
✍️ظلّ باران واقفًا في مكانه، والهاتف القديم بين يديه، غير قادر على أن يصرف عينيه عنه.
لم يكن الجهاز قديمًا، وقد بدا واضحًا أنه لم يُستخدم منذ مدة، ضغط زر التشغيل، فلم يحدث شيء.
أعاد المحاولة مرة أخرى.
لا استجابة.
قلب الهاتف بين يديه، ثم قال روني:
روني: يبدو أن بطاريته فارغة تمامًا.
أومأ باران دون أن يجيب،
كان في داخله شعور غريب يدفعه إلى عدم ترك الأمر يمرّ ببساطة.
بحث في أرجاء الغرفة حتى عثر على الشاحن المناسب، ثم وصل الهاتف بالكهرباء، ووضعه على الطاولة.
ظهرت علامة الشحن على الشاشة.
ظل باران ينظر إليها بصمت.
دقائق مرت...
ثم عشر دقائق...
ثم بدأ الهاتف يستعيد شيئًا من طاقته، حتى أضاءت شاشته أخيرًا، وظهرت صورة مراد على الشاشة.
شعر باران بانقباض في صدره.
كان مجرد ظهور صورة أخيه كفيلًا بأن يعيد إليه عشرات الذكريات دفعة واحدة.
مرر إصبعه على الشاشة محاولًا فتح الهاتف، لكنه فوجئ بطلب رمز المرور.
جرّب بعض الأرقام التي ظن أن مراد ربما استخدمها.
تاريخ ميلاده،
ثم تاريخ ميلاد والدته،
ثم رقمًا آخر،
لكن الهاتف ظل مغلقًا،
تنهد باران بضيق، وأعاد النظر إليه.
باران: لا أستطيع فتحه.
قال روني:
روني: ربما عليك أخذه إلى أحد المختصين.
ظل باران صامتًا لحظة، ثم أومأ.
باران: نعم... سأفعل لاحقا.
في اليوم التالي، أخذ باران الهاتف إلى متخصص في استعادة البيانات وفكّ أقفال الأجهزة القديمة.
لم يكن الأمر سهلًا، فقد أخبره الرجل أن الهاتف يحتوي على نظام حماية، وأن محاولة العبث به بشكل عشوائي قد تؤدي إلى فقدان البيانات الموجودة داخله.
لذلك اضطر إلى تركه لديه لبعض الوقت.
مرت ساعات بدت لباران أطول مما ينبغي.
لم يكن يعرف لماذا كان يشعر بهذا القلق.
ربما لأن الأمر يتعلق بمراد،
وربما لأن شيئًا في داخله كان يخبره بأن الهاتف لم يكن مجرد ذكرى من أخيه وجده في درج،
كان يحمل شيئًا ما.
شيئًا لم يصلوا إليه من قبل.
وأخيرًا بعد مرور أكثر من أسبوع، تلقى باران اتصالًا من المختص، يخبره بأن الهاتف أصبح قابلًا للفتح دون فقدان محتوياته،
ذهب إليه فورًا.
وما إن استلمه حتى بقي للحظات يحدق في الشاشة،
ثم ضغط زر التشغيل،
هذه المرة، انفتح الهاتف.
ظهرت الشاشة الرئيسية أمامه،
كان الجهاز يحتوي على عدد كبير من الصور والرسائل والملفات القديمة.
فتح باران معرض الصور أولًا.
صور لمراد مع العائلة...
صور قديمة من الجامعة...
صور من رحلاتهم...
وصور التقطها مراد لنفسه ولأفراد أسرته.
كان باران يتنقل بينها ببطء، وقد اجتاحه حنين مؤلم إلى أخيه،
ثم ظهر مجلد لم يتذكره،
فتحه.
كانت الصور مختلفة،
لم تكن صورًا عائلية،
كانت صورًا لديلان.
توقفت أنفاسه للحظة،
ظل يحدق في الشاشة وكأن عينيه ترفضان تصديق ما تراه،
صورة لديلان.
ثم أخرى،
ثم ثالثة،
صور التُقطت لها في أماكن مختلفة، وبعضها بدا واضحًا أنه أُرسل إلى مراد ولم يلتقطه هو بنفسه.
قطّب باران حاجبيه.
باران: لماذا كانت هذه الصور عند مراد؟.
فتح إحدى الصور.
كانت ديلان تظهر فيها في موقف يمكن بسهولة أن يُساء فهمه إذا نُظر إليه من زاوية واحدة،
انتقل إلى الصورة التالية،
ثم أخرى،
ومع كل صورة كان شعور غريب بالقلق يزداد داخله.
فتح تفاصيل إحدى الصور،
لم يجد اسم صاحبها.
ثم انتقل إلى تطبيق الرسائل،
كان هناك عدد من المحادثات القديمة.
أخذ يتصفحها واحدة تلو الأخرى، حتى توقف فجأة أمام محادثة من رقم لم يكن مسجلًا باسم،
رقم مجهول.
فتح المحادثة،
كانت الرسائل قديمة،
قرأ أول رسالة.
«إذا كنت تريد معرفة الحقيقة عن زوجتك، فلا تبحث عنها عندها... ابحث عنها في المكان الذي لا تتوقعه.»
تجمدت ملامح باران.
تابع القراءة.
كانت هناك رسالة أخرى:
«أنت تظن أنك تعرف ديلان، لكنك لا تعرف عنها شيئًا.»
قبض باران على الهاتف بقوة.
ثم ظهرت رسالة أخرى أرسلت بعدها بفترة قصيرة، وكان مرفقًا بها إحدى الصور التي شاهدها قبل قليل.
ثم رسالة:
«اتصل بهذا الرقم، وستعرف حقيقة زوجتك.»
وتحت الرسالة ظهر رقم هاتف.
رفع باران عينيه عن الشاشة.
شعر بأن قلبه بدأ يخفق بعنف.
أعاد قراءة الرسالة.
ثم أعادها مرة أخرى.
"ستعرف حقيقة زوجتك."
كانت العبارة مألوفة بشكل مؤلم.
تذكر فجأة الطريقة التي كان مراد يتحدث بها عن ديلان في أيامه الأخيرة.
تذكر شكوكه.
اتهاماته.
تغيره المفاجئ في تصرفاته التي لم يفهمها في تلك الاونة.
وكل الكلمات التي كان يقولها وهو يظن أنه اكتشف شيئًا عنها.
لكن... من أين جاءت تلك الصور؟،
ومن كان يرسلها؟،
ولماذا؟،
عاد باران إلى المحادثة.
كانت هناك رسائل عديدة، بعضها قصير، وبعضها يحمل صورًا،
فتح واحدة منها،
ثم أخرى،
ثم بدأ يقرأ.
كانت الرسائل تحاول دفع مراد إلى تصديق أن ديلان تخفي عنه شيئًا.
وكانت الصور تُقدَّم إليه وكأنها أدلة دامغة.
لكن باران، وهو ينظر إليها الآن بعين مختلفة، بدأ يلاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل.
بعض الصور كانت مأخوذة من زوايا بعيدة.
وبعضها يبدو مقصوصًا بعناية.
