رواية صعيدي أجبرني الفصل السابع7 بقلم ندا مصطفي عبد السلام

رواية صعيدي أجبرني الفصل السابع7 بقلم ندا مصطفي عبد السلام
في بيت فخم وأنيق يطل مباشرة على صفحة النيل الهادئة بالقاهرة، كان الليل قد ألقى بسدوله الثقيلة، لكن الهدوء الخارجي لم يكن يعكس إطلاقاً الجحيم المشتعل داخل الصالة الواسعة. كان مسعد يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، يحمل كأسه بيده المرتجفة من شدة الغضب، وعيناه تشتعلان بنار الغيظ والحيرة. يروح ويجيء بخطوات سريعة كالمجنون في أرجاء الغرفة، يضرب بيده الأخرى على أثاث البيت الفاخر، وكلما مرت بباله ذكريات الخيبة والتوبيخ الذي تلقاه من المأمور والضابط أمام أهالي البلدة بعدما اقتحموا بيت جبل المهجور ولم يجدوا فيه سوى الحوائط العارية والتراب، كان الغضب يعصف بعقله ويشعره بالصغر والهزيمة.
في تلك اللحظات، خرجت سحر من الغرفة الداخلية بخطوات دلال متصنعة. كانت ترتدي فستاناً أنيقاً وتضع مكياجاً صارخاً محاولةً لفت انتباهه وإبراز مكانتها الجديدة كزوجة له. اقتربت منه بخطوات هادئة، وألقت بابتسامة ناعمة وهي تضع يدها بحنان على كتفه:
ـ مالك يا مسعد يا حبيبي؟ شايل الدنيا فوق دماغك ليه كده وبتنفرخ في المكان زاي اللي ملدوغ؟ ما خلاص الموضوع انفض والظابط مشي وكله تمام، وسيبك من وجع الدماغ ده وروّق عقلك معايا شويه.
التفت مسعد إليها فوراً كأنه حية جُرحت، وبملامح يملؤها الغضب والقسوة الشديدة، زق يدها بعيداً عنه بعنف جعلها ترتد خطوتين للخلف:
ـ انفض كيف يعني يا وجه الشوم؟! إنتي متخلفة ولا بتتغابي عليا في ليلتك دي؟! البنت اختفت من بين إيدينا، والظابط طلعني كداب ومجنون وبضيع وقت الحكومة قدام البلد كلها! جاية تقوليلي انفض وروّق؟!
سحر شعرت بكرامتها تجرح، لكنها بلعت الإهانة وصنعت ضيقاً مكتوماً وهي تحاول التحدث بهدوء ودهاء:
ـ يا حبيبي ما أنا قلت للظابط بنفسي قدام الكل إني مش شاكة إن جبل هو اللي خطفها، وأنت بنفسك شفت البيت قدام عينيك.. حوائط على الطوب الأحمر الكحلي ومافيهوش أثر لسرير ولا أكل ولا حتى عيشة بن بني آدمين! أنت متأكد يعني إن جبل هو اللي أخد نور؟ يمكن البت طفشت لوحدها من كتر القهر ولا راحت في أي داهية في الجبل ماتت فيه؟ أنت وجعت دماغك ووجعت قلبي معاك بـ نور دي ليه من الأساس؟ إيه السر يعني اللي يخليك جاري وراها كأنها جوهرة ؟!
اقترب مسعد منها بخطوات بطيئة تهديدية، وعيونه تدور بشرر مرعب، وحين أصبح أمامها مباشرة، قبض على دراعها بقوة قاسية جعلتها تصرخ بكتفها:
ـ إنتي تسكتي خالص وتخرسي يا بت! إنتي مالك ومال أنا عايز إيه ولا مركز مع مين؟! إنتي فاكرة نفسك لما اتجوزتك بقيتي ست البيت بجد ولا كبرتي في نظري إياك؟! إنتي مجرد سد خانة ووسيلة لحد ما ألاقي نور وأ طلقك وأرميكي للشارع اللي جيتي منه!
