
مرّت الليلة كأنها أول ليلة دافئة تتسلل لنفس "نور" منذ سنوات. فتحت عينيها على شعاع شمس ضئيل يتسلل من ثقب قديم في الشباك الخشبي، ونظرت بجوارها لترى كيس الحلويات وعلبة المكياج. قامت، وغسلت وجهها بماء بارد أعاد إليها بعض النشاط، ثم وقفت أمام المرآة المكسورة وأمسكت بعلبة المكياج بحذر. كانت هذه بالنسبة لها الفرصة الذهبية لتخفي أثر الجرح القديم الممتد من أذنها لخدها، ذلك الأثر الذي طالما سبب لها القهر والوجع وكسر صباها.
بدأت نور ببراعة تطبق المكياج حتى اختفت العلامة تماماً وأصبح لون بشرتها نقياً وموحداً. زينت عينيها الواسعتين بالكحل وتريثت وهي تضع روجاً رقيقاً، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، أرجعت شعرها كله للخلف ورأت وجهها في المرآة صافياً، جميلاً، ودون أي عيب يذكر.
في تلك الأثناء، فتح جبل الباب ودخل الأوضة، لكنه اتجمد مكانه وبص عليها بذهول وهي تشوف وجهها المكشوف كاملاً لأول مرة:
ـ ايه ده؟ انتي حطيتي من الهباب اللي جيبتهولك؟ ورجعتي شعرك لورا خلاص؟
نور بوزت شفاهها بطفولة وضحكت خفيفة:
ـ هباب؟ ده مكياج رقيق! وبعدين مش انت اللي جايبه وقايل لي سرحي شعرك زى الناس؟ ولا عايز ترجع في كلامك؟
جبل ابتسم ابتسامة جانبية خطفت أنفاسها وقال بنبرة دافئة:
ـ ما بفرجعش في كلامي.. بس ما جولتلكيش تخليني مش عارف اكلمك كيف!
نور قربت منه بفضول ورجاء بصوت ناعم:
ـ طب بمناسبة الحاجات الحلوة دي.. ممكن أطلب منك طلب بسيط يا نينجا؟ أنا مخنوقة وما خرجتش من ساعة ما جيت هنا من كام يوم.. عايزة أخرج أشم هوا وآكل أكل من برة!
جبل عقد حواجبه بحزم وصرامة:
ـ تخرجي وين يا مجنونة؟! البلد مقلوبة ومسعد بيدور عليكي في كل شبر!
نور قعدت تتحايل عليه بعيونها السود الواسعة وبرجاء طفولي:
ـ عشان خاطري يا جبل.. ساعة واحدة بس ومش هعمل أي صوت ولا حركة.. ارجوك متحرمنيش!
جبل تنهد بقلة حيلة أمام تحايلها ونظرها الساحر:
ـ ماشي.. بس بشرط! تلبسي النقاب ده وما ترفعيهوش أبداً. وهنمشي خطة معينة عشان محدش يلمحني ماشي مع بنية وتطلع عليا إشاعات إني خاطفك.. انتي تمشي قدامي وأنا همشي وراكي بمسافة، كأنك ما تعرفينش ولا أنا أعرفك.. بس لو حصلت أي حاجة افتكري إني في ضهرك وهحميكي.
وافقـت نور بسرعة وحماس وارتدت النقاب، وخرجوا معاً باتجاه سوق البلد. مشيت نور بخطوات متحمّسة وهو يتبعها من بعيد بعيون ثاقبة كالصقر لا تفارقها لحظة. راحت اشترت كشري وقعدت على كرسي خشب برة المحل، لكنها سرعان ما ارتبكت وما عرفتش تاكل بالنقاب لأنها غير متعودة على ارتدائه.
