رواية بين ظلال الماضي الفصل الثاني والعشرون22 بقلم رودينا يوسف

رواية بين ظلال الماضي الفصل الثاني والعشرون22 بقلم رودينا يوسف
بخطوات ثابتة تهز الأرض وقارًا تحت قدميه ، دلف كرم لمعرض أخيه ، وما إن وصل لمكتبه و أُبْلِغَ ناجي بقدومه حتى قام وولده الذي كان بصحبته لاستقباله بحفاوة...

ناجي بحبور : نورت مكانك يا حبيبي... تعالى اتفضل

بادله كرم التحيه بود وهو يربط على كتفه و قال: 
المكان منور بيك يا حبيبي

نظر لايهاب و هو يرحب به : ايه المفاجآت الحلوة 
دي يا عمي .. نورت الدنيا كلها والله

اجابه باستحسان: تسلم لي يا بني ... كويس انك مع بابا كنت عاوزكم انتم الاتنين في موضوع مهم 

دق قلب ايهاب قلقا لا يعلم مصدره ، في حين رد ناجي وهو يبسط يده مشيرا لمكتبه: خير ان شاء الله... تعالى بس نقعد جوه. و نطلب قهوتك و قول كل اللي انت عاوزه

دخل ثلاثتهم و في مقدمتهم كرم ، ثم جلسوا على طاولة متوسطه يقيم عليها ناجي بعض الإجتماعات حين يتطلب الأمر .....

بدأ كرم الحديث بإعلام : أنا جيت النهارده عشان ابلغكم بخبر مهم ...

سكت برهة تحت انتباه الاثنين الشديد له وأكمل :
حنين اتقدم لها ولد كويس جدا واحنا موافقين عليه... وقررنا بما إن الحفله أخر الاسبوع إننا نعلن فيها الارتباط ده ...خصوصا أن هيكون فيها عدد كبير جدا من معارفنا و قرايبنا .... و طبعا مش محتاج أوصيكم أن ده هيكون مفاجأة الحفله ... يعني مش عاوز حد يعرف نهائي ولا حتى راويه... ايه رأيكم ؟؟

ابتسم ناجي بسعاده وضغط على يد أخيه بتهنئه: 
مبروك ....الف مبروك يا حبيبي... و دي محتاجه رأي ده هيبقى خبر الموسم ... معقول حنين كبرت وهتجوزها خلاص ... يااه السنين بتجري بسرعه فعلا...

أردف متسائلاً باهتمام: بس مين سعيد الحظ ده يا ترى... حد نعرفه يا كرم؟؟

هنا وتنبهت حواس إيهاب الذي شلته الصدمه منذ لحظات، نظر لعمه بعيون حمراء بشده من آثار كتم رغبته الشديدة في البكاء، وتأهب بكل خلاياه ليتأكد من هويه الخاطب، ليدوي اسم حازم في أذنه بطنينٍ عالٍ كاد يصيبه بالصمم ...

استوعب لدقيقه ما يدور ثم سأل بنبره خاليه من الحياه تحمل بعضا من التهكم على حاله : هه ..وحنين موافقه يا عمو...

في سريرته كان يرجو أن يأتي جوابا غير المتوقع، إلا أن إجابة كرم والتي كانت بمغزى وأدت أي أمل لديه : 
عندك شك إني ممكن أجبر بنتي على حاجه يا ايهاب... حنين موافقه ومرحبه جدا يا ابني ....والولد لا غبار عليه... طموح وعلى خُلق وقبل كل ده بيحبها جدا ولذاتها

شمل كرم إيهاب بنظره شفقه عليه فهو بمقام ولده أيضاً وبنبره رؤوف يملأها الحكمه قال : بص يا ابني... أنا مش صغير ولا قليل خبره عشان ما فهمكش ولا أفهم مشاعرك.... بس انا بقول لك قدام ابوك اهو.... لو بنتي كانت بتحبك بأي شكل غير إنك أخوها .... أنا عمري ما كنت هستنى وكنت أنا بنفسي اللي جوزتكم و من زمان... وما كنتش هلاقي أحسن منك.... 

