رواية صعيدي أجبرني الفصل الثامن8 بقلم ندا مصطفي عبد السلام

رواية صعيدي أجبرني بقلم ندا مصطفي عبد السلام
رواية صعيدي أجبرني الفصل الثامن8 بقلم ندا مصطفي عبد السلام
منذ اللحظة التي التقطت فيها أذن "نور" تلك الكلمات القاسية الصادرة من جبل عبر الهاتف المصفح، تحول الدفء الذي كان يتسلل إلى قلبها بالتدريج إلى برود قارس وجليد لا يذاب. كانت تجلس في زاوية القبو السري، تنظر إلى السلم الخشبي وكأنه مشنقة تنتظر إعدامها عليها في أي لحظة.
حين كان جبل ينزل إليها كل صباح ومساء ، ليطمئن عليها ويحضر لها الأكل والشرب، كانت نور قد اتخذت لنفسها درعاً صلباً من الصمت والجفاء. لم تعد ابتسامتها البسيطة تشرق في وجهه، ولم تعد عيناها السوداوان تلمعان بذلك الفضول الطفولي، بل أصبحت ترد على كلماته على قدر السؤال بالضبط، بنبرة جافة، وتتجنب النظر المباشر في عينيه.
جبل، بقدر ما يملك من فراسة وشدة، لاحظ هذا التغير المفاجئ والواضح عليها. حاول مراراً فتح أحاديث جانباً، وكان يأتي لها بالأشياء التي يعلم أنها تفرحها؛ أحضر لها أكياساً من الحلويات الشامية، وعلب مكياج حديثة، وعطراً رقيقاً، محاولاً بسط بساط الود بينهما من جديد، لكنها لم تمد يدها حتى للمس هذه الأشياء. كانت تضعها جانباً ببرود يُجنن عقل أي رجل، وتكتفي بإعطائه إجابات غموضية وكلاماً مسموماً من تحت لتحت.
في إحدى الليالي، نزل جبل إليها وجلس على الكرسي الخشبي قبالتها، وضغط على سبابته بضيق:
ـ مالك يا نور؟ من كام يوم وإنتي مش طبيعية واصل.. عيونك مش معاي، وكل ما أكلمك ترجعي لورا وتديني الكلمة مقطوعة كأني غريب عنك! في حاجة ضايقتك مني ولا إيه اللي رالك من ساعة ما سحر مشيت من عندك وانتى عالوضع ده لا بتصدى ولا بتردى؟
نور رفعت عينيها المحاطتين بهالات البكاء المكتوم، ونظرت له بنظرة مليئة بالغموض والعتاب الخفي:
ـ مافيش حاجة يا جبل بيه.. أنا كويسة، وإيه يعني اللي هيضايقني؟ أنا مجرد ضيفة عندك.
وقف جبل وحاول يفهم يقين كلامها: إنتي بتقولي إيه يا نور؟!
نور أدارت وجهها الناحية الثانية وانطوت على نفسها، ورفضت أن تتكلم بكلمة واحدة أخرى، تاركة جبل في حيرة وقلق يأكلان قلبه، وهو لا يفهم سبب هذه التصرفات الغريبة.
وفي يوم ٢٥ من الشهر، كان يوم عيد ميلاد نور. وعن طريق المصادفة، علم جبل بهذا التاريخ من خلال حديث قديم ذكرته له سحر دون قصد.
قرر جبل، في محاولة منه لكسر هذا الجدار الجليدي وإعادة البسمة إلى وجه هذه الفتاة التي زلزلت كيانه، أن يفاجئها بمفاجأة لم تفكر فيها قط. في منتصف الليل تماماً، نزل جبل إلى القبو بخطوات هادئة جداً لا تُحدث أي صوت، وهو يحمل تورته صغيرة أعدها خصيصاً لها من المدينة، ومجموعة من الشموع المضيئة وهدية تغلفها أوراق زاهية.
كان جبل يعلم أن نور تسهر دائماً، لكنه في هذه الليلة دخل القبو ببطء، ليجدها غارقة في نوم عميق على السرير البسيط. كانت مستلقية بعباءتها كاملة ومستغطية بالأغطية الدافئة.
وضع جبل التورتة على الطاولة الصغيرة وبدأ يغرس الشموع بحذر وهو يبتسم ابتسامة دافئة لم تظهر على وجهه منذ سنوات. أقترب من السرير ليتأكد أنها غارقة في النوم كي يبدأ في إضاءة الشموع ومن ثم إيقاظها بالمفاجأة.
ولكن.. ولأنها كانت نايمة ولم تكن تتوقع إطلاقاً أن ينزل جبل إليها في منتصف الليل - حيث اعتادت منه القدوم صباحاً - لم تكن تضع أي نقطة مكياج على وجهها!
