
رواية براعم الحب الفصل التاسع والاربعون49 بقلم رشا عبد العزيز
وفي ثنايا القلب مسكنك، وفي رحاب الروح نسجت خيوط عشقك حتى باتت أحضاني موطنك، سل فؤادي:
هل تعلم للحياة طعم دونك؟ وهل ذاق للعشق حلاوة إلا بك؟
وبعد مرور عدة أشهر...
في إحدى المستشفيات كانت تستمع إلى أصوات الأقدام من حولها وخطوات الأطباء المتراكضة،
ورائحة المعقمات التي بدأت تتسلل إلى أنفاسها، ترافق أوامر تلك الطبيبة التي تعالى صوتها رويدًا رويدًا
في مسامعها. حاولت الكلام لكنها لم تستطع، تشعر بثقل في لسانها، ازداد الضجيج من حولها لكنها لم تستطع تمييز الكلمات، وما إن أفلت لسانها كلماته حتى بدأت تنادي عليه:
_ "زياد".... "زياد"....
أدمعت عينيه عندما سمعها تنادي عليه، فقد كان أول اسم تنطقه رغم أنها كانت لا تزال تحت تأثير البنج الذي بدأ ينسحب لتستعيد استفاقتها. أمسك يدها وانحنى يقبل جبينها ووجنتها يجيبها متأثرًا ويسألها بقلق:
_ أيوة يا قلب "زياد" سامعاني يا روحي... ألف حمد الله على سلامتك.
_ خليك معايا متسبنيش.
قالتها بلسان مثقل لتهرب دموعه، فمسحها بسرعة يطمئنها:
_ أنا هنا يا حبيبتي جنبك متخافيش، مش هسيبك.
_ "زياد"... متسبنيش.
عادت ترددها بهذيان متأوهة بألم مزق قلبه، فما نداؤها إلا من فرط حب جعلها تتذكره رغم غيابها عن الوعي، وما استنجادها إلا لشعورها بالأمان بوجوده.
_ مش هسيبك يا قلب "زياد"، حاسة بإيه؟ موجوعة يا روحي؟
وكطفلة تشكو له ألمها:
_ موجوعة أوي...
_ حالًا هشوف الدكتورة تديلك مسكن.
أفلت يدها لتنادي عليه:
_ خليك جنبي.
ليمسح على وجهها بحنان يحاول التخفيف عنها:
_ أهو يا روحي أنا جنبك متخافيش.
ثم نظر نحو "سماح" في حيرة:
_ يا قلب أمك يا حبيبتي يا بنتي.
هتفت بها بعين باكية و وجع على صغيرتها.
وبعد مدة بسيطة من الزمن استفاقت تعض على شفتها بألم وتسأله بلهفة:
_ شفتو يا حبيبي؟
ابتسم يمسح على وجنتها ويجيبها بسعادة:
_ أيوة شفتو يا قلبي.
_ حلو... شبهك؟
اتسعت ابتسامته يلومها بمزاح:
_ يا بنت عيب أمك هنا هتقول عليك إيه؟
ابتسمت "سماح" على حديثه فرحة باستفاقة ابنتها وسلامتها،
لكن "رحمة" عادت تسأله بشغف:
_ عنيه خضره وعندو غمازات زيك؟
انفلتت ضحكاته وهو يرى "سماح" تلوي شفتها باستهجان مازجة الحرج:
_ أيوة يا ستي اطمني، عنيه خضره بس غمازات مش متأكد.
لتقول له راجية:
_ أرجوك يا "زياد" عاوزه أشوفه.
مسح على رأسها برفق يخبرها بابتهاج:
_ بابا.. وماما.. فرحانين بيه أوي وأخدوه عند دكتور الأطفال يطمنو عليه.
_ ليه هو فيه حاجة وانت مخبي عليا؟ قولي يا "زياد" أرجوك متخبيش عليا يا حبيبي.
نطقتها بسرعة وخوف على صغيرها.
_ متخافيش يا روحي والله بخير، بس انت عارفه الدكتور خايف عليه وعاوز يطمن على حفيده،
ولما عرف إنه اتسمى على اسمه شبط فيه ومش راضي يسيبه.
ابتسمت تتذكر كيف اتفقت معه على تسمية صغيرها باسم "طارق"، فهو لم يكن والده فقط بل كان والدها هي أيضًا:
_ ربنا يحفظه ويبارك فيه، يتربى في عزكم يا ولاد.
قالتها "سماح" مسرورة باستقرار حياة صغيرتها واهتمام زوجها وأهله بها وبصغيرها.
انحنى نحوها يهمس لها بفكاهة:
_ إيه رأيك نسلمه لـ "سموحة" دلوقت ولا لما نرجع البيت أحسن تفهم المخطط بتاعنا؟
سايرت مزاحه رغم تألمها تهمس له ضاحكة:
_ سيبها لما نرجع عشان تتدبس.
ضحك بخفوت وقال بصوت منخفض:
_ يلا انت كمان شدي حيلك عشان تقومي بسلامة وأخطفك من جديد.