والأخطر من ذلك أن الصور لم تُظهر الحقيقة كاملة، بل لحظات مجتزأة يمكن تفسيرها بأكثر من طريقة.
تسارعت أنفاس باران.
باران: لا...
قالها دون وعي.
جلس على أقرب كرسي.
راح يقلب الرسائل واحدة تلو الأخرى، وكل رسالة كانت تضيف قطعة جديدة إلى الصورة.
كانت هناك عبارات تحريضية،
إيحاءات،
اتهامات مبطنة،
ثم صور،
ثم رسائل أخرى تلمح إلى أن ديلان تخون مراد أو تخفي عنه علاقة ما، تظهرها كأنها إمرأة لعوب، ولها علاقات بشباب.
لكن لم يكن هناك أي دليل حقيقي.
فقط صور مفبركة او اخذت بطريقة يمكن تفسيرها بكريقة غير صحيحة في سياقها، ورسائل مصممة بعناية لتزرع الشك في قلب رجل كان يحب زوجته او المرأة التي ستصبح زوجته، لان اغلبية الصور عندما رأى تاريخها، وقارنها بتاريخ زفاف مراد على ديلان، كانت بليلة سابقة وكانت صور تظهر ديلان في وضعية، اي شخص تقع عينه عليها لاول وهلة، يفسرها تفسيرا خاطئ، عندها فهم باران تصرفات أخيه الاي لم يستطع تفسيرها انذاك، أنه كان يعيش أصلًا تحت ضغط الغيرة والخوف.
أغلق باران عينيه للحظة،
وفجأة تذكر ديلان،
تذكر وجهها عندما كانت تحاول الدفاع عن نفسها،
تذكر دموعها،
تذكر ارتباكها كلما واجهها مراد باتهام جديد، خصوصا يوم تركت دنيز روني مع ديلان وغادرت الشقة.
وتذكر كيف كان يظن أنها ربما تخفي شيئًا.
ثم تذكر شيئًا آخر...
لم تكن ديلان تكذب،
فتح عينيه بسرعة،
عاد إلى الهاتف،
بدأ يراجع التواريخ.
كانت بعض الرسائل قد أُرسلت قبل فترات طويلة من وقوع الأحداث التي اتُّهمت ديلان بسببها، وقبل الحادث بمدة طويلة، واغلبها كما تأكد مرة اخرى كانت ليلة زفاف مراد بديلان.
وهذا يعني أن الأمر لم يكن وليد لحظة.
كان هناك من يتعمد مراقبتها،
ومن يتعمد تصويرها،
لان كانت هناك صور من عدة اماكن، صور من الجامعة، من الحي الذي تقطن به ديلان أيضا، اي ان هناك شخص كان يراقب تحركاتها، ويتنظر لخظة غفلة منها او هفوة، يلتقط لها صورة، ومأنه يلقط دليل إدانة لجريمة ما.
ومن يختار اللحظات بعناية،
ومن ثم يرسلها إلى مراد بالطريقة التي تجعلها تبدو مذنبة،
وكل ذلك لم يكن هدفه سوى شيء واحد...
تحطيم الثقة بينهما.
مرر باران يده على وجهه، وقد بدأت الصورة تتضح أمامه شيئًا فشيئًا.
قال بصوت خافت، وكأنه يحدث نفسه:
باران: لقد كانوا يريدون أن يصدق مراد أنها تخونه وان اخلاقها سيئة...
ثم صمت.
عاد ينظر إلى الشاشة.
باران: لكن لماذا؟.
كان السؤال الأصعب.
من المستفيد من ذلك؟،
ومن كان يقف خلف الرقم المجهول؟.
فتح باران الرسائل مرة أخرى، وبدأ يبحث عن أي اسم أو رقم أو تفصيل يمكن أن يقوده إلى صاحبها.
وبينما كان يتصفح إحدى الرسائل، ظهرت أمامه صورة أخرى لديلان.
هذه المرة كانت الصورة أكثر وضوحًا.
لكن شيئًا صغيرًا في خلفيتها استوقفه.
مكان.
تفصيل لم ينتبه إليه من قبل.
رفع باران الصورة أمام عينيه، وحدق فيها طويلًا.
ثم فتح الرسالة التي أُرسلت معها.
قرأها ببطء.
وفجأة شعر بقشعريرة تسري في جسده.
لقد كان أمامه أول خيط حقيقي يقوده إلى صاحب المؤامرة، الرقم الذي كانت ترسل من خلاله تلك الصور.
لم تكن الحقيقة كاملة بعد...
لكنها كانت كافية ليعرف شيئًا واحدًا يقينًا:
مراد لم يكن قد ظلم ديلان من تلقاء نفسه وحده.
لقد كان هناك من دفعه إلى ذلك،
ومن زرع الشك في قلبه،
ومن جعل صورًا مبتورة تبدو كأنها حقائق،
ومن ثم ترك ديلان تدفع ثمن جريمة لم ترتكبها.
أطبق باران أصابعه حول الهاتف، وقد امتزج الغضب بالألم في عينيه.
قال بصوت متهدج:
باران: ديلان... كم عانيتِ وأنتِ بريئة؟.
وسقطت عيناه على صورة أخرى لها.
هذه المرة لم يرَ فيها امرأة اتُّهمت بالخيانة...
بل رأى زوجةً ظُلمت، بينما كانت الحقيقة طوال ذلك الوقت مخبأة داخل هاتف لم يفتحه أحد بعد وفاة مراد.
ولأول مرة، أدرك باران أن ما عرفه عن الماضي لم يكن سوى جزء صغير جدًا من الحكاية.
أما بقية الحكاية...
فقد بدأت الآن فقط في الظهور، لكن سيتتبع ءلك الخيط الذي وجده، ليكشف كل خيوط المؤامرة التي حكيت حول خياة مراد وديلان، فكلهما كان ضحية تلك المؤامرة، .
ظلّ باران يحدّق في الرقم الظاهر على شاشة هاتف مراد،
كان الرقم الذي طلب صاحب الرسالة المجهول من مراد الاتصال به ما يزال محفوظًا داخل المحادثة، كأنه ترك خلفه أثرًا متعمدًا لمن يأتي بعدهم.
فتح باران سجلّ المكالمات والرسائل المرتبطة بالرقم، وبدأ يبحث عنه بدقة، مستعينًا بما بقي محفوظًا في الهاتف من بيانات.
وبعد دقائق من البحث، ظهر اسم صاحب الرقم.
مدحت.
تجمّد باران في مكانه.
ظلّ يحدّق في الاسم طويلًا، وكأن عقله احتاج إلى لحظات حتى يستوعب ما أمامه.
باران: مدحت...؟.
خرج الاسم من بين شفتيه مشحونًا بالذهول.
لم يكن الأمر مجرد اسم عابر.
مدحت كان مرتبطًا بدنيز.
وفجأة، بدأت الذاكرة تفتح أبوابها واحدًا تلو الآخر.
تذكر باران دنيز منذ الأيام التي سبقت وفاة مراد.
تذكر تدخلاتها المستمرة في حياته.