تنفس بهدوء ليعظه بـ : بس ده نصيب ....وانت ممكن لما تدي نفسك فرصه وتشوف الموضوع من زاويته المظبوطه تحس بأن اللي حسيته ده ما كانش زي ما أنت متخيل.... والعمر لسه قدامك .... أنا واثق إنك هتلاقي اللي تحبك وتديك اللي ما كانتش أبدا هتلاقيه مع حنين

ثم أكمل حديثه وهو يحدق بداخل عيني إيهاب بتحذير مخفي وكأنه ينفذ لروحه ويعلم ما سيفعله شيطانه به: نصيحتي ليك إنك تثبت لنفسك قبل الكل إنك قوي زي ما ربيتك.... وتفوق من القصه دي وبسرعه ....حاول تلجم اي هواجس أو أفكار مش كويسه جواك... لان وقتها مش هتلاقي غيري يا ابني... وصدقني ده اللي عمري ما اتمناه

استقام إيهاب بهدوء عكس فورانه الداخلي، و مَثَّل الإذعان لنصيحه عمه ، و استأذن بحجه الأعمال التي على عاتقه ولم ينهها بعد ...

ووالده كان يشيعه بنظرات حزينه لأجله ،متحسر على كسر قلبه ، ويتمنى ألا يخسر المزيد من عمره وهو يحبس حاله داخل سرداب من الأوهام...

انتبه لأخيه ببسمه باهته عندما حدثه ب:
ما تزعلش يا ناجي... كله هيتصلح بأمر الله ...واحده واحده وهيفوق.... وبكره يلاقي بنت الحلال اللي تجبر قلبه 

تنهد ناجي بتمني وهو يقول: يا رب يا كرم يا رب..

اعتدل ليغير مسار الحديث حتى لا يبدل فرحة كرم: قولي بقى ...عروستنا الحلوه ما جتش معاك تفرحني بنفسها ليه ولا مكسوفه مني ؟؟

كرم بابتسام : لا يا سيدي هي بس في مشوار مع حازم ولسه ما جتش ...واكيد هتكلمك... أنا جيت بس عشان ابلغك واعرفك باللي هعمله عندك في الحفله...

اكمل كرم بجديه و تأكيد : المهم ...أنا عاوزك في موضوع تاني مش هقدر اتصرف فيه الا بعد ما أعرفك ....وكويس ان ايهاب قام لأني مش حابب أي حد يعرف عنه اي حاجه... عاوزه يبقى بيني وبينك بس ...

ظهر القلق على ملامح ناجي من حديث كرم ، فأجابه سريعا : طمني يا كرم في ايه... ما تقلقش اكيد اللي بينا عمره ما هيطلع..

ظهر اليقين بعينيه على حديث اخيه ثم عقَّب : أنا واثق من كده ....بص يا سيدي.......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل منتصف الليل بما يقرب الساعتين....

كانت دراجة حازم النارية تدخل من أبواب ڤيلا كرم عثمان بعدما انقضى ذلك اليوم المميز ، الذي حتماً سيظل محفورًا داخل كلاهما لآخر العمر ...

هبطت حنين لتقف أمامه بينما هو ظل ثابتاً بمكانه، يناظرها و حسب بعيون تشع بوهج العشق الذي ما عاد لإخفائه داعٍ ، لتقترب من مكانه خطوه وهي تقول بتساؤل خَجِل يشعل وجنتيها حمرة : 
مش هتدخل معايا تسلم على بابي و مامي؟؟

حازم : خليها مره تانيه ... أنا هاجي مع أمي واخواتي بكرة عشان نظبط كام حاجه قبل الحفله ....و اه ما تجيبيش فستان ليها ....دي هتبقى هديه مني..

شبكت أصابعها ونظرت إليهم بتهرب من تفحصه لها، وقالت له: مش كتير يا حازم... انت لسه جايبلي خاتم وكمان اا....

تدخل سريعًا بمقاطعة : ما فيش حاجه أصلا ممكن تكتر عليكي ...ده أنا نفسي اجيب لك الدنيا كلها يا حنون 

حنين بشكر ودلال غير مقصود : ميرسي يا زومي على كل حاجه بجد 

وضع حازم يده على مضغته الصغيرة والتي كادت أن عن تكسر أضلعه من خفقانها وهو يقول بحراره :
اااه على زومي و سنين زومي... بالراحه على قلبي الله يخليكي انا مش واخد على كده 

زاد خجلها أضعافاً وقالت بخفوت وتلعثم: ااا... الله بقى ....مش قصدي... انا.... انا ...يعني الكلام طلع لوحده

ضمَّ كف يدها الصغيرة بين يديه باحتواء وقربه من فمه ليلثم باطنه برقه وعشق، وهو يعمق قبلته مغمض العينين مستمتع بملمس يدها على وجنته لأبعد الحدود، ثم تحدث بحشرجه من فرط تأثره :
أنا ملكك يا حنيني ... انتي تقولي كل اللي تعوزيه ....ما تعرفيش يا حنين حالي عامل ازاي من اول ما قلتي إنك موافقه تكملي معايا... حاسس اني طاير في ملكوت تاني ....والدنيا دي كلها بوسعها مش سيعاني ولا قادره تستوعب فرحه قلبي.... وعلى قد ما مستني اسمع منك اكتر واكتر إلا إني مش مستعجل.... كل حاجه معاكي ليها احساسها وطعمها وهتيجي في وقتها...

