رواية بين ظلال الماضي الفصل الرابع عشر14 بقلم رودينا يوسف

رواية بين ظلال الماضي الفصل الرابع عشر14 بقلم رودينا يوسف
مر أسبوعاً في هدوء نسبي لا يخلو من الترقب والحذر الشديد من قِبَل حازم على حنين،مما جعله يصب كل تركيزه معها، فقد كان يرافقها كظلها ولا يتركها إلا داخل مقر عملها أو بعد اطمئنانه لدخولها بيتها بسلام أمام عينيه ، فالقلق والخوف من فقدانها أو إصابتها بمكروه كانا وحشًا ينهش أحشائه بلا رحمه ...

وهي قربه منها لهذا الحد بسبب تلك الظروف التي فرضها القدر عليهما ، زادت من إحساسها نحوه أكثر و أخيرا سمحت لقلبها بأن يتذوق ما لم يطرق بابه إلى الآن بل و سعى للهروب منه ، وكأنه كان يحمي نفسه ويحفظ مفاتيحه له وحده....

أما كرم لم يرح باله لحظه ، وعقله كان يشتعل أكثر مع كل رساله تهديد أخرى ، فظل يبحث في كل إتجاه على هذا المجهول الذي يهدد أمان وحياه أسرته بل و انهيار عالمه بعد عناءه لجعله على ما هو عليه الآن ،وهذا ما لن يسمح به هذا الأسد الجريح ، فقط ينتظر خطأ واحداً لينقض على فريسته ومبتغاه وعندها اممممم سنرى ....

صعدت راويه بخيلاء على بضع درجات فاصله لتصل بهو ڤيلا كرم، في زياره مفاجأه منها بعد أخر تجمع لها معهم وطردها من كرم، لتبدأ محاولتها الخبيثه للتقرب من ناديه كجزء من خطتها....

وبعد أن فتحت لها الخادمه أمرتها بألا تبلغ سيدتها عن وجودها، ثم تقدمت من غرفه الصالون حيث ناديه التي كانت تحتسي كوبا من القهوه باسترخاء بعد ذهاب ابنتها وزوجها للعمل و أثناء حديثها مع إحدى سيدات المجتمع..

ناديه : مفيش مانع خالص عندي.. الميعاد ده مناسب جدا

السيده : هايل ..صدقيني هيزيدنا شرف بانضمام حضرتك للندوه

ناديه:  ما تقوليش كده الشرف ليا انا اكيد 

السيده : كلك ذوق يا ناديه هانم ...عموما احنا على ميعادنا هنكون في انتظار حضرتك 

ناديه: إن شاء الله هكون عندكم في الميعاد ..نتقابل هناك 

السيده : طبعا ده اكيد...للاسف انا هضطر اقفل مع حضرتك عشان أشرف على باقي التجهيزات

ناديه: اتفضلي يا فندم.. كان الله في عونك 

كانت راويه تقف بخارج الغرفه تسترق السمع إلي محادثتها بغل،  وريثما انتهت رسمت على وجهها بسمه مصطنعه وتقدمت منها بود وعتاب زائفين قائله : 
ناديه حبيبتي.. كده برده يا وحشه ما تسأليش عني كل الفتره دي

حملقت ناديه بها مستغربة دخولها المفاجئ وحديثها برمته، ثم قامت لتستقبلها وهي تجيب بمجاملة فاترة مختصره: هاي يا راويه.. نورتي.. سوري بس كنت مشغوله قوي الفتره اللي فاتت دي

جزت راويه على أسنانها في الخفاء وهي تبتسم ابتسامتها الصفراء أثناء ابتلاعها للكثير من الكلام اللاذع عما أحسته في طريقه ناديه معها، والتي كادت أن تلقيه كما اعتادت ، ولكنها وأدته سريعاً داخلها كي لا تقتل مخططها في مهده ، ثم تلونت كحرباء متمكنه وردت بلطافه لا تمط لنواياها بصله:  اكيد طبعا مشغوله..ربنا يعينك ...انا سمعتك بتتفقي على ميعاد وانا داخله 
لم تستطيع كبح فضولها وهي تتسائل : هو مين اللي هتقابليها دي؟؟ هما طالبينك في جمعيه جديده ولا ايه؟!

