رواية براعم الحب الفصل الثاني والاربعون42 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل الثاني والاربعون42 بقلم رشا عبد العزيز
لم تكن الحياة يوماً وردية، ولم تكن يوماً ثابتة الهوية، فما بين انعطافاتها تِهنا، نبصر تقلبها بقلبٍ متوجس.

فيومٌ في القمة وآخر في القاع، ويومٌ على جبلٍ وآخر في وادي صراع، ما بين هذا وذاك، لكن لا ننسى تلك المساحة التي نقف فيها، نتنفس الصعداء وننعم بهدوء نتمنى أن يطول، لتتلون حياتنا بألوانٍ ربيعية يسكن فيها القلب ويرتاح، وربما طوق النجاة ما بين أمواج هذه الحياة هو الرضا والحمد والقناعة أن كل حوادث الحياة وتقلباتها هي أقدار كتبها الله لنا، فلنغمض أعيننا بأمان ونسأل الله الخير فيما هو آت.

كان منهمكاً في عمله المتراكم، يسابق الوقت لينجز أكبر قدرٍ منه حتى يستطيع أن يفي لها بوعده.

فليست وحدها من تحتاج إلى تلك الإجازة، هو أيضاً يحتاجها لينعم بذلك الحب وهذه السعادة التي يعيشها معها اليوم ولن يشبع منها أبداً.

رفع عينيه عن حاسوبه عندما سمع طرقاتٍ على الباب أتبعه دخولها إليه مبتسمةً، خفق قلبه لرؤيتها.

_ حبيبي خلصت؟

نظر إلى ساعة يده وأشار لها بالجلوس.

_ لسه قدامي ربع ساعة تقريباً يا روحي، استنيني هنا.

جلست على إحدى الأرائك تنتظره، وعاد هو إلى ما كان يفعله. أخرجت هاتفها تنوي أن تشغل وقتها حتى ينتهي من عمله، لكنها وجدت نفسها تتأمله فقط، قلبها يخفق له، كل شيءٍ فيه صار يسحرها. ابتسمت ساخرةً من نفسها، فيوماً ما كانت تمقته وتكره حتى سماع صوته، وها هي اليوم تعشقه وتعشق كل تفاصيله، وجهه، عيناه، قلبه، حنانه، عقله، هدوءه، خلقه، تعد ميزاته والقائمة تطول. تنهدت تحمد الله أنها اختارت أن تبوح له بحبها قبل أن تخسره.

لا تعلم لماذا دمعت عيناها، ربما فرحاً بوجودها قربه، فهو وهو فقط كل ما تتمناه.

التفت إليها يحاول أن يطمئنها أنه أوشك على الانتهاء، ليتفاجأ بعينيها التي تتأمله بعشق. ابتسم بسعادة ليسترخي جسده ويتأملها هو الآخر حتى قال يداعبها:

_ طب أكمل شغل إزاي أنا دلوقت؟

بادلته الابتسامة في صمتٍ وتركت عيونها التي اغرورقت بالدموع تجيبه، فأصابه القلق حينما لمح الدموع في عينيها. نهض من كرسيه واتجه إليها مسرعاً، جلس بجانبها يمسح تلك الدموع التي انسابت من عينيها ليسألها متلهفاً:

_ حبيبتي أنتِ بتعيطي ليه؟

أجابته بصوتٍ مخنوقٍ شق طريقه من بين دموعها قبل أن ترمي نفسها بين أحضانه وتنهار باكيةً:

_ كنت هموت لو بعدنا عن بعض.

تنهد بارتياحٍ واحتضنها وما ينطقه لسانها يداوي جرحه، بل يزيل ندبات الماضي عن قلبه:

_ وأنا كمان يا روحي مكنتش أعرف هعيش إزاي من غيرك.

أخرجها من أحضانه يقبل عينيها الباكية بحب ويمسح آثار الدموع عن وجنتيها بحنان:

_ خلاص يا قلبي احنا بقينا سوا ومش هنبعد عن بعض.

_ أنا بحبك أوي يا "حسين".

_ وأنا بموت فيكِ يا قلب "حسين".

غص قلبه بسعادة وهي ترمي نفسها بين أحضانه من جديد وتهتف راجيةً:

_ احضني جامد يا "حسين" حاسة إني بحلم.

احتضنها بقوة كما طلبت وأخذ يستنشق عبيرها بشغف وكأنه يريد أن يخبئها بين أضلعه:

_ مش بنحلم يا "قمر" دي حقيقة بس حقيقة جميلة وأحلى من الحلم كمان.