بصت على جبل لقت وجهه الناحية التانية مشغولاً بتدخين سيجارته وغير منتبه لها، فقامت رافعة النقاب عن وجهها لتأكل براحتها. في تلك اللحظة بالذات، مر ولد غريب من الشارع، ولما شاف وجهها المزين بالمكياج اقترب منها بجرأة وقلة أدب وقال:
ـ ايه الجمال ده يا قمر! هو القمر نازل عالارض يعمل اى؟؟
نور اتخضت ورجعت لورا برعب شديد، وفي أقل من ثانية كان جبل واقفاً كالقضاء والقدر! مسك الولد من رقابته ونزل فيه ضرباً مبرحاً حتى تعالت الصيحات في الشارع، ثم قبض على يد نور بقسوة وجرها خلفه وهو يغلي من الغضب راجعين لبيت الجبل.
أول ما دخلوا البيت، زق جبل الباب بقوة وزعق فيها بصوت هز الجدران:
ـ انتي عقلك اتلحس؟! مش جولتلك ما ترفعيش الزفت ده من على وشك؟! عايزة تجيبلي المصايب وتخلي يسوى واللّي ما يسواش يتفرج عليكي؟!
نور انفجرت في البكاء بانهيار:
ـ أنا كنت باكل ومكنتش عارفة اكل بيه! انت بتزعقلي ليه كدة؟!
جبل من كثرة غضبه مسك ايدها جامد وجرفها بغضب عشان يقعدها، وهو بيسيب ايدها بقوة تعثرت نور ووقعت على الأرض بوجع. هو مكنش يقصد يوقعها، بس من شدة غيرته وغضبه الساطع سابها وخرج، وقفل الباب وراه بحدة وغضب عارم.
قعدت نور تبكي على الأرض بكسرة، ثم قامت وهي منهارة كلياً وقررت التخلص من كل هذه القيود التي تخنقها. خرجت برة البيت وفضلت تمشي في الجبل والجو ليل جداً والظلام يلف المكان، وهي تهمس لنفسها بدموع حارقة:
ـ أنا مش قادرة أستحمل العذاب ده! أنا بقيت مش فاهمة الراجل ده خالص.. مرة يجيبلي حاجات حلوة ويفرّحني، ومرة يبهدلني ويزعقلي والزعل أكتر بكتير من الفرح! أنا عارفة إنه أنقذني، بس ملهوش الحق يتحكم فيا للدرجة دي ويعاملني كأني عبدة عنده!
فضلت ماشية وتائهة في الظلمة والبرودة تقرص جسدها، ومش حاسة بالطريق، لحد ما لقيت نفسها واقفة قدام أرض كبيرة ومفتوحة ومضاءة بكشافات سيارات.. أرض أبو جبل التي استولى عليها مسعد!
وقفت نور تسترق النظر من خلف التل، وفجأة لمحت سيارة فخمة كبيضة اللون تقف في منتصف الأرض، ونزل منها عدد كبير من البنات ورا بعضهن بلباس استعراضي، وكان مسعد يقف في المنتصف يوجه رجاله ويضحك بصوت مكتوم. نور انقبض قلبها وارتجفت من المنظر، وأثناء محاولتها للتراجع للخلف بخطوات خائفة، ارتطمت قدمها بصفيحة معدنية فارغة أصدرت صوتاً مدوياً في صمت الليل!
في اللحظة دي، التفت مسعد فوراً باتجاه الصوت، وتدقق بعيونه في الظلام لحد ما ميز جسدها الخائف.. صرخ في رجاله بصوت جهوري:
ـ هاتولى البنت دى! الحقوها وهاتوها حية يا اغبياء!
نور أول ما سمعت صوته وشافت الرجالة بيجروا ناحيتها بالسلاح، صرخت برعب وجريت بأقصى سرعة عندها راجعة على مسالك الجبل الضيقة، والدموع تغرق وجهها ونفسها يتقطع من الخوف.
وصلت لبيت الجبل وهي بتصرخ وتستغيث بأعلى صوتها:
ـ جبل! يا جبل! الحقني!
جبل كان بيدور عليها في كل مكان واتجنن لما ملقهاش، وأول ما شافها بتجري عليه من وسط الضلمة، رميت نفسها في حضنه وهي ماسكة في جلبابه برعب وهستيريا وجسدها كله يرتجف:
ـ جبل الحقني.. مسعد ورجالته جايين ورايا وشافوني عند الأرض!