أجابتها ناديه وهي ترسم بسمه متكلفه مع نظرة تبدو طبيعيه حاولت بها إخفاء الضيق بداخلها : دي ندوه للتوعيه عن كانسر الثدي ..وطالبين مني الحضور... المهم ما قلتيش تحبي تشربي ايه عشان ابلغهم يحضروه

سألتها وهي تنهض متهربة من أي أسئلة فضوليه أخرى و لتوقف أي كلمه قد تخرج منها تذكرها بما تغلق أبوابه منذ زمن،  لتلتقط الأخرى المعنى وتجاريها ؛ كي لا تثير أي حنق تجاهها منذ البداية ، فردت أثناء رجوعها بأريحية للخلف ووضع ساقا فوق الأخرى بغرور: 
ممكن اسبريسو 

أومأت ناديه وتحركت خطوة وهي تقول لها : تمام هبلغهم حالا ..ثواني وراجعه لك

تدخلت راويه سريعا لتوقفها : ما لوش لزوم تروحي وتيجي.. كلميهم في المطبخ يحضروها وتعالي اقعدي معايا... وتابعت بنبرة جادة : عاوزه اقول لك حاجه مهمه يا ناديه وهي سبب وجودي عندك النهارده 

عادت ناديه لمكانها وبالفعل طلبت ضيافتها ثم سألتها باهتمام :؛حاجه ايه يا راويه المهمه دي... خير طمنيني

مثلت راويه الحزن والندم وتكلمت بنبره خافته : أنا بصراحه يا ناديه من وقت ما مشيت من عندكم المره الاخيره قعدت مع نفسي أراجعها ... و حسيت إن كلامي عن حنين اتفهم غلط... وأنا وحياه ولادي مش قصدت اي حاجه وحشه ... حنين دي زي بنتي... أنا بس كنت حابه اوضح بس اللي اتقال واطمن عليها ...عشان كده حبيت اجي واعتذر عن أي سوء فهم حصل ....وكمان يا ناديه انا لقيت اننا مش قريبين من بعض بشكل كافي ابدا كأهل ...ويمكن أكون انا السبب.   لأني شخص في حاله جدا جدا ...مش بحب التدخل الزايد يعني... بس العمر مش فاضل فيه قد اللي فات... امتى هنعيش كعيله واحده خايفه على بعض... وبصراحه أكبر كمان شايفه إن إيهاب ابني متعلق قوي قوي بحنين... فممكن كده نفرح بيهم قريب.... فليه نبعد لما في حاجات كتير قوي تجمعنا؟؟

كانت تنظر بتمعن في وجه ناديه لترى أثر حديثها الكاذب عليها ؛ فهي تعلم رقه مشاعرها ومدى حبها للأسره والترابط...

وناديه كانت في حالة من الصدمه والدهشه، و اتضح ذلك جلياً على ملامحها الجميله الهادئه ، داخلها حدس بأن هناك شيء خاطئ ، ولكن ستتعامل معها على ما يظهر منها وتكون حريصه قدر الاستطاعة ، فربما يكون حدسها غير صحيح...

أجْلت حنجرتها بعد أن نفضت الكلمات والتساؤلات العالقه بداخلها ، وردت عليها بأدب مع تجاهل متعمد من جانبها لذكر إيهاب أو أي شيء يخص علاقته بحنين الغاليه:  بغض النظر عن كل اللي حصل المره اللي فاتت اعتبري إن اللي فات مات... كفايه وجودك واعتذارك دلوقتي في بيتي ... أما موضوع قربنا.. فذي ما قلتي أنا ابدا عمري ما كنت بعيده... لكن برده مش انا اللي تفرض نفسها على حد ... دي طبيعتي بحب اسيب اللي قدامي على راحته ...ولو حابه تغيري ده دي حاجه مش هتضايقني ابدا بالعكس 

ارتسمت ضحكة انتصار على شفتي راويه وهي تردد بحماس : طول عمرك عند حسن ظن الكل بيكي يا نانا... فعلا ميرسي ميرسي بجد 

ثم تبادلت راويه الأحاديث معها محاولة إذابة الجليد بينهما ، وبناء علاقه ظاهرها طبيعيه وجديده، لإثبات حسن نيتها الغير موجوده، و سايرتها ناديه ولكن بحذر فقلبها لم يطمئن بعد لتلك التي تبدلت بين ليلة و ضحاها ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عصرا...

كان أيمن قد تجهز كي يذهب لعمله؛ ولكنه قرر أن يمر أولا على نعيمه ليطمئن على حالتها قبل انشغاله في إحدى نبطشياته المتعبه ، وأثناء مكوثه معها لمح هنا وچنا وهما بآخر الدرج في طريقهما للخارج، ليسرع متلهفا بجلوسه جوار نعيمه طالبا منها بنبره أقرب للرجاء: 
نعيمة الحلوه... بالله عليكي يا نعناعه اندهي بسرعه على هنا وچنا أخوات حازم قبل ما يمشوا هم لسه نازلين قدامك اهو 

نظرت له نعيمه ممتعضه و قالت وهي تضع يدها اليمنى على وجنتها مستنكرة :  انت عاوزني اشقط لك بنات يا ولا على اخر الزمن

