
مساءً داخل أحد المطاعم الفاخرة كان يجلس كلاً من حنين و مرام ، وهما تتبادلان أطراف الحديث أثناء احتسائهما مشروبا بعد تناولهما العشاء ...
تنهدت حنين وهي ترفع كتفيها ثم تنزلهما بحيرة و كانت تتحدث باستفاضة عما يدور بداخلها بعدما سردت لمرام ما يحدث معها :
محتارة جدا يا مرام بجد... مش عارفه ايه ال انا فيه ده .. جوايا ميت إحساس متلخبط .. الأول كان كل لخبطه جوايا بقول عشان بعيد عن بابي ومامي برغم زيارتهم ليا و اهتمامهم .. بس برضه عارفه من جوايا أن بينا بلاد وكنت اقعد اقول ل نفسي لما ترجعي وتحسي بالأمان تاني ف وسطهم كل ده هيروح .. رجعت وبرضه في حاجه جوايا مش فهماها..
عقبت مرام مقترحة : طب ما حلو فكرة الدكتور ال قلتي عليها دي .. يمكن يساعدك تفهمي كل ال متلخبط جواكي ده
ردت حنين معللةً : مانا قلت لك ماما قالت مش مستاهله .. تقريبا خايفه أني اوهم نفسي او ادخل ف الدايرة دي..
ثم اكملت بحيرة أكبر وهي تنظر أمامها بشرود وكأنها تُحدث نفسها :
بس فعلا موضوع الحلم ده مجنني .. خصوصا امبارح بعد ما كان بيتكرر هو هو .. لا اتغير في حد تاني بس مش واضح ظهر ...
ثم اتجهت ببصرها لمرام وهي تميل للامام قليلا مع تشبيك يديها ببعض أثناء استنادها على الطاولة بينهما و قالت بتبرير لعقلها :
تفتكري ممكن يكون تواصل مع الأرواح .. كنت اسمع عن حاجات ذى كده.. إن يعني في ناس بيتواصلوا مع بعض أرواح الموتى ال مش بيكونوا مرتاحين وعاوزين يوصلوا رساله عشان يقدروا يمشوا ف سلام
ابتلعت مرام لعابها بتوتر و خوف ثم اجابتها بعد أن اكتشفت القليل من المياه : بسم الله الرحمن الرحيم .. يا بنتي بلاش السيرة دي باليل .. هو احنا ناقصين... بصي موضوع الحلم ده يمكن يكون ليه تفسير ولا حاجه ابقي اقري ف ابن سيرين كده و انا كمان ونتابع سوا .. وجايز برضه يبقى مجرد أضغاث أحلام أو حاجه ف عقلك الباطن ..
مدت يدها لتلتقط الكأس من أمامها لتعرضه عليها بمزاح كي تخفف عنها وطأة ما تشعر :
روقي روقي بس ... واضربي الليمون ده هيهديكي وابقي اقري قرآن قبل ما تنامي ... يا خبر ارواح هي ناقصه
وتلك الطريقه التي تحدثت بها مرام مع تعابير وجهها المستنكرة ما جعل حنين تضحك معها بل كادت أن تشاركها ، إلا أن اقتحام ذلك اللزج لجلستهما منعها ، فبالصدفه كان يجلس عصام المنياوي مع بعض أصدقائه وعندما رأى حنين استأذن منهم وتوجه إليها ....
اقتحم جلستهما بسحبه مقعدا بجانبها وجلس عليه دون استئذان متجاهلا أبسط قواعد الذوق، نظرت الفتاتين لبعضهما البعض بضيق شديد ، ثم تنهدت مرام بثقل ، و حنين قلبت عينيها بملل وانزعاج ثم قالت له بضيق واضح:
ايه ده يا استاذ انت ... مين سمح لك تقعد معانا كده .. هو في ايه انت بتراقبني ولا ايه؟!! ...
تنفست بعمق محاولة تهدئة نفسها ثم أكملت وهي تبسط بيدها علامه له أن ينصرف :
اتفضل من هنا بدل ماندهلك أمن المكان ...