جبل حاط يده على رأسها وضمها لقوة صدره، ونار الانتقام اشتعلت في عيونه السوداء:
ـ اهدي يا نور.. اهدي، يمين الله محدش هيلمس منك شعرة طول ما أنا بتنفس!
أخذها جبل فوراً تحت غطاء الليل إلى دوار عيلته الكبير في قلب البلد، وتسلل بها بحذر شديد عبر السور الخلفي وصولاً لشباك غرفته الأرضية دون أن يشعر بهما أحد. دخل بها إلى الغرفة المشبعة برائحة العود والخشب القديم، ثم أغلق الستائر الثقيلة.
نور كانت تلهث وتنظر حولها بتوتر في الغرفة الواسعة، فاقترب جبل من زاوية الغرفة، وأزاح سجادة يدت قديمة وثقيلة، ليكشف عن باب خشبي متين مثبت في الأرضية بمقبض حديدي. فتح الباب ليظهر سلم خشبي صغير ينزل إلى قبو دافئ ومضاء بلمبة خفيفة ذات ضوء أصفر هادئ.
نزل جبل أولاً ومسك يد نور ليساعدها على الهبوط بخطوات ثابتة. كان القبو عبارة عن غرفة سرية تحت الأرض، جدرانها من الطوب الرملي القديم، وفي الزاوية سرير بسيط مفروش بأغطية ناعمة، وطاولة صغيرة عليها إبريق ماء وبعض الشموع والأغطية الإضافية. الجو بالأسفل كان معزولاً تماماً عن الضوضاء والخارج، يبعث على أمان غريب.
جبل بص لنور بنبرة حنونة وصوت خفيض يعبر عن الاهتمام:
ـ اقعدي هنا يا نور.. المكان ده أمان تام ومحدش يعرفه غيري في الدنيا دي كلها.. ارتاحي ومتخافيش من أي حاجة.
نظرت نور إلى المكان حولها بوهن، بينما صعد جبل قليلاً ليؤمن الوضع ثم غاب دقائق معدودة، وعاد يملأ كفيه أكلًا خفيفاً وزجاجة مياه باردة، وضعها أمامها على الطاولة الصغيرة وقال بنبرة آمرة لكنها حانية:
ـ كلي واشربى مية ، واهدي خالص.. بس اسمعيني يا نور، طول ما إنتي قاعدة هنا إياكي ثم إياكي تطلعي صوت واصل، مهما حصل فوق دماغنا أو سمعتي أي حركة أو صوت، اوعي حد يعرف إنك متردمة هنا، المكان ده طوق نجاة لينا إحنا الاتنين.
نور هزت راسها بدموع وصوت منخفض:
ـ حاضر يا جبل.. مش هعمل صوت.
جلس جبل قبالها على كرسي خشبي صغير، ونظر إلى عينيها المحمرتين من البكاء بجدية وقال بصوت خافت يملؤه التحقيق الهادئ:
ـ ودلوقتي.. عاد لازم تحكي لي اللي حصل بالتفصيل الممل.. إيه اللي جابك على مطلع الليل برا البيت؟ وايه اللي خلاكي تخرجي وتغامري بروحك كده؟ كنتي هتروحي في داهية لولا ستر ربنا!
انفسخت دموع نور بغزارة وهي تحكي له بصوت متقطع ونبرة مكسورة:
ـ أنا.. أنا مكنش قصدي أهرب ولا أعمل مشكلة.. بس حسيت إن الكتمة دي هتموتني! كنت مخنوقة أوي من طريقتك.. مرة تحسسني إن الملكة، ومرة تزعق وتزقنى كأن مالیش أي قيمة! لما مشيت كنت تايهة ومش عارفة أنا رايحة فين، وفجأة لقيت نفسي قدام الأرض دي.. وشوفت عربيات ونازلين منها بنات ومنظر مسعد وهو واقف فخفت وكنت برجع لورا.. لحد ما خبطت في الصفيحة، وهو سمعني وشافني.. والله غصب عني يا جبل!
جبل استمع لها بملامح متصلبة وصمت تام، وعيناه تلمعان بنظرات غامضة لا تُفسر.