تأفف لعدم وجود وقت لجدالها ثم تابع بسرعه و لهفه : ابوس ايدك مش وقته خالص هيمشوا ...هبقى افهمك بعدين... اندهيهم بس عاوز اعرف هم نازلين فين دلوقتي 

لوت نعيمه فمها وهي تقول مطاوعة إياه : حاضر حاضر يا أخرة صبري... لما اشوف أخرتها معاكم ايه يا رمم

ثم بدأت بالصياح على الفتاتين بصوتها العالي: هناااا... يا هناااا... انتي يا بت انتي وهي... تعالوا عاوزاكم 

أوقفت چنا أختها وهي تمسك بذراعها و تقول : استني يا هنا استني... خالتي نعيمه شكلها بتنده علينا تعالي نشوفها لتكون محتاجه حاجه حرام دي قاعده لوحدها برده

وافقتها هنا وتقدمت معها نحو نافذة نعيمة التي تمتمت لمن يقف جوارها وراء الضلفه الخشبيه للنافذه ولا يظهر منه شيئاً : اهم جايين يا منيل.. اقول ايه انا بقى دلوقتي

أيمن بضحك:  يا ستي قولي عاوزه اسلم عليكم ولا عاوزه اي حاجه يا نعيمه... يعني هو انتي هتغلبي 

أصدرت صوتها المعتاد (مسسم) وردت بحنق : 
نعيمه.. نعيمه ..كله على دماغ نعيمه حاجه نيله

وصلت الفتاتين إليها وقالت چنا بابتسامه بشوشه : 
خير يا خالتي عاوزه حاجه مننا نجيبها لك ...سمعتك بتندهي علينا 

تابعت هنا باستعجال: اه بس الله يخليكي قولي بسرعه لاحسن نتأخر على الدرس المعقرب ده مش ناقصه

ردت نعيمه بعفويه : والنبي يا بنتي انا مش عاوزه حاجه ده المنيل اللي جنبي ده هو اللي عمال يزن عليا اندهي عليهم يا نعيمه... اندهي عليهم يا نعيمه.. لحد ما صدعني فندهت مانا مش ناقصة خوته... 
حولت بصرها بشماته الذي نظر لها بغيظ شديد وقالت:  قول يا فالح بقى... عاوز منهم ايه 

ظهر أيمن وهو يتحمحم ببعض الحرج خافضًا بصره أرضا بتفكير، ثم رفعها سريعًا واضعاً يده على أنفه كمن يبحث عن مخرج لائق لموقفه ،  وبداخله يردد بسخريه (ده انتي ناسيه كل حاجه يا نعيمه ..الذاكره رجعت لك دلوقتي يعني على حظ قرمط )..

حاول التظاهر بالتماسك ليخفي ما اعتراه من ارتباك، ونطق بدهشه كاذبه : انا برده يا نعناعه... ده انتي أول ما شفتيهم قلتي إنك عاوزاهم يشتروا لك رز من عند البقال لحقتي تنسي يا حبيبتي... ده انتي حتى كنت عايزاني اروح اوقفهم بنفسي ..و قلت لك إنه ما يصحش 

كتمت هنا ضحكتها على ذلك الذي التقطت كذبه وارتباكه بسهولة ، على عكس أختها التي صدقت كلامه على الفور وهي تتحاشى النظر له حتى لا تفضحها عيناها وتفشي عن دقات خافقها الصاخبه التي تتراقص داخلها الآن ...

فقالت موجهة حديثها لنعيمه : اؤمري وانا اجيب لك اللي انتي عاوزاه 

لكزت نعيمه أيمن في ذراعه وردت بعفويه معاتبه:
أنا يا واد قلت كده وكمان نسيت... ما صحيح كدب الكداب بيوصل لك لحد الباب ....ثم وجهت نظراتها للفتاتين وأكملت : لا يا حبيبتي انتي وهي انا عاوزاكم طيبين... روحوا شوفوا انتوا رايحين فين على ما اربي الجحش ده 

قهقهت الفتاتين على توبيخ نعيمة العفوي لذاك الذي تمنى لو انشقت الارض وابتلعته حالا ،  فلجأ لتغيير الحديث للخروج من هذا المأزق المحرج له وتحدث للفتاتين بعدما تحرك للخارج ليقف أمامهما قائلاً : انتم عندكم درس فين دلوقتي يا بنات

ردت هنا بمرح بدلاً عن تلك التي كادت تذوب خجلاً من إحساسها بالاهتمام المفاجئ من قِبله :؛في السنتر اللي بعدنا بشارعين في شارع خالد بن الوليد ..مش بعيد يعني في حاجه يا دكتره ولا ايه 