رفع عصام حاجبه الأيسر بشر بعد إحساسه بالإهانة من حنين ، فكيف لها أن تتكلم معه وتحرجه هكذا أمام صديقتها ، فهذا المغرور يرى أنه فرصه لأي فتاة وإشارة منه كفيلة بأن تركع أمامه مَن يختارها .. هه أبله فهو يرى أنه لا يقاوم ....
لا يعلم أن الفتاة أميرة لا تميل إلا لمن يتوجها على عرش قلبه ويعاملها كأغلى و أندر الجواهر ...
رد عليها بتعالي و سماجه وهو ينفث دخان سيجارته و يضع ساقا فوق الأخرى بكبر :
انا اقعد مكان ما يعجبني ومع البنت ال تعجبني .. وانا قلت لك قبل كده انتي عجباني ..و لعلمك أنا بعمل ال عاوزه وبس ..
ثم أكمل وهو يميل عليها قليلا تحت ابتعاد جسدها للخلف من هذا المعتوه:
سيبك من كل الهري ده يا قطه .. تحبي نكمل كلامنا وسهرتنا هنا ولا نغير المكان احسن .. ولو ع صاحبتك نوصلها ف طريقنا
قالها وكأن هذا أمرا واقعا سيحدث لا محاله، متجاهلا نفورها الواضح بشدة على ملامحها الرقيقه و فوران داخلها الذي انتقل لوجهها باحمرار واضح ....
و مرام جحظت عيناها من طريقته الوقحه في الحديث معهما ، ف بأي حق يتكلم مع حنين هكذا؟ أيعتقد أنها لقمة سائغه لمعيشتها فترة بالخارج؟، كادت أن ترد عليه بدلا من حنين لكنها فوجئت بمن تنتفض من مقعدها بغضب عارم و هي تقول بصوت عالٍ نوع ما مكسرة عن أنيابها :
انت اتهبلت ف مخك يا حيوان انت.. انت فاكرني من الناس ال vulgar
ال تعرفهم .. لا فوق واعرف انت بتكلم مين بدل ماعرفك انا مقامك ومش هيهمني حتى احنا فين .. انا مش بنت ضعيفه ولا منحله يا حضرت ..
لوحت بسبابتها محذرة إياه للمرة الأخيرة بحزم و قوة : لآخر مرة هنصحك ...اياك توريني وشك تاني ف أي مكان وإلا ما تلومش غير نفسك
نظرت له من أعلاه لاسفله باشمئزاز و قالت :
اشكال غريبه الواحد بيقابلها ف حياته والله .. يلا يا مرام المكان بقى خنيق قوي فجأة .. اوووف
نظرت له مرام بشماته وقالت وهي تغادر مع حنين :
فعلا الأكسجين خلص مرة واحده تعالي نروح احسن
كان اغلب مَن بالمكان ينظرون إليه باحتقار و بنظرات شامته و خاصة رفقائه الذين أطلقوا ألسنتهم فيما بينهم بطريقة واضحه عليه ، استقام سريعا بعدما تصاعد غضبه أضعاف من فعلتها ومما رأى في أعين الجميع ، كان يدهس الأرض بغل وهو يتمتم بغيظ وتوعد :
وحياة ابوكي لاعرفك انا ابقى مين يا بنت كرم عثمان
هرول خلفها حتى لحق بها أمام سيارتها وقبل أن تصعد كان يلفها من ذراعها بعنف لتواجهه ثم هدر بها بعنف:
بت انتي رافعه مناخير اهلك لفوق كده ليه .. بقى انتي هتوريني انا مقامي .. طب انا بقى ال هعرفك تمامك و هاخدك دلوقتي وهاتقعدى معايا مكان ما أحب وغصب عنك
صرخت مرام بفزع ، و خرج السائق سريعا ليدافع عن ربة عمله، ولكن هذا الوقح كان أضخم منه ف البنيه ، و لكمه في أنفه بقوة بظهر يده لكمة ارتد للخلف أثرها و عندما رأى نزيف أنفه خاف وهرب و ترك الفتاتين وحدهما كالجرذ الجبان.