في الضوء الهادئ لللمبة الخفيفة، أزاح جبل طرف غطائها عن وجهها بحذر ليراها، وفجأة.. جمد الدم في عروق جبل، وتسمر مكانته وكأنه ضُرِب بصاعقة من السماء!
كان الجرح القديم الممتد من أذنها حتى منتصف خدها مكشوفاً بالكامل، يظهر بوضوح تحت الضوء الخافت!
اتسعت عينا جبل برعب وذهول، وأخذ يتنفس بسرعة وهستيريا، وصار يفرك عينيه غير مصدق ما يراه أمامه! تراجع خطوة للخلف ثم اندفع نحو السرير ومسك كتفي نور بقوة وعنفوان وهزها بصرخة رجت أركان القبو:
ـ رحمة؟! إنتي.. إنتي "رحمة"؟! إنتي بنت عمي رحمة اللي ضاعت مني؟!
افاقت نور مرعوبة ومصدومة من طريقة إيقاظها وصراخه الهستيري، وجدته يمسكها بقسوة وعيونه تبرق بالدموع والتخاريف:
ـ سيبني! في إيه يا جبل؟! ابعد عني أنت اتجننت ولا إيه؟!
جبل بدموع تتساقط على وجهه وهو يضم وجهها بكفيه الخشنة ويزيح شعرها عن أذنها وخدها بذهول:
ـ إنتي رحمة! العلامة دي.. القطع ده من الودن للخد.. انتى رحمة! إنتي حبيبتي اللي كنت بدور عليها طول السنين دي! إنتي بنت عمي اللي كانت وصيته ليا اتجوزها لما تكبر! إنتي ما ضعتيش يا رحمة!
نور صرخت برعب شديد وبكت وهي تحاول دفع يديه القويتين بكل طاقتها:
ـ رحمة مين يا مجنون إنت؟! ابعد عني يا جبل! أنت بتعمل كده ليه؟! الحقوني! يا خلق الله الحقوني!
تعالت الصرخات والصياح بينهما في القبو، وصوت جبل الجهوري يصرخ بأسماء ذكرياته، بينما صراخ نور وخوفها زلزل المكان!
وفوق في الغرفة.. سمعت الأم الحنونة و"منار" الصوت المكتوم الآتي من تحت الأرض، فجرتا بلهفة ورعب واقتحمتا غرفة جبل، لتجدا الباب الخشبي المصفح والسجادة القماشية أزيحت عن الأرضية وباب القبو مفتوحاً!
طلت الأم برأسها من فوق السلم، لتجد جبل يمسك بفتاة ويهزها ببكاء وصراخ، بينما الفتاة تصرخ وتستغيث.
الأم بذهول وصدمة:
ـ جبل! يا ولدي إيه اللي بيحصل عندك تحت؟! ومين البنية دي؟!
رفع جبل رأسه لأمه وعيونه حمراء كجمر النار والدموع تملأ وجهه، واخذ بها صعداً على السلم وهو يمسك يد نور ويجرها خلفه بالقوة وهي ترتجف وتستغيث
ـجبل : ياما! تعالي بصي وشوفي معاي بنفسك! ربنا رد لينا أمانتنا! دي "رحمة".. دي بنت عمي رحمة اللي ضاعت منا من سنين!
طلع جبل بنور إلى صالة الغرفة الواسعة فوق، وكانت نور في حالة انهيار تام، وأول ما رأت الأم ومنار ينظران إليها بصدمة وذهول، أحست بالخزي والعار يمزقان قلبها.. تذكرت أن وجهها خالي من المكياج وأن الجرح القديم البشع يظهر أمام الجميع!
حطت نور يديها على وجهها وبكت بكسرة وتخبئ خدها وأذنها بجلبابها وهي تنطوي على نفسها خجلاً وخوفاً:
ـ سيبوني في حالي! ابعدوا عني وما تبصوش عليا كده! حرام عليكم أنا مش رحمة وأنا ماليش دعوة بحد!
تقدمت الأم بخطوات ملؤها الذهول والدقة، ورفضت أن تصدق حتى اقتربت وسحبت يد نور برفق لتكشف عن خدها. أزاحت الشعر ببطء.. وفجأةشهقت الأم وضعت يدها على قلبها والدموع سالت من عينيها:
ـ يا مري! العلامة.. نفس القطع اللي كان عندها وهي صغيرة!