أنهت جملتها بشقاوة مع غمزه مرحه تشاكسه بها ، أما هو فكانت عينيه مسلطه على چنا التي لم توجه له أي كلمه من شده حيائها أمامه ، ولكنه ظن ذلك تجاهلا ، فأجاب هنا :  لا بطمن عليكم مش اكتر... انتم اللي لو محتاجين حاجه قولولي ...ولو عاوزني أوصلكم برده قولوا 

قالت هنا بصدق : شكرا مش عايزين نتعبك والله يا ايمن ..واكيد لو في حاجه هنبلغك انت زي حازم بالظبط

امتعض وجهه على تشبيهه بأخيهم وتساءل هل چنا تراني هكذا أيضاً ؟؟ ، اكتفى بإماءه من رأسه ورغم ضيقه من عدم ردها عليه إلا إنه لم يستطع أن يتركها تذهب دون سماع صوته على الاقل، فسألها مهتماً : وانتي يا چنا... مفيش أي حاجه عاوزاها في المذاكره.. كله تمام معاكي

حركت رأسها نفيا وقالت بارتباك وهي تطأ نظراتها أرضا: شكرا يا ابي... قصدي يا أيمن كله كويس

اعتقد أنها ما زالت منزعجه من الموقفين السابقين بينهما فقال بريبة : انتي لسه زعلانه مني يا چنا

ردت بلهفه وضحت على صوتها خشيه حزنه منها: 
أبدا والله انا بس يعني مش عارفه اقول ايه 

أما هنا ونعيمة كانتا تنظران إليهما وكأنهما تشاهدان فيلماً رومانسيا ، حتى صدح صوت نعيمة الساخر ؛ 
اجيب لكم شجره واتنين ليمون ولا حاجه في ايه منك ليها 

انتفضت چنا على صوتها وهو أغمض عينيه وابتسم لها بمعنى( مفيش فايده)  ثم قال بمهادنة لنعيمه:
في ايه يا حبيبتي.. هو حد عمل حاجه دلوقتي

تدخلت هنا بعجاله استئذان لتنهي الموقف برمته وهي تسحب اختها معها : طيب يا جماعه كفايه بقى كده والله هنتأخر جامد على الدرس ..حد عاوز مننا حاجه قبل ما نمشي

أجابها أيمن بحركات نفي من رأسه وهو ينظر بإحباط لچنا، فداخله يتمنى لو يحظى بالكثير من القرب منها، فرغم كل ما يقرره بينه وبين نفسه في كل مره إلا أنه لا يعلم ما يحدث حينما يراها ، فكل شيء ينويه يذهب أدراج الرياح ،  وهذا ما جعله يقرر أنه لابد من وجود خطوه جديه كي يرح ضمير تجاه صديق عمره....

وقبل أن تتحرك الفتاتين قالت له هنا بعدما لمحت نظراته لأختها العزيزه ، وكمن يرمي له طوق نجاه طلبت:   بقول لك يا أيمن هو أنت ينفع تبقى تشرح لنا انا و چنا درس في الكيمياء سخيف كده شويه واقف معانا وحاولنا يا اخي بكل الطرق ولا في فايده يمكن ربنا يجعل في وشك القبول ونفهم... ولا مش فاضي بقى فنتصرف

ابتهجت أساريره وقال بترحاب:  ابدا ابدا حتى لو مش فاضي افضى لكم ...خلاص هظبطها مع حازم واجي اشرح لكم اللي انتم محتاجينه

وبعد أن ابتعدت الاختين سألت چنا اختها مستغربه ما تفوهت به:  درس ايه يا مجنونه انتي اللي عاوزاه يشرحهولنا ...ما احنا فاهمين كل حاجه

زمت هنا شفتيها بسأم وهي تقول: انتي غبيه مش ملاحظه روميو اللي هتموتي عليه وهو طب وحب خلاص

چنا بطيبه:  مش فاهمه حاجه منك.. روميو ايه وحب مين يا بنتي... انت لسعتي ولا ايه

نطقت هنا بفروغ صبر:  من الآخر يا ستي ...شكل الدكتور وقع ولا حد سمى عليه.. وهنفرح بيكي قريب يا جنجون 

ابتسمت چنا ببلاهة ثم همست بعدم تصديق :
بجد يا هنا بجد.. تفتكري ممكن

هنا بتأكيد : ممكن قوي.. انتي مش شايفه يا بنتي هو بيبص لك إزاي ولا ايه ...و بعدين هو أصلا يطول ولا ايه ...بكره تقولي اختي قالت وهتفتكريني ساعتها

أما أيمن فبمجرد تحركهما من أمامه عاد لنعيمه سريعًا وألقى عليها السلام، ثم انصرف بحجه عمله، ولكنه ظل يتابعهما في الطريق من بعيد حتى اطمئن على صعودهما لمقر درسهما ، و بعدها انطلق للمستشفى وبداخله قد حسم قراره بالنسبه لچنا، فقط سينتظر رأيها قبل أن يفاتح حازم بشأنهما.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على الجانب الآخر بداخل شركه كرم عثمان.......