سحب عصام حنين من معصمها كي يتجه بها لسيارته لكنها باغتته بضربه لها بحقيبتها في ركبتيه كي يتركها ، وقبل أن تكمل كان هناك مَن ظهر من العدم ليمسك بيد عصام الممسكة بحنين و يضغط على رسغه بقوة وبطريقه مدروسه وهو ينظر له بتحدٍ ، ارتخت قبضة عصام قليلا فسحب هذا الرجل حنين خلف ظهره و فاجأ عصام بضربة قوية في وجهه تلتها أخرى وأخرى بسرعة و شراسة على كل جانب وبمنتهى المهارة ، لم يعطه مجالا للرد ،كاد أن يفقده توازنه وهما يتراجعان سويا خطوة فخطوة حتي سقط عصام على ركبتيه أرضا فاقدا الاتزان تماما و ربما الوعي أيضا ، بصق عليه هذا الرجل بسخط ثم عاد سريعًا ل حنين وهو يتفحصها بلهفه تحت نظراتها و نظرات مرام المندهشه ثم قال بلهاث وهو ناظرًا بعينيها بتركيز :
انتي تمام .. عملك حاجه الحيوان ده ..
و سأل بفضول : هو مين ده يا حنين وعاوز منك ايه ؟!
كانت حنين ناظرة له بصدمة ثم التفت هو على صوت مرام المستغرب وجوده وهي تقول :
حازم انت ايه اللي جابك هنا .. عرفت منين إننا هنا أصلا ؟!!!!
أجابها حازم بثبات: أبدا يا مرام كنت ف مقابله مع حد معرفه هنا وكنت ماشي شفتكم صدفه مش اكتر
فاقت حنين من صدمتها على كلماته وتحولت نظرتها لتساؤل وهي تقول : واسمي عرفته صدفه برضه ولا من مرام
ابتسم لها وقال : اه منها .. دنى قليلا منها وتحدث بخفوت و بنبرة بدت حنونة وكأنه يعرفها من زمن وبينهما أسرارا : شكلك بتنسي .. بس أنا هفكرك...
نظرت له بدهشة فابتسم واكمل : لما اتقابلنا المرة ال فاتت وسألتك مرام قالت اسمك
رفع رأسه و هو يحثهم ع التحرك قائلا : ممكن تمشوا بقى قبل الكلب ده ما يفوق تاني ..مش وقته كل الاسئله دى!!
لم يلحظ أحد ذلك الوغد الذي تحرك بعدم اتزان و اتجه لسيارته وأخرج منها مسدسه ناويًا على الانتقام لكرامته المهدورة بتهور دون حساب أي عواقب....
التفت حازم على صوت شد اجزاء المسدس مع كلمات عصام الحاقدة : عاملي دكر يا روح امك ...طب اتشاهد بقى... وبرضه هاخدها
مع اخر كلماته انطلقت تلك الرصاصة الغادرة متجهة إلي أعلي صدر حازم ، الذي ما إن راي عصام لم يشعر بحاله إلا وهو يخبئ حنين خلفه ويلف يديه حولها بحماية ليغطيها بجسده تمام كي لا يصيبها مكروه، سكنت الرصاصه جسد حازم الذي لم يهتم سوى بأن يتحرك بها للخلف وهو على نفس وضعه خطوتين ليصل للسيارة ويدفعها بها ، وهو يهتف لمرام أيضا : خديها وامشوا بسرعه يا مرام .. خليها تسوق وامشوا بســـــرعه
تمسكت حنين بقميصه أكثر فأكثر رافضة تركه ، و بداخلها صوت متسائل قوى، لِمَ؟!! أيعقل أنك مستعد بالتضحيه بحياتك من أجلي؟!
مَن أنت ؟!
أما عصام هرول كالجبان للسيارة هاربا بفزع عندما وجد بعض المارة وأمن المكان قد انتبهوا لصوت الرصاص في هذا الشارع الهادئ، فهرولوا نحوه مسرعين إلا أنه كان الأسرع في ركوب سيارته والفرار بها ، فلم يتمكن الآخرون من الامساك به أو معرفة هويته ....
وحنين فرفضت بشدة ترك حازم الذي بدأ يفقد المزيد من الدماء، مما جعله ينحني للأمام قليلا متألما وهو يضع يده على صدره محاولا سد مكان الرصاصة ، انضمت مرام لجانبها و أدخلتاه الفتاتان في المقعد الخلفي من السيارة، واستقلت حنين أمام المقود و انطلقت بسرعه لأقرب مشفي و هي تشعر بأعصابها تتلاشي شيئا ف شيئا ...