تضاعف حيائها والذي أُبرز جلياً على محياها بكل تفاصيله ، مما جعله يكمل بمشاكسه: وبعدين بقى في البنت اللي بتحلو كل ٣ ثواني دي ...بالراحه يا ماما مش كده 

وكزته في ذراعه بخفه وهي تبتسم على مشاكسته وتقول: خلاص بطل بقى

غمزها بدعابة و رد بـ : عاوزاني ابطل بجد

أعطته ظهرها ممثلة الحنق وهي تخفي ضحكتها الواسعه و تمتم: يوووه بقى يا حازم... والله مش عارفه اقول ايه

نزل من مكانه ليقف مواجهًا لها واضعاً يده أسفل ذقنها لتنظر إليه وهو يقول بصدق: حنين عاوزك معايا تقولي كل اللي تحسيه وبس ...ومن غير تفكير... اعتبريني نفسك واتكلمي معايا من غير اي كسوف

لمعت برأسه فكرة يحبذها كثيرا فاسترسل مقترحا عليها : إيه رأيك لو بعد الحفله اكلم باباكي في إننا نكتب الكتاب على طول لحد ميعاد الفرح.... أنا ان شاء الله مش عاوز الخطوبة تطول ....هجهز كل حاجه بأقصى سرعة...
انتي عارفه الصفقة الأخيرة اللي اتفقنا عليها كبيرة و مكسبها ممتاز... هتساعدني جدا أنجز في تجهيزات الفرح... 

أردف بإقناع : وكمان لما نكون مع بعض في أي مكان أو لو وقت متأخر مثلا ده هيمنع وجود أي كلام... ارجوكي توافقي يا حنين... انتي مش متخيلة أنا بحلم باليوم اللي هتبقي ع اسمي بقالي قد ايه ...

حماسه و رغبته الشديدة بها الظاهرين بوضوح على كل خلاياه ، مع نبرته الرجوليه التي تحمل رجاءً لها ألا تخذله، إلى جانب عشقها له و الذي يتوغل بكيانها و يجذبها لقربه يوما تلو الآخر بشدة ، كل ذلك جعلها توافق دون تردد بل وبسعادة تمتزج بالحياء أجابته : اتكلم مع بابي... و لو وافق انا ماعنديش مانع 

مغناطيس يجذبه نحوها كمَن فقد السيطرة على جسده، ليقترب حازم منها أكثر ويضع جبينه على جبينها حتى اختلطت أنفاسهما ، قلبه يقرع طبول الاحتفال ، وعقله ينير إشارات التحذير ...

أغمض عينيه متنعما برائحة أنفاسها العطرة التي حبسها داخل رئتيه يخشى أن يفلتها ، كما أنها تلفح بشرته و هو ما زاده لهيبًا و بصوت مبحوح من أثر محاولاته لكبح جماح نفسه، نطق بتهدج : اختفي من قدامي فورا يا حنين

وحنين هرولت من قّبالته تريد الاختباء من حالها قبله، هاربة من استسلامها و عدم قدرتها على الثبات في مواجهة قربه الذي يذيبها حرفياً، و وقفت أمام الباب تضع يدها على خافقها تهدأ من رجفته قبل الدخول...

بينما هو نظر لأعلى بعدما غادرت يسحب كل الهواء المستطاع علًه يسترجع هدوءه و ثباته اللذان فقدهما تواً، ثم حول بصره بهيام على مَن تقف أمامه بظهرها و تحدث بأمل : هانت ياااارب هانت

صعد لدراجته مرة أخرى و انطلق عائداً لمنزله بمزاج رائق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= حنــــــين

التفتت لذلك الصوت الغاضب و الذي أتاها بعد رحيل حازم من خلف ذاك العمود الضخم...

عادت للخلف حيث مكانه وقالت بدهشه : إيهاب!! .. انت واقف كده ليه ؟؟...كنت في الجنينه ولا ايه؟

كانت ألسنه جحيم الغيرة تتراقص بين مقلتيه بلا هوادة، بعدما رأها و حازم سويًا و منذ أن دخلا ، ورغم عدم سماعه حديثهما ، إلا أن مشاهدته لحالتهما الحالمه أضرمت النيران بسائر جسده وزادته اشتعالا ، و أطفأت آخر بارقة أمل بداخله ....