ضحكت لتتأوه، فعضت على شفتها تحاول السيطرة على ألمها، تمسك مكان جرحها بحذر ليسألها بخوف:
_ بتوجعك يا قلبي مش كده؟
هزت رأسها بنعم ليتألم لألمها، وعاد يمسح على رأسها يقبل جبهتها بحنان كأنه يؤازرها:
_ إن شاء الله هتخفي بسرعة.
التف الجميع حولها يراقبون بسعادة لهفتها على الصغير وهي تحمله بحنان، تمرر إصبعها على وجنته تتلمس بشرته الناعمة وتتبسم عندما فتح الصغير عينيه بضعف، لترفع رأسها وتهتف بفرحة:
_ عينيه خضره زي عيونك يا "زياد".
ضحك الجميع على هتافها لتعود تخطف نظرة نحوه تتفقده من جديد وتعاود الهتاف مسرورة:
_ وعنده غمازات زيك يا حبيبي.
اقترب "زياد" منها يجلس بجانبها ويهمس بحرج:
_ متأجلي تفتيش الولد بعدين؟
رفعت عينيها عن الصغير لتعقد حاجبها بجهل جعل "طارق" يضحك ويلومه غامزًا له بعبث:
_ سيبها يا بني فرحانه بابنها وإنه شبه أبوه.
ثم وجه نظره نحو "ندى" وقال مشاكسًا:
_ فيه ناس كده زيها لما ابنهم اتولد كانوا فرحانين إنه شبه أبوه.
قهقهت "ندى" ضاحكة، فسعادة "رحمة" بصغيرها وشبهه من والده عاشتها هي عندما حملت "زياد" بين ذراعيها وكان يحمل شبهًا من "طارق".
_ ربنا يحفظه يا بنتي ويطلع شبه أبوه في الشكل والمضمون.
قالتها "ندى" داعية لها من قلب أم تعشق ولدها ليعترض "طارق" مازحًا:
_ وليه متقوليش شبه جدو يا "ندوش" مهو شايل اسمي؟
طالعته بنظرة عاشقة خصته بها وحفظها هو عبر الزمن وسنين العشرة:
_ لو شبه جده يبقى شهد مسكر.
_ نحن هنا يا أم "زياد".
قالها "زياد" مستنكرًا بمزاح حديثهما،
ليقهقه الجميع ضاحكين، فتاملت "سماح" صغيرتها وسعادتهاو دعت الله أن يديم عليها سعادتها ووئامها.
********************************
دخلت عليه غرفة مكتبه تحمل فنجان القهوة خاصته لتبتسم وهي تجده منهمكًا مع إحدى رسماته لتنادي عليه:
_ حبيبي القهوة.
التفت إليها يبتسم ليعتدل، يدلك رقبته عله يخفف من إرهاقها ويميل يمينًا ويسارًا كي يخفف من ذلك التشنج الذي أصابه بعد تلك الفترة الطويلة التي قضاها كي ينهي تلك الرسمة. اقتربت منه ترمقه بعبوس وتقول لائمة:
_ مش كفاية بقالك ساعتين بتشتغل؟ خد بريك.
طالعها بوجه مرهق يرسم ابتسامة مجهدة على وجهه قبل أن ينهض واقترب منها يحتضنها يأخذ جرعة من الراحة بين أحضانها يتنهد بتعب:
_ فعلًا أنا محتاج أرتاح شوية.
ثم تأوه بارتياح يخبرها بعشق:
_ حضنك بيريحني.
ليتفاجأ بها تمرغ أنفها بين ثنايا صدره قبل أن تبتعد ترمقه باشمئزاز وتقرص أنفها تسأله بقرف:
_ إيه البرفان ده؟ ده ريحته وحشة أوي.
اتسعت عيناه بذهول وأخذ يرفع ملابسه محاولًا استنشاق عطره ليخبرها بدهشة:
_ ده ريحته حلوة أوي، ده ماركة يا بنتي.
تراجعت خطوات نحو الوراء تهز رأسها مستنكرة:
_ لا ده وحش أوي.
لتدخل في نوبة غثيان قبل أن تضع يدها على فمها تمنع نفسها من التقيؤ وتركض نحو الحمام.
ظل يطالع أثرها متعجبًا وانحنى يستنشق عطره من جديد يتمتم باستغراب:
_ والله ريحته حلوة.
وبعد مدة من القيء وشربها لعلاجها أخذت قسط من الراحة في المطبخ تستنشق قشر الليمون، عادت إلى غرفتها
لتتمدد فتفاجأت به يجلس على السرير حانقًا وقد بدل ملابسه وأخذ حمامًا. كتمت ضحكاتها تطالع خصلات شعره المبللة تتدلى على وجهه يقطر منها الماء ووجهه متجهم يعقد ذراعيه على صدره بتذمر.
اتجهت نحو الدولاب وأخرجت منشفة واقتربت منه تنشف خصلات شعره وتسأله بعتاب:
_ طب انت زعلان دلوقت ليه؟
أبعدت المنشفة عن رأسه تطالع جمودة بقلة حيلة لتحضر المشط وتمشط شعره قبل أن تضعه جانبًا وتجاوره على الفراش تقترب منه متوجسة حتى أصبحت بجانبه لتنحني تمرغ وجهها بين ثنايا عنقه فانتفض مبتعدًا عنها بعبوس يخبرها بضيق:
_ بلاش أحسن تقرفي.