سحر بصدمة وكسرة وغيظ مكتوم، حاولت تدافع عن نفسها بنبرة يملؤها الألم والغيرة:
ـ وأنا قصرت معاك في إيه بس يا مسعد عشان تعاملني بالرخص ده كله؟ ما أنا بقيت مراتك وعلى ذمتك ورضيت بالظروف، وفيها إيه زيادة عني البت نور دي عشان تفضل تدور عليها وتتجنن وتنزل البلد وتقوم القيامة عشانها؟! دي حتة بت مشوهة وعندها علامة وجرح مقرف واخد وشها كله ، إنما أنا وشي صافي وجسمي أحلى منها بكتير، وبسمع كلامك وبطوعك في كل حاجة!
ضحك مسعد ضحكة عالية، باردة وخبيثة هزت أركان المكان، ثم نظر إليها من فوق لتحت باحتقار شديد وهو يهز رأسه:
ـ أحلى منها؟! إنتي ما تجيش قلامة ظفر في ضفرها يا هبلة! نور دي غير.. نور دي دخلت دماغ ناس كبار أوي في السوق، ناس أثقل مني ومنك ومن بلدك دي كلها باللي فيها، ومدفوع فيها رقم خيالي ومش مستعدين يستغنوا عنها ولا يقبلوا ببديل لو انطبقت السماء على الأرض! عارفة يعني إيه ما لهاش بديل؟ يعني لو انقلبت الدنيا وعاليها واطيها، لازم تيجيني تحت إيدي من تحت طاقية الأرض!
رمشت سحر بعينيها بصدمة وعدم فهم، وبدأت نبرتها تتغير إلى التوجس:
ـ ناس كبار؟! أنت تقصد إيه يا مسعد بالظبط؟ هي الجوازة دي مش عشانك أنت وعشان عجبتك؟
سرب مسعد دخان سيجارته الرخيصة ببطء في الهواء، ونظر إليها بشر ورغبة في الاستعراض بقهره:
ـ جوازتي منها كانت مجرد ستار وحيلة يا جبلة! أنا بظبط أموري وبدعم شغلي الكبير.. إحنا الشغل بتاعنا مبني على الحركة دي؛ بنتجوز البنات من هنا بحجة السفر والجواز الشرعي، ومكتوب في أوراقهم الرسمية إنهم زوجاتي وعلى ذمتي، أسافر بيهم برة البلاد، وهناك في الهودج أطلقهم وأسلمهم للناس الكبار بفلوس بشيء وشويات! وكل واحد من رجالتي الكبار بيعمل نفس الحركة، بيتجوز بالثلاثة والأربعة ويسافر بيهم دفعة وحدة، ودي الشغلانة اللي بتجيب الذهب والمليارات من غير ما حد يحس بينا! ونور دي بقى، مطلوب اسم وشكل بالذات لواحد من الرؤوس الكبيرة برة، ومدفوع فيها رقم يخليكِ تعيشي ملكة طول عمرك لو دخلت جيبنا! فبلاش غباوة وما تدخليش في اللي مالكيش فيه وتعمليلي فيها الزوجة المخلصة!
شعرت سحر ببرودة تسري في أطرافها وقشعريرة تهز جسدها، وأدركت في تلك اللحظة حجم الشباك المظلمة التي وقعت فيها. لكن طمعها الخفي وخوفها القاتل من أن يرميها مسعد في الشارع بعد أن تفرغ حاجته منها، جعلاها تفكر بسرعة شيطانية كسرعة الأفعى.
سحر وهي تصنع الهدوء وتتراجع خطوة، محاولة اقتراب منه بنبرة مسكنة ودهاء:
ـ طيب.. طالما الموضوع كبر وواصل لرزق وملايين بالمنظر ده، أنت ليه بتعاملني بالقسوة والضرب ده؟ أنت مش خايف أروح أقول للشرطة ولا أفتن عليك عند المأمور وأضيع عليك كل السفرية دي؟
مسعد مسك فكها بيده بقسوة حتى كادت عظام وجهها تنكسر، وجز على أسنانه بنبرة حادة:
ـ تفتني على مين يا روح أمك؟! إنتي بقيتي في جابي وتحت ضرسي ويدي، ولو فكرتي بس تنطقي بكلمة وحدة ولا تفتحي بوقك برة الشقة دي، هرميكي للكلاب في الصحراء وما حدش هيسمع بيكي ولا يدرى ليكي أثر!
