة في المنطقة، ونحاول تحديد السيارة ومسار هروبها، إذا تبين أن الاصطدام كان متعمدًا، فسنتعامل معه على هذا الأساس.
قبض باران يده.
باران: أريدك أن تعرف الحقيقة يا أوكتاي.
اوكتاي: سأفعل ما بوسعي.
ثم صمت قليلًا قبل أن يقول:
اوكتاي: وهناك أمر آخر لا يمكن تجاهله.
باران: ماذا؟.
اوكتاي: التوقيت.
فهم باران قصده فورًا.
اختفاء طارق، ثم عدم العثور عليه في منزله، ثم الآن تعرض دنيز لحادث وفرار السائق...
كلها أمور متتابعة بصورة جعلت الشك يثقل صدره.
قال أوكتاي:
اوكتاي: لا أريد أن نستبق التحقيق، لكن علينا أن نأخذ احتمال أن يكون الحادث مرتبطًا بما سبق بعين الاعتبار، خصوصًا إذا أثبتت الأدلة أن الاصطدام لم يكن عرضيًا.
أجاب باران بصوت خافت:
باران: دنيز كانت خائفة منه... والآن يحدث هذا.
اوكتاي: لهذا السبب تحديدًا سأتعامل مع الأمر بأقصى قدر من الجدية.
أنهى باران المكالمة، وبقي واقفًا في منتصف مكتبه.
كان عقله يعيد ترتيب الأحداث واحدة تلو الأخرى.
طارق اختفى.
الممنوعات لم تُعثر عليها.
دنيز كانت قد أدلت باعترافات خطيرة بحقه.
ثم الآن...
سيارة تصدمها وتهرب.
رفع باران عينيه، وشعر بقشعريرة تسري في جسده.
لم يكن يملك دليلًا بعد يربط طارق بالحادث، ولم يكن مستعدًا لأن يتهمه بلا بينة.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا بالنسبة إليه:
هذه المرة، لم يعد الأمر مجرد شك.
كان عليه أن يعرف من كان خلف مقود تلك السيارة، ولماذا لم يتوقف سائقها لإنقاذ ضحيته.
وفي مكان آخر، كانت ديلان لا تزال واقفة إلى جوار عائشة، وعيناها معلقتان بهاتفها، تنتظر أي خبر عن دنيز...
بينما كانت خلف أبواب المستشفى معركة أخرى تُخاض، لا تعرف العائلة بعد إن كانت ستخرج منها دنيز وحدها...
أم أن الطفل الذي لم يمضِ على اكتشاف وجوده سوى يوم واحد، سيظل معلقًا معها بين الخوف والأمل.

ما إن غادرت سيارة الإسعاف المكان حاملة دنيز إلى المستشف، حتى بدأت الشرطة عملها بصورة أكثر دقة.
أُبعد الفضوليون عن موقع الحادث، وأُغلق الجزء الذي وقع فيه الاصطدام مؤقتًا، بينما انتشر أفراد الشرطة في المكان، يبحثون عن كل تفصيل يمكن أن تساعدهم في معرفة ما حدث.
كان الشارع قد عاد إلى شيء من هدوئه، إلا أن آثار الحادث بقيت واضحة في المكان؛ بعض المتعلقات التي سقطت من دنيز، وآثار الاصطدام على الطريق، وشهود ما زالت الصدمة مرتسمة على وجوههم.
اقترب أحد رجال الشرطة من مجموعة من الأشخاص الذين كانوا قد شاهدوا الحادث وتقدم الشركي المكلف بالتحقيق ليسألهم، ويدون المعلومات الاولية عن الحادت.
الشرطي المحقق: نريد من كل شخص رأى ما حدث أن يخبرنا بالتفصيل بما شاهده، دون إضافة أو تخمين.
تقدم رجل كان يقف بالقرب من المكان وقال:
الرجل: كنت أقف هناك عندما رأيت السيدتين تعبران الطريق. لم يكن الشارع مزدحمًا، وفجأة ظهرت سيارة من آخر الشارع.
سأله الشرطي:
الشرطي المحقق: هل كانت تسير بسرعة؟.
هز الرجل رأسه بقوة.
الرجل: بسرعة جنونية... كانت أسرع بكثير من السرعة الطبيعية داخل هذا الشارع.
تدخلت امرأة أخرى كانت من الشهود:
المرأة: وأنا رأيتها أيضًا، في البداية ظننت أن السائق سيتوقف أو يغير اتجاهه، لكنه اتجه مباشرة نحوهما.
رفع الشرطي عينيه عن دفتر ملاحظاته.
الشرطي المحقق: هل تقصدين أنه كان متجهًا نحوهما تحديدًا؟.