كل هذا حدث في دقائق معدودة بنمط سريع للغايه ، وصلا للمشفي القريبه و ذهبت مرام تستنجد بالتمريض في المشفي بينما حنين توجهت إليه لتساعده في النزول وهي حتى الان لا تستوعب ما حدث معهم ....
هرول الممرضون وحملوا حازم للداخل ، و هاتفت مرام أخيها تخبره بما حدث .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سار كرم و زوجته داخل هذا الرواق بقلب وجل وخطوات واسعة فقد تجهزوا في دقائق معدودة بعد تلقي كرم اتصال المشفى ، ثم اقتربا مهرولين نحو حنين عندما رأوها جالسه بقلق على أحد المقاعد أمام غرفه العمليات ، جذبها كرم ليحتضنها بقوة وهو يردد :
مالك حبيبتي حصل ايه .. انتي كويسه !!
سحبتها ناديه من يده إليها وهي تحتضنها وتتفحص جسدها قائلة:
حصل ايه يا حنين طمنيني يا روحي .. فيكي حاجه .. هاااا ايه الدم ال ف ايدك ده... انتي فيكي ايه
نظرت ليدها بخوف ثم رفعت نظرها لوالدتها وهزت رأسها بتيه قائلة:
انا كويسه يا ماما... شهقت ببكاء و ارتمت داخل أحضانها مرة أخرى وقالت باختناق من بين شهقاتها :
لا لا مش كويسه ...ده..ده دم حازم .. اضّرب بالنار بسببي .. قولي لي أنه هيبقى كويس .. ااا ... هاااا....انا خايفه يا مامي
نظرت ناديه لكرم باستغراب و قلق معتقدة أن ابنتها متسببه في حادث لاحدهم مثلا ، لكنها ظلت تهدهد حنين المرتجفه بحنان حتي تهدأ قليلا، و ما أن تماسكت نوعا ما اخذت بيدها وتوجهت بها مع زوجها لأقرب مقعد، نظر لها كرم باهتمام وقال:
ممكن تفهميني يا حبيبتي ايه ال حصل بالظبط .. مين حازم .. وليه هنا بسببك؟!! .. قولي لي يا بابا ايه ال حصل عشان اقدر اتصرف ...
أومأت حنين موافقة و سردت على والديها ما حدث معها بدايه من تطفل هذا الوقح عصام عليها منذ أن كانت مع مرام حتي وصولهما إلى المشفى و دخول حازم غرفه العمليات....
انتفض كرم بغضب عارم وهو يصيح:
الحيوان ده مش عارف بيتعامل مع مين ... إن ماودتهم ورا الشمس هو وأبوه مابقاش أنا .. اقسم بالله لادمرهم .. و بلطجة ببلطجه ..
واسترسل بلوم لابنته:
وانتي يا حنين ازاي ما تتصليش عليا فورا وتبلغيني .. كده يا بنتي تسيبيني مرعوب من مكالمه المستشفي وانا مش عارف فيكي ايه...
اتت مرام على صياح كرم و خلفها عادل وأيمن ، فقد كانت تنتظرهم بالاسفل ، اقتربت من كرم وقالت له بعدما استمعت لآخر حديثه:
انا ال غلطانه يا كرم بيه .. حنين كانت أعصابها بايظه خالص و مرعوبة و فونها ف العربيه وانا يادوب اتصلت باخويا و كنت هكلم حضرتك بس الفون فصل شحن .. ف بلغت الاستعلامات يكلموا حضرتك عشان تيجي
تكلمت ناديه لتهدئ زوجها : خلاص يا كرم ارجوك مش وقته الكلام ده .. اهدى شويه بس لحد ما نطمن
عادل متدخلا في الحوار وهو ينظر لاخته: ممكن أنا اعرف ايه ال حصل بالظبط .. قلتي حازم ف المستشفي تعالي الحقني ... اديني جيت .. ايه ال وصلكم لهنا وقابلتوا حازم فين .. ممكن افهم
اومأت مرام بتفهم : هحكيلك كل ال حصل والله .. الموضوع كله كان صدفه وهو ال طلع قدامنا فجأة و...
