
رواية براعم الحب الفصل الخامس والاربعون45 بقلم رشا عبد العزيز
حل ربيعك يا قلب فازهر وانسى شتاء المشاعر وانتظر ثمارك الحلوة ستُقطف، فسعادتي اليوم لا تُنكر وبسمتي اليوم تسقيها كلمات الغزل العفوية. أزل يا قلب الهموم وانفض عن نبضك الظنون، فبقربه حياة جديدة وسعادة ثابتة.
أمان لا ينتهي وحب لا ينبض. في مدرسة عشقه تعلمت لغة العيون وهمس الشفاه ودفء اللمسات، حتى صرت تلميذة في بحر حبه أستقي منه لذة الهوى.
تأبطت ذراع "طارق" الذي تجنب النظر لها، يقاوم دموعه ويصبر نفسه أن يتحمل حتى ينتهي الحفل.
وما كان بحالها بأفضل من حاله، أخفت توترها وحزنها عنه وحافظت على هدوء ملامحها، تخشى أن تنظر نحوه فتهطل دموعها. أخفضت عينيها تشعر بتشنج جسده، خطواتها نحو "مهاب" باتت أطول مما ظنته لكنها أخيرًا وصلت، رفعت عينيها لتجد ذلك الذي كاد يطير فرحًا فابتسامته العريضة كانت خير دليل.
حان الوقت لتفلت يد "طارق"، لم تحرك يدها ولا "طارق" الذي تجمد جسده، استطاع إفلاتها حتى تقدم "مهاب" الذي غلبته لهفته يسحب "طارق" يعانقه، ورغم هذا ظلت يده معلقة بيدها.
_ خلي بالك منها يا "مهاب" مش هوصيك عليها.
عانقه "مهاب" وقال يعده بصدق:
_ اطمن حضرتك، "ورد" في عينينا، دي حبيبة روحي.
يده المعلقة بها اضطرت لإفلاتها بعد أن التفت إليها "مهاب" أراد أن يحتضنها، ليهمس قبل أن يهرب:
_ ألف مبروك.
أما ذلك الذي لم يعد يطيق شوقًا لها فسحبها نحو أحضانه، لكن عينيها كانت تتابع والدها بحزن، تستشعر دفء يده الذي غادرها وقلبها الذي اعتصرها وهي تعلم حزنه عليها.
أجبرها ذلك العاشق على الشعور به وهو يغدق عليها بمشاعره الجياشة، كأن حروف الكلمات تتسابق على لسانه وهو يعتصر جسدها بين ذراعيه:
_ ألف ألف مبروك يا حبيبتي، مش مصدق نفسي يا "ورد" حاسس نفسي بحلم يا روحي.
عزفت كلماته على أوتار قلبها لتجد نفسها تبادله العناق مرددة:
_ الله يبارك فيك يا حبيبي.
أخرجها من أحضانه يسحبها إلى ساحة الرقص لتبدأ رقصتهم وسط الزغاريد المنتشرة حولهم.
قبل يدها قبل أن يضعها على موضع قلبه ويبدأ الرقص، كانت ترى تحديقه بها كأنها أعظم انتصاراته ليضج قلبها بمشاعر الحب الذي رواها هو وأثمرت عشقًا جميلًا.
_ بطل تبصلي كده بتكسف.
اتسعت ابتسامته وقال بهيام:
_ هو حد يكون قدامه القمر وميبصلوش؟ وبعدين أنا بحمد ربنا على النعمة اللي أنا فيها، معقول أنا مراتي بجمال ده كله؟ ده أنا ربنا بيحبني بشكل، الحمد لله، أهو دعاء أم "مهاب" خلاني أفوز بجوهرة.
أسبلت أهدابها خجلًا وقلبها يدق بجنون حتى تخاذلت كلماتها فلم تستطع مجاراته لتهبه ابتسامة خجلة، واكتفى هو بها.
***********************
وقفت تراقب المشهد من بعيد، عينيها دامعة وقلبها سعيد لأجل صديقتها، حتى شعرت فجأة بشخص يقف خلفها ويد توضع على عينيها لتبتسم قائلة بثقة:
_ "سونة" حبيبي أكيد.
رفع يديه لتستدير نصف استدارة تواجه وجهه المندهش بضحكات وهو تسمعه يسألها متعجبًا:
_ عرفتي إزاي؟ ده أنا متكلمتش.
رفعت كتفها بفخر وغمزت له قائلة:
_ قدرات.