فبعد أن ترك عمه ووالده اخذ يجوب ذهابا وإيابا بمكتبه على جمر ملتهب ، وعقله يعمل كالمرجل، أما قلبه فالألم والوجع كانا ينخرانه بلا رحمه، حتى قرر أن يأتي ويتقابل مع حنين في محاولة أخيرة، ويعلن أمامها ما كتمه سنين، ربما يجد لديها تَقَبُل له، و بتلك الخطوه قد يستطيع التأثير على قلبها، فتغير وجهه نظرها تجاه حازم ، ولكن ما سطع أمامه منذ قليل كان بمثابة شمس متوهجة أضاءت فجأه عتمه قبو حالك السواد.....

طال صمته وهو يناظرها بلا رد فأعادت حديثها مرة أخرى تناديه : يا إيهاب ....بكلمك ...انت باصص لي كده ليه 

إيهاب بنبره يغلبها المراره: ممكن نقعد نتكلم شويه مع بعض في الجنينه 

حنين بموافقه مخلوطه باستنكار:هو انت محتاج إذن عشان تكلمني يا إيهاب ...تعالى طبعا اتكلم براحتك

تقدمته و تبعها ، وبعد جلوسهما بدأ حديثه يستشف رأيها: باباكي كان عندنا النهارده.... وبلغنا إنك هتتخطبي لحازم... ده فعلا ؟؟؟.... انتي وافقتي؟؟

طلّت الإشراقة من وجهها فأحاطتها بهالة جعلتها قمر ينير الليل من حولها، و أجابته بوضوح وبنبره سعيده للغايه: أيوه ....مش قادره اوصف لك أو أقول لك حاسه بإيه يا إيهاب ....مخطوفه... على طايره ...مخضوضه... على مطمنه.... كل الحاجات وعكسها... عايشه إحساس عمري ما استنيته ولا فكرت إنه هيزورني حتى... فاهمني؟؟؟

خنجر مسموم غرزته بتلك الكلمات داخل قلبه دون أن تدري، فعقب بتيه على حديثها يتسائل : طب وانا يا حنين ...موقعي هيبقى ايه في حياتك ؟؟؟

لاطفته حنين بحديثها التالي بعدما اعتقدت أنه ظن بتغيرها نحوه بعد دخول حازم لحياتها: أنت اخويا اللي هيفضل دايما في ضهري... ما تخافش يا هوبا ما فيش حاجه ابدا هتتغير في علاقتنا ببعض..

تحمحمت بحرج وهي تطلب: أنا بس كل اللي بطلبه منك إنك تحاول تقلل من حدتك مع حازم شويه... وتقرب منه.... صدقني ده هيسعدني جدا ...خصوصا أنكم تعتبروا اقرب اتنين في حياتي دلوقتي 

ايهاب بتهكم : هه...كمااان ...طبعا لازم اقرب منه

ثم سألها بتشكيك : أنتي واثقه فيه للدرجة دي... اقصد مش يمكن يكون طمعان فيكي ....عاوزك فرصه ولا مصلحه مش اكتر يعني..

رد قلب حنين قبل لسانها بانكار حازم وقوي حين قالت: مستحيـــل ....انت عشان ما تعرفوش كويس بتقول كده... حازم ده كان عنده فرص كتير جدا يستفيد مني وما عملهاش...

ثم أكملت بذكاء : وبعدين لو زي ما بتقول قدر يضحك عليا... فهو لا يمكن يضحك على عقل بابا ... و انت عارف كده كويس 

رد بصدمه من طريقتها في الدفاع عنه و رفضها لأي تشكيك دون ذره تردد أو تفكير قائلا: للدرجه دي ياحنين طب امتى ؟؟؟

شعرت حنين ببعض التخبط في كلماته ، فاستفسرت باهتمام : مالك يابني.... ليه حاساك مش طبيعي كده النهارده...

ثم أكملت بعشم ممزوج بالمرح : يا أخي ده حتى لو في حاجه مضايقاك المفروض ماتفكرش فيها دلوقتي و تفرح لي ... ده انا حتى اختك الوحيده

كرر إيهاب كلمتها بهمس داخلي: اختي الوحيده!!!!

استرسلت حنين بحيويه واندفاع: تعرف انا نفسي قوي ان ربنا يبعت لك بنوته جميله كده تحبك وتحبها ....وتجرب بقى وتعيش اللي انا حساه دلوقتي ده.... ومين عارف مش يمكن نعمل فرحنا في يوم واحد
ولا حاجه 

ملئت غيامة الحزن عينيه، ولم تلاحظه حنين التي أردفت مقترحه: ولو انت اخ كيوت و جميل كده تسمع كلامي... وتخليني اقترح لك كمان ....وصدقني هبهرك ومش هتندم... بالعكس أنا واثقة إنك هتشكرني

جاراها بخيبه أمل جديده تضاف داخله، فهو لم يلمح أي بصيص للغيره داخلها، بل تتحدث بعفويه صادقه وتريد أن تطرح عليه أخرى لتسكن حياته..