نغزها قلبها تطالعه بإشفاق، فمنذ بداية حملها أصبحت لا تطيق رائحته حتى إنه استبدل عطره أكثر من مرة لكن دون جدوى. زمت شفتيها بعبوس وعادت تقترب منه تحاول استعطافه وتكرر عتابها بعين مثلت فيها البكاء:
_ طب وأنا مالي زعلان مني ليه؟ مش ابنك هو السبب؟
نبرة صوتها المختنقة وكلماتها الحزينة جعلته يشعر بالندم ويبرر لها باستياء:
_ مهو أنا تعبت يا "قمر" كل شوية أغير برفان، بقيت بستحمى أكتر من تلات مرات في اليوم.
ثم أشار نحو بطنها كأنه يوبخ جنينها بتذمر:
_ وابن الكلب حاطط نقره من نقري، بقيت أتحسر على حضنك، وحشتيني ومش عارف أقربلك.
اقتربت ترمي نفسها بين أحضانه بعد أن آلمتها لهفته وشوقه الذي يقيده خوفه من انزعاجها، ضمها بقوة فقد اشتاق لها وقال بتهكم:
_ ليكون ريحة الشامبو كمان مش عاجبه الباشا؟
ضحكت على ضيقه لتقول ساخرة:
_ لا لحد دلوقت تمام مفيش حاجة.
ثم أغمضت عينيها مسترخية تخبره بهيام:
_ وحشتني قوي يا روحي.
شدد من ضمها يقبل رأسها ويقول بتمنٍ:
_ وانت كمان يا حبيبتي، إمتى تولدي عشان أعرف أنتقم من ابنك اللي حارمني منك؟
فتحت عينيها باتساع وقالت تستهجن حديثه:
_ ابني يعني مش ابنك يا "سونة".
ثم أردفت تحاول إغاظته بعد أن استفزتها كلمته:
_ وبعدين لسه بدري قدامه خمس أو أربع شهور ونص.
لانت كلماته عندما شعر بضيقها ليقول بلطف:
_ إن شاء الله تعدي الشهور على خير يا حبيبتي وتقومي بسلامة وينور ابننا الدنيا وأحقق الحلم اللي طول عمري
بحلم بيه إني يكون عندي ولد انت أمه.
استرخت ملامحها المحتقنة وأمنت على دعائه:
_ إن شاء الله يا حبيبي أنا كمان بستنى اليوم ده عشان يكون ليا ابن منك ويكون شبهك.
_ بس أنا عاوزه شبهك.
حركت رأسها داخل أحضانه رافضة:
_ أنا عاوزه "سونة" صغير، ده أنا حتى بفضل أبصلك عشان يطلع شبهك يا حبيبي.
انحنى يقبل رأسها بحب بعد أن أطربته كلماتها ونعشت قلبه العاشق أمنياتها:
_ يا روح حبيبك.
****************************
فتح عينيه بضجر يتأفف متذمرًا فصراخ ذلك الصغير الذي أبى التوقف يوقظه كلما غفا. رفع وسادته وغطى بها رأسه عله لا يصله الصوت ويستطيع النوم، فقد تملك النعاس منه، أطبق أجفانه المثقلة وتسلل النوم إلى عينيه
بعد أن هدأ صراخ الصغير، لكنه عاد يرتفع من جديد معلنًا نوبة بكاء مرتفعة ليجفل مفزوعًا من جديد. أزاح الوسادة عنه باستياء وقذفها بعيدًا بضجر
لينهض متجهًا نحو الصالة يحاول أن يعرف ما يحدث، لماذا ذلك الصغير يواصل البكاء هكذا؟ خرج بخطوات ثقيلة نحو الصالة ليتوقف يطالعها بإشفاق وعلامات الإعياء تعتلي وجهها، تحمل الصغير وتتمشى يمينًا ويسارًا تهدهده عله يسكت. اقترب منها يسألها بقلق:
_ مالو فهد" يا " أحلام"؟
لتجيبه بقلة حيلة وعين دامعة:
_ مش عارفه يا "شريف" مش راضي يسكت شكله عنده مغص.
التقطه منها يحمله ويحاول هدهدته يسألها بخوف وهو يرفعه إليه ويقبل وجنته:
_ أكلم ماما نسألها؟
_ بس الوقت اتأخر خايفه نقلقها.
تحركت حدقاته في تفكير وصراخ الصغير يزيد من اضطرابه:
_ خلاص هكلم "سيف" وأشوفه هيقول إيه، أهو أحسن ما نقلق ماما.
اتجه نحو الباب لتسأله بدهشة:
_ انت مش هتكلمه؟
_ لا أنا هاخده شقته، هاتي حاجاته وخلينا نروحله، هو مش نبطشية النهارده؟
_ طب كلمه أحسن.
تعالى صراخ الصغير فزاد من توتره وخوفه ليقول بانفعال يحثها على اتباعه:
_ هاتي حاجته وتعالي ورايا.
حملت ما تستطيع حمله وما تحتاجه وتبعته في صمت فقد داهمها القلق هي أيضًا.