ثم ابتسمت تخبره بحب وعينيها معلقة بعينيه:
_ أنا حافظة لمسك وريحتك وبسمع صوت قلبك.. يعني عادي أعرفك من وسط ألف.
ظل يطالعها ثوانٍ، عينيه تمعن النظر إليها:
_ هو أنا بحبك من شوية.
_ وأنا كمان بموت فيك.
اتسعت ابتسامته لكن سرعان ما ذابت تلك الابتسامة وتحولت لحيرة وهو يرى امتعاض وجهها المفاجئ قبل أن تلومه وهي تمسك بطرفي سترته مستاءة:
_ مش قولتلك بلاش تلبس البدلة الكحلي.
عقد حاجبيه يسألها بقلق:
_ ليه وحشة؟
مطت شفتاها بعبوس وقالت متذمرة:
_ شكلك يجنن فيها، طالع حلو أ
قوي، إزاي هحوش أنا عينين البنات عنك دلوقت.
تنهد بارتياح ولطم جبهتها ثم وجنتها بخفة متهكمًا:
_ سيبتي ركبي يا مجنونة.
أمسك كتفيها يثبت عينيه على وجهها ويخبرها بتأكيد:
_ عمري ما هبص لغيرك يا مجنونة، عيني مش بتشوف غيرك، افهمي.
تأففت مستنكرة وقالت بغنج:
_ بغير عليك يا "سونة".
ضحك منتشيًا ورفع يده يحيط كتفها ويضمها إليه:
_ مش محتاجة تغيري يا عبيطة، "سونة" وقلب "سونة" ملكك.
_ ربنا يحفظك ليا يا قلب "قمر".
ثم حاولت أن تشاكسه ضاحكة:
_ ويبعد عنك عيون البنات.
هز رأسه بقلة حيلة وقال بيأس:
_ مفيش فايدة.
***************************
جلست هادئة كعادتها تراقب الحفل بصمت، تمسح بعينيها المكان لتظهر ابتسامة بسيطة تظهر استمتاعها بالأجواء.
اتسعت ابتسامتها وهي ترى "مهاب" وسعادته بـ "ورد"، رمشت عينيها فيومًا تذوقت حبًا مثله جعلها تطير في السماء قبل أن يسقطها ذات الحب أرضًا لتفيق على وجع قلبها المجروح.
بهتت ابتسامتها وهي تقارن الأمس باليوم، فذلك الجدار الذي بنته بينهما أصبح صلبًا لا تستطيع مطرقة الأسف هدمه.
اعتدلت في جلوسها ورفعت رأسها بعفوية لتصدم بعينيه التي تتأملها بحب تحول لرجاء ما إن تلاقت عيناهما.
رغم الصمت كان عتابها أقسى وتوسله أعمق، فتلك العيون روت ما اعتلى صدور أصحابها فأثقلها.
تفاجأت به ينظر إلى ساعة يده الأنيقة وينهض مغادرًا، ورغم أنها كانت تمنع عينها من اتباعه لم يتحمل قلبها ذلك وظلت تنظر إلى أي اتجاه رحل لكنها فقدت أثره بين الزحام.
حاولت أن تشغل نفسها عن التفكير في وجهته لكنه ظل يسيطر على تفكيرها تسأل نفسها أين ذهب، حتى وجدته يعود بعد قليل حاملًا طبقًا وضع عليه كمية من الطعام وقنينة عصير ليضعها أمامها.
تفاجأت ودارت عينيها بحرج فلم يحن بعد وقت افتتاح البوفيه، انحنى نحوها يهمس لها:
_ استأذنت من الشيف وقلتله مراتي حامل محتاجة تاكل عشان تاخد الدوا بتاعها.
ثم ربت على كتفها يحثها على تناول الطعام:
_ يلا يا روحي كلي عشان تاخدي الدوا بتاعك.
استشعر حرجها وترددها ليمسح على ذراعها:
_ متتكسفيش عادي، انت حامل ومحتاجة غذا.
مسح على رأسها قبل أن ينحني يقبلها ويعود إلى مكانه.
أخفضت عينيها تنظر إلى ما يحتويه الطبق لتلسع عينيها الدموع وهي ترى كل ما تحبه وُضع فيه، إذن لا زال يعلم ما تحب وترغب، خفق قلبها وعاد ينبض باسمه كأنه وشمها بحبه، رفعت عينيها نحوه ببطء لتجد ابتسامته الواسعة تزين وجهه ليومئ لها أن تبدأ بتناول طعامها.
التقطت الملعقة بتردد وتبدأ بتناول طعامها بخجل تحت نظراته المسلطة عليها بعشق.