فقال بمغزى : انتي فعلا بهرتيني يا حنين... عموما قولي لي يا ترى شايفه مين اللي تناسب إيهاب عثمان 

وبداخله كان يردد بحسره بعد تأكده من خسارتها ؛ غيرك يا حنين

بسعاده بالغه ضربت كفيها ببعضهما وقالت: أنا بقى مش شايفه غير بنت واحده ...جميله وهاديه وواثقه في نفسها وقد المسؤوليه كده ...وتبقى يا سيدي اسمها....

رمقته بترقب وهي تنطق : مرام صاحبتي

ضحك بملء فيه من المفارقه الغريبه التي تجمعه دوماً بمرام ، فهي نفسها مَن كان يرسم ليوقعها بشباكه كي يستطيع أذية حازم من خلالها ، ضارباً بكل صوت صدر من ضميره عرض الحائط في سبيل وصلها ، والآن القدر يضعها أمامه مره أخرى ، وبيد حنين...

استقام بانهزام منهيًا هذا الحديث الناحر لقلبه ، واستأذن منها معللا تذكره لعمل هام عليه مراجعته قبل الغد ، و لاحقاً يكملا حديثهما ...

استقل سيارته متجهاً حيث المكان الذي اتخذه ملجأ ، منذ كان فيه آخر مره، لخلوه من الناس واستطاعته التنفيس عن صرخاته المكتومة هناك ....

وبالفعل بمجرد أن وصل، هبط سريعًا يملأ المكان ضجة بزمجراته الحبيسه ، وما إن انتهى حتى أخذت أنفاسه تتلاحق بعنف ، وحقا وقتها شعر باحتياجه لأنيس يسمعه ويمتص أوجاعه غير حنين...

وهنا أنار اسم مرام مره ثانيه داخل عقله الذي حدثه:

لما لا تكون مسكناً لذلك الوجع بداخلك؟؟؟ لما لا تكون حضنًا تلجأ إليه و تفرغ فيه طاقتك وغضبك؟؟؟، رأيت الإعجاب بداخل عينيها خاصه في آخر مقابله بينكما، وأيضا هي ليست بالقبيحة أو السيئة ، عليك فقط أن تستخدمها محاولًا العبور من كهفك للنور، لملم شتات نفسك من خلالها ، وأنقض على قلبها دون رحمه كي تغرقها فيك، وربما وقتها تستطيع أن تضمد جرحك ، حين تجد في حركاتها وكلامها وتعاملها معك حبًا حقيقي لم تحظَ به مع مَن تمنيت ، أولم يقولوا داووها بمَن كانت هي الداء ، أما القلب فلا داعي أن يعمل مجددا ، يكفي ما لاقيت على يديه، فأن تؤوده أفضل من أن تحيا ما تحيا الآن ...........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملأت الفرحة والسعادة ساعات ودقائق الأيام التالية لدى حازم وحنين وذويهم ، حيث مضت سريعه بين تجهيزات الحفل وشراء شبكه العروسين ، والتي كانت دبله ذهبيه رقيقه كصاحبتها ، مع طاقم ذهبي راقٍ ورائع الجمال صُنع خصيصا لها ، مطعم بحبات اللؤلؤ الصغير مأخوذ من لون عينيها الساحرة ، موضوعاً داخل ورده تتوسط سلسال الطقم و إسوارته وحلقه، فقد تغاضت حنين عن شراء الألماس كي لا تزد ضغطًا على مَن كان يريد شراء الكون لأجلها....

كما أن القرب والتفاهم اللذان نمِيا سريعًا بين العائلتين، كان سبباً كبيراً في تيسير أغلب الامور بينهم، ووسط هذه التجهيزات كانت هناك مفاجآت عديدة تُنسج في انتظار الجميع.......

أتى يوم الحفلة المنتظرة وكان كلاً يتجهز بطريقته، ففي ڤيلا كرم.....

دلفت نادية بخطواتها الناعمة وجلست جوار حنين على حافه التخت، وأخذت تتلمس وجنتها برقه صعودا وهبوطا ، ثم أزالت بعض خصلاتها الذهبيه وهي تتأمل ملامحها باهتزاز وجداني، وبسمتها لا تفارق ثغرها ...