المرأة: نعم... هذا ما بدا لي، ثم اصطدمت السيارة بإحداهما.
سألها:
الشرطي المحقق: هل تتذكرين أي شيء عن السيارة؟.
المرأة: لونها ونوعها تقريبًا، لكنني لم أتمكن من رؤية رقمها.
تتابعت إفادات الشهود.
وكان القاسم المشترك بينها جميعًا واحدًا:
الشارع كان شبه خالٍ،
السيارة ظهرت فجأة بسرعة عالية،
لم تتوقف،
وبعد الاصطدام، فر السائق مباشرة.
دوّن المحقق آخر إفادة، ثم أغلق دفتره.
الشرطي المحقق: حسنًا؛ هل توجد كاميرات مراقبة في المنطقة؟.
أشار أحد أفراد الشرطة إلى المباني المحيطة.
الشرطي: هذه المنطقة في وسط المدينة، وهناك كاميرات مثبتة في أكثر من مكان.
رفع الشرطي رأسه بسرعة.
الشرطي المحقق: إذن لنبدأ بها فورًا.
انتشر أفراد الشرطة بين المحال والمباني المحيطة، وبدأوا في حصر مواقع كاميرات المراقبة التي يمكن أن تكون قد التقطت لحظة الحادث أو ما سبقها.
وكانت المفاجأة أن عددًا كبيرًا من الكاميرات كان يغطي الشارع ومداخله.
بعد وقت من العمل، تمكن المحققون من الحصول على التسجيلات من عدة نقاط مختلفة، وبدأوا في مراجعتها واحدة تلو الأخرى.
في البداية لم يظهر شيء حاسم.
سيارات تعبر الطريق...
أشخاص يسيرون...
حافلات تمر...
ثم ظهرت السيارة.
توقف أحد المحققين أمام الشاشة.
المحقق: لحظة.
أعاد التسجيل.
ظهرت السيارة بوضوح هذه المرة.
نوعها...
لونها...
ورقم لوحتها.
اقترب المحقق من الشاشة.
المحقق: هذه هي.
تسارعت دقات قلبه، ثم طلب من زميله حفظ التسجيل كاملًا.
المحقق: لا نريد هذه اللقطة فقط، أريد كل ثانية منذ ظهور السيارة في المنطقة.
بدأوا بتتبع مسارها عبر الكاميرات المختلفة.
وهنا بدأت الصورة تتغير.
لم تكن السيارة قد ظهرت في الشارع مصادفة،
فقد أظهرت إحدى الكاميرات أنها كانت موجودة بالقرب من عيادة الطبيبة في وقت مبكر من الصباح، خيث ظهرت وراء سيارة الاجرة التي نزلت منها دنيز وامها امام العيادة.
ثم ظهرت دنيز وصفية وهما تخرجان من العيادة.
بعد ساعات، تحركت السيارة خلفهما.
تبادل المحققون النظرات.
قال أحدهم:
المحقق: السيارة كانت تتبعهما.
أجاب آخر:
المحقق: تابع التسجيل.
استمروا في المشاهدة،
ثم ظهرت السيارة في أكثر من كاميرا، مرة على مسافة قريبة، ومرة أبعد قليلًا، لكنها كانت تسير في الاتجاه نفسه الذي سلكته دنيز ووالدتها،
حتى وصلت المرأتان إلى المكان الذي وقع فيه الحادث.
كانت السيارة في ذلك الوقت متوقفة في نهاية الشارع، على جانب الطريق.
سأل أحد المحققين:
المحقق: هل توقفت هناك قبل وصولهما؟.
الشرطي المختص: نعم.
تقدم المحقق نحو الشاشة.
المحقق: كبّر الصورة.
ظهرت دنيز وصفية وهما تخرجان من المبنى ويتجهان نحو الطريق.
وفي اللحظة التي بدأتا فيها بالسير، تحركت السيارة ببطء.
ثوانٍ قليلة...
ثم بدأت سرعتها بالازدياد.
قال أحد المحققين بصوت خافت:
المحقق: انظر إلى السيارة.
كانت السيارة تقترب،
بسرعة متزايدة،
ثم أكثر...
حتى أصبح اتجاهها واضحًا بصورة مخيفة.
لم تنحرف بعيدًا عن دنيز،
بل اتجهت نحوها مباشرة،
ساد الصمت داخل غرفة المتابعة.
كانت الصورة وحدها تتحدث،
قال المحقق:
المحقق: أوقف التسجيل.
توقفت الصورة قبل لحظة الاصطدام.
ثم طلب:
المحقق: أعدها.
أعيد التسجيل.
مرة...
مرتين...
ثلاثًا.
وفي كل مرة كانت النتيجة نفسها.