طرقا باب شقة "سيف" الذي نهض مفزوعًا نحو الباب ليلتقي بـ "نور" التي خرجت من غرفتها مفزوعة هي الأخرى تسأله بقلق:
_ مين هيجلنا الساعة دي؟
_ هشوف مين، إن شاء الله خير.
_ ربنا يستر.
ذهب بخطوات مسرعة ليفتح الباب وتفاجأ من وجود "شريف" ليسأله بخوف:
_ خير يا "شريف" فيه إيه؟
ثم نظر نحو الصغير الذي ارتفع صراخه:
_ مالو "فهد"؟
_ مش عارف ماله يا "سيف" ده مش مبطل عياط.
قالها "شريف" بخوف وقلق وهو يسلمه الصغير. التقطه منه ودخل ليتبعه "شريف" و" أحلام" متلهفين.
بدأ "سيف" يتفحصه ويدلك ظهره وبطنه بعملية ودقة حتى بدأ الصغير يتجشأ ويهدأ حتى توقف عن البكاء
ويصمت تمامًا حتى بدأ يلاغيه ثم سلمه لـ "نور" التي كانت تجلس بجانبه تراقبه مع والديه لتتلقاه منه بسعادة
تداعبه، أما "سيف" الذي اتجهت أنظاره نحو " أحلام" و"شريف" يطمئنهم بعد أن أبصر توترهم واضطرابهم:
_ ده مغص طبيعي متخافوش.
زفرا أنفاسهما بارتياح وهما يستمعان إرشادات "سيف" ونصيحته لهما أن يذهبا لطبيب مختص فربما يحتاج إلى تغيير في نوع الحليب الصناعي المستخدم له،
ثم التفت نحو "نور" التي بدأت تلاعبه وتبتسم رغم استجابته البسيطة لصغر سنه إلا أنها كانت سعيدة وهي تداعبه.
عاد بنظره نحو " أحلام" و"شريف" ورأى الإعياء على وجهيهما فاقترح عليهما ما جعل الاثنين يتحيران:
_ ما تسيبوا "فهد" يبات عندنا النهاردة وأنا و"نور" هنسهر معاه، شكلكم تعبانين روحوا ارتاحوا.
نظرت " أحلام" نحو "شريف" بتردد، فالتفت إليها يتحرى قرارها ليقول "سيف" محاولًا إقناعهما:
_ يا ابني سيبوه متخافوش "نور" بتعرف تتعامل مع الأطفال وأنا معاها، روحوا ارتاحوا، الصبح من النجمة هيكون عندكم.
هز "شريف" رأسه باقتناع ونهض يجذب يد " أحلام" التي ترددت لكنه سحب يدها يحثها على المغادرة معه:
_ يلا يا " أحلام" متخافيش.
تبعته وعيناها مسلطة على الصغير بين أحضان "نور" حتى غادرت. استدار "سيف" ناحية "نور" التي بدأت تغني للصغير وتهدهده حتى غفا، يبدو أن البكاء قد أتعبه.
ظل يتأملها كيف تتعامل بحنان مع الصغير ليتمنى لو كان الصغير صغيرهم واشتهى تلك اللحظة التي سيحمل فيها صغيره بين يديه.
*********************
دس الطعام في فمها وأتبع القمه بلقمة أخرى يدسها في فمها ليمتلئ فمها بطعام تمضغه بصعوبة حتى ابتلعته،
وكاد أن يدس لقمة أخرى في فمها لولا أنها أشاحت وجهها وقالت متذمرة:
_ كفاية يا "مهاب" مش قادرة يا حبيبي.
ليتوسلها وهو يضع ملعقة مليئة بقطع الفواكه أمام فمها:
_ دي وبس يا روحي.
وأمام رجائه فتحت فمها مرغمة ليطعمها وينظر لها برضى:
_ ألف هنا يا قلب "مهاب".
ابتلعت الطعام وعبس وجهها تعاتبه:
_ عمال تزغطني زي البطة، على كده هبقى فيل كمان شهر.
مسح على وجنتها برقة وقال بسعادة:
_ مش حامل يا وردتي؟ ولازم تتغذي.
عقدت حاجبيها بضيق وقالت مستنكرة:
_ أنا باكل خمس وجبات في اليوم.
قهقه ضاحكًا على امتعاضها وقال بمزاح يحاول إغاظتها:
_ معلش أنا عاوز ابني يطلع مكلبظ.
زمت شفتيها بسخط تطالعه بقلة حيلة حتى لانت ملامحها عندما وجدته يتلمس بطنها كأنه يتحسس جنينها ويسألها بلهفة:
_ هنعرف جنسه إمتى؟
وضعت يدها على يده الموضوعة على بطنها تجيبه:
_ الدكتورة قالت الزيارة الجاية هنعرف.
صمتت تتأمل فرحته بقلب يخفق بابتهاج لتسأله:
_ نفسك في ولد ولا بنت يا حبيبي؟
رفع عينيه نحوها يجيبها بشوق لتلك اللحظة التي يحتضن بها صغيره ويجيبها بصدق:
_ ولد ولا بنت كل اللي يجيبه ربنا الحمد لله، أهم حاجة سلامته وسلامتك يا نور عيني.