******************************
وعلى مسافة قريبة كان هناك شجار ينشب بينهما وهو يمسك يدها ويجذبها نحو الطاولة يجلسها بضيق ويأمرها:
_ مش قلت بلاش تتحركي كتير؟ وبعدين معاك، انت مبتسمعيش الكلام.
ثم التفت نحو "سماح" الجالسة على ذات الطاولة يشهدها على ما يحدث:
_ شايفة يا "سموحة" عشان تصدقي لما أقولك إنها مبترحمش ابني.
لوت شفتها ساخطة وقالت تؤيد كلامه وهي تؤنب ابنتها:
_ شايفة يا حبيبي عندك حق، انت يا بنتي غاوية تتعبي نفسك، انت لسه في بداية الحمل والحركة مش كويسة عليك.
منحه حديثها رخصة ليزيد من لومها قائلًا:
_ اهي بقالها أسبوع على الحال ده يا "سموحة" نشف ريقي وأنا أتكلم ومحدش بيسمع الكلام.
دافعت عن نفسها بحنق وهي تبرر حركتها الزائدة:
_ يا "زياد" ده فرح "ورد" و "أحلام" حامل، إزاي عايزني أسيب ماما لوحدها.
احتدت عيناه وقال بشيء من الانفعال وهو يضرب على جانب رأسه:
_ انت عاوزة تجننيني؟ يعني انت مش حامل؟ وبعدين مش ماما قالتلك ملكيش دعوة واستريحي، أهي خالتو "شمس" وخالتو "هدى" و "قمر" و "مليكة" معاها.
قالها يعد على أصابعه لتتوتر وهي توزع نظراتها بينه وبين والدتها التي لم تقل ضيقًا عنه لتتلعثم وهي تحاول إقناعه:
_ بس يا "زياد" عيب.. أنا اتكسـ...
لم يمهلها إكمال كلماتها ليضع يده على صدره يشير لها نحو نفسه:
_ وأنا أخو العروسة وبقولك اقعدي يا "رحمة" واستريحي، هلكتي ابني بتنطيط بتاعك.
تجهم وجهها معترضة على حديثه:
_ قول كده، كل اللي همك ابنك.
طالعها بتحدٍ وقال بغضب مصطنع:
_ أيوه ابني أهم حاجة في الدنيا وقبل منه أمه يا مجنونة.
أشعرتها كلماته بالسعادة رغم تظاهرها بالضيق فأخفت ابتسامتها متعمدة نقل نظراتها نحو "سماح" التي كانت تراقب حديثهم برضى وهي تبصر اهتمامه بابنتها، ليغمز لـ "سماح" ويقول مهددًا:
_ "سموحة" خليها قاعدة مكانها عشان لو قامت تاني هربطها بالكرسي اللي قاعدة عليه.
التفت إليها يكتم ضحكاته وهو يشاهد عبوس وجهها، هز سبابته أمام وجهها بوعيد:
_ اقعدي عاقلة وكوني غير حركة، انت فاهمة.
هتفت باستياء مستنكرة:
_ هو أنا عيلة عشان تكلمني كده.
لم يستطع التحمل لينفجر ضاحكًا يمسح على وجنتها بحنان:
_ أحلى عيلة في الحفلة.
ثم ضربه على وجنتها بخفة وقال يشاكسها:
_ يلا اسمعي الكلام عشان أجبلك شوكولاتة.
أبعدت يده عن وجهها بغيظ:
_ "زياد" بطل غلاسة.
ليقرص وجنتها بعناد يعض على أسنانه يقول من بينها:
_ حبيبي القموص يا ناس، عسل.
ثم تركها وغادر لتنظر لأثره بضيق وتشكوه لوالدتها:
_ شايفة عاجبك اللي بيعمله.
لتفاجئها "سماح" وهي تقول بسعادة:
_ شايفة وعاجبني، مش خايف عليك، اسمعي الكلام وبلاش حركة.
عقدت يديها على صدرها بضيق وهي تجدها تؤكد كلامه وازدادت ضيقًا وهي تجده يقف بعيدًا يبتسم قبل أن يرسل لها قبلة في الهواء، لكن سرعان ما ابتسمت تغمغم في سرها:
_ بحبك.
******************************
وليس ببعيد من هذا المشهد كان هناك شجار من نوع آخر وهي ترى عينها تتقد غضبًا ونظراته كانت كرصاصة اخترقت جسدها دون أن تلمسه لتربكها وتحاول أن تتوقف معتذرة من صديقتها وتنسحب من جانبها معللة ذلك بنداء والدتها عليها.