مما جعل حنين تستيقظ رويداً رويداً وتقول متسائلة بصوت ناعس : صباح الخير يا مامي... هي الساعه بقت كام؟

ناديه بلطف: صباح الهنا على قلب مامي ...احنا داخلين على الضهر تقريبا ... أنا جيت اصحيكي كده عشان نفطر سوا على ما توصل مرام وباقي فريق الميك اب 

داعبت وجنتيها بلطف وهي تقول بتجعيده محببه على ملامحها: مع إنك قمرين لوحدك مش محتاجه حاجه اصلا

ثم أكملت بتذكر : صحيح يا حنين هو الفستان لسه ما وصلش ليه؟؟.... ما قلت لك كنا جبناه احنا يا نونه بدل التوتر ده...

حنين بإيضاح : ما تقلقيش يا مامي... الفستان جه فعلا بقى له يومين ... بس حازم أصر يفضل عند مرام ويجيبه وهو بيوصلها ههه.... خايف الفضول يخليني أشوفه وهو عاوزني اتفاجئ بيه ....

ناديه باستحسان ومزاح : شكله مش سهل حازم باشا... بس عارفه واضح أنه بيحبك قوي قوي يا نونه... ودي أكتر حاجه مخلياني مرتاحه له...ومطمنه أنه هيحافظ عليكي ويصونك... مش فارق معايا أي تفاصيل تانيه

سكتت برهة ثم سألتها بتردد مع اكتراثها الشديد: 
صحيح يا حنين... بقى لك فتره مش بتحكي لي عن احلامك.... مش برضه اختفت ولا ايه؟؟؟

حنين برومانسيه: بصراحه يا مامي... احلامي من يوم ما ظهر حازم واتبدلت خالص.... حتى البنت اللي كانت بتجيلي دي.... لو زارتني تاني بلاقيها بتضحك ومبسوطه وبترقص وسط جنينه مليانه شمس ونور ....شكل الموضوع فعلا كان مجرد حاله نفسيه وضغوط مكبوته مش أكتر ...

تنفست ناديه بارتياح قبل ان تنهض وهي تقول: 
مش قلت لك.... الحمد لله ...عموما يلا بدل الوقت ما يسرقنا.... خدي شاور سريع وانزلي عشان نفطر ...

اوقف كلماتها رنين هاتف حنين، لتلتقطه وتجيب المتصل قائلة : 

=ايه يا مرمر ...وصلتي؟؟
#####

= تمام ....مامي نازله من عندي وهتقابلك على ما اخد شاور وبعدين نطلع نبدا اليوم
#####

= اوك ... اه بقول لك... اوعي تكوني نسيتي الفستان 

#####
=تمام... كويس خالص.... بسرعه بقى

قفزت بحيويه لتبدأ يومها وبعد ان أنهت تفاصيلها وفطورها عادت مع مرام تكمل التجهيزات، لتنتبه لمرام التي قالت بخجل: حنين... في حاجه بتحصل معايا عاوزه اقول لك عليها....و مش عارفه اتلم عليك عشان احكي لك

اتجهت حنين لأريكتها وربعت قدماها أمامها وحثتها على الحديث بمشاكسه : امممممم....اعترفي بسرعه.... انا ملاحظه كده برضه ان فيكي حاجه متغيره بقى لك كام يوم 

مرام بتوتر : مش عارفه أبدأ لك منين.... بس إيهاب متغير معايا ومهتم كده فجاة....بقى له كام يوم... الأول اتفاجئت بيه بيتصل بيا وبيكلمني بحجج غريبه كده ....مره يقول لي عرفتي خطوبه حنين.... ومره كمان عاوز يعزمني على الغدا.... بس اتكسفت كده وما ينفعش اطلع معاه لوحدي يعني.... اخر حاجه بقى تلميحه ليا من شويه.... انه مستني يشوفني في الحفله وعاوز يتعرف على ماما واخويا... ده غير بقى رسايله..... مثلا يتطمن اني روحت... وبيسأل عليا...

تنهدت بتمني حالم واسترسلت: تفتكري الجبل هينطق... يعني ارتباطك ده يمكن يكون فتح نفسه كده على الجواز ....وقلبه حس بيا أخيراً... انا خايفة

توسعت بسمه حنين وهي تظن أن إيهاب أخذ بنصيحتها واعطى فرصة لمن تستحقه، ثم قالت لها بتأكيد : 
خايفة من ايه بس ... امسكي نفسك كده ....و بعدين يا مرمر اكيد عاوز ياخد خطوه.... يااااه ...انتي ما تعرفيش هبقى مبسوطه ازاي لو فعلا موضوعك مع ايهاب تم ....ويا سلام لو نتجوز سوا 

توردت وجنتا مرام بحياء وهي تدعو : ياريت يا حنين ياريت .... ده حلم بعيد قوي ....وخايفه اكون بتخيل

وكزتها مرام في ركبتها وهي تقلدها : 
يا ريت يا نننننننيييييي... يا عبيطه... ده بيتحقق اهو قدام عينك ...