السيارة زادت سرعتها بينما كانت دنيز تعبر الطريق، ثم اصطدمت بها، وبعدها واصلت طريقها دون توقف.
قال أحد المحققين:
المحقق: هذا لا يبدو كحادث عشوائي.
أجابه آخر:
المحقق2: لا نستطيع الجزم قبل استكمال التحقيق، لكن المعطيات تشير إلى أن السائق كان يتابع الضحية قبل الاصطدام.
ثم أضاف:
المحقق2: نريد أن نعرف من كان خلف المقود.
بعد عودة فريق التحقيق إلى مديرية الشرطة، فُتح ملف القضية على الفور، وجُمعت كل التسجيلات والشهادات والبيانات التي تم الحصول عليها من موقع الحادث.
أُنشئت خلية تحقيق لمراجعة الأدلة، وبدأت عملية مطابقة رقم السيارة مع سجلاتها.
ظهرت البيانات على الشاشة.
قرأ أحد المحققين الاسم، ثم رفع رأسه ببطء.
الشرطي: السيارة مسجلة باسم...
توقف لحظة.
ثم ذكر الاسم.
بدأ المحققون في مقارنة المعلومات مع كل ما لديهم من بيانات سابقة.
وفي الوقت نفسه، كان أحدهم يعمل على تكبير اللقطات التي ظهر فيها السائق.
قال:
الشرطي المسؤول عن تسجيلات الكاميرا: لدينا صورة لوجهه.
اقترب الجميع من الشاشة.
كانت الصورة غير واضحة في البداية، لكن مع تحسينها وتكبيرها ظهرت ملامح الرجل تدريجيًا.
ساد الصمت.
ثم قال أحد اوكتاي الذي كان بين المحققين:
اوكتاي: لحظة...
أعاد النظر إلى الصورة.
 اوكتاي: أنا أعرف هذا الرجل.
التفت إليه رئيس فريق التحقيق.
"من؟".
ابتلع اوكتاي ريقه، ثم قال:
اوكتاي: طارق سارتاش وقد كان هناك امرا بإلقاء القبض عليه.
ساد الصمت من جديد.
هذه المرة لم يكن صمت التركيز...
بل صمت الصدمة.
طارق.
الرجل الذي كان قد اختفى قبل ساعات فقط.
الرجل الذي لم تعثر الشرطة عليه في منزله.
الرجل الذي كانت دنيز قد أدلت بحقه بتصريحات خطيرة.
والآن ظهرت صورته في تسجيلات كاميرات المراقبة، وهو يقود السيارة التي صدمت دنيز ثم فرّ من المكان.
قال أحد المحققون:
المحقق: إذن لم يكن هاربًا فحسب...
أجاب رئيس الفريق بوجه متجهم:
الرئيس: يبدو أنه كان يتابعها.
ثم نظر إلى التسلسل الزمني للتسجيلات.
الرئيس: لقد عرف أين ذهبت، وتبعها إلى العيادة، وانتظر حتى خرجت، ثم ظل يراقبها حتى سنحت له الفرصة.
أعادوا التسجيل الأخير مرة أخرى.
السيارة واقفة،
دنيز تخرج،
السيارة تتحرك،
ثم تزداد سرعتها،
ثم الاصطدام،
ثم الفرار.
لم يعد المشهد يحتمل كثيرًا من التأويل.
قال رئيس المحققين بحزم:
الرئيس: لدينا الآن ما يكفي لاعتبار الواقعة اعتداءً متعمدًا، مع ضرورة استكمال الإجراءات والتحقق من جميع الأدلة.
نظر الجميع إلى صورة طارق على الشاشة.
أما اومتاي، فنهض من مكانه وقال:
اوكتاي: أصدروا تعميمًا عاجلًا للبحث عنه، لا نريد أن يختفي مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة، أصبح الأمر أخطر بكثير مما ظنته العائلة في البداية.
لم تكن دنيز مجرد ضحية حادث سير عابر.
كانت قد استُهدفت،
والرجل الذي حاول إسكاتها لم يكن شخصًا مجهولًا...
بل طارق سارتاش، الرجل الذي فرّ قبل أن تصل الشرطة إلى منزله، والذي أصبح الآن مطلوبًا على خلفية اعتداء بدا، وفق الأدلة الأولية، أنه نُفذ عمدًا.
أما في المستشفى، فكانت دنيز تصارع الموت خلف أبواب غرفة العمليات، بينما لم تكن عائلتها تعلم بعد أن الشرطة توصلت إلى الحقيقة التي ستغير مسار القضية بالكامل.
وأن السؤال لم يعد:
من صدم دنيز؟،
بل أصبح:
أين ذهب طارق بعد أن حاول قتلها؟......

تعليقات



<>