وتذكر الطريقة التي كانت تتعامل بها مع ديلان، تلك النظرات التي لم يكن يفهم معناها آنذاك، والكلمات التي كانت تلقيها بين أفراد العائلة ثم تتظاهر بأنها لا تقصد شيئًا.
ثم تذكر مراد...
كيف تغيّر بعد فترة قصيرة، من زواجه بديلان حسب ما أخبرته،
وكيف أصبح يشك في ديلان.
كيف كان يواجهها بتهم جارحة، ويطالبها بتفسيرات عن أمور لم تكن تفهم أصلًا كيف وصلت إليه،
ثم تذكر شيئًا آخر.
شيئًا حدث معه هو شخصيًا.
في الفترة التي كان يحاول فيها أن يفهم حقيقة هوية بعد زواجه بها، كانت دنيز قد اقتربت منه يومًا، وأعطته رسالة، مدعية أن فيها دليلًا على وجود رجل آخر في حياة ديلان.
كان يومها قد صدّق جزءًا مما قالت.
أو على الأقل... سمح للشك أن يتسلل إلى قلبه،
تذكر كلماتها،
وتذكر نظرتها،
وتذكر كيف أخبرته بثقة أن لديلان عاشقًا، وأنها تخفي عنه الحقيقة، كما اخفتها عن اخيه من قبل،
كما تذكر افعال دنيز من قبل، حتى قبل زواجه بديلان، حتى من ايام دراسته، وكيف مانت تتقرب من مراد.
لكن الآن...
بدأ كل شيء يبدو مختلفًا.
ضغط باران على الهاتف بقوة.
باران: دنيز...
قال الاسم هذه المرة بصوت خافت.
ثم عاد بذاكرته إلى ما قاله مراد في أخر ثانية قبل وفاته، وكيف كان يتحدث عن ديلان بانه ظلمها، ثم ذكر دنيز ، لكن الموت لم يمنحه الوقت ليخبره بما كان يود قوله له.
تذكر وجه أخيه المتعب في آخر أيامه،
تذكر ارتباكه الذي كان يلازمه،
تذكر أنه كان يحاول الوصول إلى شيء ما، وأنه كان يحمل في صدره سرًا لم يستطع كشفه.
ثم تذكر اللحظة الأخيرة.
تلك اللحظة التي ظلّت عالقة في ذاكرته رغم مرور كل ذلك الوقت.
مراد كان يحتضر...
وحين حاولوا فهم كلماته الأخيرة، لم يخرج من بين شفتيه سوى اسم واحد.
دنيز.
شهقت أنفاس باران.
اتسعت عيناه.
وفجأة، شعرت كل خلية في جسده وكأنها استيقظت دفعة واحدة.
الهاتف...
الرسائل المجهولة...
الصور...
الرقم...
مدحت...
دنيز...
وكلمة مراد الأخيرة.
لم تعد الأمور منفصلة،
لقد بدأت الخيوط تتشابك أمامه،
جلس باران ببطء، ووضع الهاتف فوق الطاولة، ثم بدأ يعيد ترتيب كل ما عرفه منذ البداية.
قال لنفسه:
بارات: إذا كان مدحت هو صاحب الرقم... ومدحت مرتبط بدنيز...
توقف.
ثم أضاف:
باران: فكيف وصل إلى صور ديلان؟ وكيف عرف كل تلك التفاصيل عنها؟.
عاد إلى الرسائل.
كل شيء كان يشير إلى شخص كان يراقب ديلان ويبحث عن لحظات يمكن تحريفها ضدها.
لكن من كان يملك الدافع؟،
من كان يريد أن يكره مراد زوجته؟،
من كان يريد أن يفرق بينهما؟،
ومن كان سيستفيد من ابتعاد ديلان عن مراد؟،
ثم جاءه الجواب الذي كان يخشاه.
"دنيز."
أغمض باران عينيه.
وتذكر ما أخبرته به ديلان ذات مرة عن مدحت.
كانت قد قالت له إن مدحت سبق أن تقدم لخطبتها قبل زواجها من مراد.
وحين رفضته...
لم تنتهِ القصة عند ذلك.
كانت والدة مدحت قد بدأت تنشر عنها اتهامات تمس شرفها، وتزعم أنها كانت تواعد شبابًا من الجامعة، وأنها ليست الفتاة التي تتظاهر بها أمام الناس.
آنذاك لم يفهم باران لماذا حدث كل ذلك، ولما فعلت تلم المرأة ذلك، بفتاة خطبتها لابنها ورفضته.
أما الآن، فقد بدأ يرى الأمر من زاوية أخرى.
فتح عينيه ببطء.
باران: كانت تريد الانتقام منها...
قالها وكأنه اكتشف أول قطعة من الحقيقة.
ثم أخذ نفسًا عميقًا.
باران: ومدحت كان يريد ديلان... وعندما رفضته، كان من مصلحته أن يكرهها الجميع.
لكن الأمر لم يتوقف عند مدحت.
كانت هناك دنيز.
دنيز التي كانت تحمل مشاعر تجاه مراد.
دنيز التي كانت موجودة في تفاصيل حياته.
دنيز التي كانت ترى ديلان عقبة تحول بينها وبين ما تريد.
ودنيز التي كان بإمكانها استغلال مدحت، واستغلال والدته، وكل من يستطيع أن يساعدها في إسقاط ديلان من عيون مراد.
بدأ باران يقلب الرسائل مرة أخرى.
الصورة تزداد وضوحًا.
مدحت يرسل،
دنيز تدفع،
حنيفة تشوّه سمعة ديلان،
ثم تُستخدم تلك الأكاذيب لتغذية شكوك مراد،
وبمرور الوقت، يبدأ مراد في رؤية زوجته بعين مختلفة.
لم تكن المشكلة في ديلان...
بل في الصورة التي صُنعت عنها داخل عقله.
ضرب باران كفّه على الطاولة، وقد امتزج الغضب بالألم في عينيه.
باران: لقد لعبوا بعقله...
ثم رفع الهاتف من جديد.
باران: جعلوه يشك فيها حتى كره نفسه وكره حياته معها...
وسرعان ما ظهرت أمام عينيه صورة ديلان.
توقف عندها طويلًا.
تذكر دموعها،
تذكر ارتجاف صوتها وهي تحاول أن تؤكد أنها بريئة،
تذكر كيف كانت تُتهم بأشياء لم تفعلها، وكيف كانت في كل مرة تبحث عن طريقة لتثبت براءتها، بينما كانت المؤامرة تُنسج من خلفها بإصرار.
ثم تذكر نفسه،
هو أيضًا وقع في الفخ،
دنيز لم تكتفِ بالتلاعب بمراد،
لقد حاولت أن تتلاعب به هو أيضًا،
تذكر الرسالة التي أعطته إياها،
تذكر الطريقة التي أخبرته بها عن وجود رجل آخر في حياة ديلان.
والآن فقط فهم لماذا كانت واثقة إلى ذلك الحد،
لأنها لم تكن تخمّن،
كانت تعرف ما الذي تريد أن تجعله يصدقه،
وضعت أمامه كذبة مصممة بعناية، تمامًا كما فعلت مع مراد.