-لا ظلمتك ..افتكرتك مش عاوزه تكلميني ونسيتيني.. اتاريكي بتشتغلي 

كانت هذه كلمات إيهاب المشاكسة لتلك الجميلة، فقد وصل منذ دقائق واتجه إليها مباشره، بعدما أصر على عدم إبلاغ مرام لها بوجوده ليفاجئها..

وقف أمام باب مكتبها ثم واربه قليلاً كي يتأملها ويشبع عينيه برؤياها ،فقد اشتاقها بجنون، خاصه وهي بعيده عنه لحد كبير في الفتره المنصرمة على غير الطبيعي ولأول مرة ، حتى عندما كانت تدرس بالخارج لم يشعر بهذا البعد مطلقاً ، ظل على حاله قرابة العشر دقائق ثم نظف حلقه وتحدث ملاطفا إياها بدعابه، لتعتدل من فوق الاوراق التي كانت تصب جَل تركيزها بها ، وتنطق بتفاجئ محبب : إيهاب ..مش معقول.. بقالك كتير ولا لسه واصل .. تعالى اتفضل

أشارت له ليجلس أمام مكتبها ليتقدم بالفعل وهو يردف: لا مش كتير ولا حاجه ..يادوب من المعرض عليكي على طول.. حتى لسه ما شفتش عمو

حنين ببشاشه : نورت مكانك والله... ها تشرب ايه بقى؟ اطلب لك قهوه ولا حاجه تانيه

إيهاب : اه يا بخيله .. وأنا قلت ميعاد الغدا يا واد يا ايهاب روح لبنت عمك وخدها واتغدوا سوا 

حنين:  بس كده حالا نطلب احلى غدا 

ايهاب باقتراح:  لا لا هناكل هنا في المكتب يعني.. خلصي بسرعه وانا اسلم على عمو و وهاخدك في حته مكان يجنن يا نونه 

كاد أن ينهض إلا أنها لحقته باعتذار مجددا : سامحني يا إيهاب ... أنا مش عارفه اقولك ايه ..بس بجد النهارده مش هينفع اخرج خالص.. عندي شغل كتير من الصبح ولسه ما خلصتوش وحتى لو استنينا لما اخلص هكون مرهقه مش في مود خروج أبدا سوري بجد

قطب فمه بضجر من اعتذاراتها المتكرره في الآونة الأخيرة وتحدث باستياء شديد:  والله ...انتي مش ملاحظه يا حنين إن اعتذاراتك كترت على اى تواجد معايا كترت.. ودايما تنهي بجمله هكلمك يا ايهاب وما فيش أي حاجه بتحصل... عموما شكرا يا بنت عمي انا مش هفرض نفسي عليكي اكتر من كده..

هم بالانصراف لتقف سريعا وتلحق به ممسكةً بذراعه فهو اخوها الروحي وحقا لا تقصد التقليل منه أو الهروب كما يظن ،ولكن ضغط العمل متزايد عليها مما لا يتيح لها أي رفاهية ، وهو ما قصده كرم طوال الفترة الماضية كي يحد من خروجها دون طلب واضح منه، كي لا يجلب فضولها  و يضطر أن يفصح لها عن سبب قلقه إذا ما سألته ، وقد نجح بالفعل في هدفه....

نظر إيهاب لها ليجد عينيها تنظر بصدق واهتمام يبطنهما العتاب:  wait يا ايهاب بليز... ايه الكلام اللي بتقوله ده... بتتهمني انا ..حنين ... إني بقلل منك ...أنا فعلا تعبانه جدا الفتره دي وفي كميه شغل كبيره وكلها عليا ... لأن بابي مش فاضي وموكلني اتابع كل تفصيله بنفسي.. ويا دوب بخلص واروح.. مش ببقى قادره بقعد بس شويه معاهم واطلع انام وهكذا ...انت الوحيد اللي ما تخيلتش انه ممكن في يوم يفهمني غلط للأسف 

لومها وصدق نبرتها وعيناها أثرا به بشده ، فلانت نبرته متحولة لود وتبرير:  أكيد ما اقصدش افهمك غلط بس حطي نفسك مكاني... انا مش عارف اشوفك خالص يا حنين ...ومحتاج اتكلم معاكي كتير جدا ..

