
هاتف منتصف الليل
الحلقه السادسه والاخيره
غلب الخوفُ قلبَ "شهيرة" وهي تنظر إلى الجسد الصغير المتألم للطفل "أدهم". كانت أنفاسه تتسارع، وجهه شاحب، والحرارة تحرق جسده الغض. لم تحتمل أن تراه على هذه الحال، فأمسكت بسماعة الهاتف ويدها ترتجف لتتصل بـ "عزت" مرة أخرى، وصصرخَت فيه بنبرة يملؤها الهلع:
"الولد تعبان أوي يا عزت! منك لله، اتصرف وتعالَ خُده المستشفى.. اعمل أي حاجة، الولد بيموت في إيدي!"
جاءها صوته جافاً قادماً من بين طيات قسوته:
"خلاص يا غراب البين، أنا هتصرف!"
أغلق الخط ودخل أقرب صيدلية، وحكى للصيدلي بأنه يريد شيئاً يُخفف الحرارة المرتفعة، فأعطاه بعض المسكنات. أخذها وذهب سريعاً إلى شقة "شهيرة"، ألقى العلبة نحوها وقال بلامبالاة:
"خدي أديله من الدوا ده، يمكن يخف."
تفحصت العلبة بقلة حيلة وقالت باستنكار:
"ده إيه ده؟ مسكن؟! وده هينفع يا عزت؟!"
"اه هينفع، أديله وخلاص!"
لكن الدواء لم يُجدِ نفعاً؛ فالصغير كان يتنفس بجهد حثيث، ويلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة. لم تكن المسألة مجرد حمى عابرة، بل كانت أزمة ربو حادة تتطلب نقله فوراً إلى المستشفى ليوضع على جهاز الأكسجين، فهو يعاني من الربو منذ نعومة أظافره.
خرج "عزت" وتركهم، غير أن خوف "شهيرة" على "أدهم" تجاوز حدود الخوف من شريكها؛ كانت تصارع فكرة أن يموت الصغير بين يديها فتروح في غيابات السجن بسببه. اتخذت قرارها، وحملت الطفل بين ذراعيها وهرعت به إلى المستشفى، وهناك أبلغت الشرطة بكل شيء، خائفةً من أن تُتهم بمقتله إن حدث له مكروه.
في مركز الشرطة، أسرع الضابط بالاتصال بـ "أمنية"، وأعلمها بمكان ابنها ومستشفى وجوده. لم تتمالك "أمنية" نفسها من الفرحة والهلع في آنٍ واحد، فركبت مع "ساهر" وهرعا معاً إلى المشفى. وما إن وطأت قدمها الغرفة ورأت صبِيَّها، حتى ضمته إلى أحضانها بدموعٍ تسكب سنوات من الخوف والرعب، وهي تشكر "شهيرة" على موقفها الأخير. وفي الوقت ذاته، رافقت الشرطة "شهيرة" إلى القسم لأخذ أقوالها والتحقيق في ملابسات الاختطاف.
في هذه الأثناء، عاد "عزت" إلى الشقة، ففتح الباب ودخل الغرفة فلم يجد "شهيرة" ولا الطفل. تسللت الريبة إلى قلبه، فأمسك بهاتفه واتصل بها وهو يغلي غضباً:
"أنتِ فين يا زفتة؟!"
ردت بصوت خائف ومجهد:
"أنا في المستشفى.. الولد تعب وكان لازم يتعالج! أنت إيه؟ قلبك حجر؟! مش ده ابنك برضه؟!"
قاطعها بصراخ حاد:
"اسكتي خالص! أنتِ في أي مستشفى؟!"
أعطته العنوان وهي لا تعلم أن الشرطة كانت تتربص له هناك وتنتظر وصوله. وما إن اقترب "عزت" من محيط المستشفى حتى أدرك بحسه الإجرامي أن هناك تحركات غير طبيعية وأن رجال المباحث ينتظرونه. نزل الشرار من عينيه، وهم بالهرب متوارياً عن الأنظار قبل أن يلمحه أحد.
وظل طريداً، وهارباً في أزقة المدينة، والجميع يظنون أنهم سلموا من شره مؤقتاً.
بعد مرور أيام، وفي ليلة مطيرة أظلمت فيها السماء وتفرقت فيها الأقدام من الطرقات، كان "عزت" يتسكع في المطر والبرد يتآكله، يتطوح من أثر الخمر والمخدرات التي تجري في دمه. واصل المسير بخطوات ثقيلة حتى وصل إلى منزل "شهيرة". طرق الباب بحدة، فتحت "شهيرة" لتفاجأ به أمامها، فقالت بذعر:
"مين؟ عزت؟! أنت إيه جابك هنا؟"
رد بعينين حمراوين وجسد يرتجف:
"إيه؟ خايفة ليه؟"
تظاهرت بالثبات وقالت:
"أبداً، وهخاف من إيه؟"
دخل الشقة، خلع معطفه المبلل وحذاءه، وقال بنبرة آمرة:
"خلاص، انسي موضوع ابني ده.. أنا هنام هنا لحد الصبح."
صرخت فيه بقلة صبر:
"أنت اتجننت؟! إزاي يعني تنام هنا؟! خد المفتاح وروح الأوضة اللي في القهوة!"
ارتسمت على وجهه ابتسامة شريرة، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة:
"الأوضة اللي فين؟ ما أنتِ تلاقيكي مبلّغة عني، والبوليس مستنيني هناك! فاكرة إني هفوتها لك؟ لا يا حلوة.. أنا جيت أحاسبك!"
فزعت ورجعت إلى الخلف:
"اخرج يا عزت! اخرج بره!"