ابتلعت ريقها بخوف وكلما اقتربت منه وجدت صدره يعلو ويهبط كأنه ينفث أنفاسه الحارة، أصبحت أمامه لتجلي حنجرتها وتقول خائفة:
_ "أصيل" حبيبي اتأخرت ليه.
سؤالها لم يجد إجابة بل جوبه بسؤال آخر:
_ كنت بتعملي إيه؟
تلعثمت في إجابتها وقالت بخفوت:
_ كنت واقفة مع "جنى" صاحبتي، طلعت قريبة "مهاب" عريس "ورد".
لم ترق له تلك الإجابة فهو ليس بالغبي، لقد رآها تتمايل مع صديقتها تارة وتغني وتصفق تارة أخرى، وربما ما أشعل غضبه ذلك المتطفل الذي كان يحدق بها ولا يعلم من يكون ليكرر سؤاله ضاغطًا على حروف كلماته:
_ كنت بتعملي إيه؟
عينيه أرعبتها فقد كانت كسوط يجلها لتقول الحقيقة، أخفضت عينيها وقالت بخوف:
_ واقفة بصفق بس.
_ "مليكة".
_ وبغني.
_ وكمان.
رفعت رأسها تجيبه بسرعة وسبابتها تهتز باضطراب أمام وجهه نافية:
_ مرقصتش كنت بتمايل بس.
كرر إجابتها ساخرًا:
_ بتتمايلي مش كده.. طب لفي وشوفي الحيوان اللي بيبصلك ده مين عشان كمان شوية وهيودع عيونه الحلوين.
التفتت ببطء وقلبها يقرع كقرع طبول الحرب تنذر بعاصفة غضب ستدمرهم إن لم تمتصها.
عرفت هو من الشخص فلم يكن سوى شقيق "جنى"، شخص قليل الحياء بالفعل فلا زال يرمقها بنظرات جريئة أثارت اشمئزازها، أغمضت عينها تستعد لمجابهة انفعاله:
_ والله ما شفته ولا أعرف إنه كان بيبصلي.
_ وبقية الرجالة الموجودة.
_ آسفة منتبهتش، كنت مندمجة وأنا لما بندمج بنسى نفسي.
اصطكت أسنانه بغضب ما بين راحة حبه وسندان المكان ليقبض على راحته يحاول أن يسيطر على انفعاله كي لا ينفجر في وجهها وتؤذيها كلماته:
_ مافيش حاجة اسمها نسيتي نفسك، انت مش في أوضتك عشان تقولي نسيتي نفسك.
أصابتها صدمة عندما رأته يتجاوزها متجهًا نحو ذلك الشاب، سارت وراءه تسأله بخوف:
_ "أصيل" انت رايح فين.
أمسكت ذراعه توقفه وتمنعه من التقدم مترجية:
_ "أصيل" أرجوك بلاش تعمل حاجة، بلاش نبوظ فرح "ورد" وحياتي عندك.
تسمر مكانه لحظات كأن كلماتها كانت كجرس تنبيه وسط عاصفة غضبه الهوجاء فتدارك تهوره احترامًا لحماه وأبناء عمومته.
التفت إليها وأزاح يدها عنه بعنف قبل أن يغير اتجاهه نحو الطاولة التي تجلس عليها شقيقته "سندس" متجاهلًا ندائها باسمه.
*************************'' '
وجدها تجلس شاردة الذهن يبدو عليها التوتر، تطالع هاتفها وتنظر نحو شقيقتها تارة تبتسم وأخرى تبهت ابتسامتها بشحوب.
اقترب منها بقلق وسألها بخوف:' '' ' '' '
'
_ مالك يا حبيبتي شكلك مش على بعضك.
التفتت إليه تخبره بمخاوفها:
_ خايفة يا "شريف" خايفة على بابا، هو متعلق بـ "ورد" أوي وشكله تعبان ومتأثر أوي، أنا خايفة عليه.
مسح على ذراعها يهدئها مطمئنًا:
_ متخافيش يا حبيبتي، عمو "طارق" قوي وعاقل وبيعرف يتصرف.
أومأت له تؤيد حديثه، فشعر بالإشفاق عليها ليحاول التخفيف عنها يشاكسها متغزلًا وهو يعود خطوة إلى الوراء ويشملها بنظرة إعجاب عاشقة:
_ بس انت النهارده طالعة قمر يا روحي، هما الحوامل كلهم بيكونوا حلوين كده.