استسلما لسحر تلك اللحظة ولم يفلت يشبع أحدهما الآخر شوقه له، حتى انتفض عندما سمع طرقاتٍ على الباب.

أصابته الدهشة عندما حاول الابتعاد لكنها رفضت ليقول بحرج:

_ "قمر" حبيبتي الباب.

لكن تضاعفت دهشته عندما وجدها تتشبث بأحضانه أكثر، بل وزادت من ضمه بعناد بعد أن تكررت تلك الطرقات، وقبل أن تمتد يده ليبعدها عنه وجد الباب يفتح وتقف "سالي" متسمرةً في مكانها بذهول وعيناها مسلطة على "قمر" لتتلعثم بحرج:

_ أنا آسفة.

لم يجد هو كلمةً تسعفه كي يعفي نفسه من هذا الحرج ليظل صامتاً وتنسحب هي معتذرةً:

_ بعتذر أنا بس كنت ببلغك إني مروحة.

_ مع السلامة.

قالها بصوتٍ خجل. اتسعت ابتسامته بتعجب عندما خرجت من أحضانه بعد سماعها لإغلاق الباب، تنظر إليه بظفر، فقد حققت هدفها وأوصلت رسالتها لـ "سالي" كي تضع حدوداً لها، فهي اليوم كنمرةٍ شرسةٍ تدافع عن حبيبها.

نظر لها فانطلقت ضحكاته ليسألها من بينها:

_ أنتِ كنتِ عارفة إن "سالي" على الباب؟

هزت رأسها بثقة:

_ أيوه.

ضيق عينيه يسألها بتعجب:

_ طب ليه قصدتِ تعملي كده؟

رمقته بنظرةٍ مستهجنة وقالت بضيق:

_ نظراتها ليك مش عاجباني.

غمز لها مبتسماً:

_ بتغيري عليا يا حبيبي؟

ربعت يدها على صدرها وقالت بتحدٍ:

_ أيوه بغير وبغير أوي وغيرتي وحشة بلاش تجربها يا "سونة".

أنعشه حديثها ليقرص وجنتها ويهتف مبتهجاً:

_ حبيبي يا ناس بيغير عليا.

أزاحت يده عنها بامتعاض وقالت حانقةً:

_ ومش من حقي أغير مش جوزي وحبيبي؟ وبعدين متنكرش هي واخدة عليك أوي وأنا بصراحة مبحبش كده.

أسعدته بحديثها الذي يظهر غيرتها عليه، حتى أنها انتبهت لتصرفات "سالي" معه، إذن كانت تهتم لأمره وتحبه منذ زمن، ليقرر ملاعبتها قليلاً:

_ حبيبتي عادي احنا كنا زملاء وبعدين اشتغلنا سوا وهي شاطرة وأنا اعتمدت عليها، فيه عشرة بينا فطبيعي تاخد عليا ويكون بينا كيميا في الشغل.

ما إن أنهى حديثه حتى صرخ متأوهاً عندما باغتته تلكم ذراعه:

_ وكمان عمال تتغزل فيها وبينا كيميا!

دعك ذراعه يقهقه ضاحكاً على ملامحها المتعضة ليحتضنها، لكنها تملصت من أحضانه بعناد ليمسك كتفيها يثبتها:

_ يا عبيطة أنا عمري ما شفت ست غيرك، أنا اكتفيت بيكِ عن كل ستات العالم.

ظلت تطالعه بعبوس ليلتقط أنفاسه يخبرها بنبرةٍ حازمةٍ حملت صدق صاحبها:

_ ما تخافيش يا "قمر" أنا عارف حدودي كويس ومش بسمح لحد يتعدى حدوده معايا.

ثم ضرب بسبابته على جانب رأسه:

_ يعني طمني بالك... أنتِ اللي في القلب.

لانت ملامحها قليلاً وزمت شفتيها بانزعاجٍ طفولي تخبره بدلال ويدها تعبث بسترته:

_ بس أنا بغير يا "سونة".

أحاط وجهها بكفيه ينظر لعمق عينيها بحب بعد أن داعب دلالها أوتار قلبه:

_ أنتِ قلب "سونة" وروح "سونة"، صدقيني مافيش ست ممكن تحرك مشاعري ولا قلبي هيرف لغيرك.

"سالي" زميلتي وموظفة هنا وبس، صدقيني عمري ما شفتها غير كده.

أنا بحبك يا "قمر" وحرمت على قلبي حب غيرك، قلبي بينبض باسمك بس.

انحنى نحوها يقبل جبهتها كأنه يختم على صك حبها إلى الأبد:

_ وأنا كمان بموت فيك.