لكن الشيطان كان قد تملكه؛ هجم عليها وقبض على رقبتها ببراثن قاسية، وهو يصرخ في وجهها:
"همشي.. بس بعد ما آخد روحك! زي ما خدتي ابني مني ووديتيه تاني لأمه!"
حاولت الفكاك منه، وكانت أنفاسها تتنطع وهي تستغيث:
"سيبني يا عزت.. سيبني هموت في إيدك!"
لم يستمع لاستغاثتها، واستمر يضغط على عنقها بقسوة حتى غابت أنفاسها تماماً، وأنهى حياتها وهو فاقد للوعي والعقل تحت تأثير السموم التي تجري في عروقه. وبعد أن فارقت الحياة، سقط بجانب جثتها على الأرض واستسلم لنوم عميق ومظلم.
مع بزوغ فجر يوم جديد، استيقظ "عزت" من سكرته ليجد نفسه مستلقياً بجوار جثة "شهيرة" الملقاة بلا حراك. نظر إليها بحسرة وندم مكبولين؛ إذ لم يكن يدري ماذا فعل في ليلته الماضية بسبب غيوم المخدرات التي غيبت عقله. لملم نفسه على عجل، وفي غمرة رعبه وهلعه، خرج وسحب الباب خلفه مُغلقاً إياه، ناسياً معطفه المبلل الذي يقبع في جيبه داخله: بطاقته الشخصية!
مرت الأيام، وبدأت رائحة كريهة تنبعث من شقة "شهيرة". ولأنها كانت تعيش بمفردها ولا يسأل عنها أحد، لم ينتبه غيابها أحد في البداية. لكن الرائحة أصبحت لا تُطاق، مما دفع الجيران للذهاب إلى قسم الشرطة والإبلاغ عن الأمر.
حضرت قوات الشرطة، وكسروا باب الشقة، ليجدوا جثة "شهيرة" في حالة تحلل مزرية. بدأ رجال المباحث في تمشيط مكان الجريمة، وأثناء التفتيش الدقيق، عثروا على معطف "عزت" وبداخله بطاقته الشخصية، ليتأكدوا أنه الفاعل، وصدرت الأوامر بسرعة القبض عليه في كل مكان.
كان "عزت" قد فر إلى صديق السوء "مرعي"، وهو تاجر مخدرات ومأوى للمجرمين. دخل عليه عزت شاحباً وقال:
"مالك يا عزت؟ إيه اللي جابك بالشكل ده؟"
"خبيني عندك يومين يا مرعي، لحد ما أترتب وأسافر بره مصر."
"ليه؟ عملت إيه؟"
"معملتش حاجة.. بس الناس اللي ليهم دين عندي بيطاردوني!"
"خلاص، اقعد هنا ومحدش هيعرف مكانك."
وظل "عزت" مختبئاً كطريد للعدالة، بينما المباحث تكثف تحرياتها للوصول إليه.
عندما علمت "أمنية" بما حدث لـ "شهيرة" ومقتلِها، تملكها رعب شديد. حبست نفسها وابنها في البيت، خائفةً من أن يعود "عزت" في أي لحظة ليثأر أو يسرق طفلها مجدداً.
عندها، لم يجد "ساهر" مفراً من التدخل؛ فجاء برفقة والدته إلى منزل "أمنية" لإقناعها هي ووالدتها بالانتقال للعيش في فيلتهم، ليكونوا تحت أنظار الجميع وفي حماية حراس الأمن. وبعد محاولات وإصرار من أم ساهر، وافقت "أمنية" أخيراً، وانتقلوا جميعاً إلى فيلا جميلة تحيط بها حديقة خضراء تسر الناظرين.
اتسعت عينا الصغير "أدهم" بالفرحة وقال براءة:
"الله! البيت ده هيبقي بتاعنا؟"
ابتسمت "أمنية" وحضنته:
"لا يا حبيبي، هنقعد هنا شوية بس."
قال ساهر معقباً بابتسامة دافئة:
"خليه يلعب في الجنينة يا أمنية، متخافيش الحرس هيخلوا بالهم منه."
ومع مرور الأيام في هذا الجو الآمن، تقرب "ساهر" من "أمنية"، وازداد شغفاً وعشقاً بها، وأحب ابنها "أدهم" كما لو كان ابنه من صلبه.
في هذه الأثناء، كان "عزت" يجهز أوراقه للهروب خارج البلاد، لكن القدر كان له بالمرصاد؛ فقد وقع صديقه "مرعي" في شرب الخمر حتى سكر، وزلّ لسانه أمام "صابر القهوجي"، متفاخراً بأنه يخبئ صديقاً ملاحقاً. لم يتردد "صابر" في إبلاغ المباحث، والتي داهمت الوكر وألقت القبض على "عزت".
جرت محاكمته في قضية القتل العمد والاختطاف، وصدر الحكم العادل بإحالة أوراقه إلى فضيلة المفتي، لِيُغلق ملف هذا المجرم إلى الأبد.
استقبلت "أمنية" الخبر بدموع الفرح والارتياح، وشعرت بأن الكابوس الذي طالما أرق حياتها قد انتهى. وفي تلك الأجواء المليئة بالأمل، تقدم "ساهر" برغبة صادقة لطلب يدها من والدتها، والتي باركت هذا الزواج بقلب راضٍ.
رحلت أيام التعاسة والشقاء، وأشرقت في قلب "أمنية" شمس السعادة من جديد، بعد سنوات طويلة عاشتها تحت ظلم وقسوة رجل لم يظلم أحداً كما ظلم نفسه وأهله ومجتمعه.
تمت بحمد الله