توردت وجنتاها بسعادة وأزالت كلماته الجميلة توترها لتقول بامتنان وعشق:
_ عيونك الحلوين يا قلبي.
ضمها إليه متنهدًا بحب:
_ قلب حبيبك
***************""********
بحثت عنه بعينيها بين الحضور فلم تجده فتسلل القلق إليها لتنطلق باحثة عنه بلهفة، فتفاقم قلقها عندما لم تجده في القاعة فضرب الرعب جنبات قلبها فتهاوى يخفق بجنون.
فخرجت خارج القاعة تبحث عنه باضطراب حتى وجدته يقف منزويًا في إحدى الزوايا.
زفرت أنفاسها بارتياح لكن قلقها لم يزُل فمظهره صدمها، عينيه محمرة ووجهه شاحب، اقتربت منه تسأله بلهفة:
_ مالك يا حبيبتي واقف هنا ليه.
مسح على وجهه بضيق وطالعها لثوانٍ لا يعرف ما يخبرها وذلك الحزن يجهز على صدره يخنقه، حتى ثقلت الكلمات على لسانه.
نفخ أنفاسه يحاول السيطرة على أعصابه المتهالكة قبل أن تتشابك نظراتهم من جديد فيجدها ترجوه بقلق:
_ "طارق" أرجوك قلي مالك.
قاوم حزنه يشكو لها بأسى:
_ مش قادر أتحمل يا "ندى" مش عارف هستحمل بعدها إزاي، حاسس نفسي بتخنق.
أشفقت عليه، تعلم مدى حبه لها، اقتربت تمسك يده وتتمنى لو تستطيع أن تحمل عنه حزنه، لكنها بدل أن تواسيه عاتبته بلطف:
_ حبيبي بتعمل كده ليه؟ دي سنة الحياة، ادعيلها ربنا يوفقها ويسعدها.
اغرورقت عيناه وأمسك أنفه يكتم عبراته يخبرها بصوت مختنق ملأته الكسرة:
_ ربنا يسعدها بس غصب عني مش قادر يا "ندى" انت عارفة هي بالنسبالي إيه.
مسحت على صدره بحنان تحاول تهدئته:
_ عارفة يا حبيبي وحاسة بيك، بس هون على نفسك يا روحي.
ثم استطردت تحاول إقناعه بهدوء وهي تقول مطمئنة:
_ اطمن يا حبيبي "مهاب" بيحبها وهيراعيها، متخافش.
عينيه الدامعة تعلقت بعينيها بتمني وقال يدعو لها:
_ يارب يراعيها.
جذبت يده تحثه على اتباعها وتمازحه بدلال:
_ يلا يا حبيبي انت عارف مش برتاح وانت مش معايا، ولا أنا مش حبيبتك كمان زي "ورد" هانم.
اتسعت ابتسامته رغم دموعه العالقة بين أهدابه:
_ انت الأصل يا "ندوش" ومكانك محدش يقدر يهوب ناحيته.
ضج قلبها يخفق بسرور تخلله الفخر فقد أرضتها كلماته، لكنها استمرت تناغشه:
_ أيوه كده طمني، افتكرت إنه راحت عليا خلاص.
افتر ثغره بضحكة بسيطة، مسح على وجنتها بحنان:
_ ده انت اللي في القلب يا أم "زياد".
******************'*' ''
كان يطالع اجتهادها في الاندماج مع عائلته وهي تساعدهم معلنة بتصرفها أنها فرد منهم، ابتسم يتذكر محاولاته في التقرب منها وإزاحة جدار الجليد الذي تبنيه بينهم منذ أن شاركها السكن وكيف تهرب منه دائمًا، يعلم ما مرت به في تجربتها السابقة لكن كان يتمنى أن تمنحه فرصة، ومع هذا هو تريث في هذا الأمر فتتقبل وجوده معها أولًا ثم ستتقبله كزوج لها، اقترب منها وهي تقف تتلقى بعض الأوامر من "شمس" التي أسعدته اليوم وهي تخبر صديقتها التي سألتها عنها أنها زوجة ابنها وابنتها في آن واحد.
ابتعدت عنها "شمس" لتجده أمامها بابتسامته التي تعشقها وتربكها معًا:
_ "نونو" تحبي أساعدك.
توترت من نظراته التي أصبحت أكثر جرأة لتقول ببلاهة:
_ هااا.
_ تحبي أساعدك؟ شايفك ملخومة.
هزت رأسها نافية:
_ لا متشكرة، ماما "شمس" كانت بتوصيني أستريح وأستمتع بالفرح.