مال عليها أكثر ليرن هاتفها قاطعاً تلك اللحظات بينهم، ابتعدت تلتقط الهاتف وتجيبه بحرج ليخرج صوتها مضطرباً بعد موجة المشاعر المتأججة داخلها:

_ أيوة يا "ورد" لا مش مختفية ولا حاجة بس مشغولة في الشغل.

كان يكتم ضحكاته وهو يزيد من ارتباكها، يشاكسها يقرص وجنتها ثم يقبلها وهي تشير له أن يتوقف بحرج، فقد تلعثمت كلماتها بعد أن ضاعت بين مزاحه والإنصات لـ "ورد" التي تتعجب غيابها لتضطر إلى إنهاء المكالمة بسرعة:

_ هكلمك بعدين يا "ورد" "حسين" بينادي عليا، حاضر حبيبتي، مع السلامة.

أغلقت الهاتف ليقهقه ضاحكاً من ملامحها المغتاظة تخبره بخجل:

_ "ورد" شكت إني متغيرة كله بسبب حركاتك ضيعت تركيزي.

قالتها تضرب صدره بخفةٍ تلومه بلطف ليمط شفته يستهجن خجلها:

_ يا مجنونة أنتِ مراتي خلي اللي يشك يشك م...ر...ا...ت...ي.

قالها ببطء صاحبته الفكاهة لتبتسم وتلك الكلمة تطرب مسامعها وتعزف أجمل الألحان على أوتار قلبها العاشق لتقرص وجنته تضغط على أسنانها تخرج كلماتها من بينها:

_ يا قلب مراتك بحببببببك.

_ حبيبتي يا ناس...

جذب يدها يحثها على النهوض ليغادرا المكان وقال مازحاً:

_ يلا يا "قمر" نروح بيتنا أحسن كده هنتمسك بفعلٍ فاضح.

ضحكت على تعبيره ثم نهضت تتأبط ذراعه بسعادة.

أما على الجانب الآخر كانت تسير بسيارتها بلا هدف ومظهر زوجته بين أحضانه يتكرر أمامها ترافقه دموعها التي لم تتوقف. كان ذلك المشهد كصفعةٍ تعيد لها عقلها بعد أن تمزق قلبها أمام تلك الحقيقة التي كان يرفض تصديقها، "قمر" اليوم تثبت لها ملكيتها له.

غبية هي، لطالما كانت متأكدةً من حبه لزوجته، لكن قلبها الخائن كان دوماً يوهمها ويرفض التصديق أنه لم يعد لها فرصة، فلتفهم أنه اليوم ملكٌ لغيرها. مسحت دموعها بعنف ورددت كأنها تحاول أن تحفظ الدرس:

_ افهمي يا "سالي" خلاص "حسين" مش نصيبك.

أوقفت سيارتها جانباً لتسند رأسها على المقود وتنهار باكيةً بحرقةٍ تردد تلك الجملة عل قلبها المحترق بقهرٍ يستوعب تلك الحقيقة:

_ "حسين" مش نصيبك.

لا تعلم كم من الوقت مضى قبل أن ترفع رأسها وتضع خصلات شعرها التي رطبتها الدموع خلف أذنها وتكفكف دموعها حتى هدأت شهقاتها عازمةً على تنفيذ قرارها.

***************************'' '

كان يلملم أدواته ويهيئ أخرى، يراقب في جهازه اللوحي لائحة المواعيد، ثم دعك رقبته بإرهاق وحركها يميناً ويساراً على ذلك التشنج يهدئه. عاد يطالع الجهاز ليتنهد بارتياح فقد كان ذلك آخر موعد حتى تفاجأ بمساعدته تخبره أن هناك حالةً مستعجلة، زفر أنفاسه بثقل وقال بتعب:

_ خلاص خليها تدخل.

فتح الباب ليتفاجأ بها تقف أمامه تخبره بابتسامةٍ عريضة:

_ مفاجأة.

نهض يستقبلها بسرور:

_ حبيبتي إيه المفاجأة الجميلة دي؟

احتضنها مرحباً لتبتعد عنه قليلاً وأحاطت رقبته تسأله بغنج:

_ إيه رأيك في المفاجأة؟

_ بس إيه السبب؟ أوعي تقولي إنك عندك مشكلة، سنانك زي الفل أنا بطمن عليهم كل يوم.

تبع حديثه يغمز لها بوقاحة لتضحك وتهز رأسها نافيةً:

_ لا أنا معنديش مشكلة، دكتوري شاطر متخافش عليه، أنا فيه حد جاي معايا وعاوز يشوفك.

