رواية براعم الحب الفصل الرابع والاربعون44 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل الرابع والاربعون44 بقلم رشا عبد العزيز
لا نعلم كيف ستجتمع أقدارنا ولا ما يخبئه لنا المستقبل، لكن نصيبك ستسوقه لك تلك الأقدار ولو كان بعيدًا عنك، فيضعه أمامك حتى لا تعد ترى سواه ولا تسمع إلا صوته، روحه تعانق روحك بلا حواجز تكملها لتكتمل حياتك به ومعه، فتعلم أنه نصفك الآخر.

تعلقت عيناه بعينيها لثوانٍ يراقب ردة فعلها لكنها ظلت صامتة، كانت الأفكار تدور في رأسها تحاول استيعاب ما يخبرها به. اقتربت منه بخطى بطيئة، جلست على حافة السرير.
صمتها أربكه ليقترب يجلس بجانبها يحاول أن يقنعها بما يخبرها به، يعلم خوفها على "نور".

_ ماما أنا بحب "نور" وعاوز أكمل معاها حياتي، عاوزها زوجة يا ماما مش واحدة بساعدها وخلاص.

رمشت عينيها تزن كلماته في عقلها، التفتت نحوه تنظر لعينيه كأنها تتحرى صدق حديثه لتجد عينيه ترجوانها، فسألته بريبة:

_ أنت متأكد من مشاعرك يا حبيبي؟
أجابها بلهفة وبدون تردد يؤكد لها:

_ أيوه يا ماما أنا بحبها بجد ومتأكد من مشاعري، ما تخافيش أنا مش بلعب بيها.
نظراتها كانت تصوب اتهامه نحوه وإن حاولت إخفاء ذلك، ورغم أن لسانها لم ينطق بمخاوفها لكن قرأ ذلك الاتهام على محياها:

_ حبيبي أنا....
بتر جملتها يحاول طمأنتها ونزع جذور الشك داخلها:

_ ماما حبيبتي عارف إنك خايفة تكون مشاعري مجرد نزوة، ما تخافيش يا أمي أنا ما اتخذتش القرار ده إلا بعد ما اتأكدت من مشاعري.
وأخيرًا انفرجت شفتاها بابتسامة ارتياح بسيطة وسألته بنبرة قلقة:

_ وهي يا حبيبي رأيها إيه؟

أخفض عينيه حرجًا منها وقال بصوت حمل حقيقة ما عرفه:
_ ماما "نور" بتحبني كمان.
رفع عينيه متلهفًا تسبق فرحته كلماته:

_ هي اعترفت لي إنها بتحبني.
اتسعت ابتسامتها بسعادة لأجل ولدها وتلك الفتاة البريئة لكنها لم تمنحه مباركتها قبل أن تطمئن بشكل كامل عليها:

_ حبيبي وكليتها؟
هربت عيناها من عينيه لتقل الكلمات على لسانها حرجًا منه وهي تسأله:

_ أنت عارف يا بني لما تتغير صورة حياتكم ممكن يأثر على دراستها.
فهم ما تعنيه ليبتسم بحياء يجيبها:

_ ما تخافيش يا ماما أنا عاوز نعيش مع بعض بس عشان نقرب من بعض ونتعود على بعض.
ثم أخفض عينيه يخبرها بجرأة رغم خجله مما يقوله لكن خرج صوته يحمل الحسرة على ماضٍ تمنى لو استطاعت أن تنساه:

_ أنت عارفة "نور" ووضعها واللي حصلها من "حسام" مش هيخليها تتقبل علاقتنا كزوج وزوجة بسهولة.

صمت يبتلع ريقه الذي جف حرجًا وقال يحاول التوضيح لها:

_ حياتنا مع بعض هتكون بحدود لحد هي ما تتقبلني، وحتى لو ده حصل يا ماما أنا وعدتها تكمل دراستها وهوفي بوعدي إن شاء الله.