أطرق باران رأسه، وشعر بوخزة حادة في صدره.
باران: وأنا كدت ان أصدقها... لولا ان ظهرت خقيقة ديلان امامي، ربما انا أيضا كنت سأشك بها.
خرجت الكلمات منه مكسورة.
باران: ولو لبعض الوقت... صدقتها.
ثم تذكر مراد من جديد.
وتذكر آخر كلماته،
دنيز.
هذه المرة لم يعد الاسم بالنسبة إليه غامضًا.
لقد كان مراد، في لحظاته الأخيرة، يحاول على الأرجح أن يقول لهم شيئًا.
شيئًا لم يستطع أن يكمله،
وربما كان قد اكتشف الحقيقة متأخرًا.
رفع باران رأسه، وقد استقرت في عينيه قناعة مؤلمة.
باران: أنت كنت تحاول أن تخبرنا...
تمتم بها وكأنه يخاطب أخاه الراحل.
باران: كنت تعرف أنها دنيز...
سكت طويلًا.
ثم أضاف:
باران: لكنك لم تستطع أن تقول أكثر من اسمها.
ارتجفت أنفاسه.
لم يكن الألم الذي يشعر به سببه اكتشاف المؤامرة وحدها،
بل لأنه أدرك الآن كم ظلموا ديلان...
وكم ظُلم مراد نفسه.
فقد كان أخوه، في النهاية، ضحية أخرى لهذه اللعبة.
رجل أحب زوجته، لكنه أُغرق في الشك حتى لم يعد يعرف أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الأكاذيب.
أما دنيز، فقد كانت في قلب كل ذلك.
كانت تريد ديلان بعيدًا عن مراد.
وكان مدحت يريد الانتقام من ديلان بعد رفضها له.
وحنيفة، وفق ما ظهر من الوقائع، ساهمت في تشويه سمعتها هي وابنها، بينما استغلت دنيز كل ذلك لصالح مخططها.
تجمعت الخيوط أخيرًا أمام باران.
لم يكن ما حدث سلسلة مصادفات.
كان مخططًا متدرجًا.
تشويه سمعة ديلان أولًا...
زرع الشك في قلب مراد ثانيًا...
إبعاده عنها ثالثًا...
ثم انتظار اللحظة التي تصبح فيها دنيز قادرة على الاقتراب منه دون وجود ديلان إلى جانبه.
لكن ما لم تكن دنيز تعرفه آنذاك...
أن الحقيقة لم تمت مع مراد.
لقد بقيت محفوظة داخل هاتف قديم، في درج مهمل، تنتظر اليوم الذي تمتد فيه يد أحدهم إليها.
رفع باران الهاتف أمام عينيه، وشعر بثقل المسؤولية يستقر فوق كتفيه.
لم يعد يستطيع الاكتفاء بمعرفة الحقيقة.
كان عليه أن يعرف كل شيء.
من أرسل كل صورة؟،
من التقطها؟،
من حرّفها؟
من كتب الرسائل؟،
متى بدأت المؤامرة؟،
وما الذي اكتشفه مراد قبل موته؟،
ثم خطرت له فكرة أخرى.
إذا كان هذا الهاتف يحتوي على هذه الرسائل، فربما يحتوي على ما هو أكثر.
محادثات أخرى.
أرقام.
صور أصلية.
ملفات محذوفة.
أو حتى دليل يربط دنيز ومدحت ببعضهما بصورة مباشرة.
فتح باران قائمة الرسائل من جديد.
وبدأ يبحث...
هذه المرة لم يكن يبحث عن شيء يخص الماضي فقط.
كان يبحث عن الحقيقة التي ستبرئ ديلان أمام نفسها قبل أن تبرئها أمام الآخرين.
وقال بصوت خافت، وقد امتلأت عيناه بالدموع:
باران: أقسم لك يا ديلان... لن أترك ما حدث لكِ مدفونًا بعد اليوم.
ثم عاد إلى الهاتف، وبدأ يفتش في كل زاوية فيه، مدركًا أن ما اكتشفه حتى الآن ليس إلا البداية، واقسم انه لن يهدأ حتى يكتشف خيوط كل تلك المؤامرة بالدليل القاطع، ختى يواجه به المتهمين، ويقوم بما كان يود مراد ان يقوم به، او ما حاول ان يخبره به لتبرئة ديلان.
لم تكن حياة دنيز مع مدحت كما تخيلت يومًا أن تكون حياتها الزوجية.
لم يكن الرجل يفرض عليها شيئًا، ولم يجبرها على ما لا تريده، بل كان، على العكس، يتعامل معها بهدوءٍ ولين، ويحاول بكل ما يستطيع أن يكسب رضاها وقلبها.
في البداية، كانت دنيز تنظر إليه بحذر، وكأنها تنتظر أن يسقط القناع في أي لحظة، فقد كانت تحمل في داخلها خوفًا قديمًا جعلها لا تمنح ثقتها بسهولة.
لكن الأيام كانت تمضي...
ومدحت لم يتغير.
كان يسألها عن يومها، يهتم بما تحتاج إليه، ويحاول أن يخفف عنها دون أن يضغط عليها، ومع مرور الوقت، بدأت حدّة نفورها تخف شيئًا فشيئًا، حتى وجدت نفسها تتعامل معه براحة أكبر، وإن لم تكن قد وصلت إلى الحب الذي كان يتمناه.
كانت قد بدأت، ببساطة، تعتاد وجوده.
وأحيانًا كانت تشعر بشيء من الطمأنينة إلى جانبه، وكأنها أقنعت نفسها بأن حياتها، مهما كانت بعيدة عن الصورة التي حلمت بها، يمكن أن تستمر بهذه الطريقة.
أما حنيفة، والدة مدحت، فكانت كثيرة الطلبات منها، خصوصًا أن شقتها كانت في البناية نفسها.
كانت تقول لها في كل مرة:
حنيفة: يا دنيز، انزلي إليّ وساعديني قليلًا في أعمال المنزل، نحن في بناية واحدة، ولن يأخذ منك الأمر وقتًا طويلًا.
ولأن دنيز لم تكن تحب إثارة المشكلات، كانت تستجيب لها في أغلب الأحيان.
وفي أحد الصباحات، خرجت حنيفة إلى السوق كعادتها لشراء بعض الخضراوات وحاجيات المطبخ، وتركت دنيز في الشقة تقوم ببعض الأعمال المنزلية.
وبينما كانت دنيز تنتقل من غرفة إلى أخرى، طلبت منها حنيفة قبل خروجها أن ترتب غرفة طارق، شقيق مدحت.
دخلت دنيز الغرفة، وبدأت بتنظيفها بهدوء.
رفعت بعض الأغراض عن الأرض، رتبت الملابس، ومسحت الغبار عن الأثاث، حتى انحنت لترتب ما تحت السرير.
وهناك...
لمحت شيئًا لم يكن من المفترض أن تراه.
كانت علبة صغيرة مخبأة بعناية في مكان لا يصل إليه النظر بسهولة.
توقفت يدها.
ظلّت تحدق فيها لثوانٍ.
كان الفضول أقوى منها.