سحر وهي تبتلع ريقها بتوتر وتصنع الدموع والمسكنة:
ـ خلاص يا مسعد.. خلاص سيب فكي! أنت ليه فاكرني ضدك ولا بكرهك؟ أنا معاك وبحبك وعايزة مصلحتك والقرشين اللي هيجوا هيعيشونا إحنا الاتنين فوق.. بس أنا ليا شرط بسيط، لو عايزني أساعدك بجد وتعرف مكان نور دي فين بالظبط ومن غير ما تجيب لنفسك مشاكل مع جبل والشرطة.
عقد مسعد حواجبه باستغراب شديد، ورفع حاجبه الأيسر وهو يقلب كلماتها في عقله:
ـ إنتي؟! إنتي حافية القدمين تعرفي مكانها فين إياك؟!
سحر بابتسامة ثقة وذكاء خبيث:
ـ أنا أختها وصاحبتها الوحيدة من سنين الشحتة والشارع، وأنا الوحيدة اللي أعرف أستدرجها وأجيبلك قرارها من تحت الأرض من غير ما تحس! بس توعدني وتكتب لي شقة باسمي هنا في القاهرة بعقد مسجل، وتكتب لي قرشين حلوين في البنك يضمنوا مستقبلي لو أطلقت، وتعاملي كمراتك بجد احتراماً وتصرف عليا.
بصلها مسعد بتفكير مطول، وعقله المريض يوسوس له؛ فهو في حقيقة الأمر ناوي بعد أن تدله سحر على مكان نور وتستدرجها، أن يأخذ سحر هي الأخرى ويلحقها بالدفعة نفسها ويبيعها مع البنات برة البلاد ليخلص من صُداعها إلى الأبد ويستفيد من ثمنها، لكنه رسم على وجهه ابتسامة موافقة خبيثة:
ـ ماشي يا سحر.. أكتب لك الشقة اللي إنتي عايزاها وزيادة، بس تصدقي معايا وتجيب لي خبر نور دي مخفية فين بالضبط، وإزاي أوصل لها من غير ما جبل الجاحد ولا الحكومة يحسوا بينا!
سحر بابتسامة نصر وتسلل الدهاء لعينيها:
ـ سيبلي المهمة دي خالص.. إديني بس يومين ولا ثلاثة، وأنا هجيب لك قرارها ومكانها وهي هتكون تحت رجلك وفي حبالك!
ــــــــــــــــــــــــــ
مرت عدة أيام قليلة في بيت جبل الكبير في قلب البلدة بالصعيد. كان الجو هادئاً على السطح، لكن حذر جبل كان في أعلى مستوياته. يقضي أغلب نهاره في الدوار يتابع أمور مصنع الزجاج وأعمال العائلة، وعينه لا تفارق مدخل البلدة تحسباً لأي حركة من مسعد أو رجاله.
في أحد الأيام الصيفية، صعد جبل إلى غرفته الأرضية الكبيرة بالدوار كي يستريح قليلاً. وما إن فتح الباب ودخل، حتى لاحظ وجود ورقة مطوية بعناية مرمية تحت الباب الخشبي. تقدم بخطوات سريعة ورفعه، وفتحها ليجد مكتوباً فيها بخط يد نسائي مضطرب:
(يا جبل، أنا عارفة ومتأكدة إن نور معاك وإنك أنت اللي أخدتها وحاميها.. ما تخافش مني، أنا ما قلتش لمسعد ولا فتنت عليك ولا هقولله كلمة واحدة، بس نور دي أختي وصاحبتي الوحيدة في الدنيا وأنا هموت من القلق والخوف عليها ومش عارفة أنام. أنا عايزة أشوفها وأطمن عليها بس بعيني. النهاردة بالليل الساعة ١٢ في منتصف الليل هكون مستنياك جنب محل العطارة القديم المهجور في أول البلد.. خذني ووديني ليها أكلمها كام دقيقة وأطمن، وأوعدك مش هعمل أي مشكلة ولا حد هيعرف بيا).