مدت يدها تشد على يده وتترجاه أن يمنحها وعدًا آخر:

_ حبيبي أوعدني إنك تخلي بالك منها وتسعدها، البنت شافت كتير وتحملت كتير مش هوصيك عليها تاني.
هز رأسه يطمئنها:

_ اطمني يا ماما "نور" في قلبي قبل عنيا.
أدمعت عيناها سرورًا وفتحت له ذراعيها لتعانقه بحب مرددة:
_ ألف مبروك يا حبيب ماما ربنا يسعدك يا حبيبي.
_ ربنا يبارك فيكِ يا حبيبتي ويحفظك لينا يا أحلى أم في الدنيا.
******************************

تعالت صرخاته بانزعاج يهتف بضيق يطالع شاشة التلفاز ويحاور لاعبين كأنهم يسمعونه، يوبخ من يخطئ ويثني على من أحسن التصرف رغم أنه من يمسك ذراع تحكم لعبة البلاي ستيشن ويضغط على أزرار التحكم بحركة اللاعبين. أصابها الصداع من هذه الضوضاء التي أصبحت منهجًا يوميًا لحياتهم، فهو مدمن فيديو جيمز. وأخبرها أن تلك هي متعته الوحيدة إذا أرادت منه البقاء في المنزل وعدم الخروج مع أصدقائه، لكن ما يحيرها أين المتعة في هذا الصراخ والانفعال.

أطلت برأسها نحو الصالة حيث يجلس ينثر الوسائد متكئًا عليها لتلوي شفتها بسخط وتقول مغتاظة منه:

_ أهو يكركب المكان و"أحلام" لازم تلم وراه.
اقتربت منه تحمل كأس العصير الذي أعدته له ووضعته أمامه:

_ اتفضل يا حبيبي.

أجابها شاكرًا وعيناه تركز في شاشة التلفاز يراقب حركة اللاعبين بتمعن ويده لا تفارق ذراع التحكم:
_ تسلم إيدك يا حبيبتي.

جلست على الأريكة القريبة تراقب ما يفعل تتناول العصير الخاص بها قبل أن تخرج هاتفها تتصفحه بعد أن أصابها الملل من تلك الأجواء، بدأت تتنقل بين الصفحات حتى باسترخاء حتى أجفلها صوت صراخه المفاجئ يشتم أحد اللاعبين بعد أن أحرز خصمه هدفًا. التقطت أنفاسها المتسارعة بفزع تلومه:

_ طب أنت بتصرخ ليه عاوزة أفهم.
ليشير لها بانفعال نحو الشاشة:
_ مش شايفة الدفاع الغبي عمل إيه.
هزت رأسها بقلة حيلة وقررت الذهاب نحو غرفتها كي تأخذ قسطًا من الراحة بعيدًا عن هذا الجنون.

تمددت على السرير لتراودها فكرة شقية، ابتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيها.
شغلت التلفاز الموضوع في غرفة النوم خاصتهم ورفعت مستوى الصوت لأعلى درجة، ثم بحثت عن مقطع فيديو يحمل صوت بكاء طفل حديث الولادة، شغلت الفيديو ليملأ صوت البكاء والصراخ المكان، جلست على السرير تترقب ردة فعله بلهفة.

أما في الخارج فـ "شريف" كان مندمجًا مع لعبته عندما وصل إليه صوت الصغير قرر تجاهله في البداية لكن الصوت كان مرتفعًا ومزعجًا بشكل لا يحتمل، ألقى بذراع التحكم جانبًا بضجر واتجه نحو الغرفة.

وجدها تجلس على السرير، نظر إلى التلفاز ليضع يديه على خصره ويطالعها بغيظ قبل أن يسألها حانقًا يشير بعينيه إلى التلفاز:

_ إيه ده يا "أحلام"؟
دخلت في موجة ضحك وهي تطالع وجهه الممتعض لتستفزه بضحكاتها، فاتجه يطفئ التلفاز نهائيًا والتفت إليها يصرخ بضيق:

_ طب والله مجنونة.

توقفت عن الضحك تلتقط أنفاسها المتسارعة وتخبره:
_ كنت بعملك بروفة عشان تتعود من دلوقت.
كرر حديثها متهكمًا بحنق:

_ بروفة كتر خيرك مش عاوز أتعود.