اومأت حنين بتفهم وقالت مقترحه لترضيته:  طب خلاص سيبك من كل سوء الفهم اللي حصل ده وقول لي.   يناسبك نتعشى بكره مع بعض.   انا هفضي نفسي مخصوص ونتقابل 

اتسع ثغره ببسمه جذابه مرحه وهو يقول : يناسبني جدا خلاص اتفقنا... بكره هحجز مكان على النيل تحفة... تحبي ابعث لك اللوكيشن ولا اجي اخدك بنفسي من البيت 

لمعت برأسها فكرة وقررت أن تفاجئه بها فقالت بحماس ظنه لفرحتها بموعدها معه : لاااا... ما تتعبش نفسك خالص ابعت اللوكيشن وانا هاجي بنفسي متقلقش

غادر إيهاب بسعاده من مكتبها ليتقابل مع عمه في عجاله ليعود بعدها عمله على أمل الاعتراف بالكثير لها غدا....

بينما حنين سارعت بإمساك هاتف مكتبها لاستدعاء مرام، التي أتت على الفور قائله بتقطيبه جبين متسائله : خير يا حنين في حاجه حصلت ولا ايه ؟

اقترحت حنين ببسمه مرحه:  في كل خير يا قمرايه... ايه رايك في خروجة هايله بكره بالليل؟؟

ردت مرام بحيره:  وايه اللي طلعها في دماغك فجأه كده... اليوم زي ما انتي شايفه مشحون... يعني ما فيش أي طاقه للخروج بعد كل التعب ده

وضعت حنين يدها على وجنتها لتقنعها و أجابتها : 
يا ستي هديكي بكره نص يوم بحاله ... ونأجل شويه شغل لبعد بكره ... اعتدلت واكملت بالحاح:  بليز بقى يا مرام... انا فصلت خالص ومحتاجه للتغيير 

غمزت بعينيها بحلاوه وتابعت بمغزى : و بصراحه كمان انا ما عرفتش اعتذر من إيهاب المره دي... ما كانتش حلوه يعني فقلت ايه مشكله بقى لو نخرج كلنا سوا ...

توردت وجنتي مرام وقالت:  طب هو مش ممكن يتضايق لو جيت معاكي ؟

نفت حنين بثقه لا أعلم من أين أتت بها و أكدت قائله: يضايق ايه يا بنتي... انتي بتكلمي عن ايهاب... مش ممكن طبعا ده چانتي خالص... وبعدين دي خروجه عاديه كالعاده يعني 

ثم تابعت لتشجعها : وبعدين أنا حاسه انه بيرتاح لك خالص يا مرام... اعتبريها فرصه يعني 

شعت عيني مرام بأمل وقالت بتمني:  تفتكري يا نونه.. هو قال لك كده يعني ولا ده مجرد احساس منك 

علقت حنين:  لا يا بنتي هو ما قالش بصراحه... بس لو جت سيرتك بيتكلم عنك بكل احترام ..وبحس بالراحه في كلامه... وكمان هو انتي في حد يعرفك وما يحبكيش يا ميرو

شحنتها كلمات حنين بطاقة إيجابيه و أعطتها بادرة أمل لتردف بثقه:  عموما هدي نفسي فرصه.. يمكن ليه لا يعني

حركت حنين رأسها بقوه مؤكدة على حديثها ، فاستأذنت مرام منها بعد ما وافقت على مرافقتها و إيهاب غدا ، ولا تعلم أن لديهم رفيق رابع حتما لن يتركهما.......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبالأسفل كان حازم بانتظار حنين بعقل شارد زَخِم بالافكار وعكسها،  تسكنه الحيره في القادم مع خوف من لوعه فراق آخر بينهما،  أمسك هاتفه وسرعان ما أتاه صوت عادل مشاغبا بعد تلقيه اتصاله: 
باشا البشوات كلهم ..ازيك يا حازم عامل ايه

حازم:  تمام يا عادل بخير... انت كويس

عادل: تمام يا حبيبي

حازم : الحمد لله... بص أنا هدخل في الموضوع على طول عشان ما عطلكش

عادل : براحتك يا ابني... خير قول في ايه 

حازم : ما فيش انا كنت عاوز أسألك عملت لي ايه في الموضوع اللي اتكلمنا عنه

نفخ عادل بتردد ثم قال : والله انا شغال على تحرياتي ومش ساكت... بس انت عارف ده كرم عثمان مش حد عادي كده ...فالموضوع صعب يا حبيبي والله... حتى الآن كل اللي واصلني بيأكد إن حنين بنته فعلا ...بس ما حدش عارف اللي جاي ايه ...صدقني هتابعك بالنتيجه النهائيه بس أول ما اوصل لها 