_ ماما عندها حق، استمتعي بالفرح.
ابتسمت بحرج وقالت مستفسرة:
_ أنا معرفش أعمل إيه يعني.
انفلتت ضحكاته على طيبتها وبساطتها، تلبي أمرًا لا تفهمه، استفزتها ضحكاته لتسأله:
_ بتضحك ليه.
توقف يلتقط أنفاسه يجيبها:
_ أصل سؤالك غريب يا "نونو" استمتعي، اعملي حاجة اللي بتحبيها، اتفرجي يا ستي، وبسر، ثم صفق بيده قائلًا:
_ سقفي لو حابة أو اتفرجي، ابتسمي، اعملي أي حاجة.
فاجأها وهو يجذب يدها لتتأبط ذراعه ويبدأ بالتصفيق فاندمجت معه حتى تجمدت وهو يدنو منها هامسًا:
_ عقبال ما نحضر فرحنا.
طالعته بذهول فابتلعت ريقها وهي تسأله مرددة آخر كلماته:
_ فرحنا.
رفع كتفه بعدم استيعاب لدهشتها ليجيبها مؤكدًا:
_ أيوه فرحنا.
حتى صمت في لحظة إدراك أنها لم تصدق بوعده، ليدنو أكثر يهمس لها من جديد:
_ أيوه هو أنا ما قولتلكيش إني هعملك أحلى فرح في الدنيا.
_ بس احنا متجوزين.
سؤال طرحته بسرعة لاستغرابها:
_ هو مش من حقنا نعمل فرح و تلبسيلي الفستان الأبيض وأنا أبقى عريسك وأدلعك زي ما "مهاب" بيدلع "ورد"؟ هو انت منفسكيش نعمل فرح وتدلعي زيها
ابتلعت غصة مرة في حلقها تتذكر عرسها البسيط، فقد بخل عليها بعرس كهذا واكتفى بحضور أهله وكانت الحفلة مقتصرة عليهم.
تحشرج صوتها تخبره بخفوت:
_ أيوه نفسي نعمل فرح.
ابتسم يعدها:
_ وعد يا "نونو" هعملك أحلى فرح في الدنيا.
غمرتها السعادة حتى أدمعت عينيها فرحًا وهي تتخيل أنها ترتدي الفستان الأبيض وتتأبط ذراعه كما تفعل الآن.
*******************×********
كان جالسًا يتحدث مع شقيقته يطمئن عليها والأخرى تحدثه بشوق وحنين تحت نظرات ذلك الذي كان يستمتع بسماع صوتها الذي يشتاقه.
حتى تفاجأ بصوت "مليكة" ينادي عليه بنبرة صوت حملت توسل صاحبتها:
_ "أصيل"... ممكن أتكلم معاك دقيقة لو سمحت.
التفت إليها ليجدها تنظر برجاء، حاول الرفض بعناد فضيقه منها لم ينتهِ، لكنه انتبه إلى عيني "حسن" اللتان توزعتا بينهما بفضول وترقب ولم يقل فضوله عن فضول "سندس" التي ترمقه متعجبة من بروده ولهفتها:
_ حاضر.
قالها قبل أن ينهض ويتبعها في صمت حتى وصلا إلى مكان منزوٍ خارج القاعة، كانت خطواتها المضطربة تشي له بقلقها حتى توقفت ليتوقف أمامه يضع يده في جيب بنطاله وينظر لها بجمود زاد من توترها:
_ "أصيل" أنا آسفة والله ما خدتش بالي يا حبيبي.
صمته وتحديقه بها أربكها لتَعده بصدق:
_ مش هتتكرر صدقني.
لم تهتز ملامحه بل ظل وجهه المتجهم يطالعها بهدوء دل على عدم اقتناعه، اعتصرها قلبها فيبدو أنه لا يزال متضايقًا منها، انسابت دموعها بقهر تسأله بصوت ضعيف:
_ انت لسه زعلان مني.
فاختنق صوتها تواصل سؤاله برجاء:
_ "أصيل" أنا اعتذرت منك، عاوز إيه أكتر عشان تسامحني.
أحزنت دموعها قلبه العاشق لتلين ملامحه فيخرج منديلًا من جيبه ومد يده يمسح دموعها:
_ اش.. اش.. خلاص متعيطيش.
لكنها عادت تخبره باستياء مرددة باستنكار:
_ ما انت مش عاوز تصدقني.