مدّت يدها وسحبت العلبة ببطء.
نظرت حولها، وكأنها تخشى أن يراها أحد، ثم فتحتها.
وفي اللحظة التالية، تجمدت ملامحها.
كان بداخلها مسدس، إلى جانب كيس صغير يحتوي على مادة بيضاء مجهولة.
اتسعت عيناها.
تراجعت قليلًا وهي تحدق في محتويات العلبة، وقد بدأ قلبها يخفق بعنف.
لم تكن تعرف ما الذي أمامها تحديدًا، لكنها أدركت من طريقة إخفائه أن الأمر ليس عاديًا.
مدّت يدها بتردد، وكأنها تريد أن تتأكد مما ترى...
لكن قبل أن تفعل، وصل إلى مسامعها صوت فتح الباب.
تجمدت في مكانها.
كان طارق قد عاد.
خطواته اقتربت من الغرفة.
ثم انفتح الباب فجأة.
وما إن وطئت قدماه عتبة الغرفة حتى توقف في مكانه.
تعلقت عيناه بدنيز التي جمدت الصدمة حركتها ولم تعرف كيف تتصرف.
كانت جالسة على طرف سريره، والعلبة مفتوحة بين يديها.
احتاج إلى لحظة واحدة فقط ليفهم ما حدث.
تغير وجهه تمامًا.
أغلق الباب خلفه بسرعة، ثم اندفع نحوها، وانتزع العلبة من يديها بعنف.
شهقت دنيز ونهضت مذعورة.
دنيز: ماذا تفعل؟!.
لم يجبها.
فتح العلبة ليتأكد من محتوياتها، ثم رفع عينيه إليها.
كان الخوف والغضب يشتعلان في وجهه معًا.
وأخرج السلاح ووجهه نحوها، فتجمد الدم في عروقها.
طارق: لا تتحركي!.
تراجعت دنيز خطوة، وقد ارتجفت أطرافها.
دنيز: طارق... أنزل هذا.
اقترب منها خطوة، وقال بصوت منخفض لكنه قاطع:
طارق: اسمعيني جيدًا، ولا تجبريني على تكرار كلامي، ما رأيته هنا لم ترَيه.
هزت رأسها بسرعة، غير قادرة على استيعاب ما يحدث.
دنيز: أنا... لم أكن أبحث عن شيء، وجدتها بالصدفة.
طارق: لا يهمني كيف وجدتها!.
ارتفع صوته للحظة، ثم خفضه من جديد.
طارق: المهم أنك رأيتها.
كانت دنيز تحدق فيه بخوف، بينما راحت أفكار كثيرة تتصارع في رأسها.
لم تكن تعرف ما عمل طارق حقًا، ولا ما الذي يخفيه، ولا ما علاقة تلك المادة بما وجدته.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...
أنها أصبحت تعرف سرًا خطيرًا.
اقترب طارق منها أكثر، وقال ببرود مخيف:
طارق: إذا فتحتِ فمك وأخبرتِ أحدًا، فلن تكون العواقب عليكِ وحدك.
ارتجفت دنيز.
دنيز: ماذا تقصد؟
ابتسم ابتسامة خالية من الطمأنينة.
طارق: أقصد أنني لن أتركك وحدك في هذه القصة.
ثم أضاف:
طارق: سأستطيع أن أجعلهم يعتقدون أنك شريكة لي... وأن تلك الأشياء كانت عندك أنتِ.
اتسعت عيناها رعبًا.
دنيز: لكن هذا كذب!
طارق: أعرف.
قالها بلا اكتراث.
طارق: لكن الكذب يصبح حقيقة في عيون من لا يعرف الحقيقة.
ثم اقترب منها أكثر، وأضاف بنبرة تهديدية:
طارق: وربما لا أتوقف عندكِ، أستطيع أن أؤذي من تحبين أيضًا، وأجعلهم يدفعون ثمنًا لا علاقة لهم به، لذلك لو كنت تخبين عائلتك ولاتريدين ان يحدث لهم اي مكروه، فمن الافضل ان لاتفتحي فمك هذا، وتتفوهي باشياء تثير غضبي وتظطرني لفعل اشياء قد تألمك.
كانت دنيز تشعر أن الأرض تضيق تحت قدميها.
لم تكن خائفة على نفسها فحسب...
بل خافت أن يمتد خطر هذا الرجل إلى مدحت أو بقية أفراد العائلة.
راقب طارق خوفها، ثم أنزل السلاح قليلًا، وكأنه أدرك أن التهديد وحده لم يكن كافيًا.
وفجأة خطرت له فكرة.
تغيرت ملامحه، وقال:
طارق: لكن ربما نستطيع أن نحل الأمر بطريقة أخرى، بما انك فضولية وتحشرين نفسك في اشياء الغير، وبذلك اظمن ولائك وسكوتك.
نظرت إليه بحذر.
دنيز: كيف؟.
جلس على طرف السرير، ووضع العلبة أمامه، ثم قال:
طارق: بدل أن تخافي مني، يمكنك أن تساعديني.
صمتت ديلان.
دنيز: أساعدك في ماذا؟.
أجابها دون أن يدخل في التفاصيل:
طارق: في بعض الأمور التي أقوم بها، أحتاج إلى شخص أستطيع الوثوق به، والأمر أصبح خطيرًا بالنسبة إليّ، الشرطة تقترب، وإذا وقعت وحدي فلن أخرج من الأمر بسهولة.
شعرت دنيز بالغثيان.
دنيز: لا... لا أستطيع.
طارق: يمكنك.
قاطعها بحزم.
دنيز: وستفعلين، إذا كنت تريدين أن تبقي أنتِ ومن حولك بعيدين عن الأذى.
كانت عيناه تحملان تهديدًا واضحًا.
ثم قال:
طارق: لن أؤذيك ما دمتِ تفعلين ما أطلبه منكِ، ولن أقترب من أحد من عائلتك.
تراجعت دنيز عنه، وعقلها يصرخ في وجهها بأن ترفض.
لكن الخوف كان قد حاصرها من كل جانب.
لم تعد المسألة مجرد علبة عثرت عليها بالصدفة.
لقد أصبحت تعرف سرًا خطيرًا، وصار صاحب السر يعرف أنها تعرف.
والأسوأ من ذلك...
أنها أدركت أنها قد لا تستطيع ببساطة أن تغادر هذه الغرفة وتنسى ما حدث، وان ما عرفته قد ورطها بالفعل وقد غرقت في الوحل بسبب فضولها الزائد.
ظل طارق يراقبها، ثم قال ببطء:
طارق: فكري جيدًا قبل أن تجيبي.
ثم أضاف بنبرة باردة:
طارق: لأنك إن قررتِ أن تخبري أحدًا... فلا تلومي إلا نفسك، لاني لن ابقي على احد حي من عائلتك.
ساد الصمت.
كانت دنيز واقفة أمامه، وقلبها يخفق بعنف، بينما شعرت للمرة الأولى منذ مدة طويلة أن الجدران التي اعتقدت أنها تمنحها الأمان قد تحولت إلى قفص.
وفي الخارج...
كانت الحياة تسير بصورة طبيعية.