سردت له ما حدث في عجاله وعندما انتهت قالت : هو ده كل ال حصل والله العظيم ...
سألها أيمن باهتمام : طب محدش قالكم.. الاصابه فين بالظبط قبل ما يدخل العمليات يا مرام
نفت مرام برأسها قائلة : احنا مانعرفش أي حاجه... هما خدوه بسرعه فحص وبعدين عمليات عشان يطلعوا الرصاصه .. احنا مستنين من ساعه ما دخل بس محدش طلع يطمنا
اومأ أيمن وقال : تمام تمام ثم نظر لعادل واكمل : بقولك ايه انا هروح اشوف اي حد هنا اعرف منه الحاله ونتيجة الفحص قبل دخول العمليه يمكن اعرف اوصل ل حاجه ..
اقترب من أذن عادل قبل أن ينصرف وهمس له بتعقل بعدما رأى شرارات الغضب تتطاير بين مقلتيه :
امسك العقل كده وبلاش تهور بعينيك ال هتطلع نار دي... البت دي شكلها مهمه عند حازم .. نطمن عليه بس و بعدين نفهم .. لو خرج رن عليا اجي عشان اتابع مع الدكتور
ثم ربط على كتفه وانصرف ، أما عادل كان ينظر نظرات متحفزة لحنين ، يعتبرها السبب الرئيسي فيما حدث لصديقه الغالي، وجه كلامه لها قائلا :
لو عندك اي حاجه تعرفيها عن ابن الكلب ده ياريت تقوليها... لاني مش هرحمه ولا هرحم ال تبعه.. انا كده كده هجيبه هجيبه بس لو تقدري تساعدي أن أوصل اسرع يبقى احسن.. ده لو يهمك أنه ياخد جزاؤه يعني
سبقها والدها ف الرد عليه بحدة بعدما لم يعجبه تلميح عادل المبطن لعلاقه ابنته مع هذا الوقح:
بأي صفه بتتكلم مع بنتي كده يا بني ادم انت .. انت مش عارف هي مين ولا ايه .. وايه التحقيق ال فتحته من ساعه ما جيت ده ..الاول قلت معذور قريبه وقلقان .. لكن توصل التجريح والتلميح ف كلامك مش هسمح لك ...سااامع
جذبت مرام يد أخيها وسارعت بالرد بدلا عنه ، فهي تعلم عصبيه وتهور عادل خاصة عندما يتعلق الأمر بالأقربين وهو ما كان يتراقص داخل عينيه وملامحه مع ظهور هذا العرق النابض جانب عنقه بقوة معلنا عن تصاعد الدماء الغاضبه لوجهه ، فقالت محاوله تهدئة توتر الأجواء :
ده عادل اخويا يا كرم بيه.. وصاحب حازم واكتر من اخوه .. وكمان ظابط شرطه فبيسأل كده عشان يلحق يقبض على عصام وياخد جزاؤه ما يقصدش حاجه وحشه ابدا
عقب كرم بحزم : برضه في طريقه و اسلوب احسن من كده يتكلم بيهم مع ولاد الناس .. هو فاكرنا مجرمين ولا متهمين عنده ولا ايه .. والله اللي يشفع له عندى بس هو انك ف مقام بنتي وكمان الموقف الشهم بتاع الولد ال جوه ده غير كده .. إااا
لم يكمل حديثه عندما نفض عادل يد مرام بعد أن وصل لأقصى درجات ضبط النفس و حين انفلت زمان الأمر هدر بعصبية : كمااان انت ال بتهدد .. هو في ايه يا جماعه هو....