ثم انحنى يقبل بطنها عدة قبلات دغدغت معها مشاعرها ليرتعش قلبها بغبطة:
_ هحبك مهما كنت ولد ولا بنت، أنا مستنيك ومشتاقلك يا روح بابا.
مسحت على خصلات شعره تدعو له:
_ ربنا يحفظك لينا يا حبيبي.
رفع رأسه يطالعها وكأنه يفكر في شيء ما حتى اتسعت ابتسامته كأنه وجد ضالته:
_ لو كان ولد هسميه "مالك" ولو بنت "جوري" إن شاء الله.
_ إن شاء الله يا حبيبي... بس اشمعنى "جوري"؟
سألته مندهشة من اختياره لتجده يقترب منها ويضمها إليه قبل أن يجيبها بعشق:
_ مش أمها "ورد" يبقى هي "جوري"؟
ضحكت تخبره بدلال:
_ نفسي يكون ولد مش عاوزاها بنت تحبها وتخطفك مني.
قهقه ضاحكًا يشدد من ضمها ويسألها من بين ضحكاته:
_ خايفه تعمل زي ما عملتي في والدتك وخطفتی منها جوزها؟
أومأت له مبتسمة ليقبل رأسها يجيبها بحب:
_ متخافيش يا "ورد" محدش هيقدر ياخد مكانك في قلبي، انت ملكتي القلب وسكنتيه يا عشق الروح.
***********************"" "
ابتسم يراقبها تتنقل كفراشة في منزلهم الكبير، تضحك مع هذا وتسامر هذا، تبسم مع "سندس" وتثرثر مع والدته التي وجدت ضالتها معها، فالاثنتان لا يتوقفان عن الكلام حتى إن والدته روت لها قصص الجيران وتاريخ حياتهم، تساعد "بسملة" في تحضيرات حفل حنتها، ابتهج وجهه تشعره بطمأنينة بعد أن اندمجت معهم كأنها تعيش في منزلهم منذ سنين. اختفت عن عينيه برهة حينما انشغل عنها مع والده، بحث عنها فلم يجدها مع والدته ولا والدتها وليست مع "سندس" المنشغلة بصغيرتها، تحير في أمرها ترى أين ذهبت؟
ذهب نحو المطبخ يسأل عنها لتخبره إحدى النساء أنها ذهبت في غرفة الفرن، اتجه نحو المكان ليجدها تجلس مع "أم إسماعيل" تلك السيدة التي تساعد والدته في إعداد الطعام، تفترش الأرض بجانبها وتعلمها كيف يصنع الفطير الفلاحي. اتسعت ابتسامته فهيئتها وهي تجلس تغرق ملابسها بالدقيق وتشتعل وجنتيها احمرارًا من حرارة المكان
أكسبتها جمالًا وخفق قلبه العاشق فاشتهى التهامها كما يلتهم قطعة الفطير المغمسة بالعسل.
اقترب يتحمحم بحرج لتنتبه لوجوده:
_ مساء الخير.
_ أهلًا يا بني مساء النور.
قالتها "أم إسماعيل" وهتفت هي مرحبة به بشوق:
_ أهلًا يا "أصيل" شفت خالتي "أم إسماعيل" بتعلمني إزاي أعمل فطير، ده أنا حتى عملت واح...
ابتلعت كلماتها عندما تذكرت هيئتها لتخفض عينيها تنظر لملابسها التي لوثها الدقيق بحرج تداركه هو وهو يقترب منهم يشاكسها كي يعفيها من الحرج:
_ وعلى كديه خطيبتي شاطرة يا خالة؟
_ ما شاء الله عليه ست البنات، دي كأنها مولودة هنا.
توردت وجنتيها بخجل وتلك السيدة تخرج ما صنعته من الفرن تشير لـ "أصيل" مؤكدة حديثها:
_ حتى شوف عمايل إيديها.
وزع نظره بينها وبين ما صنعت وقال مادحًا:
_ ما شاء الله حلو جوي، طب إيه يا "لوكا" مش هتذوقيني؟
توترت من طلبه ومدت يدها بارتباك تقتطع جزءًا وتناوله إياه ليلتقطه منها ويتذوقه يمضغه بتلذذ:
_ الله تسلم إيدك جميل.
ثم رمقها بنظرة ماكرة فهمتها هي وقال مستأذنًا من تلك السيدة:
_ بس أنا بحبه مع العسل، لو سمحتي يا "لوكا" ممكن تيجي معايا عشان تحطيلي عليه عسل؟ بعد إذنك يا "أم إسماعيل".
ابتسمت تلك السيدة تفهم طلبه المبطن، فالتفتت نحو "مليكة":
_ قومي يا بنتي مع خطيبك.
نهضت بحياء تنفض الدقيق من ملابسها وتحمل ما صنعت وسط نظراته المسلطة عليها بتسلية.
سارت خلفه بخجل وأحرجت من نظرات السيدة التي تتبعها حتى ابتعدا ليتوقف حتى صارت بجانبه فدنا يهمس لها:
_ وحشتيني.
لتلومه باضطراب تتلفت يمينًا ويسارًا:
_ "أصيل" حد يشوفنا.
ليتنهد يخبرها باستياء:
_ إمتى تخلص السنتين دول؟ حاسس قلبي نشف من الشوق للحظة اللي هتكوني فيها مراتي.