وقف جبل يقرأ الرسالة مرة ومرتين، يفرك ذقنه القاسية بتفكير وحذر شديدين. عقله كان يوسوس له بالشك في سحر لكونها زوجة مسعد الآن، لكن قلبه يتذكر كلام نور الباكي عنها وتأكيدها أنها سندها وصديقتها الوحيدة في هذا العالم. قرر جبل أن يأخذ حذره الكامل ويذهب لمقابلتها دون أن يشعر به أحد.
وبالفعل ذهب لمقابلتها وتأكد من عدم تتبع أحد لها ومن ثم اخذها لمخبأ نور وادخلها من شباك غرفته كما فعل مع نور اول مره وانزلها القبو السرى واغلق عليهم وقفز مره اخرى من الشباك للخارج حتى لا يشك به احد فهو امامهم خارج المنزل
.......
في المساء، كانت أمه تجلس في ساحة الدوار الواسعة، تتابع تحضير العشاء مع بنتها "منار". في تلك الأثناء، دخل "حازم" - صديق جبل وذراعه الأيمن - وهو يحمل بعض الملفات والمستندات الخاصة بالمصنع.
الأم بابتسامة بشوشة وترحيب صعيدي أصيل:
ـ تعالى يا حازم يا ولدي، كيفك وكيف أهلك؟ اتفضل اقعد كل معانا لقمة هنية.
حازم بحياء شديد واحترام خفض فيه رأسه:
ـ تسلميلي يا أمي والله ويبارك في عمرك، أنا بس جايب الملفات الخاصة بشغل المصنع والأوراق دي لـ جبل بيه ومستني أسلمهاله وماشي على طول عشان ورايا شغل بالليل.
في هذه اللحظة بالذات، خرجت "منار" أخت جبل من المطبخ وهي تحمل صينية العصير الطازج، وما إن وقعت عينها على حازم حتى ارتبكت خطواتها ولمعت عينها ببريق الفرح الخفي، لكنها أسرعت بتنكيس رأسها بخجل شديد وقالت بنبرة صوت خافضة وناعمة:
ـ أهلاً يا حازم.. نورت الدوار.
حازم اهتزت نبرته وتلعثم وهو ينظر إليها بعيون تملؤها المشاعر العفيفة والحب المكتوم الذي لم يتجرأ يوماً على تصريحه خوفاً على مهابته وصداقته لـ جبل:
ـ بنورك يا أنسة منار.. تسلم إيدك يا رب، ما انحرمش من واجبكم.
الأم اكانت تراقبهما بعيون ثاقبة وابتسامة خبيثة ارتسمت على وجهها، ثم لفت وجهها لبنتها وقالت بنبرة لمز واضحه وممازحة مسموعة للجميع:
ـ إيه يا منار يا بنيتي؟ الصينية هتقع من إيدك ولا إيه؟! مالك مركزة أوي في صب العصير كده، ولا مركزة في اللي هيشرب العصير نفسه؟!
منار شعرت بالدم يتدفق إلى وجهها حتى احمرّ كحبة الطماطم من شدة الحرج والكسوف، ونظرت لأمها بتلعثم:
ـ إيه يا أما الكلام ده بس؟! أنا.. أنا بصب الواجب للضيف مش أكتر!
دخل جبل في تلك اللحظة من باب الدوار، ورأى الموقف، فابتسم ابتسامة خفيفة وربط بقوة ودفء على كتف حازم الذي كان وجهه يقذف ناراً من الخجل:
ـ خلاص يا أما، سيبيهم في حالهم وما تكسفيش الواد.. حازم ده أخونا وسندنا في كل حاجة ومش غريب عن الدوار.
غمز حازم لمنار نظرة خاطفة ملؤها الشوق والاحترام، ثم التفت للجبل ونحنح ليسترعي انتباهه وقال بصوت خفيض:
ـ طب تعال معاي يا جبل بيه في الأوضة جوه عشان عايزك في كلمتين شغل مهمين أوي وفي أوراق محتاجة إمضتك قبل ما أمشي.