انتبهت للطرق على الباب وبعد سماع الطارق لإذنها ، دخل فريق التجميل ليبدأ في تحضير العروس لفارسها الهمام....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

وعلى صعيد آخر في ڤيلا ناجي والتي سيقام فيها الحفل....

كانت الأعمال تقام على قدم وساق، فقد أتت شركه التنظيم بكامل طاقمها، لتلبي كل ما أمرت به راويه، والتي كانت تتابعهم بتركيز شديد كل نصف ساعه تقريباً ، ليطمئن قلبها أن كل شيء على ما يرام، قبل البدء في تحضير نفسها لاستقبال الضيوف....

صبت جُل اهتمامها ليخرج حفل الموسم بشكل يليق بها بكل ما تحمله الكلمه من معنٍ ....

وبالداخل كان يجلس ناجي يحتسي قهوته وهو يشيع زوجته بنظرات غامضه كل فينة وأخرى،  عندما كانت تدلف لهم ، وجواره إيهاب الذي كان يرسل رساله عبر الهاتف، وبعد انتهاءه كسر صمت جلستهما وهو يخبر والده ببرود : بابا ... أنا قررت إني هخطب ...

انتبهت حواس ناجي له وسأله بغرابه : نعم...قررت ايه؟؟؟... مش فاهم !!

استاء من سؤاله وهو يجيبه بلوم:  إيه الغير مفهوم في كلامي .... بقول لحضرتك هخطب.... ولا مش من حقي اعيش حياتي ؟؟

تفحصه والده وهو يرد عليه برزانه : ما قلتش كده أبدا ...انا اللي مش فاهمه هو توقيت قرارك... ولا طبيعي إن واحد قايم نايم وعايش لنا في قصه حب من طرف واحد اسطوريه.... و مُصر عليها كمان.... فجأة كده وفي خلال كام يوم يغير رأيه ويقول هخطب واحده تانيه ...ده منطقي يعني؟!!

نفخ إيهاب بضيق:  ارجوك يا بابا ما تفتحش سيره القصه دي تاني... انا خلاص فوقت من كذبه الحب اللي الناس بتعيشها دي ....وهمشي ورا عقلي وبس ....وهعرف اخرج من النقطه دي ...و لاقيت اللي تعيش علشاني كمان وما تشوفش في دنيتها غيري...

باغته والده بسؤاله : وأنت ؟؟؟

ايهاب بانهزام ولا مبالاه في غير محلها:  لاااا ...خلصت... كفايه قوي لحد كده ....المهم أنها هتكون بنت زي ما بيقول الكتاب وخلاص ...

لوى ناجي جانب فمه بخيبه وهو يردد:  تخيل... انا مصدوم فيك... كنت دايما أقول ده تربيتي وتربيه عمه... ربيت رااجل يا ناجي... ويا ريت أخوه يبقى ربعه ...بس مع أول مطب شديد ... ووهم حب أنا وضحت لك قبل كده انه مش حقيقي...و مش اكتر من سيطره وامتلاك... لكن انت فضلت مغمض عينيك عن الحقيقه...هه... حقيقي يا ابني.... يا خساره والف خسارة..

أكمل حديثه باستهزاء : ويا ترى مين اللي ناوي تقتلها بسكنتك التلمه دي؟؟

إيهاب بغضب وعناد : لو سمحت كفايه بقى... ما فيش أي حد حاسس بيا ولا باخويا اللي بتقول عنه... من فضلك انا مرتاح بقراري ومتحمل مسؤوليته.... ولو مهتم وعاوز تعرف البنت فانا اخترت مرام سكرتيره عمي ...

حرك ناجي رأسه بيأس من جمود تفكير ولده وتحدث بنصح : لآخر مره هقول لك... فكر تاني قبل ما تظلم بنات الناس.... انا مش راضي أبدا عن قرارك ده... انت محتاج وقت تفوق الاول وبعدين تاخد الخطوه دي... البنت ممتازه وطيبه حرام عليك اللي هتعمله فيها.... انا خايف عليك من ندم يا ابني.... بس وقتها يمكن تكون خسرت كل حاجه وما تعرفش تعوضها 

بصلابة رأي أجابه إيهاب لإنهاء المناقشه:  ما تخافش مش هظلمها ولا حاجه... انا بس كل اللي طالبه من حضرتك تكون معايا وقت ما اتكلم مع أهلها 

=مين دي اللي هتكلم اهلها يا إيهاب 

كان ذلك صوت والدته المستفسر، ليقلب عينيه بملل ثم يرد باخبار : مرام يا ماما سكرتيره عمي... ولسه كنت بقول لبابا اني عاوزه اخطبها

دوى الخبر داخل عقلها كانفجار ، هدم مخطط بديل كانت ترسمه إذا ما فشل ما نسجته مسبقا ..