حازم بامتنان: تعبتك معايا يا صاحبي ..بس اعذرني.. انت عارف عاوز ارسى على بر و اوصل للحقيقه 

عادل بنصح : فاهم يا حازم وما فيش اي تعب ده انت ياما عملت معانا ....بس نصيحه يا صاحبي قرر انت عاوز ايه من البنت و اتأكد من مشاعرك ناحيتها... سواء طلعت بنت خالك أو لا ...حدد موقفك يا حازم ...انت عمرك ما كنت تايه كده 

حازم : صدقني ده اللي بحاول اعمله واسأله لنفسي ...قربي من حنين وضح لي إن كل حاجه فيها حلوه فعلا... بعيد عن إنها ممكن تكون ريم او لا ...بس مش قادر اتجاهل احساسي بحب عمري يا عادل انت عارف هي بالنسبه لي ايه.... وعمري ما اقتنعت بموتها ده

عادل بحسم:  مش مبرر إنك تظلم البنت معاك... وتعليقها بيك... حط احتمال إنها تكون مش هي... وان الموضوع يطلع مجرد شبه كبير بينهم مش اكتر... هتعمل ايه وقتها ؟

كاد حازم أن يرد عليه إلا أنه تلقى مكالمة على الانتظار فأغلق مع عادل بتسويف:  حاضر هعمل كده... أنا بس مضطر اقفل دلوقتي لأن معايا مكالمه شغل مهمه 

عادل : ماشي يا حازم ...بس كلامنا ما خلصش سلام 

أتاه صوت حنين الرقيق الذي ما إن أطرب به أذنيه ، شعر بسكينه داخله لا احد يستطيع بثها في نفسه غيرها ،  تبادلا معا الكلام المعتاد بلطف تحول بلحظه عند استماعه لقولها:  احنا بكره هنخرج مع ايهاب على العشا... بليز تعمل حسابك على سهره ...يا ريت لو تقدر يكون خروجنا من غير حراسه كتير...  بصراحة مش بحب الجو ده قوي يا حازم

تجاهل طلبها وسألها بصوت ظهر به بعض الحده أثر النار التي أضرمت دواخله في أقل من ثانيه : و يا ترى حضرتك هتخرجي معاه ليه بقى؟؟

نظرت للهاتف بغرابه من طريقته المتغيره في الحديث ثم قالت:  مالك يا حازم ...عادي ابن عمي وعزمني على العشا فوافقت ...وكمان هيبقى معانا مرام وانت طبعا اكيد... مش فاهمه فين المشكله!!

أجابها حازم باختصار وهو يصك على أسنانه كي لا يجرحها بكلام يتفوه به وقت الغضب فهو يحاول بشده التحكم في غيرته الحارقه : تمااام ...ومرام معاكم كمان ماشي... اللي تشوفيه يا حنين هانم 

هنا ضاقت حنين من أسلوبه معها الغير مبرر بالنسبه لها فتحدثت بقوة :  حازم بليز ..ليه بتكلمني كده؟؟ ...  و استفهمت بحنق:  وايه هانم اللي بتقولها دي كمان ؟؟

رد حازم بنبره عمليه جديده عليه معها :  ايه الغريب في كلامي مش فاهم... احنا في شغل برده... فاللي قلته ده طبيعي جدا 

زفرت الهواء من صدرها محاولة الهدوء لفهم ضيقه الواضح بصوته وردت :  طيب بهدوء كده... ممكن افهم انت زعلت ليه؟... انا بقول لك هنخرج كلنا سوا... طب انت مبسوط من روتيني الممل ده.... انا اتخنقت يا حازم بجد ...وانت هتكون معايا... تمتمت بضيق مضحك : فيعني في ايه يعني بقى يعني بقى...اوووف

ابتسم على طريقتها اللطيفه وهي تناقشه وتكلم بهدوء مقلدا إياها :  مفيش حاجه بقى يعني بقى... هههه...كل اللي قلتيه صح ...وحاضر انا اكيد معاكي ومش هسيبك في اي مكان 

تحدثت بفرحه: أيوه كده هو ده الكلام... فك كده يا سيدي ما حدش واخد منها حاجه

مازحته و مازحها ثم أغلقت الخط لتنهي ما تبقى من عمل وتهبط له ، وبالفعل تتجه نحوه الآن وهي تتهادى بخطوات سريعة و تلوح له بحماس وعفوية ،  ولم تنتبه لتلك الدرجه الصغيره التي كادت أن توقعها لولا التدخل السريع من حازم الذي كان يتابعها منذ ظهورها كالصقر وهو يتقدم منها ، فاستطاع إمساك ذراعها ومحاوطتها بيده القويه والأخرى أمسك بها كف يدها لتستند عليه أكثر وتستعيد توازنها على مهل،  وهو يهتف : حاسبي

نظرت له شاكره واعتدلت بوقفتها وهي تخفض بصرها بحياء من الموقف ، وقبل أن يفلت يديها من بين يديه كي لا يزيد إحراجها لمح شيئاً يعرفه جيدا ، جرحا قديم بأعلى معصمها ذو علامه مميزه ،  فأخذ ينظر له بتمعن و ذهول لاحظته فاخرجته منه بقولها : خير يا حازم بتبص لايدي كده ليه؟!!