لكنها قالت بعناد محبب تخرج غيظها منه بدلال:

_ أهو اتحمل مش أنا متحملة زعيقك العالي بقالي ساعة.
طالعها بتحدٍ يكتم ضحكاته على مظهرها فهي تنجح دومًا بامتصاص غضبه:

_ بقى كده يعني واحدة بواحدة يا "أحلام".
هزت رأسها مبتسمة لينظر لها بتوعد قبل أن ينقض عليها يدغدغها حتى انفجرت ضاحكة تتوسله أن يتوقف:

_ عشان تبطلي هزارك الغلس.
توقف خوفًا عليها لتشهق فزعة وهو يحملها فصرخت بخوف:

_ هتعمل إيه يا مجنون؟

لتتجده يضعها على الأريكة ووضع بيدها ذراع التحكم لتنظر لما يفعل بدهشة وازدادت دهشتها وهو يخبرها بحزم:

_ عقابًا ليكِ هتلعبي معايا عشان تبطلي تذمر.
وقبل أن تعترض أو ترفض وجدت نفسها وسط اللعبة فأخذها الحماس مثله وأصبح التحدي بينهما كبيرًا تخللته ضحكاتهما وانسجامهما يظهر علاقة ترسم بروح جميلة تثبت تناسقها بأبهى صورة.
*******************************

جلس على تلك الأرجوحة الموجودة في حديقة منزلهم يدخن سيجارته خلسة منها.
ارتفع دخان تلك السيجارة ينفثه ببطء يشعر بالاسترخاء، يطالع تلك النجوم التي تزين السماء في تلك الليلة الشتوية بنسيمها البارد بعض الشيء، فقد بدأ الشتاء بالوداع ينهي معه شهورًا من البرد القارس يلف بدفء وداعه أرواحًا عانقت ربيعها بعد ما عاشت فصولًا باردة من حياتها.
ابتسم يشعر أنه يعيش اليوم ربيعًا جميلًا في حياته يتلذذ بسعادته في حبها.
انتفض مجفلًا حينما نادت عليه ليخرج من شروده ينظر لها بدهشة تقف أمامه تعقد يدها على صدرها وتطالعه في ضيق:

_ بتغش يا "حسين" إيه اللي في إيدك ده؟
ادعى البلاهة ينظر للسيجارة التي يحملها بيده ويعاود النظر إليها يدعي الغباء بفكاهة يحرك يده مشيرًا نحوها:

_ دي مش عارف.
لوت شفتها بسخط وقالت بتهكم:
_ سيجارة يا باشا إحنا اتفقنا على إيه؟
رفع حاجبيه وعاد يدعي البلاهة من جديد:
_ دي سيجارة؟

لتجيب بسخرية بعد أن استفزتها طريقته:
_ لا دي مصاصة متنكرة بزي سيجارة.
اتسعت ابتسامته ورفع كتفيه يجاري سخريتها:

_ شفتي طلعت مصاصة.
دبت الأرض بقدمها ورمقته بنظرة مغتاظة لتتجه نحوه تسحب السيجارة من يده وتلقيها على الأرض تدعس عليها بغضب وسط رفضه لتصرفها، ولومها بضيق:

_ ليه كده يا "قمر" دماغي مصدعة.
جلست بجانبه بعد أن شعرت بانزعاجه تحاول مراضاته:

_ حبيبي أنت مش وعدتني تبطل وبعد أنت شربت الصبح واحدة والضهر واحدة خلاص.
تجهم وجهه يدعك جانبي رأسه بتعب يشاهد سيجارته التي دعستها بعد أن انطفأت جمراتها:
_ حبيبتي هي سيجارة واحدة تعدل مزاجي بس عندي صداع..