ظل يمسح دموعها التي أبت التوقف:
_ لا مصدجك بس مضايج منك وحاسس إن جلبي محروج، نفسي أكسر رأس الغبي اللي كان بيبصلك.
لتسأله بعبوس طفولي:
_ يعني سامحتني.
ابتسم يخبرها بعشق:
_ وهو أنا أقدر أزعل منك يا مجنونة؟ ده انت حبة الجلب وخليلة الروح.
ابتسمت من بين دموعها تخبره بغنج:
_ وأنا كمان بحبك قوي يا حبيبي.
أدهشها تجهم وجهه من جديد يخبرها بضيق مصطنع:
_ بحبك... وحبيبي مرة وحدة؟ اصبر أنا كده إزاي وأعمل إيه في نفسي.
ثم رفع يده يدعو الله:
_ يارب صبرني لغاية ما تخلص كليتها، حاكم كمان شوية وهتهور واخطفها.
أخفض صوته يكمل بغزل:
_ وأخبيها جوة جلبي وأجفل عليها بجفون عينيه.
أنعش قلبها بكلماته وأسعدتها طريقة إرضائه لها، فانفلتت ضحكتها وهي تسمعه يخبرها بطريقة فكاهية:
_ شكلي بوظتلك مكياجك.
_ فداك المكياج وصاحبه المكياج يا قلبي.
_ "مليكة".
هتف بها يمثل الغضب وهو يشير لها أن تتحرك نحو الداخل:
_ يلا جدامي أحسن هتهور دلوك.
*******************""***
كانت تلك اللحظات ربما الأصعب في حياتها، وهي تجد نفسها واقفة أمامه. شريط الذكريات الذي مر أمام عينيها كان هو بطله؛ حبيبها الأول، ووالدها الذي لم تعرف للحب في قلبها معنى يضاهيه.
تقسم أن حبها له لن تكفيه مجلدات الشعر ولا قصائده، ولن يوفيه حقه نثر من الأدب.
عجزت الكلمات عن الخروج، حتى ثقلت على لسانها، وما إن انفرجت شفتاها حتى تلاشت الكلمات، كأنها نسيت حروفها كلها.
أما هو، فيجزم أن قلبه يحترق رغم ثباته. يداه ترتعشان، بل كأن كل خلية في جسده ترتجف، وهو يشعر بأنه ينتزع قطعة من روحه...
فلم تكن يومًا مجرد ابنته؛ كانت رفيقة الروح وأنيستها، صديقة أبيها، وخازنة أسراره منذ أن وُلدت. وهبت له حياة جديدة مع والدتها، وأغلقت كتب جراحه، حتى اعتبرها أيقونة سعادته الأبدية.
كيف سيختصر وداعها في حضن أو قبلة، ووداعها يحتاج إلى طبيب يداوي جرحه بعدها؟
سخر من نفسه حين تذكر عبارته القديمة لها: «عجز الطبيب عن علاج جرحه العصي... وهل من تؤذى روحه يستطيع علاجها؟»
تنحت لغة اللسان جانبًا، وتجردت الكلمات من معناها، لتحل لغة العيون مكانها.
كان ينظر إليها للمرة الأخيرة مودعًا. لم يبق سوى تلك الدقائق القليلة، وكلاهما يعلم أنها ستمر كلمح البصر.
عيناه اللتان ترجوانه ألا يكسر فرحتها خانتاه، وانسابت دموعه معلنة تمردها، وما إن فتح ذراعيه ليحتضنها حتى ركضت نحوه، كأنها عادت طفلة تبحث عن أحضانه.
ارتمت بين ذراعيه، تخنقها دموعها، بينما تكالب جميع من حولهما يحاولون تهدئتهما وإيقاف بكائهما، لكن عبثًا... فلم يسمعا سوى نداء قلبيهما.
توسل لسانه أن ينطق، فخرجت كلماته باكية كعينيه:
ربنا يسعدك يا حبيبة أبوك.
ثم اختنق صوته، وسألها:
هتسبيني يا "ورد"؟ هتسيبي حبيبك؟ هرجع البيت إزاي من غيرك؟ مين اللي هيستقبلني بعدك؟ مين اللي هيحكيلي وأحكيله؟ مين اللي هصبح في وشه وأقوله: صباح الخير يا أحلى بابا؟ مين يا "ورد"؟
اهتز جسدها مرتجفًا، وبدأت شهقاتها تختنق. قاومت دموعها، لكنها لم تستطع؛ فقلبها الذي يعشقه كان أضعف من أن يتحمل عباراته.