قطب حاجبيه متعجباً وسألها مستفسراً:

_ حد مين اللي عاوز يشوفني؟

أمال رأسه ينظر نحو الباب خلفها:

_ هو بره مدخلش ليه؟

_ لا مش بره، تعالى نقعد يا دكتور عشان هو بعتلك رسالة.

ازدادت حيرته وبدأ القلق يتسلل إلى قلبه. جلس على الكرسي يطالعها بترقب وهي تفتح حقيبتها وتخرج منه رسالة أعطته إياها ليفتحها يقرأ محتواها بتوتر:

_ أنا عارف إنك مش عارفني، لكن أنا عارفك كويس وعارف قد إيه أنت إنسان طيب وحنون، ويمكن ده اللي خلاني سعيد ومطمن إني هكون في إيد أمينة هتحافظ عليا وأضمن إني هكون مرتاح.

ويا رب أكون أنا كمان عند حسن ظنك، مش هوصيك عليا ولا على والدتي عشان هي ست رقيقة وحنينة وبتحبك.

توقف عند هذه الكلمة ورفع عينيه إلى تلك التي تراقبه بشغف ينظر لها بوجوم قبل أن يعاود استكمال قراءة الرسالة:

_ مش هطول عليك ولا هوصيك أكتر تخلي بالك منها، ومعادنا بعد سبع شهور عشان نلتقي يا سي بابا.

إلى اللقاء يا أحلى بابا في الدنيا.

اتسعت ابتسامته بدهشة ليرفع رأسه نحوها يسألها متلهفاً:

_ أنتِ حامل؟

هزت له رأسها بعينٍ دامعة لينهض بسرعة يأخذها بين أحضانه ويشهق مبتهجاً:

_ ألف مبروك يا روح "زياد".

بادلته العناق وانهمرت دموعها بفرح:

_ الله يبارك فيك يا حبيبي، ألف مبروك لينا احنا الاتنين.

خرج من أحضانها ويديه تتحرك عليها بعشوائية يتفقدها بارتباك يسألها:

_ أنتِ حامل من إمتى وعرفتِ إزاي؟

ازدادت حركاته عشوائيةً يشير نحو الرسالة التي سقطت من يده ويقول وهو يضحك ثم يصمت بلا سبب يحاول استيعاب الخبر والفرحة تملأ عينيه:

_ آه... هو قال سبع شهور.

لطم جبهته بإدراك ضاحكاً من جديد:

_ أقصد أنتِ.

ثم تعلقت عيناه بها لحظات قبل أن تسيل دموعه رغماً عنه بسعادة ليعاود احتضانها يردد الحمد:

_ ألف حمد وشكر ليك يا رب... ألف حمد وشكر ليك على نعمتك... هكون أب يا "رحمة".

ضج قلبها بسعادة وواكبت سعادته:

_ أحلى أب في الدنيا يا حبيبي.

زاد من ضمها إلى صدره يحتضنها بقوة:

_ وأنتِ هتبقي أجمل أم يا روح "زياد".

***************************

أغلق المصحف ووضع مكانه وعاد يحاول الخلود إلى النوم، استلقى على سريره وأغمض عينيه وما أن أطبق أجفانه حتى اقتحم طيفها خياله، يتذكر ما حدث عندما طلب منه "راجح" أن يرى شجرة التين وما أصابها من مرض. دخل إلى حديقة المنزل واقترب من تلك الشجرة التي يبدو أنها شجرة عاشت سنين طويلة حتى افترشت أغصانها مساحةً كبيرة، اقترب من الجذع يتفحص ما بها، أمسك أوراقها يتفقدها وكما توقع أصيبت بصدأ التين، قلم الأوراق المريضة وأعد لها مبيداً خاصاً، ارتدى كمامةً وبدأ برش المبيد حول الشجرة، كان مندمجاً في رش ذاك الدواء حينما وجدها تندفع نحو المكان تحدث نفسها بانزعاج:

_ كل حاجة "بسملة" أنا زهقت.

ثم توقفت قليلاً لتبدأ بسعالٍ بشدة:

_ إيه ده إيه الريحة دي؟

ثم شهقت فزعةً عندما رأته أمامها لتصرخ بخوف:

_ أنت مين وإزاي تدخل هنا؟

ليجيبها بارتباكٍ وقلق:

_ أنا "محمد" الحج كلفني عشان أعالج شجرة التين.

ثم قال ينصحها بخوف:

_ حاسبي المادة دي مبيد يا ريت تبعدي واغسلي وشك وإيديكِ بميه وصابون.