أشفقت عليه وقالت معتذرة بلطف:
_ حبيبي آسفة والله بس أنا خايفة على صحتك يا "سونا".
لانت ملامحه فحدجها بنظرة جانبية خبيثة وقال يدعي غضبه:

_ طب أنا هضيع الصداع دلوقت إزاي؟
شعرت بالحزن فتلعثمت بحرج تخبره:
_ حبيبي خلاص لو ده يريحك ممكن تضرب سيجارة.

استمر يمثل الغضب وقال دون أن يلتفت إليها:

_ معنديش دي كانت آخر واحدة.
ابتلعت لعابها خجلة وقالت في محاولة لاسترضائه:

_ طب تحب أجيبلك حبة مسكن؟
أجابها باقتضاب:
_ لا.
تضاعف حزنها تشعر أنها قد بالغت في ردة فعلها ولامت نفسها ماذا لو تركت له تلك السيجارة لتقول بقلة حيلة:

_ طب أعمل إيه عشان صداعك يخف؟
لتتفاجأ به يشير لها بسبابته نحو وجنته ويطلب منها أن تقبله.
حدقت به وهزت رأسها بيأس بعد أن فهمت مزحته، وانحنت تقبل وجنته.
ليدهشها من جديد وهو يشير لها أن تكرر فعلتها، أطاعته تقبل وجنته مرة أخرى وقالت باستياء:

_ يعني غشاش ومستغل كمان.
انفجر ضاحكًا على امتعاضها ليرفع يده يضمها بقوة إليه بعد أن أبصر عبوس وجهها لتعاتبه بدلال:

_ كده يا "سونا" خلتني أحس بالذنب.
قبل وجنتها يراضيها:

_ ضمهو أنا فعلًا عندي صداع لكنه بوسة قصاد سيجارة ده النظام المعتمد دلوقت عشان أخف.
ثم أخفض عينيه نحوها يداعبها:

_ مش أنت عايزاني أبطل سجاير وأخف؟
أجابته بغنج:

_ أيوه..
ليقول بثقة يتدلل عليها:
_ خلاص بوسة مكان سيجارة.
انفجر الاثنان ضاحكين على حديثه ليضمها أكثر يخبرها بعشق:

_ حبك دوايا يا قمري.
ضمت هي نفسها لأحضانه وقالت بغزل موازٍ:
_ حبيبي أنت أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشانك يا قلب "قمر".

تنهد بهيام يشدد من ضمها يحيطها بيديه:
_ خليكي في حضني لحد ما يخف الصداع.
ظلت تقبع بأحضانه وصمت الاثنان يستمتعان بصوت قلبيهما اللذين يعزفان لحن حب جميل، قطع هي ذلك الصمت تسأله:

_ فاكر يا "حسين" أول ما سكنا هنا في الفيلا وقتها كان سني اتناشر سنة وكان عندي عروسة باربي بحبها أوي وكنت قاعدة أنا و"قمر" بنتمرجح وبوريها الفستان اللي عملته للعروسة وفجأة جيت أنت وخطفت العروسة مني وجريت وأنا جريت وراك لحد ما وقعت ورجلي اتجرحت يومها الكل زعقلك وأنت عيطت.
شعرت باهتزاز جسده مع انطلاق ضحكاته لتتراخى يديه حول جسدها، ابتعدت عنه تحاول أن تفهم سبب ضحكه فسألته بفضول:

_ بتضحك ليه؟
عاد يضمها إليه ويجيبها على سؤالها:

_ لأن يومها أنا ما عيطتش عشان زعقولي أنا عيطت عشان كنت السبب في إن رجلك تتعور.
ابتعدت عنه هذه المرة ببطء ورجف قلبها تحاول استبيان ما يقصده:

_ أنت تقصد إيه؟
تعلقت عيناه بعينيها تشابكت فيها مشاعرهما بخليط بين الماضي والحاضر وارتسمت ابتسامة خجلة على وجهها وهي تسمعه يخبرها:

_ إني سرقت العروسة عشان كنت بتمنى تتكلمي معايا وبعشق ملامحك وأنت متغاظة مني،

ثم اكمل بابتسامه حانيه

 _كنت عيل ومراهق وأنت أول حب في حياتي قلبي اتفتح له.
ثم داعب أنفها بإصبعه:

_ وآخر حب قلبي اتقفل عليه.