نور بدموع حارقة وتوسل:
ـ إزاي أنا رحمة؟! إزاي؟! أنا كان عندي أم وأب وعشت معاهم وكانوا بيحبوني وماتوا قدام عيني غرقانين في النيل! أنتم بتخترعوا القصة دي ليه؟! بتعملوا فيا كده ليه يا جبل؟! أنت بتألف التمثيلية دي عشان تخليني جنبك وما أحسش بالذنب لما تبيعني؟! إنت عايز تبيعني لمسعد صح؟! أنا سمعتك بودني بتساوم عليا بـ ٥٠ مليون! حرام عليك اعتبرني أختك أو اعتبرني زي رحمة بجد وسيبني أمشي بدل ما تبيعني!
من كثرة الذعر، والرعب، والانفعال الشديد، والدموع التي خنقت أنفاسها، اختل توازن نور فجأة، وسقطت مغشياً عليها على الأرض بين أيديهم كالجثة الهامشية!
جبل صرخ بعنف وارتمى عليها على الأرض وحملها بين ذراعيه ووضعها على السرير وهو يصيح بمنار:
ـ اجرى هاتي الدكتور بسرعة يا منار! اجري يا خيتي!
بعد ساعات من التوتر والقلق الدفين داخل الغرفة، خرج الطبيب من عندها ووقف مع جبل والأم بالخارج.
الطبيب وهو يمسح عرق جبينه:
ـ البنت تعرضت لصدمة عصبية شديدة وتوتر عصبي فوق طاقتها، وده سبب لها هبوط حاد في الضغط وإغماء. محدش يزعلها ولا يضغط عليها تاني واكتفوا بالراحة، وركبت لها محلول تهدئة، وأي زعل تاني ممكن يسبب لها أزمة قلبية.
بعد ما مشي الدكتور، دخلت "منار" الغرفة وجلست بجوار نور على الطرف، وتمسكت بيدها الباردة بابتسامة حنونة ودموع في عينيها:
ـ ألف سلامة عليكى يا رحمة.. أخيرًا لقيناكي يا بت عمى ، أخيرًا ربنا ردك لينا بعد السنين دي كلها.
فتحت نور عينيها بتعب وهوان، ونظرت لمنار وجبل الواقف عند الباب بملامح يملؤها الخوف والندم:
ـ أنا مش رحمة.. بطلوا تقولوا لي الاسم ده، أنا اسمي نور، وما بقتش أثق في أي حد فيكم خلاص!
تقدم جبل خطوات هادئة ونزل على ركبتيه بجوار سريرها وقال بصوت رجولي مكسور الحنان:
ـ يا نور.. يا رحمة.. اسمعيني وبصي في عيني! أنا عمري ما أبيعك ولا أفرط فيكي لو على قطع رقبتي! الكلام اللي سمعتيه في التليفون ده كان تمثيلية ولعبة متفق عليها بيني وبين حازم عشان نجر مسعد ونرجع أوراق أرض أبويا منه ونكسر عينه، إحنا كنا بنعمل له كمين!
نور أدارت وجهها وقالت بدموع:
ـ أنت كداب وممثل.. أنا مش بصدقك خلاص!
جبل أخرج هاتفه فوراً وتصل بـ "حازم"، وخلال دقائق كان حازم يقف في الغرفة أمام نور ويحلف بأغلظ الأيمان:
ـ والله العظيم يا أنسة نور، الكلام ده حقيقي، وأنا اللي زنّيت على جبل ودبسته يمثل التمثيلية دي قدام مسعد عشان نوقع مسعد في الكمين ونرجع أوراق الأرض، وجبل كان رافض كلياً وقال لي ما أبيعش حرمة في حمايتي! والله دي كانت لعبة منا!
نور رغم الكلام كانت مرعوبة وبداخلها انكسار شديد ورعشة؛ فالمشاعر والأمان اللذان تهشما بصعوبة لا يرممان في لحظة.
مسك جبل يدها برفق وقال محاولاً إقناع عقلها:
ـ طيب سيبك من موضوع البيع ومسعد.. تعالي نفهم موضوع رحمة! العلامة اللي في وشك دي هي نفس العلامة اللي كانت عند رحمة بنت عمي بالظبط لما اتولدت! دي بصمة ربنا.. مستحيل تتكرر في بنتين بالصدفة كده!
نور بنبرة متلخبطة وتائهه وهي تبكي:
ـ إزاي بس؟! إزاي وأنا شايفه تحت في القبو عندك الصور المتعلقة لرحمة كلها وشها صافي ونقي ومافيهوش أي علامة ولا جرح من دول؟! لو هي عندها جرح، الصور دي ليه صافية؟!