وفي تلك اللحظة، التفتت عيناه نور نحو جدران القبو، ولاحظت لأول مرة مالم تره في وسط الذعر؛ كانت هناك صور كثيرة لـ طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها سنتين تقريباً، معلقة ومنتشرة في كل زاوية من زوايا القبو الخانق. صور لابتسامة بريئة وبريق عيون ساطع يشبه النجوم.
التفتت نور إلى جبل وسألت بنبرة يملؤها الفضول :
ـ جبل.. مين البنت الصغير القمر دي؟ صورها مليانة المكان هنا كله ليه؟ دي كأنها روح المكان!
تحولت ملامح جبل فجأة إلى قناع من الأسى والحزن العميق، وساد صمت ثقيل ورهيب في القبو لعدة ثوانٍ، كأن الأكسجين شُحّ فجأة. تنهد جبل تنهيدة حارقة وكأنها تخرج من جرح ينزف منذ سنوات، وقال بصوت متحشرج يحمل كل معاني الألم والوجع:
ـ دي.. دي "رحمة".. بنت عمي الله يرحمه.
نور رمشت بعينيها بتأثر وقالت بصوت خافت:
ـ بنت عمك؟! فينها دلوقتي؟ شكلها ملاك ما شاء الله.. ليه صورها مالية المكان السري ده بس؟
تثاقلت أنفاس جبل وكأنه يستعيد شريطاً أسود من الذكريات المريرة، وأخذ يحكي بقلب موجوع:
ـ يوم عيد ميلادها الى تمت فيه السنتين.. من سنين.. كانت الدنيا زحمة والدار مليان ضيوف وأهل وناس جاية تبارك وتفرح.. وفي وسط الزحمة واللغبطة دي، رحمة كانت بتزحف.. زحفت وخرجت لبرة الشقة من غير ما حد يحس بيها.. وأنا.. أنا لما لمحتها بعيني وهي بتتحرك سيبتها وماركزتش قوي ساعتها، عشان قلت في نفسي الباب بتاع العمارة مقفول في وشها وعادي، هتلف وتلف جوه الممر والشقة ومش هتبعد.. لكن اللي مكنتش أتخيله ولا يحسبه عقلي.. إن في حد من الضيوف اللي كانوا جايين خرج في نفس اللحظة، وهي خرجت في رجليه من غير ما هو ياخد باله أو يحس بوزنها الخفيف!
وضعت نور يدها على فمها بصدمة ، ليكمل جبل بحسرة وعذاب يكاد يمزق صدره:
ـ بعديها بشوية.. ما فيش دقايق معدودة، لاحظت إنها مش موجودة حوالينا.. جريت أدور في كل زاوية، في الدوار، في الغيط، في الشوارع.. بس خلاص.. فص ملح وداب وكأن الأرض انشقّت وبلعتها! لا حس ولا خبر.. ومن يومها.. وأنا مخلي الأوضة دي والقبو ده مأوى لذكرياتها.. وكل شبر هنا بيصرخ باسمها، وعمري ما هسامح نفسي إني سيبتها حتى لو للحظة! غير ان هى كانت من حدى ونصيبى...كنت مستنيها تكبر بفارغ الصبر عشان اتجوزها..دى وصية عمى اصلا
غرق القبو في سكون مطبق ورهيب،
نظرت إليه نور بعيون امتلأت بالدموع، ومدت يدها بحذر ولمست كف يده الخشنة وهي تمسح دمعة نزلت رغماً عنه، وقالت بصوت متهدج يقطر حناناً:
ـ مش لوحدك يا جبل.. ربنا قادر يظهر الحق، ومتقلقش.. إن شاء الله هترجع أو هتعرفوا مكانها.. بس اهدى.