رحلت راكضةً نحو الداخل وظل هو ينظر لأثرها.

عاد من ذكرياته وصورتها التي طبعت في ذهنه تأبى مفارقته، يتذكر ملامحها ليوبخ قلبه بقسوة عندما رف لها بلا إرادة:

_ ملقتش غير دي وتبصلها... أوعاك تفكر فيها أنت فين وهي فين فوق يا ابن "جابر" دي بنت "راجح الهواري".

أغمض عينيه يعتصرها يستجدي النوم عل طيفها يغادر فكره.

*********************"" "

في  بيت العم حسن 

صخب وضحكات ملأت المكان وكل جيل انزوى في مكان في تجمعٍ صغير يتشاركون الأحاديث بعد أن تناولوا الطعام معاً كما تعودوا في اجتماعاتهم العائلية.

وقفت تنظر لها مغتاظةً تراقب ضحكاتها التي استفزتها لتعقد ذراعيها بحنق تسألها بضيق:

_ ممكن أعرف بتضحكي على إيه؟

وضعت الفنجان الذي تحمله في الصينية المخصصة وظلت تشير لها أن تنتظر حتى تنتهي وصلة ضحكاتها:

_ اصبري مش... آه قادرة...

قالتها "ورد" تمسك معدتها التي بدأت تؤلمها من فرط الضحك. حملت "قمر" أحد الفناجين تلوح لها بتهديد أنها ستضربها به إن لم تتوقف:

_ بس يا تافهة... الحق مش عليكِ الحق على اللي بيحكيلك.

اقتربت منها بتوجس وقالت بعد أن توقفت تلتقط أنفاسها:

_ أصلك مشوفتيش شكلك وأنتِ كأنك عاملة عملة.

أبعدت يدها التي سندتها على كتفها بامتعاض وقالت حرجةً:

_ أعملك إيه أنتِ الوحيدة اللي بقدر أحكيلها اللي حصل.

تعلقت عيناها بها ثوانٍ قبل أن تخبرها هامسةً:

_ ألف مبروك يا "قمر".

عادت علامات الخجل ترتسم على وجهها وهي ترد تهنئتها:

_ الله يبارك فيكِ يا حبيبي عقبالك يا "ورد".

كان الخجل هذه المرة من نصيب "ورد" التي قالت باستحياء:

_ إن شاء الله.

لتحاول "قمر" مشاكستها تحاول أن تنتقم منها:

_ بس غريبة.

عقدت حاجبيها تسألها بريبة:

_ إيه هو اللي غريب؟

غمزت لها "قمر" بعبث:

_ "مهاب" بقاله ساعة مبعتش مسج في العادة معاده كل نص ساعة.

جعدت أنفها بامتعاض وقالت مستنكرةً بعد أن فهمت مقصدها:

_ يا رخمة.

أخرجت "قمر" لسانها تغيظها بسخرية:

_ تعلمتها منك.

وقبل أن تهتف بأي تعقيب تعالى رنين هاتفها وكأن "مهاب" كان يستمع لجدالهما لتنطلق ضحكات "قمر" هذه المرة تشير لها نحو الهاتف:

_ كنا ذكرنا مليون جنيه أحسن، أهو العاشق الولهان بيتصل، ردي على حبيب القلب.

ارتبكت تحمل هاتفها وتبتعد وقالت قبل أن تغادر لتجيب:

_ أيوه حبيب القلب يعني أنتِ ما بتحبيش سي "حسين" بتاعك؟

رمشت بعينيها بفكاهة وقالت بهيام كأنها تشاهد طيفه أمامها:

_ بحبه وبحبه وبحبه.

هزت "ورد" رأسها بقلة حيلة قبل أن تغادر المكان تتركها تعد القهوة وحدها وما إن خرجت حتى قابلت في طريقها "حسين" الذي جاء يبحث عنها بشوق يبدو أنه قد أدمن قربها ليقتحم عليها المطبخ فيجدها منهمكةً ترتب فناجين القهوة وتعدها للتقديم. استنشقت عطره فعلمت بوجوده، التفتت ليخفق قلبها لرؤيته فمنحته ابتسامةً عاشقةً بادلها هو ذات الابتسامة واقترب منها حتى أصبح خلفها ليميل يختطف قبلةً سريعةً من وجنتها ويسألها:

_ حبيبي بيعمل إيه؟

أربكتها حركته لتلتفت يميناً ويساراً وتقول بتوتر:

_ حبيبي حد يشوفنا عيب.