هنا تدخلت الأم ، وجلست بجوار السرير ومسحت على شعر نور بحنان دافئ وقالت بصدق ونبرة حزينة:
ـ أنا هقول لك السر يا بنيتي.. أبو رحمة الله يرحمه - أخو جوزي - كان رجل أعمال كبير وواصل الى هو ابوكى ، ومراته أصلها من القاهرة ومن عيلة زوات وأكابر الى هى امك ، وأبوها رجل أعمال معروف. لما خلفوا رحمة وكان عندها العيب ده والجرح القطعي في وشها، كانت أمها بتتكسف من كلام الناس والصحافة والجرايد اللي بتنزل صور العيلة. فكانت كل ما تيجى تصور رحمة وهي صغيرة، تطالب المصور يعمل تعديلات وفوتوشوب على الصور عشان يخفوا العلامة ويبان وشها صافي وجميل أمام القرايب والصحافة! لكن الحقيقة اللي كلنا عارفينها في الدوار هنا، إن رحمة كان خدها مقطوع بنفس العلامة والشرط اللي في وشك ده بالظبط!
نور تلعثمت وشعرت أن رأسها يدور في دوامة ملؤها الذهول والتشتت، ولم تعد تدري هل هي بالفعل "نور" اليتيمة التي عاشت الخذلان، أم هي "رحمة" التي يقاتل الجميع لاستعادتها؟!
الأم بنبرة حازمة وحنونة:
ـ وعشان نقطع الشك باليقين وما حدش يظلم حد، إحنا هنعمل تحليل DNA ، وساعتها العلم هيقول كلمته الحق وهنعرف الحقيقة!
ـــــــــــــــــــــــــــ
على الجانب الآخر في القاهرة...
كانت سحر تجلس في شقة فاخرة مع مسعد، وتحمل في يدها عقوداً أوراقاً وهي تبتسم بدهاء:
ـ أنا عرفت مكان نور بالظبط ومين اللي خفيها وموجودة فين في الصعيد يا مسعد.. بس إحنا اتفقنا! الشقة دي تكتبها باسمي مسجلة في الشهر العقاري الأول وتديني مقدم المليون اللي اتفقنا عليه، وبعد كده أديك العنوان والقرار بالظبط!
مسعد بضحكة باردة وهو يمسك الدخان:
ـ جشعة أوي يا سحر! عايزه تقبضي قبل ما تسلمي البضاعة والخبر؟ أكتبي الشقة الأسبوع الجاي لما أتأكد من كلامك بنفسي الأول وأشوف البت بعيني!
سحر بثقة وخبث:
ـ لا يا حبيبي، أنا مش عبيطة! وريني عقود الشقة والتسجيل الأول بأسمي، وأنا أطيرك للبت نور بنفسي وهي على صينية من ذهب!
وفي تلك الأثناء، وفي إحدى القرى المجاورة بالصعيد...
كان "صقر" أخو جبل يختبئ مع شريكه الشرير "رامي"، وكان الاثنان قد علما للتو بالأخبار والشائعات السارية داخل الدوار؛ أن نور هي نفسها رحمة بنت عمهم الغائبة، وأن جبل يخفيها ويحميها داخل الدوار 

جلس صقر ورامي في حجرة مظلمة والشر يلمع في عيونهما كالأفاعي.
رامي وهو يضرب على الطاولة بحدّة:
ـ سمعت يا صقر؟ البت نور طلعت رحمة بنت عمك اللي كانت ضايعة! 
جبل ناوى المره دى يرجعها لحضنه ويحميها بدمه ويطلعنا من المولد بلا حمص!
صقر بغل وحقد دفين وهو يفرك يده:
ـ يرجعها ولا ما يرجعهاش.. البت دي مسعد بيدور عليها ومستعد يدفع فيها ملايين عشان يهربها برة! زي ما بعنا الأرض من ورا جبل وأخدنا الـ ٥٠ مليون ، نبيع البت دي كمان لمسعد وناخد قصادها ١٠٠ مليون جنيه ونخلع برة مصر خالص!
مسك صقر هاتفه فوراً وتصل بـ مسعد، وحين جاءه الصوت، قال صقر بنبرة خيانة ملوثة:
ـ هلا يا مسعد بيه.. نور معانا وعارفين مكانها ودخلتها وزاويتها فين بالظبط داخل الدوار.. بس المرة دي السعر غالي أوي يا بيه! عايزيين ١٠٠ مليون جنيه كاش يد بيد، وتسلمنا الفلوس وتيجي تاخد البت نور تحت السلاح!
رد مسعد بضحكة شريرة وصدى جهوري عبر الهاتف:
ـ ١٠٠ مليون؟! موافق يا صقر! هاتوا لي البت وسلّموها لي، والـ ١٠٠ مليون هتكون تحت رجليكم بكره بالليل
تعليقات



<>