رواية هاتف منتصف الليل الفصل الثالث3 بقلم ملكة الروايات والحكايات

رواية هاتف منتصف الليل الفصل الثالث3 بقلم ملكة الروايات والحكايات
​مرّت ليلة طويلة وثقيلة على "أمنية"، ليلة طاردتها فيها كوابيس الماضي؛ فرأت زوجها في منامها بقسوته المعهودة، واستعادت أيام جحيمها معه وتحمّلها لضربه وإهانته. تذكرت كيف تنفست الصعداء حين ألقي القبض عليه بعدما اعتدى على رجل وسبب له عاهة مستديمة، ليُحكم عليه بالسجن أربع سنوات. استغلت أمنية تلك الفرصة لتتخلص من قيده ورفعت دعوى خلع لتبدأ حياتها من جديد، لكن راحة بالها لم تدُم طويلاً؛ فقد خرج من السجن ليظهر في حياتها مجددًا، مهددًا استقرارها وينغّص عليها عيشتها.
​رفع النهار رايته البيضاء فشقّ ظلام الليل وتبددت ظلمته، ليعلن عن بدء يوم جديد. كانت أمنية قد أنهت صلاتها وتسابيحها، وأفرغت ما في قلبها من شكوى وبكاء بين يدي الله، علّه يفرج همها ويجبر كسرها؛ فكلما ضاقت الدنيا على العبد، كان القرب من الله هو الملاذ الذي لا يُغلق بابه، وكرمه الذي لا ينفد.
​بعد برهة من الوقت، دخلت والدتها "سلسبيل" البيت باستخدام نسختها من المفتاح. ما إن رأتها أمنية حتى ارتمت في أحضانها وهي ترتجف من الخوف وقالت:
​الحقيني يا ماما.. عزت خرج ومستحلفلي عشان خلوته!
​ردت الأم بغضب ودعاء عليه:
​إلهي تتخلع رقبته وش السجون ده! وبعدين يا بنتي هنعمل ايه؟
​أنا هطلع على القسم وأعمل بلاغ إنه بيهددني.
​أيوه يا بنتي بس لو عرف هتبقى مصيبة!
​طب أعمل إيه بس؟ أنا خايفة منه.. إنتي عارفة إنه ميعرفش ربنا.
​هقول إيه بس! ياما قولنالك بلاش ده، بس مراية الحب عامية.. كان كويس في الأول، بس لما اتلم على أصحاب السوء غيروه، وبقى يشرب حشيش وبقى غير اللي حبيتيه.
​القصد.. نصيبي كده.
​ربنا يستر ويبعده عنك.
​في تلك اللحظة، رنّ الهاتف فارتعشت أمنية رعبًا وقالت:
​أهو عزت!
سحبت الأم الهاتف بسرعة وردت بحزم:
​عايز إيه يا عزت؟ ابعد عن بنتي، انت فاكر إن ملهاش حد؟ لا أنا أهو، ولو لمست شعرة منها هقطعك بسناني!
جاءها صوته الساخر عبر الهاتف:
​هه! سلسبيل؟ والله النمل طلع له سنان!
​انت إنسان مجرم ومفيش فايدة فيك.
​أومال السنيورة فين؟ هاتيهالي أكلمها، أنا عايز أشوف ابني!
​هتشوفه بأي وش وانت وش سجون وأجرام؟ ما انت لو محترم كنت خدته في حضنك وحجيت عليه وعشت زي باقي الناس!
​بلاش كلام الإنشا ده والنبي.. أنا عايز ابني وهخده غصب عنكم، قولي لبنتك كده!
​أغلق الخط بوجهها، فتنهدت الأم بقلق:
​ده باينه مش هيجيبها لبر وناوي على الشر، أعمل إيه بس؟ هسيب أمري لله.
​ونعم بالله يا بنتي.
​تركت أمنية طفلها في رعاية والدتها وذهبت إلى عملها؛ إذ تعمل معلّمة في إحدى المدارس. وما إن وطأت قدمها فناء المدرسة حتى فوجئت به يقف في طريقها وشبح ابتسامة خبيثة على وجهه:
​إنتي نسيتي إني عارف مكان شغلك؟
تراجعت للخلف بفزع وقالت:
​انت عايز إيه؟
​عايز مراتي وابني!
​أنا مش مراتك! وابعد عني أرجوك.. سيبني أربي ابني بما يرضي الله، انت سلكت طريق غير طريقي، وأنا هكون ممنونة لو تسبنا.. أرجوك لو بتحب ابنك!
قاطعها بغضب وهو يقترب منها:
​إنتي اتجننتي؟ أسيب ابني إزاي؟!
​وقبل أن تستوعب، امتدت يده بقسوة ومسكها من ذراعها ولواه خلف ظهرها قائلاً بصوت خفيض وتهديد:
​إنتي يظهر نسيتي نفسك!
​تعالت صرخات أمنية، وفي ثوانٍ معدودة أسرع المعلمون والعاملون بالمدرسة ونشبت مشادة بينهم وبينه حتى أبعدوه عنها بالقوة. خرجت أمنية من المدرسة والدموع تحرق وجنتيها، وأسرعت خطواتها عائدة إلى البيت، ترتجف خوفًا من أن يسبقها أو يعرف طريقها مجددًا.
تعليقات



<>