كانت عيناها تتأمله بعشق تحاول استيعاب أنه يحبها منذ ذلك الزمن، لتتفاجأ به يخرج هاتفه ويعاود ضمها من جديد:

_ تعالي أوريكِ حاجة.
تفاجأت به يفتح لها ذلك الملف الذي حمل صورها في مراحل عمرية مختلفة، عيناها كانت تتنقل مع الصور باندهاش وحقيقة حبه الكبير لها تتضح أكثر، انسابت دموعها بتلقائية وعجز لسانها عن الكلام ليصيبه القلق يمسح دموعها ويسألها بخوف:

_ بتعيطي ليه يا روحي؟
كفكفت دموعها وسألته بصوت متحشرج:
_ أنت بتحبني من زمان أوي؟

مسح على وجهها برقة وقال يؤكد لها:
_ من زمان أوي.
لتضمه بقوة تدفن نفسها بين أحضانه وتقول:
_ أنا بحبك أوي.

_ وأنا كمان بحبك أوي يا حب المراهقة والشباب والخرف.

ثم مازحها قائلًا بدعابة:
_ ده أنا بيتهيألي لما أكبر هنسى كل حاجة إلا أنت يا "قمر".
ليقلد صوت رجل عجوز وهو يقول يمثل نفسه في المستقبل:
_ بحبك يا "قمر".
ضحكت على حديثه وشاركها هو يخطون ذكرياتهم الجديدة معًا.

كان هناك شخص يراقب هذا المشهد من بعيد لكن بوجه حانق ومستنكر حتى اقتربت تلك التي تفاجأت من تركيزه مع ما يجري بالخارج، نظرت إلى حيث ينظر لتشاهد المشهد ذاته وتسأله:

_ مالك يا "فارس" أنت بتبص على إيه؟
ليجيبها بغيظ رافضًا ما يحدث أمامه:
_ هو من إمتى "حسين" بقى قليل الأدب كده ده حاضن البنت بقاله ساعة.
ثم أضاف متهكمًا:

_ وبنتك ما شاء الله حضناه ولا كأنها قاعدة في جنينة وفي بيت أبوها.
عقدت حاجبيها تخبره باستغراب:

_ عادي ده جوزها يا "فارس".
ادعى الانزعاج وهتف بضيق:
_ وإذا جوزها تحضنه في بيت أبوها كده مشمش لو سمحتي، البيت ده طاهر.
انفلتت ضحكاتها تعلم أنه يمزح وقالت تربت على ذراعه:

_ طب يا طاهر بلاش أنت بذات تتكلم عن الحكاية دي وإلا نسيت "فارس" اللي يحضن ويبوس في أي حتة مش أنت مع إظهار الحب فعلًا وقولًا وإلا نسينا شعارات زمان.
ارتبك من حديثها يكتم ضحكاته، فهو خير من يعلم بصدق حديثها، ليرسم الغضب على وجهه بصعوبة:

_ ده أنا "فارس" مش "حسين".
والتفت إليها يحيط خصرها ويقول بضيق مصطنع:

_ آه إظهار الحب مش في بيت أبوها يا "مشمش" فين احترام المكان؟
تلمس صدره بدلال وقالت بغنج:
_ عندك حق بس نعمل إيه بيحبوا بعض وساعات الواحد ما يقدرش يسيطر على أفعاله لما مشاعر الحب تسيطر عليه مش كده يا أبو الفوارس.