أخذه جبل وخرج به باتجاه غرفته الأرضية الواسعة، وهي الغرفة نفسها التي ينزل من أرضيتها السلم الخشبي إلى القبو السري المصفح حيث تتواجد نور وسحر في هذه اللحظات.
.......
أما في الأسفل داخل القبو...
كانت الأجواء مشحونة بالمشاعر المتضاربة. وشرحت سحر لنور كيف جبل كان قد تسلل بالفعل في منتصف الليل إلى محل العطارة القديم، وأحضر سحر بحذر شديد ودخل بها عبر شباك غرفته الخلفي دون أن ينتبه لهما حارس الدوار ولا أهله، وأدلى بها إلى القبو السري عند نور ليترك لهما المساحة.
أول ما نور فتحت عينها ورأت سحر تنزل السلم الخشبي، صرخت بصوت مكتوم وارتمت في حضنها ببكاء شديد وهستيري:
ـ سحر! إنتي هنا بجد ولا أنا بحلم؟! وحشتيني أوي يا سحر! أنا مش مصدقة عيني!
سحر بكت هي الأخرى وحضنتها بقوة، لكن كان بداخلها صراع مرير بين مشاعر الصداقة القديمة وطمعها وخوفها من مسعد:
ـ نور يا حبيبتي! ألف سلامة عليكى يا نور.. أنا كنت هموت عليكى من القلق والخوف، المفتري ده كان هيجنن وقالب الدنيا عليكى في كل شبر!
جلست الاثنتان على السرير البسيط في زاوية القبو، ومسكت نور يد سحر بلهفة وشوق وسألتها:
ـ احكيلي يا سحر، إيه اللي حصل بعد ما أنا مشيت واختفيت من الفرح؟ وعمك ومراته عملوا إيه؟ ومسعد ده إيه اللي جابه الصعيد هنا وعمل إيه معاكى؟
سحر بمرارة وتوتر وهي تفرك يديها:
ـ مسعد اتجنن يا نور لما ملقاكيش في الفرح.. وقلب الدنيا فوقانى تحتانى، ولما الخوف والقلق زاد عليا إنه يضربنى ولا يقتلني، اضطريت أوافق أتجوزه أنا عشان أكون قريبة منه وأعرف بيفكر في إيه، وأنا اللي حميت جبل قدام الظابط وقولتله مش هو اللي خطفك عشان أبعد العيون عنه وعنك!
نور جحظت عينيها بصدمة شديدة، ونظرت لسحر برعب وعتاب:
ـ إنتي اتجوزتيه يا سحر؟! اتجوزتي مسعد المفتري ده اللي كان عايز يبهدلني؟! إنتي عملتي في نفسك كده ليه يا مجنونة؟!
سحر بدموع وتوتر ملحوظ:
ـ ما كانش قدامي حل تاني يا نور عشان أحمي نفسي وأحميكى من شره! بس يا نور.. الراجل ده مش طبيعي، الراجل ده طلع بياع بنات وبيتاجر في خلق الله وشغال في شبكة برة البلاد!
حطت نور يدها على فمها برعب وشهقت:
ـ بياع بنات؟! إزاي الكلام ده؟!
سحر بتأثر ودموع حقيقية متصنعة للدور:
ـ الراجل ده بياخد البنات بحجة الجواز الشرعي والسفر، ويحضر أوراقهم رسمياً، ويسافر بيهم برة، وهناك يطلقهم ويسلمهم لناس كبار بفلوس ملايين! وهو كان عايزك أنتِ بالذات لأن في حد كبير أوي برة طلبك بالاسم وشاف صورتك ومدفوع فيكِ دم قلبهم! هو ما كانش عايز يتجوزك أنتِ لنفسه يا نور عشان بيحبك ولا عايزك، كان عايز يبيعك وياخد ثمنك!
انهارت نور من البكاء وسندت رأسها على الحائط الطوبي المظلم وهي تنتحب:
ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيه وفي عمي ومراته اللي كانوا هيبيعوني له عشان القرشين! الحمد لله إن جبل أنقذني منه وجابني هنا.. الحمد لله يا رب إن ربنا سخر لي جبل يحميني!