أسبلت أهدابها خجلًا وقلبها يخفق بشدة:
_ "أصيل" اصبر يا حبيبي هانت ما فضلش كتير، بكرة تزهق مني.
ليشير نحو نفسه ويعاتبها بحب:
_ أنا أزهق منك؟ ده أنا أزهق من روحي ومزهقش منك يا حبيبة قلبي.
ازدادت ضربات قلبها وأربكتها كلماته لتقول محاولة الهروب من أمامه:
_ "أصيل" لازم أمشي، أمي بتنده عليا.
هربت من أمامه مسرعة قبل أن تمنحه الفرصة ليعترض.
***************، **********
كانت تتأمله يلاعب صغيرته ويلاغيها لتتنهد بارتياح، فمنذ أن منحته فرصة ثانية وأصبح يعاملها بود واحترام،
وما زادت علاقتهم ترابطًا ولادة تلك الصغيرة التي تعلق بها بجنون وأصبحت هي كل حياته، تبكي الشقية ورغم أن عمرها أشهر قليلة بدأت تتجاوب معه لتخطف قلبه:
_ عسولة يا قمر وحشتيني يا روح بابا.
نثر قبلاته على صفحات وجهها وأكمل حديثه معها بشوق يكلمها كأنها تفهمه:
_ قلب بابا معلش هستحمل فراقك عشان فرح خالتو، لكن هعوضك أما نرجع يا روحي سكر انت.
داعب وجنتها لتبتسم فيقهقه ضاحكًا معها:
_ يا روحي عسل يا جميلة.
هزت رأسها بقلة حيلة فتلك الصغيرة سلبت زوجها منها لتقول بسخط مزيف:
_ اللي يشوفك يقول بعدت عنك شهر، دي كلها كام ساعة؟
رفع الصغيرة يداعب وجنتها بأنفه ويقول بلهفة:
_ تصدقي حاسس إني بقالي شهر فعلًا مشفتهاش، حبيبة أبوها وحشتني أوي.
همهمت الصغيرة تلاغيه فغمرته السعادة مرددًا:
_ يا قلب وعقلي ودنيتي انت يا عسولة.
_ ربنا يحفظك ليها يا "حسن" ويرزقك برها.
دعت له بصدق وأخفت دعوة في قلبها أن يديم حنانه وحبه لها ولصغيرتها وأن لا يبدل حاله بعد حين.
التفت يشملها بنظرة حب وقال يثني عليها:
_ هتبرني يا "سندس" إن شاء الله.. عارفة ليه؟ عشان أنا متأكد إنك هتربيها أحسن تربية وهتعلميها أصول دينها
عشان أنا اخترت لولادي أعظم أم في الدنيا.
اتسعت ابتسامتها وكلماته كانت كدلو ماء سكب على قلبها الذي تحرقه مخاوفها ليطفئها ويغسل شوائب الماضي،
كأنه يتحين الفرص كي يثبت لها أنه قد تغير ولم يعد "حسن" الذي عهدته.
ثم دنا منها أكثر يرمقها بنظرات توقدت عشقًا يهمس لها بما جعل قلبها يتراقص بين أضلعها:
_ واخترت لنفسي أجمل وأرق ست في الدنيا.
تعالت همهمات الصغيرة كأنها اعترضت ليضحك الاثنان، نقل نظره نحوها ورفعها من حجره يقبل وجنتها ويقول مازحًا:
_ شكلك غيرتي من ماما يا عسولة.
_ باين كده يا حبيبي.
قالتها "سندس" وهي تضحك ممسكة بيد الصغير تقبلها ليقول "حسن" متغزلًا بحبيبته:
_ لا يا عسولة معلش أنا بحبك وأموت فيك، بس ماماحبي الأول والأخير...
اراحتها كلماته لتقترب منه أكثر تسند رأسها على كتفه تشاركه اللعب مع الصغيرة، ترمي بحمل الماضي خلف ظهرها وتأمل بحياة أفضل.
******************، **********
اليوم يوم زفافها المنتظر، جلست أمام المرآة بزينتها تضيف بعض اللمسات وبجانبها "مليكة" تساعدها تحت نظرات "هدى" التي تجلس بجانب "زهرة" تمنعها من البكاء بعد أن لمحت الدموع في عينيها لتربت على فخذها وتتمتم:
_ بلاش تعيطي هتشوفك وتزعل هي كمان، وبعدين هي هتروح بعيد؟ يعني كلها خطوتين وتكون عندك.
مسحت بسرعة تلك الدمعة التي فرت هاربة رغمًا عنها ورسمت ابتسامة باهتة تغطي خلفها حزنها على ابتعاد صغيرتها،
لتحاول "هدى" التخفيف عنها قائلة بحزن مكتوم:
_ أمال أنا هعمل إيه لما بنتي الوحيدة تتجوز وتبعد عني كل المسافة دي؟
لتتبدل الأدوار ويكون اللوم من نصيب "زهرة" وهي تلتفت نحوها قائلة بعتاب محب:
_ واه يا أم "حسن" ده أنا هشيلها في عنيا، دي بنتي الغالية مرات الغالي، اطمني عليها وحطي في بطنك بطيخة صيفي،
هتكون وسط أهلها وناسها وجار حبيبها وجوزها، ده الواد بيعشقها ويموت فيها.