تأملها بنظرات تتوقد عشقًا وقال بتوتر:
_ كده يا قلب أبو الفوارس وكل دنيته.
ثم أردفت بغنج:
_ ما تخافش هبقى أنبههم إنهم يحبوا بعض في بيتهم.
أتبعت حديثها بضحكات أسرته ليحتضنها لكن سرعان ما ابتعد عنها مجفلًا عندما سمع صوت "شريف" الذي ينادي عليه ليبتعد الاثنان بحرج ويغمغم "فارس" بضيق:

_ هو ده وقته يا كلب.
****************************

دخل مهرولًا إلى المستشفى يحمل ذلك الصغير على ذراعيه وجهه تملؤه الدماء يئن بألم ينازع بين الإغماء والصحو، نظر إليه برعب ليتوسله بأنفاس لاهثة:

_ "ياسين" أنت سامعني أرجوك رد عليا.
لكن "ياسين" لم يصدر سوى أنين وهمهمات مبهمة، رفع نظره ليصرخ بصوت عالٍ:
_ الحقوني عاوز دكتور الولد هيروح مني.
اقترب الأطباء منه وحملوا الصغير أدخلوه إلى الغرفة وبقي هو يقف في الخارج ينظر إلى ملابسه الملوثة بالدماء برعب ولا يدري ماذا يفعل.

وبعد وقت قليل وجد "راجح" و"زهرة" وبرفقتهم "بسملة" يركضون بهلع حتى أرعبتهم ملابسه الملوثة ليسأله "راجح" بلهفة:
_ ماله "ياسين" يا "محمد"؟

نظر إليه يحكي له ما حصل ويحاول طمأنته:
_ كانوا بيلعبوا كورة في الشارع وجت عربية خبطته، الحمد لله كنت قريب وشلته وجبته هنا.
صمت ثم ربت على كتفه:

_ ما تخافش يا بيه إن شاء الله خير.
لطمت "زهرة" وجهها وصرخت تولول على صغيرها:

_ يالهوي ابني راح فيها يا حبيبي يا بني يا حبيبي يا "ياسين".
صرخ "راجح" ينهرها ويأمرها أن تتوقف:
_ انكتمي يا "زهرة" هتفضحينا.

لكنها استمرت تهذي بهستيريا:
_ يا حبيبي يا بني يا خراب بيتك يا "زهرة".
احتضنتها "بسملة" تحاول إيقافها وتهدئتها:
_ بس يا ماما حرام عليكِ مش كده إن شاء الله خير.

انتحبت في أحضان ابنتها وانهارت باكية لتشاركها "بسملة" البكاء خوفًا على شقيقها.
كان يراقبهم بإشفاق وحزن انتقلت نظراته إلى "راجح" الذي يدعي القوة والثبات لكنه يعلم أنه يقاوم انهياره، فدموعه اللامعة في عينيه تحكي قصة أب يحترق خوفًا على ولده.
مر الوقت بطيئًا وعيناه كانت تختلس النظر نحوها، تمنى لو يستطيع الاقتراب منها ومواساتها أن يحمل الحزن عنها، لكنه لم يمتلك سوى الدعاء لها أن يمنحها الله الصبر لأجل والدتها.

خرج الطبيب ليهرول نحوه "راجح" يسأله بلهفة وخوف:

_ طمني يا دكتور.
ابتسم الطبيب يمنحهم نوعًا من الطمأنينة وقال بعملية:
_ الحمد لله ما فيش حاجة خطرة هو عنده كسر برجله وجرح الحمد لله مش عميق في رأسه اطمنوا إحنا عالجناه ودلوقت هيخرج لغرفة عادية.
دقائق وخرج ذلك "ياسين" محمولًا على السرير يلف رأسه ضماد وتغطي قدمه جبيرة.
ركضت "زهرة" نحوه تتلمسه متلهفة تقبل وجهه وتشم رائحته ففكرة خسارته أصابتها بالجنون وكادت تطيح بها:
_ الحمد لله على السلامة يا جلب أمك أنت بخير يا حبيبي.

أجابها بصوت واهن:
_ أيوه.
_ يا حبيبي يا بني.
ولم يكن بحال "راجح" أفضل منها وهو يتلمس يقبل رأسه ويحمد الله:

_ الحمد لله على سلامتك يا ولدي.
_ الله يسلمك يا بوي.