الأبواب تُفتح وتُغلق.
الجيران يتحدثون.
والأصوات تأتي من الشارع.
لكن داخل تلك الغرفة الصغيرة، كانت دنيز تقف أمام سرّ قد يقلب حياتها كلها رأسًا على عقب.
ولم تكن تعلم أن هذا السر، بعد وقتٍ طويل، سيكون أحد الخيوط التي ستطوق رقبتها، وتقودها إلى الحقيقة التي تحاول إخفائها...
مرت الأيام، وبقي السر الذي تحمله دنيز حبيس صدرها، يثقلها كلما تذكرت تهديدات طارق.
لم تكن تريد أن تكون جزءًا من أي شيء يفعله، ولم تكن تملك الشجاعة لمواجهته أو إخبار أحد بما اكتشفته، فقد كان قد نجح في إحكام قبضته عليها بالخوف، وجعلها تعيش في قلق دائم من أن ينفذ تهديداته ويؤذيها أو يورطها في أمر لا علاقة لها به.
أما مدحت، فلم يكن يعلم شيئًا.
كان يظن أن زوجته بدأت تستقر في حياتها معه، ولم يخطر بباله أن دنيز تخفي عنه أمرًا بهذه الخطورة.
حتى حنيفة لم تكن تعلم شيئًا، فقد بقيت تنظر إلى دنيز كزوجة ابنها التي بدأت تتأقلم مع حياتها الجديدة.
وفي أحد الأيام، طلب منها طارق ان تخرج لتوزع تلك المادة السامة.
اقترب منها، وأخبرها بما يريد.
كانت مهمتها أن تحمل معها جزءًا من تلك المادة وتسلمه لأشخاص سيقابلونها في مكان قريب من الحي الذي به منزل عائلتها.
شهقت دنيز فور سماع كلامه.
دنيز: لا... لا أستطيع، كيف سأخرج من البيت، وكيف سابرر لاخوك مدحت عندما يسألني عن سبب خروجي.
طارق: تحجحي انك إشتقت ألى اهلك، وتودين زيارتهم.
دنيز: لكن ماذا لو طلب مني ان انتظر حتى يوم عطلته، ليأخذني هو بنفسه لبيت اهلي.
اجابها على الفور بنبرة واثقة بحكم انه يعمل مع اخيه بالشركة نفسها .
طارق: لن يطلب منك ذلك، فهو مشغول هذه الأيام، وسيسافر ليومين خارج المدينة في مامورية.
ثم نظر إليها طارق بنظرة جعلتها تتراجع.
طارق: أنت تعرفين جيدًا ماذا سيحدث إذا رفضتِ.
صمتت.
كانت تعرف.
تذكرت السلاح.
وتذكرت تهديداته السابقة.
وتذكرت أنه أخبرها بأنه يستطيع أن يجعلها تبدو وكأنها شريكة له في كل ما يفعله، او ربما يجعلها هي كبش الفداء وتحمل الذنب وحدها.
خفضت عينيها، ثم همست:
دنيز: حسنا سأفعل.
ابتسم طارق ابتسامة باردة.
طارق: هكذا أفضل.
فاقتربت من مدحت وقالت بهدوء:
دنيز:: أريد أن أذهب غدا إلى بيت أهلي... اشتقت إليهم.
نظر إليها مدحت للحظات، ثم ابتسم.
مدحت: اذهبي، بالطبع، ابقي عندهم ما تشائين، وحين تنتهين اتصلي بي لارسل لك من يعيدك إلى البيت، فانا ساسافر غدا في مأمورية، وقد لا اتمكن من العودة في نفس اليوم .
شكرته دنيز، وفي صباح اليوم التالي بدأت تستعد للخروج.
أخفت دنيز ما اعطاها إياه طارق، وحفظت منه ما طاب منها بعناية، ثم غادرت، وهي تشعر بأن خطواتها أثقل من المعتاد.
كانت طوال الطريق تحاول إقناع نفسها بأن الأمر سينتهي سريعًا.
ستصل إلى المكان.
ستسلّم تلك السموم لاصحابها.
ثم ستذهب إلى بيت أهلها وكأن شيئًا لم يحدث.
لكنها لم تكن تعرف أن ذلك اليوم سيترك في حياتها أثرًا لن تستطيع محوه.
وبعد أن أتمت ما أُجبرت عليه، كانت دنيز في طريقها إلى منزل عائلتها حين لمحت من بعيد سيارة للشرطة في محيط المكان.
توقفت أنفاسها.
تجمدت في مكانها، وشعرت بقلبها يهبط إلى قدميها.
الشرطة.
كان أول ما خطر في ذهنها هو طارق.
ثم ما تحمله.
ثم التهديدات.
شعرت بأن كل شيء ينهار حولها دفعة واحدة.
لم تفكر في تلك اللحظة يوى ميف تنقذ نفسها، وتهرب من امام الشرطة، فربما المكان مراقب، لكن من شدة خوفها لم تنتبه ان سيارة الشرطة تمر عاديا في ذلك الشارع.
استدارت بسرعة واتجهت إلى منزل أهلها، علّها تجد هناك مكانًا تختبئ فيه حتى تهدأ الأمور.
لكن ما إن وصلت حتى فوجئت بأن منزل والديها لايوجد به أحد.
وضعت يدها على صدرها، وأخذت نفسًا مرتجفًا.
دنيز: أين ذهبوا؟.
كانت قد نسيت تمامًا أن والدتها أخبرتها قبل أيام بأن روني سيذهب مع خطيبته لشراء بعض مستلزمات زواجهما، وأنها هي ووالدها إبراهيم سيرافقانهما، وقد طلبت منها ان ترافقهم هي ايضا، لكنها أعتذرت بعدما حدث بيننا وبين طارق .
لقد ظنت أن الوقت الذي ستقضيه خارج المنزل سيكون كافيًا، وأنها ستعود فتجد أهلها هناك.
لكن ظهور الشرطة أربكها وأفسد حساباتها.
راحت تنظر حولها بحيرة، لا تعرف إلى أين تذهب.
لم تستطع العودة إلى بيتها.
ولم تستطع البقاء قرب المكان الذي ظهرت فيه الشرطة.
ولم يكن بإمكانها أن تذهب إلى طارق.
وأخيرًا، لم تجد أمامها سوى منزل عمها.
توجهت إليه، وحين دخلت، حاولت أن تبدو طبيعية.
لكن وجهها كان شاحبًا، وأنفاسها غير منتظمة، وعيناها لا تستقران في مكان واحد.
وكانت ديلان موجودة هناك.
ما إن وقعت عيناها على دنيز حتى شعرت بأن شيئًا ما ليس على ما يرام.
تأملتها للحظات.
لم تكن تلك دنيز التي اعتادتها.
كانت تتحرك بعصبية، تنظر إلى الباب بين لحظة وأخرى، وتفرك أصابعها ببعضها دون وعي.
اقتربت منها ديلان وقالت بلطف:
ديلان: دنيز؟ هل أنت بخير؟.
انتفضت دنيز قليلًا، ثم أسرعت في رسم ابتسامة مصطنعة.