وعلى ذكر الأخير رن هاتف "مليكة" لتلتقطه من على طاولة الزينة، ما إن عرفت هوية المتصل حتى توترت بحرج وهي تجيبه:
_ ألو.
_ بصي من الشباك.
ابتلعت ريقها بارتباك واتجهت نحو الشباك بخطوات مترددة، نظرت لتجده يقف في حديقة منزلهم يرتدي جلبابًا صعيديًا وعمة، ليخفق قلبها بجنون بعد أن خطفت هيئته عقلها وقلبها:
_ إيه رأيك فيا بالجلابية؟ حلو؟
_ قمر يا حبيبي وأحلى من لبس الجلابية.
قهقه ضاحكًا على لهجتها وتقافز قلبه بسعادة تنعشه كلمات غزلها ليتنهد بهيام يخبرها متأوهًا بعشق:
_ آه... أنا كده هتهور دلوقت وأكتب كتابي مع "محمد"، معنتش قادر أصبر.
كتمت ضحكتها وقالت ساخرة بدلال:
_ يا مجنون اصبر أحسن بابا يغير رأيه.
ليقول بسرعة مازحًا:
_ لا كله إلا يغير رأيه، أنا هروح دلوقت أحب على راسه عشان أنول الرضا.
انفلتت ضحكة كتمتها بكف يدها بسرعة قبل أن ينتبه أحد:
_ عاوز أشوفك ابعتيلي صورتك، مش قادر أشوفك كويس من هنا.
تلفتت يمينًا ويسارًا وهمست رافضة بغنج:
_ مش هقدر عيب أحسن ياخدوا بالهم.
تذمر بانزعاج:
_ مليش دعوة عاوز أشوف حبيبتي.
أذعنت لطلبه بعد أن شعرت بانزعاجه لتبعد الهاتف عن أذنها وتمد يدها تأخذ صورة بكاميرته الأمامية سيلفي
وأرسلتها له
قبل أن تعيده من جديد على أذنها تسأله بلهفة:
_ هااا إيه رأيك؟
_ أحلى بنت شافتها عينيا يا روحي.. بحبك يا "لوكا".
غزت الدماء وجنتيها خجلًا وهربت من كلماته متحججة بـ "بسملة" التي تنادي عليها،
لينظر لأثرها بتمنٍ أن تجمع بينهما الأيام يومًا.
وليس ببعيد من هنا كان هناك عاشق آخر ينتظر إطلالة حبيبته ليستل نفسه من بين الرجال ويدخل المنزل يبحث عنها لتقتنصه عين "فرحة" تسأله بمكر ضاحكة:
_ بتدور على حاجة يا حبيبي؟
_ بيدور على مراته يا "فرحة" سيبي ابني وملكيش دعوة بيه، ركزي مع ابنك العريس.
قالتها "شمس" من خلفها بمزاح وهي تحط يديها على كتفي "فرحة":
_ حبيبتي يا ماما فاهمة ابنك وعارفه إزاي تدلعيه.
ضحكت "فرحة" تشير له بعينيها نحو باب غرفتها:
_ هناك في أوضتها، شايف أنا كمان بدلعك مش بس أمك.
_ حبيبتي يا "فروحة" متشكر.
قالها يقرص وجنتها ويخطو مسرعًا نحو الغرفة، فتح الباب بغتة ودون استئذان لتلتفت مجفلة تهتف بدهشة:
_ "سيف"!
_ عيونه.
اتسعت عيناها بذهول وهي تجده يرتدي زيًا صعيديًا لتقول بإعجاب وهي تقترب منه:
_ الله.. يا حبيبي الجلابية تجنن عليك.
اقترب أكثر حتى لم يعد يفصل بينهم شيء:
_ يعني حلو باين عليه صعيدي بجد؟
مسحت على صدره وكتفيه تخبره بانبهار:
_ حلو جوي جوي.
عادت خطوة إلى الوراء تمسح على فستانها وتتمايل أمامه تسأله بدلال:
_ طب وأنا رأيك إيه؟
أمال رأسه يقيمها ويشملها بنظرة متفحصة ليقول باستحسان:
_ جميلة قوي يا قلبي، كده مش هيعرفوا مين العروسة انت ولا مرات "محمد".
أطربها مديحه لتقول:
_ عيونك الحلوين يا حبيبي.
جذبها على حين غرة يحيط خصرها ويقبل جبينها قبلة طويلة يدعو بتمنٍ صادق:
_ عقبالنا يا أحلى "نور" في الدنيا.
حركته جعلتها تتوتر وتقول بتلعثم:
_ إن شاء الله.
حاولت التملص من بين يديه لكنه أحكم حصاره حولها:
_ "سيف" لازم أخرج أساعد ماما.
كان في غمرة مشاعره المتأججة من قربها فغيب سمعه عن كلامها وهام يقترب منها حتى أجفلته طرقات على الباب ليبتعد على مضض يشتم "ساجد" الذي ينادي عليه من خلف الباب.