وفجأة.. سكتت نور وسحر فوراً حين سمعتا صوت حركة وخطوات رجال يتحدثون فوق سقف القبو بالضبط! القبو باب مصفح وعازل للصوت تماماً لمن هم بالخارج، بمعنى أن من بالداخل يمكنه سماع الأصوات القوية المرتفعة بالخارج لو قربوا من باب الأرضية، لكن من بالغرفة بالأعلى مستحيل أن يسمع صوتهما لو تحدثتا بهدوء.
فوق في الغرفة...
كان جبل واقفاً مع حازم يراجعا بعض الأوراق، وفجأة اهتز هاتف جبل برنين برقم غريب غير مسجل.
عقد جبل حواجبه وفتح الخط ووضع الهاتف على مكبر الصوت (الميكروفون) ليسمع حازم معه، وجاءه فوراً صوت مسعد المستفز والبارد عبر الهاتف:
ـ هلا يا جبل بيه.. كيفك وكيف الصعيد وقعدتك في الدوار؟
جبل بنبرة حادة كالسيف وصوت رجولي صارم:
ـ أنت لك عين تتصل بيا تاني يا مسعد يا خاين؟ عايز إيه تاني مننا بعد المهزلة اللي عملتها مع رجالتا في الساحة؟!
مسعد بضحكة خبيثة وواثقة عبر الهاتف:
ـ مش عايز منك غير حاجة واحدة أنت عارفها زين ومش هتستغلها كتير.. نور! أنا عارف ومتأكد إن البت عندك وفي حمايتك وما حدش خباها غيرك يا جبل!
جبل ببرود وجبلية:
ـ البت مش عندي، وأنت لو راجل ينزل دور عليها تاني في البلد وشوف أهل الصعيد والرجالة هيعملوا فيك إيه!
مسعد بنبرة مساومة وخبث شديد:
ـ بلاش عنتريات يا جبل وخلينا نتكلم بجد ورجال تفهم شغلها.. أنا عارف إنك محروق على أرض أبوك الـ ٥٠ مليون اللي أخدتها منك بإمضتك وعقدك الرسمية.. إيه رأيك نعمل صفقة رجال كبار وتسترد حقك؟ تسلمني البت نور من غير دوشة ولا حكومة ولا نقطة دم، وأنا أرجع لك عقد الأرض الـ ٥٠ مليون ورقة ورقة وتسترد أرض أبويك وبكرامتك قدام الصعيد كله!
جبل عيونه اتسعت بغضب عارم وكان على وشك أن يصرخ فيه بالرفض والشتم، لكن حازم الذي كان واقفاً بجواره، شاورله بيده بسرعة ليصمت ومسك دراع جبل وقرب من أذنه يهمس بضغط وإلحاح شديدين:
ـ وافق يا جبل! جاريه في الكلام وسلكله وقوله إنك موافق تبيعهاله وتسلّمه نور مقابل الأرض! نلعب عليه اللعبة ونخليه يطمئن ويرجعلك العقود الأول، وبعدين نعمله كمين ونعلم عليه هو ورجالته وما نسلموش البت واصل! جاريه عشان نضمن الأرض الأول ونرجع حق أبوك!
جبل كان معترضاً للغاية وملامحه تشمئز من الفكرة، وقال بصوت واطي جداً لحازم بنبرة رافضة:
ـ كيف يعني يا حازم؟! أقوله هسلمك البت وأساوم عليها كأنها بضاعة ورخيصة إياك؟! أنا ما أبيعش حرمة ولا أساوم عليها لو على قطع رقبتي!
حازم بضغط أكبر وإلحاح أخوي:
ـ يا جبل أفهم بالله عليك! دي مجرد تمثيلية وطُعم قدام الراجل عشان يطمن ويجيب العقود الأصلية معاه لحد عندك، وأول ما العقود تبقى في إيدك وفي جيبك والشيء مضمون، نكون حضرناله رجالتنا ونعلم عليه هو ورجالته ونور تفضل معاك في أمان والأرض ترجعلك بكرامتك!
 أنت مش هتبيعها بجد ولا لمسة وحدة هتلمسها، ده مجرد كلام في التليفون يا صحبي! وافق يلا قبل ما يشك فينا وتضيع الأرض!