دنيز: نعم... نعم، أنا بخير.
لكن ديلان لم تقتنع.
كانت تعرفها جيدًا، وكانت ملامحها تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
ديلان: تبدين متعبة... هل حدث شيء؟.
هزت دنيز رأسها بسرعة.
دنيز: لا، فقط... اشتقت إلى أهلي، وحين وصلت لم أجدهم في المنزل.
ابتسمت ديلان ابتسامة صغيرة.
ديلان: سيعودون قريبًا، لا تقلقي.
لكن دنيز لم تجب.
جلست، إلا أنها لم تستطع الاستقرار.
كانت عيناها تعودان إلى الباب كل بضع ثوانٍ.
راقبتها ديلان بصمت.
شيء ما كان يخيفها.
شيء تحاول جاهدة إخفاءه.
وفي وقت لاحق بعد ذلك، عاد باران إلى المنزل.
وما إن دخل حتى استقبلته ديلان، لكنها لم تكن تحمل ابتسامتها المعتادة.
لاحظ باران ذلك فورًا.
باران: ما بكِ يا ديلان؟.
نظرت إليه للحظة، ثم قالت:
باران: لا شيء... لكن دنيز هنا.
قطب باران حاجبيه.
باران: دنيز؟.
أومأت.
كان باران قد علم بمحتوى الهاتف، وقد ربط خيوط تلك المؤامرة برأسه، لكنه كان ينقصه الدليل القاطع لذلك فلم يشأ ان يخبر ديلان بذلك، حتى تتضح امامه جميع الدلائل.
ديلان: نعم، جاءت إلى منزل عمها منذ قليل، حيث لم يكن اي أحد ببيتهم ، لكنها ليست على طبيعتها.
اقترب منها باران باهتمام.
باران: ماذا تقصدين؟.
أخذت ديلان نفسًا عميقًا.
ديلان: لا أعرف تحديدًا... لكنها كانت شديدة الاضطراب، وجهها شاحب، وكانت تنظر إلى الباب باستمرار، وكأنها تخشى أن يأتي أحد خلفها.
صمت باران.
لم يعرف لماذا، لكن كلمات ديلان جعلت شيئًا في داخله يتحرك.
ذلك الشعور الذي لازمه منذ عثوره على هاتف مراد عاد إليه من جديد.
هناك شيء تخفيه دنيز.
نظر إلى زوجته، ثم قال بهدوء:
باران: هل قالت لكِ شيئًا؟.
ديلان: لا.
ثم أضافت بعد لحظة:
ديلان: حاولت أن أسألها، لكنها أنكرت وجود أي مشكلة، ومع ذلك... أنا متأكدة أنها خائفة من شيء ما.
ظل باران صامتًا.
وفي أعماقه، بدأت خيوط قديمة تتشابك مع خيط جديد.
هاتف مراد...
رسائل مدحت...
دنيز...
والآن خوف دنيز المفاجئ.
رفع عينيه إلى ديلان، ثم قال:
باران: الأمر يبدو مريبا.
لم تكن ديلان تعرف أن ملاحظتها الصغيرة تلك ستصبح لاحقًا مفتاحًا مهمًا في كشف الحقيقة.
أما باران، فلم يكن يعلم أن دنيز تحمل في تلك اللحظة سرًا آخر، سرًا لم يكن متعلقًا بماضي مراد وحده...
بل بجريمة جديدة يمكن أن تقود الشرطة، من حيث لا تدري، إلى الرجل الذي ظل مختبئًا خلف الستار.
طارق.
ومرّت عدة أسابيع أخرى، حتى جاء اليوم الذي عادت فيه دنيز إلى زيارة أهلها من جديد.
كانت تظن أن الزيارة لن تختلف عن سابقاتها، وأنها ستقضي بضع ساعات بينهم ثم تعود إلى منزلها، لكن طارق كان قد سبقها إلى الخوف؛ إذ أمرها مرة أخرى بأن تفعل الشيء ذاته الذي أجبرها عليه من قبل، وأن تحمل معها الكيس وتسلّمه لمن طلبه منها.
هذه المرة، لم تستطع دنيز أن تفعلها.
كان الخوف قد استنزف ما تبقى من قدرتها على الاحتمال، وكلما تذكرت نظرات طارق وتهديداته، تخيلت نفسها خلف قضبان السجن، أو رأت حياتها تنهار أمام عينيها.
لذلك، وعلى الرغم من ارتجاف يديها، قررت ألا تنفذ أمره.
لكنها لم تجرؤ على التخلص من الكيس أو تركه في مكان آخر، خوفًا من أن يكتشف طارق ما فعلته، او يكتشف امرها وتورط نفسها بدون ان تدري.
فأخذته معها إلى منزل عائلتها، وهي لا تعرف إلى أين ستقودها تلك الخطوة.
وفي ذلك اليوم تحديدًا، كانت العائلة قد اجتمعت في شقة باران احتفالًا بمنصبه الجديد في الشركة.
كان البيت يعج بالأصوات والضحكات، والأحاديث تتقاطع في أجواء عائلية دافئة. وُضعت الحلويات والمشروبات على الطاولة، وتبادل الجميع التهاني لباران، الذي بدا سعيدًا بهذه المناسبة التي جمعت العائلة كلها حوله، حيث من الله عليه بعد حمل زوجته بمنصب مرموق في الشركة.
كانت بطن ديلان بدات تظهر، وكانت جميع العائلة تتفنن في تدليلها، واولهم باران، لذلك إقترحت عائشة ان يكون الاحتفال بشقة بارلن حتى لاتتعب ديلان حيث كانت في بداية شهرها الرابع من الحمل.
أما دنيز، فلم تكن تعلم أن أفراد عائلتها موجودون هناك.
كانت تظن أن والدها ووالدتها في منزلهم، ولذلك، حين وصلت إلى المبنى، فوجئت بأن الشقة خالية. اتصلت بوالدتها فلم تُجب، وحاولت الاتصال بوالدها، لكن هاتفه كان بعيدًا عنه.
ترددت للحظات، ثم لم تجد أمامها سوى الصعود إلى شقة عمها الاي وقفت طويلا تطرق بابها، لتستسلم اخيرا وتصعد لشقة باران.
ما إن دخلت حتى استقبلتها ديلان بابتسامة.
ديلان: أهلًا بكِ يا دنيز، تعالي، الجميع هنا.
ابتسمت دنيز ابتسامة باهتة، ثم ألقت نظرة سريعة حولها.
كان الجميع مجتمعين بالفعل.
حاولت أن تتصرف بصورة طبيعية، وأن تخفي الاضطراب الذي يسكنها، وجلست بينهم، لكن وجهها كان شاحبًا على نحو لافت، وعيناها لا تستقران في مكان واحد.
لاحظت ديلان ذلك، لكنها لم تسألها مباشرة.
وفي أثناء حديث العائلة وضحكاتهم، وضعت دنيز يدها على رأسها فجأة.
شعرت بدوار شديد اجتاحها دون مقدمات.
حاولت أن تتشبث بطرف المقعد، لكن الأصوات من حولها بدأت تبتعد شيئًا فشيئًا، وتحولت الوجوه إلى ظلال متداخلة أمام عينيها.