يا روح حبيبتك، متسيبنيش يا بابا... أنا مش عاوزة أسيبك. خلاص، مش هقدر أبعد عنك. خبيني في حضنك ومتخرجنيش منه. "ورد" حبيبتك مش عاوزة تبعد عنك.
خفتت صرخات من حولهما، وتعالى بكاؤهم، فقد أحزنت كلمات وداع الأب وابنته الجميع.
اقترب "مهاب" منه يمسح على ظهره يحاول تهدئته وطمأنته في آن واحد:
_ متخافش يا عمي هشيل "ورد" في عنيا ومش هتبعد عنك وهخليها تزوركم لو حبيت كل يوم.
اقترب "فارس" من شقيقه مشفقًا عليه كما اقتربت "ندى" التي كانت خائفة من هذه اللحظة رغم حزنها هي الأخرى لكنها كانت صامدة تحاول امتصاص حزنه لتحاول إبعاد ابنتها بحزم:
_ يا "ورد" مش كده يا بنتي.
هتف "فارس" يلومه:
_ كفاية يا "طارق" متكسرش فرحتها.
ثم سحبه يجبره على الابتعاد عنها وساعده "علي" أيضًا يحاولان إقناعه أن يبتعد ليبتعد عنها مرغمًا يردد:
_ متنسيش أبوك يا روح أبوك.
التقفتها أحضان "مهاب" ما إن خرجت من أحضان والدها ليضمها بقوة يعاتبها:
_ اهدي يا "ورد" مش كده تعبتي أبوك.. بطلي عياط عشانه.
_ بابا يا "مهاب".
رددتها بهستيريا، قبل رأسها يمسح على ظهرها يحاول تهدئتها واقتربت خالاتها يلومونها ويدعونها إلى التوقف ومرافقة زوجها إلى السيارة.
أشار "فارس" لـ "مهاب" أن يأخذ عروسه ويغادر ليحيطها ويدفعها الى الامام يحثها على مرافقتها، رحلت معه كالمغيبة وسط دموعها.
أما "طارق" فما إن خرج من أحضان ابنته عينيه كانت تبحث عنها حتى وجدها تقترب منه تمسح دموعه ليرتمي باكيًا بين ذراعيها كطفل يشكو لأمه:
_ هتوحشني يا "ندى".
ضمتها بقوة وقالت تخفف عنه:
_ حبيبي بلاش كده، مش كويس ده فال شؤم عليها، افرحلها يا "طارق" دي سنة الحياة يا حبيبي.
****************************
وصل بها إلى منزلهم وهي صامتة طيلة الطريق رغم محاولاته مشاكستها التي كانت ترد عليها بابتسامة باهتة، فاجأها يحملها لتشهق مجفلة فقهقه ضاحكًا على خوفها، دخل المنزل وأغلق الباب خلفه لينزلها بحرص وسط صالة المنزل كأنها أغلى ما يملك:
_ ألف مبروك يا عروسة، نورتي بيتك يا جميلة.
أجابته بصوت بح من شدة بكائها:
_ الله يبارك فيك.
أحاط وجهها بكفيه يقبل أجفانها المتورمة يعاتبها برقة:
_ شفتي عملت إيه دموعك في عيون حبيبتي.
ثم انحنى يقبل جبهتها قبلة طويلة لتغمض عينيها تستشعرها وابتعد عنها يعدها:
_ هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تكوني سعيدة ومشوفش دمعة في عينيك.
احتضنها بقوة يصف لها مشاعره بوجودها:
_ متعرفيش أنا فرحان قد إيه إن حلمي تحقق وخلاص اتجمعنا تحت سقف واحد.
كانت داخل أحضانه تسمع نبضات قلبه المتسارعة وتلمس دفء أحضانه لتتذكر حديث والدها عن حلاوة تلك اللحظات عندما تحدث في وقتها وابتسمت عندما شعرت بمذاقها الجميل فقد صدق والدها في حديثه.
أخرجها من أحضانه يلومها بعشق:.
_ كده يا "ورد" عاوزة تفضلي في حضن باباكي وتسيبي "مهاب" حبيبك؟ طب أنا أعمل إيه من غيرك.
أسبلت أجفانها بخجل تهرب من عتاب عينيه، رفع وجهها لتواجه عينيها عينيه يخبرها بوعيد:
_ لازم تتعاقبي وتدفعي ثمن قلبي اللي كسرتيه.
وقبل أن تفتح فمها كي تدافع عن نفسها وتبرر له سبقها هو ينفذ وعيده ويعاقبها بطريقته الخاصة