لم يكمل حديثه فقد التفت الجميع بانتباه عندما فُتح باب غرفه العمليات و خرج منه الأطباء ، هرول الجميع تجاههم ووقف الطبيب المسؤول فنطق عادل أولا بلهفة : طمني يا دكتور من فضلك... الاصابه مكانها خطير ولا حاجه
تحدث الطبيب بعملية شارحاً : الحمد لله الرصاصه كانت أقرب للكتف اكتر من الصدر ..وهو بنيته قويه و ده ساعد كتير أن مايكونش في ضرر كبير ... عامه الحمد لله اطمنوا بسيطه و الرصاصه خرجت وهو خارج دلوقتي وهننقله لاوضه عاديه عن اذنكم
تركهم الطبيب وانصرف إلا أنه تقابل مع أيمن أثناء قدومه إليهم ووقف يتحدث مع الطبيب ليفهم وضع صديقه جيدا ، ثم توجه لمكان وقوف عادل والجميع
خرج حازم بعد دقائق على هذا السرير النقال و كانت تتبعه أعين حنين بالكثير من الإمتنان و القلق ، تم نقله لغرفته في المستشفى ، و لحق به الجميع ليطمأنوا عليه ، ماعدا كرم الذي انصرف بهدوء ليتكفل بحساب المستشفى ويقوم ببعض اتصالاته لمتابعة ما سيحدث مع هذا السفيه عصام ....
كان حازم ممدا على الفراش و عادل وأيمن أمامه و مرام و ناديه بجانب حنين المتوترة بشدة، كن يجلسن على تلك الاريكة الموضوعه بإحدى جوانب الغرفه ، و كان حازم يهمس ببعض الكلمات الغير مفهومه قبل أن يفيق ، مما جعل حنين تقطب جبينها باستفهام وفضول لمعرفه ما يقول ، فرغم ما بها من مشاعر مخيفة مضطربة إلا أن كل نظراتها تراقب حازم بدقه و دون وعي منها ، تنتظر أن يفتح عينيه بفارغ الصبر ، تريد أن تراه بخير ، ربما لشعور بالذنب تجاهه أو ربما اااا... اممممم ... لا أعلم...
فتح حازم عينيه ليجد صديقيه أمامه وهما يبتسمان براحة له ، كانت عيناه تبحثان عنها وعندما لم يرها أمامه ظن أنها ذهبت ، و تنهد بخيبه أمل ، فالتقط أيمن تنهيدته بخبث ومال على عادل وهمس : بقولك ايه الواد ده وراه حكايه مع الحلويات بتاعته
تكلم عادل بعدم فهم و بنفس الهمس : حلويات ايه يابني... أنت سخن يلا ولا ايه
نظر ايمن بحنق و همس ب : يا عم ما تركز معايا ... امال ظابط ونيله .. صاحبك شكله طب ..
غمز يشير للراقد أمامهم بإحباط وهو يسترسل :
طب بص عليه كان بيدور ع البت ال مع اختك بعينيه و لما ماشفش غيرنا قلب وشه
ظن عادل أنه يمازحهم كعادته فنظر له بضيق وقال : يا عم احنا ف ايه وانت ف ايه ...بطّل ياعم
تحدث أيمن بعناد : مش مصدقين... طب استنى هوريك
وجه نظره لحازم ثم قال مشاكسا : حمد الله ع السلامه يا صاحبي .. يا عم مش عارف تتخانق ..الحمد لله بسيطه يا حبيبي .. امال فالح تقولي الحلويات مضرة وبتاع اهو انت ال طلعت مالكش تقل عليها ...
ضحك باستفزاز تحت نظرات عادل المستفهمه ، ولكن زال استفهامه عندما وجد حازم يحاول أن يعتدل بعصبية وهو ينظر لايمن قائلا: ولا ما تتلم مش ناقصاك هي يا ابن ال....
لحقه أيمن قبل أن يكمل سبابه : بس بس يابني أهدى معانا بنات
قالها غامزا بعينه لحازم وهو يشير برأسه تجاه حنين والبقية، ثم نظر أيمن لعادل بمعني أرأيت ؟!! ، أما عادل كان يفتح فمه متعجبا لأمر صاحبه الذي لم يهتم من قبل بفتاة والمعروف عنه رزانته دوما ..
نظر حازم تجاه حنين وغاص بعينيها ثم تنحنح وتكلم بنبرته الرجوليه المميزة :
متشكر جدا يا انسه حنين ع تعبك معايا
ردت حنين برقه وصوت مبحوح قليلا أثر البكاء : ماتقولش كده يا استاذ حازم ...انا ال مش عارفه اشكر حضرتك ازاي..انت كنت هتضحي بنفسك عشان تحميني .. بجد مش لاقيه كلام اشكرك بيه ..