تنهد جبل بقلة حيلة وبضغط شديد ومستمر من حازم، ورجع الموبايل على أذنه، وقال بنبرة قاسية ومجبرة تصنع فيها الجشع والبرود وعدم الرحمة:
ـ ماشي يا مسعد.. طالما الكلام بقى على أرض أبوي والـ ٥٠ مليون اللي خسرتهم.. أنا موافق! نور معايا هنا في حمايتي، بس الأرض ترجع لي بالأوراق الرسمية ومسجلة في المحكمة، وتجيب العقد يد بيد، وساعتها أطلعلك البت وتأخذها وتغور من البلد دي كلها!
مسعد بضحكة نصر شريرة هزت الهاتف:
ـ عفارم عليك يا جبل! أهو ده كلام الرجال اللي تفهم مصلحتها وتعرف القرش فين! اتفقنا، يوم 28 هكون عندك بالعقود ونخلص البيعة ونستلم البت!
قفل جبل الموبايل ورزعه على الطاولة بغضب وعنف شديد وهو يتنفس بسرعة وصدره يعلو ويهبط:
ـ الله يخرب بيتك يا حازم على الفكرة دي! أنا حاسس بقرف ونجاسة من نفسي لمجرد إن الكلمة دي طلعت من بوقي وقولتها على حرمة في حمايتي!
حازم بابتسامة طمأنينة محاولاً تهدئته:
ـ معلش يا صاحبي، كلها كام ساعة والأرض ترجعلك ونعلم على الندل ده وترتاح منه للابد وتكسر عينه!
أما تحت في القبو المظلم...
لسوء الحظ الشديد والقدر القاسي، وفي اللحظة التي كان جبل يتحدث فيها بصوت مرتفع وغاضب فوق الأرضية، كانت نور قد صعدت درجات السلم الخشبي ووقفت بالقرب من الباب المصفح تحاول التسمع على صوت جبل لتستمد منه الطمأنينة والأمان لقلبها الخائف.
وصلت إلى أذني نور الكلمات القاسية، المترددة بحدة وصوت جبل الجاهوري وهو يصرخ:
(ماشي يا مسعد.. طالما الكلام بقى على أرض أبوي والـ ٥٠ مليون.. أنا موافق! نور معايا هنا في حمايتي.. هات العقد يد بيد وساعتها أطلعلك البت وتأخذها وتغور من هنا!)
سقطت الدموع من عيني نور كالمطر الحارق، واتسعت عيناها بصدمة زلزلت كيانها وفجرت كل أمل عاشته في أيامها الأخيرة! ترجعت للخلف بخطوات مكسورة ويدها على فمها تكتم صرخات البكاء والشهقات الهستيرية، وسقطت على الدرج الخشبي وهي ترتجف كلياً!
نور بانهيار تام ودموع تغرق وجهها البريء وهي تهمس لنفسها بصوت مكسور يجرح القلب:
ـ جبل؟! جبل هيبيعني بـ ٥٠ مليون لمسعد؟! جبل اللي افتكرته الأمان والأمل الأخير والسند.. هيسلمني للراجل ده تاني عشان حتة أرض؟!
سحر جرت عليها فوراً ومسكتها بلهفة، وهي تمثل الصدمة وتزيد من حطب النار بذكاء خبيث:
ـ يا لهوي يا نور! سمعتي اللي أنا سمعته بوداني؟! ده طلع بيتاجر بيكي هو كمان وبيقايض عليكي! طلع أنقذك من الفرح بس عشان يساوم بيكي وياخد أرضه من مسعد! كلهم زي بعض يا نور.. كلهم بياعين وما عندهمش رحمة!
انهارت نور على أرضية القبو الطينية، وجلست تضم ركبتيها إلى صدرها وهي تبكي بكسرة قلب ودموع لا تتوقف، وشعرت أن الدنيا كلها قد أظلمت في وجهها مرة أخرى، وأن الأمان الوحيد الذي ظنت أنها وجدته في أحضان هذا "النينجا".. كان مجرد وهم وسلعة تباع وتشتري في سوق الرجال!
تعليقات



<>