ديلان: دنيز؟.
التفتت ديلان إليها مذعورة واكملت.
ديلان: هل أنتِ بخير؟.
لم تجبها في بادئ الامر ثم قالت.
دنيز: لا اعلم لكن منذ مدة وان اشعر انني ليت بخير، اظن انني اصبت ب برد، حتى دورتي لم تعد منتظمة ولم تزرني منذ مدة.
لم تولي دنيز بالا لذلك الامر، فقد كانت تظن ان ذلك بسبب حالتها النفسية، وخوفها من تهديدات طارق.
في حين إستغربت ديلان وما ان ارادت ديلان ان تفتح فمها لتجيبها، حتى وفقت دنيز قائلة..
دنيز: سأذهب للحمام اغسل وجهي ويدي، ربما اتنشط قليلا بالماء البارد.
وفي اللحظة التالية، ترنحت دنيز وسقط جسدها بين أيدي من حولها، فاقدةً وعيها، وكان اول من امسكها هو اباها وعمها الذان اسرعا لها، وحاولا ان يمدداها فوق الاريكة.
تعالت الأصوات في المكان، وهرعت ديلان نحوها، بينما أسرع باران إلى مساعدتها.
باران: ابتعدوا قليلًا، دعوها تتنفس.
وبعد دقائق من الارتباك، اقترحت ديلان استدعاء طبيبة للاطمئنان عليها.
نزلت دنيز رفقة عائلتها لشقتهم، وتبعهم الجميع للإطمئنان عليها.
حضرت الطبيبة بعد وقت قصير، وفحصت دنيز بعناية، ثم بدأت ملامح الدهشة تظهر على وجهها.
وبعد انتهاء الفحص، هرجت الطبيبة من الغرفة ليتوجه نحوها الجميع يسألها عن دنيز.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة هادئة وقالت:
الطبيبة: لا داعي للقلق... يبدو أن سبب الإغماء ليس مرضًا كما ظننتم.
ساد الصمت.
رفعت الطبيبة نظرها إليهم، ثم قالت:
الطبيبة: دنيز حامل.
لثوانٍ، لم يستوعب أحد ما سمعه.
ثم انطلقت التهاني من كل جانب.
فرحت العائلة، وبدأت النساء يقتربن من دنيز لتهنئتها، بينما علت الابتسامات الوجوه.
أما دنيز...
فبقيت تحدق أمامها في ذهول.
حمل؟
في مكان آخر من قلبها، كان يمكن لهذا الخبر أن يكون أجمل ما سمعته في حياتها.
لكنها لم تستطع أن تفرح.
لأن أول ما خطر في ذهنها لم يكن طفلها، بل طارق.
ماذا سيفعل حين يعلم أنها لم تنفذ أمره؟.
شعرت بقلبها ينقبض.
وبينما انشغل الجميع بالحديث عن الحمل، اقتربت دنيز من ديلان وهمست لها:
دنيز: ديلان... هل يمكنكِ أن تحضري لي هاتفي من حقيبتي؟، لقد بقيت بالاعلى في شقتك.
ابتسمت ديلان.
ديلان: بالطبع.
نهضت وتوجهت إلى الاعلى لتحظر الحقيبة الموضوعة في الغرفة، بينما بقيت دنيز تراقب بتوتر في الاسفل.
كانت تريد هاتفها فقط كي تتصل بمدحت.
كانت بحاجة إلى إخباره بالحمل، وإخباره كذلك بأنها لن تعود إلى المنزل الآن، وأنها ستبقى في منزل والدها هذه الليلة.
كانت تبحث عن أي ذريعة تحميها من طارق.
فتحت ديلان الحقيبة وبدأت تبحث عن الهاتف.
ديلان: لحظة... أين وضعته؟.
أخذت تفتش بين الأشياء الموجودة داخلها، ثم لمحت شيئًا لم يكن ينبغي أن تراه.
كيس صغير.
توقفت يدها.
عقدت حاجبيها، وأخرجته بحذر.
لم تكن تعرف ما الذي بداخله، لكنها أدركت فورًا أن الأمر ليس طبيعيًا.
حدقت فيه لثوانٍ، ثم قلبته بين يديها محاولةً فهم ماهيته.
وفي اللحظة نفسها، دخل باران الغرفة.
باران: ديلان، هل وجد...
توقفت كلماته في منتصف الجملة.
تجمد في مكانه.
كانت ديلان تقف أمام الحقيبة، وفي يدها ذلك الكيس.
رفع باران عينيه إليه، ثم عاد ببصره إليها.
باران: ما هذا الذي في يدك؟.
نظرت إليه ديلان بحيرة.
ديلان: لا أعرف... وجدته داخل حقيبة دنيز.
اقترب باران بخطوات بطيئة.
كان في عينيه شيء تبدل فجأة.
لم يكن مجرد فضول.
بل إحساس غامض بالخطر.
مد يده وأخذ الكيس منها، ثم تفحصه للحظات.
وما إن أدرك طبيعة ما يحتويه حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اتسعت عيناه، وانحبس نفسه.
رفع نظره إلى ديلان، ثم إلى الحقيبة الموضوعة أمامهما.
باران: ديلان...
قالها بصوت منخفض، لكنه كان يحمل من الصدمة ما جعلها تشعر بقشعريرة تسري في جسدها.
ديلان: ماذا؟.
لم يجبها فورًا.
ظل ينظر إلى الكيس وكأن شيئًا خطيرا عاد فجأة ليطرق باب ذاكرته.
ثم قال:
باران: هذا ليس شيئًا عاديًا.
ابتلعت ديلان ريقها.
ديلان: ماذا تقصد؟.
رفع باران عينيه إليها، وقد أصبحت ملامحه شديدة الجدية.
باران: أقصد أن علينا أن نعرف كيف وصل هذا إلى حقيبة دنيز... ولماذا كانت تحمله معها.
نظرت إليه ديلان وقالت...
ديلان: وماهذن المادة البيضاء التي تحملها دنيز معها في حقيبتها.
نظر لها باران مطولا ثم حسم امره وقال..
باران: إنها مخدرات..
شهقت ديلان ووضعت يدها على فمها من هول ما سمعته.
وفي الأسفل، كانت أصوات أفراد العائلة لا تزال ممتلئة بالفرح بسبب خبر الحمل.
لكن داخل الغرفة، كان كل شيء قد تغير.
ففي اللحظة التي ظنت فيها العائلة أن يومها يحمل خبرًا سعيدًا سيجمعهم أكثر...
كان سرٌّ آخر قد انكشف.
سرٌّ قد يقودهم هذه المرة إلى الحقيقة التي ظلّت مختبئة خلف الخوف والصمت والتهديد.
أما دنيز، التي كانت لا تزال جالسة بينهم، فلم تكن تعلم أن الكيس الذي حملته خوفًا من طارق أصبح الآن بين يدي باران.
ولم تكن تعلم أيضًا أن اللحظة التي حاولت فيها حماية نفسها من طارق...
قد تكون هي اللحظة التي بدأت فيها خيوط مؤامرته بالانكشاف.