وعوضاً عن الابتعاد طوق جسدها بذراعيه من الخلف يعتصرها رغم اعتراضها يردد بصوتٍ منخفض رغم طغيان مشاعره:

_ مراتي... مراتي.

أفلتها ليختل توازنها لكنه أحاطها بيديه لتعاتبه بدلال:

_ بطل يا "سونة".

_ أعملك إيه وحشتيني.

ثم رفع ساعة يده يطالع الوقت ويخبرها مبرراً:

_ بقالك عشرين دقيقة وتلاتة وأربعين ثانية بعيدة عني.

ابتسمت تطالعه بحب واهتمامه وحبه يجعلها متيمةً به:

_ حبيبي أنت كمان واحشني.

أمسك كتفيها وقال يداعبها بمرح:

_ تيجي نهرب ونطلع شقتنا؟

رمقته بنظرةٍ مستهجنة:

_ "سونة"!

_ عيونه.

أشارت له نحو القهوة التي بدأت تصبها في تلك الفناجين:

_ سيبني أكمل المهمة أحسن البنت "ورد" هربت وسابتني محتاسة.

_ ولا يهمك أنا اللي هساعدك.

ليتحرك ويبدأ بتنظيم الفناجين معها ثم نظر إليها بخبث وسألها يلاعبها باستمتاع:

_ بس كان عندي سؤال فضولي يا قمري.

أجابته وعيناها مسلطة بتركيز على ما تفعله:

_ اسأل يا قلبي.

_ أنا سمعتك قبل ما أدخل هنا بتقولي بحبه هو مين ده؟

ضحكت بخفة قبل أن تضع ترمس القهوة جانباً ورفعت رأسها تواجه عينيه وتجيبه:

_ واحد كده مدوبني، بحبه دوب زي ما بيدوب السكر في الشاي.

غمز لها بعبث:

_ وهو مين يا سكر؟

ضحكت تجاريه قائلةً بفكاهة:

_ حبيبي يا شاي.

تشاركا الضحك هذه المرة ببهجة وكل واحدٍ منهما يتمنى أن يقدم للآخر كل ما يستطيع لإسعاده.

****************'' *********

رغم أنها تمكث معهم منذ زمن لكن لا يزال ذلك الخجل يسيطر عليها كلما اجتمعوا، ربما ما يخفف عنها هو وجود "سندس" معها، تشعر أن هناك شخصاً يحمل رائحة بلدها هنا، يتشاركون الأخبار وتعطي إحداهما الأخرى ما تسمعه من أهلها عن أحوال البلد.

دارت عيناها بين الجميع، لا تعلم لماذا يسيطر عليها شعور الغربة رغم أنهم يعاملونها بلطف لكن لا يزال هناك شيء في قلبها يشعرها بتوتر.

أمسكت هاتفها تنظر للوقت لتعرف كم تبقى من الوقت لتعود إلى شقتها لتصلها رسالة منه فيها كلمة واحدة منحتها دفئاً وحناناً وأشعرتها بأمانٍ هرب منها، كلمة كانت كشعاع شمس منح الدفء لزهرة وسط الثلوج:

_ بحبك.

رفعت عينيها تبحث عنه لتجده يجلس وسط أقاربه من الرجال، وما إن التقت عيناه بعينها عانقتها بشوق ثم غمز لها مبتسماً.

بادلته الابتسامة بخجل لتشعر باهتزاز هاتفها معلناً وصول رسالة أخرى:

_ وحشتيني يا حبيبتي.

بدأ قلبها ينبض بعشق وهي تقرأ الرسالة التي بعدها:

_ مالك يا روحي شكلك مش مرتاحة ومتوترة؟

يا اللهي هو يشعر بها بل ويهتم لأمرها إلى هذه الدرجة كيف فهم اضطرابها؟ رفعت عينيها تطالعه بنظراتٍ حملت امتناناً صاحبتها:

_ لا أبداً مفيش حاجة.

ظنت أنه سيرسل لها رسالةً أخرى لتتفاجأ به ينهض من مكانه ويقترب منها، جلس بجانبها وادعى أنه يريها شيئاً بهاتفه:

_ بصي يا "نونو".

أربكتها فعلته رغم سعادتها باهتمامه حتى تحركت عيناها على الجميع بتوتر ظناً منها أن أحداً ما قد لاحظهم، لكنها تنهدت بارتياح عندما وجدت الجميع منشغلاً:

_ مالك يا حبيبتي؟

أجابته بحرج متلعثمةً:

_ لا أبداً بس كنت سرحانة شوية.

_ تحبي نمشي؟

_ لا أنا مرتاحة صدقني ما تشلش هم.