نقل "ياسين" إلى غرفة عادية والتف حوله أهله يطمئنون عليه ووقف هو بعيدًا يراقبهم بحياء يمنحهم تلك المساحة من الخصوصية، وابتسم وهو يسمعها تلومه بعين باكية زادتها دموعها جمالًا:

_ شفت أدي آخرة لعب الكورة في الشارع عشان تسمع كلامي المرة الجاية.
رغم مرضه وتألمه لكنه رفض حديثها بعناد:
_ مش هسمع كلامك.
التفتت "بسملة" نحو والدتها تشكو لها:
_ شايفة يا ما بيعاندني كيف.

_ سيبي أخوكِ تعبان دلوك مش وجت خناق.
قالتها "زهرة" وهي تدثره بالغطاء والآخر يرمقها بنظرة انتصار استفزتها لتربع يديها على صدرها باستنكار:
_ أهو محدش يجدر يكلم الباشا ولا يجول الحجيجة مجتمع ذكوري على رأي البت "ثريا".

_ بكفاياكِ يا "بسملة" مش وجت الحديث ده يخرج بسلامة وأنا عارف هعاقبه إزاي.

وعيد هتف به "راجح" رافقته نظرة حادة أصابت "ياسين" بالخوف، لتنظر له "بسملة" بابتسامة تشفي روت غيظها منه.
ابتسامتها وحديثها جعلته ينسى كل شيء ويبقى يحدق بها يتفرس ملامحها وقلبه يشتهي المزيد من الوقت في مراقبتها لكن عقله نهره ليستفيق من غفوة قلبه ويتحمحم بحرج:

_ الحمد لله على سلامة "ياسين" يا حاج.
_ الله يسلمك يا بني تعبناك معانا كتر خيرك.
_ ما عملتش غير الواجب يا حاج.

أمال رأسه ينظر إلى ذلك المتألم:

_ ألف الحمد لله على السلامة يا بطل.
_ الله يسلمك يا "محمد" متشكر.
انسحب من بينهم بهدوء ولم تستطع منع عينيها من متابعته حتى اختفى، شعرت بمشاعر غريبة تدغدغ قلبها وهي تتذكر وقوفه بملابسه الملوثة بدماء شقيقها وكيف طمأنهم وكان قلبها رسمه كبطل أنقذ حياة ذلك الصغير.
*************************

خفق قلبها بجنون وهي تطالع صورتها في المرآة، وتتلمس فستانها الأبيض. تكاد تجزم أنها تعيش أجمل لحظات حياتها. حمدت الله وشكرت قدرها الذي ساقه إليها، فلم تعرف جمال ولذة الحياة إلا بقربه، ولم تشعر بأنوثتها إلا بسماع كلمات غزله الجميلة.

ابتسمت وهي تدور حول نفسها أمام المرآة، منبهرة بجمال ذلك الفستان الذي انتقاه لها بنفسه. تراقصت نبضات قلبها فرحًا، وهي تتخيل كيف ستكون ردة فعله عندما يراها.
أبصرت تلك التي وقفت تناظرها من بعيد، تملأ عينيها السعادة:

_ ألف مبروك يا "ورد".
_ الله يبارك فيكِ يا "قمر".
اقتربت وهي يعلو وجهها ذات الابتسامة، تتفحص اللمسات الأخيرة لمظهرها بتمعن:

_ كله تمام يا حبيبتي، ما شاء الله، تبارك الرحمن.
ابتسمت بارتياح والتفتت نحو المرآة الأخيرة، تتأكد من مظهرها، لتجد الباب يُفتح وتدخل والدتها بعينيها الدامعتين. حاولت أن تتمالك دموعها وتمثل الثبات، بينما تكسو محياها ابتسامة زائفة. ورغم سعادتها برؤية ابنتها عروسًا اليوم، كان قلبها يعتصر حزنًا لدنو فراقها.

وقفت لحظات تطالعها بحب وانبهار، وتدعو لها بحنان:

_ ما شاء الله، تبارك الرحمن. اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد. تحفة يا بنتي، ربنا يسعدك يا قلب أمك.

لسعت الدموع عيني "ورد"، فحاولت مقاومتها. اقتربت من والدتها وانحنت تقبل يدها، ثم سمعت اختناق صوتها وهي لتقول قمر:

_ حاسبي يا "ورد"، المكياج...