كانت تتأمله بعينيها هي الأخرى وهي تحدثه وكأن كل منهما ينجذب للآخر دون وعي بزمان أو مكان أو أي ممن حولهما، كانت عيناي أيمن وعادل تتابعان حديث حازم وحنين وهما يتنقلان بينهما ببلاهة و اندهاش وكذلك مرام.....
اما ناديه فتكلمت شاكرة إياه بذوق و رقي:
مش عارفه أشكرك ازاي يا أستاذ حازم علي شهامتك دي .. حقيقي احنا مديونين ليك بحياة بنتنا .. كل الكلام اكيد مش هيوفيك حقك .. انا بشكرك مرة تانيه
قال حازم باحترام : مافيش داعي للشكر يا مدام .. انا عملت ال اي راجل ف مكاني لازم يعمله ..
نظر لحنين بتفحص وقال: المهم أن انسه حنين بخير و كويسه
خجلت حنين من نظرته ونظرت أرضا بخجل ، في نفس الوقت تقدم منه عادل و أيمن محاوطان إياه من كل جانب بمرح ثم همس عادل له : ما خلاص يا نحنوح .. ايه ده يا زومي اول مرة اعرف انك كده يلا
شاركه أيمن المزاح بهمس هو الآخر : بركة الحلويات يا دوله .. اااه اوعدنا يارب
تكلم حازم هامسا : ما خلاص يا خفيف انت وهو في ايه ..
ثم اكمل مغيرا الحديث وهو ينظر لأيمن بجدية :
ايمن بقولك ايه ظبط الدنيا مع الناس ال بره عاوز أخرج عشان امي
اومأ ايمن بموافقة : ما تقلقش انت... الحمد لله الدنيا تمام و جت سليمه ...هتبات النهاردة ف بيتك أن شاء الله ...وانا هعدي عليك واتابعك بنفسي ابسط يا عم
قال عادل براحه قبل أن ينهض : طب الحمد لله ...بقولك انا هروح اشوف الموضوع وصل لفين بره عشان نشوف هنجيب الزفت ده ازاي .. يلا شكله ابن حلال ويستاهل ال هيجرى فيه
لحقه حازم وهو يؤكد عليه ما يريد : لا يا عادل.. انا عاوز الموضوع يخلص بهدوء ومش عاوز محاضر ولا شوشرة ... اكيد الوسخ ده لو اتمسك هيهلفط بكلام زفت على حنين .. من دلوقتي انا عاوزك تخلص الموضوع ده كأن لم يكن
سمع كرم كلام حازم وهو يدلف من الباب ليطمئن عليه أيضا ، نظر له بإعجاب على موقفه وخوفه على سمعة ابنته
اعترض عادل باستنكار : ايه ال بتقوله ده يا حازم انت هتسيب حقك ... من امتى ده يا عم ..
و أضاف بعناد : انا بقى مش هسيبه ولا هرتاح إلا لما الواد ده يتربى وعلى ايدى .. انت متخيل أن الرصاصه كان ممكن تيجي ف قلبك لولا ستر ربنا .. وتقولي هدوء ده مش هيطلع ع أمه شمس
حازم بنفاذ صبر وتصميم : عادل ممكن تعمل ال بقولك عليه... انا ياعم مش عاوز حكومه وحقي هعرف اجيبه ما تخافش .. اقوم بس ونتكلم سوا ونظبط .. ما تتعبنيش بقى ... كل ال عاوزك تعمله انك تتأكد أن اسم انسه حنين ما يبقاش موجود في حاجه
نظر له عادل باستسلام فهو يعلم رأسه اليابس ، وهز حازم رأسه له بتأكيد ، فتنهد عادل و ذهب لينهي ما طلب منه صديقه
تقدم كرم من حازم وتحدث بامتنان : مش عارف اقولك ايه .. أو اشكرك على ايه .. انت حميت حنين مرتين مش مرة واحدة .. اطلب أي حاجه وانا انفذها لك .. صدقني ال عملته ده دين ف رقبتي ما يتنسيش
تحدث حازم بصوت بدأ يظهر به التعب : ابدا مافيش دين ولا حاجه .. انا عندي اخوات بنات وسمعتهم بالدنيا عندي .. مافيش داعي لاي شكر