مال برأسه مقترباً منها يهمس لها:

_ بحبك.

اصطبغت وجنتاها بحمرة الخجل وقربه منها كان كجسر أمان كأنه يمد لها يده يسحبها من عالمها نحو عالمه يخبرها بثقة أنه معها، تنهدت بارتياح قبل أن تلتفت إليه تهمس له بتردد وعيناها تتعلق بعينيه بحب:

_ وأنا كمان بحبك.

*********************************

كانت تراقبه من بعيد ينزوي في إحدى الأركان البعيدة، لا زال في مرحلة النقاهة من وعكته الصحية، لا زال وجهه شاحباً وعيناه ذابلتين، جسده فقد القليل من وزنه بسبب قلة الأكل رغم اهتمام والدته به وإطعامها له بنفسها، وما كان ينغز قلبها سؤاله الذي كان يصل إلى مسامعها رغم مرضه:

_ "سندس" إزيها يا ماما بتاكل كويس؟ بتاخد الدوا بتاعها؟ خلي بالك منها لو سمحتي عشان هي مش بتاكل كويس.

لمعت الدموع في عينها ونبرة صوته المتعبة الذي كان يختنق أحياناً بين كلمةٍ وأخرى لامست قلبها، تبحث عن ذلك الحب المستتر حتى تمنت في بعض الأوقات أن تركض إليه ترتمي بين أحضانه وتنهار باكيةً تشكو منه إليه.

رغم ادعائه انشغاله بالهاتف لكن عينيه كانت تختلس النظر إليها، لقد اشتاق إليها رغم عتبه عليها، كان يتوقع أن رقوده في فراش المرض سيمنحه الفرصة في نيل غفرانها، لكنه لم يرها أبداً وربما ما أخبره به "طارق" و"علي" أنهم حذروها من الاقتراب من غرفته قد خفف قليلاً من وطأة حزنه، لكنه ظل يمني نفسه أنها ستطل عليه تطمئن فقط ولو برسالة نصية.

دعك أنفه يحاول أن يلتقط أنفاسه بصعوبة وربما يكبت عبراته وقد بدأت الحقيقة تتضح أمامه يوماً بعد آخر، لقد لفظته "سندس" من قلبها، وجودها لأجل صغيرها كما أخبرته خالته، هو لم يعد يعني لها شيئاً سوى أنه والد ابنها، لا يلومها وإن أحزنه قرارها، فقد كانت كنسمة ربيع في صحراء حياته وكان لها كشتاءٍ قارصٍ أمات قلبها وجمد مشاعرها اتجاهه.

لاحظ نهوضها المفاجئ ولم يستطع منع نفسه من اتباعها بعد أن تسلل الخوف إلى قلبه ليجدها تدخل دورة المياه بخطىً مسرعةً تقاوم نوبة الغثيان التي انتابتها، استندت على حافة الحوض وبدأت تغسل وجهها تخفف من حدة ما تشعر به حتى داهمها القيء ولم تستطع منع نفسها، خارت قواها مع تكراره وأخذ منها التعب مأخذه لتشعر بيدٍ تمسح على ظهرها تؤازرها وصوته الذي لا زالت تتخلله بحة طفيفة انطلق بقلق:

_ حبيبتي أنتِ كويسة؟

رفعت يدها تدفعه عنها، ليس غضباً هذه المرة بل حرجاً أن يثير مظهرها اشمئزازه، رفض الابتعاد وأخذ يمسح وجهها بالماء قبل أن يلتقط المنشفة ويجففه بلطف:

_ خلاص يا "سندس" ولا نستنى شوية؟

هزت رأسها نافيةً.

سندها لترمي بثقل جسدها عليه، رأسها مال مستريحاً على كتفه ليحيط خصرها بيده يساعدها على المشي:

_ خليني أوديكِ شقتنا عشان ترتاحي.

سارت مستندةً عليه دون اعتراضٍ أو تعقيب

قابلتهم مليكه في طريقهم نحو الخارج لتساله بقلق

_ مالها سندس ياحسن؟ 

_تعبانه شويه هنروح شقتنا يالوكا ابقي بلغي

ماما بس متخضهاش هي كويسه بس محتاجة ترتاح

 هزت رأسها بتفهم وقالت:

_حاضر

  أوصلها لغرفتها، وساعدها في التمدد على فراشها دثرها بالغطاء، ثم ساعدها في خلع حجابها ومسح على شعرها ووجهها برقة قبل أن ينحني يقبل جبهتها.