رفع رأسه وهو يسأل : هو الجرح اللي في ايدك ده من ايه يا حنين؟

رمقته حنين بعدم فهم ثم نظرت ليدها وقالت بعدما استوعبت ما أراد السؤال عنه :  لا ده عندي من وانا صغيره يعني مش فاكره قوي السبب بصراحه بس اكيد وقعت او كده ...هو في مشكله ؟

كان يحملق داخل عيناها وينتظر تفسيرها علَّه يجد به خيطا آخر يربطه بالحقيقه، لكن ما إن انتهت حرك رأسه بشرود ثم سألها بغتةً : حنين أنتي فاكره اي حاجه عن طفولتك؟؟

حنين باستغراب :  ايه السؤال الغريب ده... عموما لا للاسف اغلب طفولتي مش فاكراها قوي يعني اقدر افتكر من اول تسعه او 10 سنين قبل كده مش قوي يعني ...ليه بتسال

تعظم بداخله شعوره نحوها بأنها ابنة خاله الضائعه وأن هناك سر يخفيه من حولها، أخرجته من دوامة أفكاره وهي تنادي:  هااااي ..ايه يا ابني انت رحت  فين ... هو احنا هنفضل واقفين كتير مش هنروح

فاق حازم من تجمده وتحدث:  تمام تمام يلا

تحركت أمامه ليتبعها وهو يبتسم بغموض فها هي إشارة أخرى يتلقاها تدفعه  ليصدق حدسه نحوها ،  فابنة خاله الحبيبه كانت تحمل نفس الجرح من إحدى مشاجراتها مع الأطفال في الشارع مما تسبب بجرح عميق في يدها بعدما جرحتها احدى الفتيات لنصل زجاج مكسور ، وقد  عانت منه كثيرا ولم تخيطه في وقتها، وهو من انتشلها من بين يدي الاطفال أثناء زيارته الاسبوعية لها ، لذا رآه بوضوح وكان يتابعه معها ويعلم أثره في يدها جيدا...

عاد من ذكرياته على قولها عند وصول المنزل : يااااه... انت مش معايا خالص النهارده... في ايه يا ابني

نظر لها بعمق وهو يردد :  انا دايما معاكي مش ممكن اكون غير معاكي وبس ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بمنتصف الليل في إحدى البارات الماجنه.....

حيث بدايه السهر وسط مَن لهتهم الدنيا عن كل عيب أو حرام،  نجد هناك مجموعه من الشباب أقل ما يصفهم هو الفسق والفجور ، يعيشون على المحرمات وملذات الدنيا الزائله ، ووسطهم كان يجلس (عبد الله) وهو يحتسي الخمر بشراهه ويتهامس بمجون مع نادين تلك الفتاه التي ترافقه و هي مرتدية لفستان كاشف عن مفاتنها بسخاء...

وفي مقابلهما كان يجلس شابين يتحدث أحدهم في أذن الآخر بخبث، وهو ينظر نحو عبد الله قائلا : 
عاوزه يبقى خربان خالص ..وما ياخذش في إيدك غلوه

أكد الثاني بشر: ما تقلقش خالص سيبهولي... بس حاول تجيبه باستمرار عشان ما يغيبش ويغلبنا... ونقدر نعوده قوام قوام 

الشاب الأول : اطمن أنا مفهم نادين هتعلقوا بيها ازاي وازاي تعرف تجيبه هنا يوماتي عشان بس يبقى يفكر يتعامل تاني مع الناس على أنه سيدهم ويبعد عن اللي مايخصوش....المهم اديت لها المطلوب 

الشاب الثاني:  ايوه طبعا وزمانه بيشربها دلوقتي في السيجاره اللي ماسكها في ايده ..بالهنا والشفا...ههههههههه
تعالى قهقهات الاثنين الشيطانيه في حين بدأ عبد الله بالفعل تعاطي المخدر داخل سيجاره أعطتها له نادين مصنوعه بعنايه الأبالسه وأصدقاء السوء لتكون بدايه النهايه إذا ما استمر في طريقه.......

تعليقات



<>