جبل نظر إلى كفها الصغير الذي يلامس يده، وشعر بدفء غريب يتسلل إلى قلبه البارد وسط جحيم الذكريات، فقَبض على يدها برفق، وأخذ يحدق في وجهها مطولاً وكأنها النور الوحيد المتبقي له في عتمة أيامه. أخذت نور نفساً عميقاً، وانقبض قلبها وهي تستعيد ذكرياتها المؤلمة، فقالت بصوت مكسور ودموعها تسيل على وجنتيها:
ـ عارف يا جبل.. كلامك عن وجعك فكّرني بوجعي اللي مبيخلصش.. أنا كمان عشت سنين عمري فاكرة إني سبب كل مصيبة حصلت لي. زمان، كنت عايشة مع أمي وأبويا في دنيا تانية خالص.. دنيا مليانة حب وحنان، مكنوش حارمينني من أي حاجة أبداً، مدخلينني مدرسة ومكفيين طلباتي كلها، وعايشة ملكة في عيونهم. لحد ما في يوم، طلبت منهم طلب تافه.. طلبت أروح رحلة نيلية وأشوف نهر النيل وأركب المركب. وافقوا عشان يفرحوني، وطلعت معاهم.. وفي نص النيل، وأنا ببتسم وببص على المية من حرف المركب، توازني اختل فجأة ووقعت جوه المية!
توقف صوتها لفترة وهي تبتلع غصة حارقة في حلقها، وتابعت بانهيار:
ـ أمي.. من غير أي تفكير ولا مقدمات، وبغريزة الأمومة اللي أقوى من أي حاجة، نطت ورايا وهي أصلًا ما بتعرفش تعوم! وأبويا أول ما شافها نط وراهنا احنا الاتنين عشان ينقذ مراته وبنته، وغرق هو كمان.. جم بعد كده ناس من على المركب وأنقذونا بس أنا لوحدي الى كنت بتنفس، أمي وأبويا راحوا.. غرقوا وماتوا قدام عيني وأنا عندي تسع أو عشر سنين! عشت سنين عمري حاسة بإحساس ذنب أكل روحي، إني أنا السبب في موتهم هما الاتنين.
جبل استمع إليها بقلب ينبض بالقهر والألم لأجلها، فضمت نور كتافها لبعضها ببرود وقالت بمرارة:
ـ ومن بعد موتهم، رماني البخت في بيت عمي ومراته.. ومن اليوم ده، ماشوفتش ذرة حب ولا حنية، كأنهم بينتقموا مني! حرموني من المدرسة، وبقيت عندهم خدامة بتعمل أكل وشرب وتمسح وتخدم في البيت الليل والنهار، والأصعب من كده.. كانوا بيطلعوني أتشرد في الشوارع وأشحت عشان أجبلهم فلوس! مكنش ليا أصحاب، ولا حد بيسأل عليا، لحد ما ربنا رمى في طريقي "سحر".. البنت الى شوفتها اللي كانت بتشحت جنبي أو تبيع مناديل على الإشارات، وبقت هي أهلي وصاحبتي الوحيدة في الدنيا دي كلها.
جبل شد على يدها بقوة ودفء أكبر، ونظر إليها بنظرات كلها تعاطف وحب مكتوم، وقال بصوت خشن يخفي خلفه براكين غضب:
ـ إحنا اتخلقنا من نفس طينة الوجع يا نور.. مكتوب علينا نتحمل اللي محدش يتحمله، بس وحق جبال الصعيد دي، ما هخلي حد يمسك بسوء تاني طول ما أنا عايش.
ـــــــــ
وفعلاً، تاني يوم الصبح، لما مسعد جاب الشرطة والمأمور للبيت المهجور وهو واثق من حسم المعركة وإيقاع جبل في الشباك، كسروا الباب ولقوا البيت عبارة عن حوائط على الطوب الأحمر الكحلي وتراب كثيف من غير أي أثر لأي عيشة، لا أكل، لا سرير، ولا مكياج! الضابط اتغابى على مسعد وكدبه أمام الجميع واعتبره بيضيع وقت الحكومة في أوهام وعدم تركيز، وبكده خطة مسعد باظت تماماً ورجع يجر أذيال الخيبة والهزيمة، بينما جبل كان يراقب من بعيد بابتسامة نصر باردة، محتفظاً بسره الأكبر داخل هذا القبو الدافئ مع نور.