استقام يسألها:

_ أحسن دلوقت يا حبيبتي؟

ترقب ردها ولو همساً ظلت هي تنظر له، توسلت لسانها أن ينطق لكن صوتها تلاشى في غياهب الحزن والعناد.

صمتها كان كخناجر اقتصت جذور أمله وغرست جراح الندم والحسرة في قلبه، لتخرج كلماته مجروحةً حملت خذلان صاحبها:

_ أنا برة لو احتاجتِ حاجة.

خرج بخطواتٍ مسرعةٍ مستسلماً لتلك الفكرة، هو لم يعد يعني لها شيئاً فليحصد ما زرعته يداه. دخل إلى تلك الغرفة التي أصبحت مكانه منذ مرضه وجلس على السرير بجسدٍ منهك، هربت دمعةٌ حارقةٌ مسحها بندم يلوم نفسه على قسوتها عليه، هو من مسح حبها بقسوة.

************************************

مساءً في غرفة نومه:

كان ينظر إلى شاشة هاتفه حين بدأ يتثاءب، وبوادر النعاس تداعب أجفانه. أطفأ الهاتف ووضعه جانباً، وكاد يتمدد استعداداً للنوم، لكنه توقف حين لمحها تقف أمام مرآة الزينة، تضع بعض الكريمات على وجهها وتمشط شعرها بعناية.

ظل يتأملها، وقلبه يرفرف مع كل حركةٍ من حركاتها، فرغم تلك السنين الطويلة، لا يزال أسيراً لجمالها وشخصيتها العنيدة.

ابتسم بدفء، بينما مر شريط الماضي أمام عينيه؛ لحظاتٌ مؤلمة وأخرى سعيدة، عاشا تفاصيلها معاً بقلوبٍ ذاقت المر والحلو.

لكنه كان يوقن اليوم أن حبه لها يزداد يوماً بعد يوم، وأن شوقه إليها كما كان في بداية حياتهما لا يزال حاضراً، فما زال يراها شمساً أنارت عتمة ماضيه، وحبيبته التي نجحت دوماً في امتلاك وجدانه.

اقتربت منه، فاتسعت ابتسامته كلما دنت خطواتها، حتى وجدها تجلس أمامه وتجذب يده:

_ هات إيدك يا "فارس".

فتحت علبة الكريم المرطب، وأخذت كميةً منه وضعتها على ظهر يده، ثم بدأت تحرك يدها بحركاتٍ منتظمة، توزع الكريم على بشرته برفق، واستمرت حتى امتصته. رفعت عينيها إليه وابتسمت، قبل أن تجذب يده الأخرى وتفعل بها كما فعلت بالأولى، تحت نظراته التي كانت تراقبها باستمتاع.

وحين انتهت، حاولت النهوض، لكنه منعها، جاذباً يدها ليقبلها بامتنان:

_ تسلم إيدك يا حبيبتي.

بادلته الابتسامة، ووضعت يدها فوق يده التي تحتضن يدها، وربتت عليها برفق:

_ أنت تأمر يا روحي.

حرك يده على وجنتها بحنان، وعيناه تشملانها بعشق:

_ لسه حلوة يا "مشمش"... كأن الزمن وقف عندك.

ابتسمت وقالت بدلال:

_ عينيك اللي حلوة وبتشوفني حلوة... خلي بالك أنت كده بتحسدني، وما يحسد المال إلا أصحابه.

قهقه ضاحكاً، ثم مرر يده على خصلات شعرها وهو يردد:

_ ما شاء الله تبارك الرحمن... إذا كان على عيوني، فهي بتشوفك أحلى ست في الدنيا.

أنعشها وصفه، رغم أنه لم يبخل عليها يوماً بغزله وكلماته الجميلة:

_ أحلى ست، لأني مرات أحسن راجل في الدنيا.

ابتسم لها بحب، بينما قالت هي بصدق:

_ ربنا يحفظك ليا.

دعاء دعته له من قلبها، فتعلقت عيناه بها للحظات، قبل أن يخفضهما بتوتر، يحرك إبهامه على إصبعها كأنه يستجمع كلماته ثم رفع عينيه إليها من جديد وقال:

_ "مشمش"... كنت عاوز أتكلم معاكِ في موضوع.

أقلقها اضطرابه، لتتبدل ملامحها وتعتدل في جلوسها تقول بسرعة:
 اتفضل يا "فارس".
تردد للحظة، ثم قال:
_ "شروق".
كان اسماً واحداً نطقه، لتتجمد ابتسامتها قبل أن تمحى تدريجياً.
انعقد حاجباها دون أن تستطيع إخفاء استيائها.
تعليقات



<>