نظر لايمن و اكمل : شوف لي الخروج يا بني انا عاوز ارتاح ف البيت
رد ايمن بموافقه : تمام حالا اهو وعقولهم يجيبوا لك مسكن قوي لان شكلك بدأت تتعب .. ومش ناقصين ندخل على امك البيت وانت كده .. تقيم علينا الحد والله
اتجه ايمن للخارج ، في حين تحدث كرم لحازم مرة أخرى:
لو حابب أي تعويض انا مستعد لاي مبلغ وحالا و تكاليف المستشفي انا دفعتها كامله .. وبالنسبه للكلب عصام ف حسابه تقيل معايا هو وأبوه
رد عليه حازم برجوله وكبرياء : شكلك قريتني غلط يا استاذ... انا لا مستني منك فلوس ولا عملت ده عشان عاوز منك حاجه ... وتكاليف المستشفى دى أخرج بس وهتبقى عندك كلها .. والكلب اللي بتقول عليه انا برضه هعرف اخد منه حقي كويس قوى ...بس بدون شوشرة لبنت حضرتك
قال كرم وقد زاد إعجابه لحازم : انا اسف لو جرحتك بكلامي .. ماقصدش .. انا كنت بحاول اعوضك واشكركم مش قاصد اهانتك ابدا .. واعتبر اني ماقلتش حاجه خالص .. اما موضوع التكاليف فاعتبر ان والدك ال دفعها لك .. كنت هتحاسبه برضه!!
شكره حازم بقوله : شكرا يافندم ...بس حقيقي انا مش قابل اي فلوس احس انها مقابل لموقفي مع بنتك و ارجوك اعفيني عشان اكون مرتاح
أجابه كرم بتسويف: نتكلم بعدين لما تبقى احسن... دلوقتي احنا نطمن عليك ونوصلك واكيد هنتقابل تاني ونتكلم... ماشي يابني
هز حازم رأسه برضوخ وقد زاد الألم عليه ، وقد لاحظت حنين هذا على تعابير وجهه المتعبة فقد كانت لا تستطيع إيقاف عينيها عن متابعته و تستمع جيدا لكل ما قال ، وتستعجب أكثر واكثر من هذا الحازم ، و من هذا الشعور الذي يتسلل داخلها الآن وبقوة...
ذهبت إليه ثم دنت منه قليلا وهي تتفحص ملامحه الوسيمة بإعجاب فضحته مقلتيها و تكلمت باهتمام : انت شكلك تعبان... انده للدكتور يشوفك
تحدث حازم بنبرة سعيدة رغم ما يعتريه من الم و تعب : كنت .. كنت تعبان .. بس لما كلمتيني وسمعتك بقيت احسن كتير
اهدته حنين ابتسامه رقيقه أذابت حازم مع حديثها المتسائل الموجه له بنبرتها الناعمة : انت غريب قوي على فكرة!!! .. من اول مرة شوفنا بعض بتعمل وتقول حاجات كأننا نعرف بعض قبل كده ..
تنهدت وأكملت بعرفان : عموما انا مش عارفه اشكرك ازاي علي تاني موقف ليك معايا .. ميرسي ميرسي كتير
حدث بها بتيه و هو يقول : لا براحه عليا كده مش متعود على طريقتك دى... انا واخد على طريقه خالتي نعيمه ..هههه...
ثم استطرد بصوت منخفض قليلا : اقولك على سر... انا فعلا اعرفك قبل كده
تطلعت حنين له باندهاش مما جعل عينيها تتسع أكثر أمامه ويزداد جمالهما وبريقهما وكأنها بحاجه أن تسحره اكثر مما هو عليه، ثم قالت بصوت منخفض مماثل يكسوها الدهشه : بجد .. طب ازاي انا مش فاكرة اني قابلتك خالص قبل كده .. و عمري مش جيت عندكم إلا مع مرام من يومين ..
وطلبت بنبرة راجية: ممكن تقولي تعرفني ازاي !!
ابتسم حازم على منظرها اللطيف القابل للالتهام ، ثم استرق النظر تجاه كرم وناديه ومرام ، وجدهم ملتهين بالحديث ولم يلاحظوهما فتوجه بنظره إليها وقال : هقولك...