التفتت "قمر" نحو خالتها تلومها:

_ مش كده يا خالتو.
انفتح الباب في هذه الأثناء، لتدخل "أحلام" وهي تحمل أغراضًا خاصة بـ "ورد". وما إن شاهدت بكاءهن حتى هبت مستنكرة:
_ إنتوا بتعيطوا في يوم زي ده؟

نظرت نحو "ورد" تؤنبها:
_ المكياج يا هانم هيبوظ!
ثم عادت تنظر نحو والدتها، تعاتبها بضيق:
_ ماما حبيبتي، ليه العياط بس؟ افرحي يا "نادوش".
قالتها بفكاهة، تمازحها وتمسح دموعها بيديها، ثم أتبعت ذلك بالنظر نحو "ورد" ومازحتها:
_ العريس هيزعل مننا كده، بعد ما بوظنا مكياج عروسته.
ضحك الجميع على مزحتها، رغم الدموع التي تملأ عيونهم.
*************************

وقف متلهفًا أمام باب تلك الغرفة ينتظر بشغف رؤيتها، فتح الباب وسمح له بالدخول ليخطو نحوها خطوات متشوقة قلبه يقرع داخل صدره يكاد يجزم أنه سيفر من بين أضلعه من فرط سعادته.
كانت توليه ظهرها جسدها يرتعش من شدة الخجل وكلما شعرت باقترابه تضاعف توترها، ليتجمد جسدها عندما شعرت بلمسته على كتفها يطلب منها أن تستدير كي يراها.
لحظات ترددت بحياء قبل أن تستدير نحوه ببطء حتى أصبحت تواجهه لينظر لها بانبهار:

_ بسم الله ما شاء الله.. اللهم بارك قمر يا حبيبي.
احمرت وجنتاها وخفضت عينيها بخجل تبصر يديها المتشابكة تضغط عليها بشدة تحاول أن تسيطر على مشاعرها المبعثرة ما بين حياء وسعادة تعشقت بالحب.

اقترب منها فما عاد يفصل بينهما شيئًا مد يده يرفع رأسها لتواجه عيناها عينيه يخبرها بسعادة:

_ ألف مبروك.

عجز لسانها عن الإجابة واختارت الصمت الخجول لينحني نحوها يقبل جبهتها بحب قبل أن يبتعد يعترف لها بمشاعره المتأججة:
_ النهارده أسعد يوم في حياتي يا "ورد"... ربنا يقدرني وأسعدك.

صمتها الطويل أثار ريبته ليحاول مشاكستها يكسر حاجز الصمت اقترب من أذنها يسألها بهمس:

_ "ورد" أنتِ الفرحة طيرت لسانك بدل عينيكِ؟
استفزتها كلماته لتبتسم تزيح حرجها منه جانبًا تجيبه بذات الهمس:
_ لا اطمن لساني لسه شغال بعرف أتكلم.
ثم صمتت لحظات وأكملت بتحدٍ:
_ وعشان تصدق هقولك بحبك يا "مهاب".
تضخم قلبه بابتهاج وصدمة اعترافها في هذا الوقت ليبتعد يخبرها بتهكم:

_ اختيار موفق يا حبيبتي بحبك ودلوقت وكل الناس بتبصلنا.
رمشت عينيها في لحظة إدراك بعد أن نبهها لتختلس النظرات من حولها تبصر تحديق الفتيات بهم بفضول وترقب يحاولن التقاط كلماتهم الهامسة.
تحمحمت بحرج وقالت تدافع عن نفسها:
_ أعمل إيه مش أنت اللي استفزتني.
ضحك بهدوء رمقها بنظرة شاملة حملت إعجاب صاحبها قبل أن يقف بجانبها أمسك ذراعها وقبلها قبل أن يجعلها تتأبط ذراعه وسط الزغاريد وتصفيق الفتيات.
أمال رأسه يهمس لها بعبث:
يلا بينا يا أحلى عروسة.
تعليقات



<>