مما جعلها تصيح بانفعال:  سمعني تاني يا بيه ...ايه اللي بتقوله ده ...امال فين حبك لحنين ...وهتجوز حنين... والقلبان اللي بتعمله لما حد يهوب من حنين... راح فين كل ده ... انت ا....

انتفض من جلسته ليناظرها الصراخ وهو يقول بنبره لا تحتمل النقاش : مااااماااا.... من فضلك ...حنين من اللحظه دي اختي وبس ....ومش عاوز سيره الموضوع ده تاني باي شكل من الاشكال... اعتبريه وهم وانتهى واللي قلته ما فيش حد هيرجعني عنه... وده اللي عندي

تركها بغليانها وصعد لغرفته كي يهرب لملجأه الجديد من تلك الضغوط، والتي حتما ستكون بمكالمة مع مرام ليتناسى فيها ما يلاحق نفسه....

وجهت راويه بصرها لناجي وهي تهدر بعصبيه مشيره لولدها الهارب : انت عاجبك اللي بيحصل ده يا ناجي.... مش ده تربيتك اللي دوشني بيها ...شوف بقى حل مع ابنك .....انا لا يمكن اقبل بالمهزله دي.... سامعني ...لا يمكن اقبل

اطال نظره لها بنظره مبهمه التفسير وقال بهدوء لا ينم ابدا عما يطحن داخله:  للأسف ما فيش اي حاجه عجباني في البيت ده.... وواضح ان كل اللي كنت فاكره صح وعدم تدخلي في تفاصيل كتير وانا متخيل إني بحافظ على بيتي.... طلع اكبر غلط.... وبإيدي هديته 

تحرك من مكانه ليدخل مكتبه بخطوات منكسره ، وتركها خلفه تهتف بحنق: يا ربي عليك... ده وقت فلسفتك الفارغه دي.... راجل ما يعتمدش عليه في حاجه أبدا 

دقه هاتفها معلنا عن اتصال هام بنغمة مميزة ، لتصعد مهروله لغرفتها، وما إن أغلقت بابها بإحكام، أعادت التواصل بتلك السيده التي قابلتها سابقا ...

ليأتها صوتها و هي تبلغها بتهديد حذر:  انتي بتلعبي من ورانا يا راويه.... مش قلنا ما فيش خطوه غير بإذن 

حاولت راويه الرد بثقه مصطنعه بعكس خوفها:  انا لعبت فين... ما كل اللي طلبتيه بعمله اهو ...ولما تيجي الحفله هعرفك على كرم... وأنتي براحتك بعد كده... ايه اللي عملته تاني مش فاهمه 

السيده بحسم:  راويه بلاش طريقتك دي ... اللي ماتعرفيهوش أن النفس اللي بتاخديه بيوصلنا ...احنا مش هواه.... دي حيتان كبيره يا ماما.... تاكلك صاحيه.... عموما القنبله اللي اتفقتي عليها مع الاهبل ده عشان يحطها في عربيه كرم وقت الحفله قبل ما يمشي.... يا ريت تلغي الاوردر ده خالص..... وما تستعجليش قوي كده على قضاهم.... كرم لو ما نفذش اللي احنا عاوزينه... هنشحنهولكم  .... هو وعيلته كلها اعضاء ....وحسابك على القصه دي لسه ما خلصش على فكره 

لم تنتظر منها إجابة بل أغلقت المكالمه ، وراويه تجمدت يدها على الهاتف وهي غير مستوعبه ما دار ، فكيف تمت معرفتهم بخطتها و هي كانت في غايه الحذر أثناء تعاملها مع المأجور.؟؟!!!!...

زفرت بضيقٍ شديد ثم ألقت الهاتف بقوه على السرير،  وهي تحدث نفسها بغل وغباء : لا ... مش هغير حاجه... انا ما صدقت ان كل حاجه مظبوطه بالمقاس... وما حدش هيقدر يعمل لي حاجه ... بعد موتهم كل حاجه هتبقى في ايديا...و وقتها الفلوس هتقويني اكثر واكثر... ويمكن انا اصلا اللي اخلص من زنهم وتحكماتهم دي هههههه .....
تعليقات



<>