كتمت ضحكتها وهي ترى امتعاض وجهه ليرمقها بغيظ:
_ بتضحكي؟ ماشي يا "نونو".
غادر المكان بضيق لتنظر لأثره مبتسمة تغمغم:
_ بحبك...
*****************"****************
كان يومًا تملؤه السعادة ما بين فرح وزغاريد فرحة التي لم تتوقف وابتهاج الفتيات، فرقص الرجال وبالأحصنة وتلك التقاليد التي أعطت العرس رونقًا من نوع آخر.
كان جسدها يرتجف تقبض على ثوبها الأبيض بتوتر وعيناها تختلس النظرات نحو الباب تنتظر قدومه بقلب خافق أربكها الانتظار،
رغم أنها كانت تحلم بهذه اللحظة التي تجمعها به، ففترة خطبتهم جعلتها تسقط في عشقه، كان الله جمع بينهم بالمودة والرحمة
برباط الحلال فوجدت قلبها يحبه
حبًا حقيقيًا كأنه ليس وليد شهور فقط بل سنين.
تسارعت ضربات قلبها عندما سمعت صوت مقبض الباب قبل أن يفتح ويطل عليها بهيبته، تعالت أنفاسها الخجلة تخطف نظرة نحوه قبل أن تخفض وجهها من جديد هروبًا من نظراته.
تأملها بثوبها الأبيض فارتجف قلبه
وغمرته نشوة العشق فخطى بخطواته نحوها يسبقه قلبه إليها
حتى أصبح أمامها.
مد يده إليها يطلب منها الوقوف
وبدت مترددة أمسكت يده ونهضت لتتلقفها يداه يحيط خصرها بتملك هامسًا بعشق:
_ ألف مبروك.
توسلت لسانها الذي ألجمته مشاعرها المتقدة أن ينطق لتقول متلعثمة:
_ الله يبارك فيك.
عاد خطوة إلى الوراء يرفع عنها طرحتها المسدلة على وجهها كستار يحول بين وجهيهما
ليتبسم وعيناها تهرب من عينيه بحياء ما إن التقت بها فقال متغزلًا بها:
_ تبارك الرحمن فيما خلق.. البدر ليلة تمامه، جمالك ملوش قيمة.
غزت وجنتيها حمرة الخجل فزادتها فتنة لينحني يغمض عينيه ويقبل جبهتها يستنشق عطرها بهيام.
اشتعل جسدها بخجل لتسري رعشة هزت أوصاله حتى شعر بها ليبتعد عنها يمنحها هدنة بسيطة من تلك المشاعر العاصفة التي تختلج فؤاده ويخشى أن يتهور فيخيفها فقرر أن يتكلم عله يطفئ قليلًا من نار شوقه لها:
_ "بسملة" ممكن ترفعي عينك وتبصيلي؟
رفعت عينيها ببطء لتواجه عينيه.
ثواني الصمت التي تخللتها لغة عيونهم قطعها يعترف لها بما يكنه لها:
_ من يوم ما شفتك وجلبي بجى ينبض باسمك، سحرتني شجاوتك وبسمتك وبجى طيف ملازم عجلي وفكري، بس كنت زي الحلم بالنسبة لي، حلم صعب أوصله.
خفت الفارق اللي بينا يخلي "راجح" بيه يرفض.
قطبت حاجبيها وارتسمت الدهشة على وجهها لتسمعه يكمل:
_ بس هو وافق ومش بس كده، هو كان شايف فيا حاجات أنا نفسي ماكنتش شايفها.
يومها الفرحة ما كانتش سايعاني عشان فزت بأحلى وأجمل بنت في البلد.
فزت بحلم وحبيبة عمري وزي ما وعدت "راجح" بيه هوعدك.
ضم يديها يشد عليها بقوة:
_ هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أسعدك وأعيشك أحسن عيشة،
ومش هقصر معاك حتى لو طلبتي عينيا هترخصلك.
تفاجأت بها تفلت يده وترفع يدها تضعها على شفاهه تمنعه من الاسترسال في حديثه الذي استنكرته وهي تلومه:
_ بعد الشر عنك... عيونك غاليين عليا.. يكفيني جلبك يا "محمد".. يحبني ويحسسني بالأمان.
انت مقامك عالي عندي.. وبحمد ربنا إني اتجوزت راجل تحلف بأخلاقه البلد كلها.. ده أنا بحمد ربنا إني بقيت من نصيبك وإنك اخترتني..
ابتهج منتشيًا بحديثها يخبرها بعشق:
_ بحبك.. وجلبي ملكك من أول نظرة خطفتيه وسكنتيه وعينيا ما بقتش تشوف غيرك يا ست البنات.
أسبلت أهدابها بخجل واضطربت
حينما سألها بعبث:
_ حبيبتي مش هتقوليلي حاجة تانية تفرح جلبي اللي مستني على نار يسمعها منك؟
ارتفعت نبضات قلبها لترفع عينيها تبصر عينيه الراجية لها لتنحي خجلها جانبًا وتعترف له
ترضي لهفته وشوقه، جلت حنجرتها تخبره بخفوت:
_ أنا كمان بحبك يا "محمد".
تراقص قلبه فرحًا يهتف بسعادة:
_ جلب "محمد" وروحه