رواية براعم الحب الفصل الثامن والاربعون48 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل الثامن والاربعون48 بقلم رشا عبد العزيز
وإن قرعت طبول الحقيقة داخلي وأيقنت أنك حلم بعيد، كيف سأقنع من ينبض باسمك عن طريق أن يحيد، 
ويمحو ذكراك وينسى سلطانك؟

فترت ابتسامته وصمت يحدق بها يحاول استيعاب ما تخبره به. دارت تلك الفكرة في باله، فتحركت حدقتاه باضطراب أقلقها لتسأله متوجسة:
_"مالك يا "راجح" ساكت ليه؟"
حرك يده على ذقنه في حيرة يجيبها:
_"وعاوزاني أجول إيه يا "زهرة"؟"
_"تجول رأيك يا خويا في طلب "فرحة"."
زفر نفسًا طويلًا يطالعها بعقل مشوش يجيبها بتردد:
_"أجول إيه يا "زهرة"؟ دا جواز، سيبيني أفكر."
لم ترق لها إجابته، فلم يرضِ جوابه فضولها لتسأله بقلق:
_"هو أنت هترفض ولا هتوافج؟"
زم شفتيه يحاول أن يركز تفكيره الذي شتته سؤالها ليقول بضيق:
_"يا "زهرة"، ربنا يرضى عليكِ، اديني وجت أفكر."
صمتت تطيعه برهة لكنها لم تستطع التحمل لتعاود الحديث تقحم نفسها بين أفكاره:
_"بس أنا شايفه إن الولد كويس يا "راجح" ومتربي على إيدينا."
لم يعقب على حديثها بل ظل شارد الذهن، ليدفعها حبها لـ "فرحة" أن تحاول معه من جديد كي تفهم فيما يفكر، وخشيت أن يكون المال هو سبب رفضه:
_"هو أنت هترفض عشان هو أجل منك؟ أجصد عشان على جد حاله."
رمقها بنظرة جانبية حادة يعاتبها:
_"بعد العشرة اللي بنا يا "زهرة" تفتكري أنا هفكر كده؟"
اقتربت منه معتذرة تفسر له:
_"مش جصدي يا غالي، بس شايفاك محتار وبحاول أفكر معاك."
ثم سكتت ثوانٍ تحاول كتم رأيها الذي أثقل صدرها حتى فاض بها ولم تستطع التحمل. استجمعت شجاعتها وألقت به أمامه بتوتر:
_"أصل أنا شايفة إنه من زينة الشباب وكمان أخلاجه كويسة وباشمهندس جد الدنيا، مش عشان هو ابن صاحبتي بس، أنا اللي مربياه وعارفاه زين."
تنهد بقلة حيلة يعلم أنها لن تتركه وشأنه دون أن يخبرها بما يجول في باله:
_"ومين جلك إني ما أعرفش الكلام دا؟ ما أنا كمان عارفه زين وعارف أخلاجه وتربيته، وبالعكس أنا شايف له مستجبل كويس، وبعدين شغله معايا خلاني أجرب منه وأعرف تفكيره، وإذا كان فكرك على الفلوس ووضع بنتك بعد الجواز، أهو بيعمر داره وعنده مشروعه."
ثم صمت قليلًا يراقبها قبل أن يسترسل ملوحًا لها:
_"كل دا مش مهم يا "زهرة"، المهم أشوف رأي البنت وأصلي استخارة وحابب كمان أتكلم معاه، وبعدين نبجى نرد عليهم."
حديثه أعطاها شيئًا من الطمأنينة لتبتسم تخبره:
_"عين العجل يا حبيبي، ربنا يجدم اللي فيه الخير."
لتتفاجأ به يضحك قبل أن يمازحها قائلًا:
_"فيه سؤال تاني يا "زهرة" هانم؟ كل دا عشان ابن صاحبك؟"
بادلته الابتسامة معترفة:
_"مش عشان ابن صاحبتي بس، أنا عاوزه أفرح ببنتي يا "راجح"، كل ما حد يتجدم يا أنت بترفض يا هي، وصحابها اللي في سنها اتخطبوا، وبعدين ماله "محمد"؟ شاب زي الفل ربنا يحرسه."
مد يده يربت على يدها:
_"إن شاء الله تفرحي بيها زي أخواتها يا حبة الجلب... وتفضلي بجى يا غالية."
قطبت حاجبيها بسخط تستنكر حديثه وتعاتبه بحب:
_"ومن ميته و"زهرة" مجصرة معاك يا "راجح"؟ دا أنت أهم حد بحياتها، أنت اللي ساكن وسط الجلب."
قهقه ضاحكًا فقد أسعده حديثها، يرمي الكلمة وتعيدها عشرة، فلم يعشقها من فراغ، فرغم ثرثرتها وفضولها لكنها تمتلك قلبًا صافيًا لم تتعالى على من حولها حتى مع كونها من أعيان هذا البلد.

***********************

كانت تستوطن أحضانه بعد أن أنهوا حزم حقائبهم يستعدون لرحلة العودة إلى الوطن، فطائرتهم ستقلع في الصباح وعليهم أخذ قسط من الراحة كي يستعدوا لتلك الرحلة. هدوء المكان منحها فرصة لتستمتع بسماع نبضات قلبه المتناغمة مع أنفاسه، ولا تعلم أشد حبها له أم كانت تتوهم أنها تفسر صوت نبضاته متخيلة أن قلبه يقول:
_"بحبك... بحبك... بحبك."
انفلتت ضحكتها تكسر ذلك الهدوء تسخر من نفسها، أجفله صوت ضحكاتها ليفتح عينيه وينحني يسألها متعجبًا:
_"مالك يا روحي بتضحكي ليه؟"
توقفت عن الضحك تجيبه بخجل:
_"شكلي اتجننت يا "مهاب"، بتخيل إن قلبك بيقولي بحبك."
ابتسم يضمها إليه أكثر ويخبرها بعشق:
_"مهو فعلًا بيقول بحبك... دا بينبض بحبك يا وردتي."
تراقص قلبها فرحًا وكلماته تدغدغ قلبها، وفي خضم تلك المشاعر الجياشة راودها سؤال فسألته بفضول:
_"يا "مهاب"، أنت حبيت قبل كده؟"
تنهد بحب يعترف لها ترافق اعترافه ابتسامة صادقة زينت وجهه:
_"وهتصدقيني لو قلتلك مكانش عندي وقت إني أحب؟ أبويا مات وتحملت المسؤولية من بعده، في الكلية كنت بذاكر وأشتغل، كان لازم أوفر مصاريف الكلية وأساعد في مصاريف البيت، معاش أبويا الله يرحمه مكانش بيكفي وأخواتي كانوا صغيرين، ولما تخرجت حفرت في الصخر عشان يكون ليا اسم، والحمد لله ربنا كرمني وقدرت أعمل ليا اسم مطلوب في القضايا والمحاكم. وكمان كتابه الروايات الي استهوتني ... ولما بصيت لنفسي في الوقت دا كانت نظرتي للحياة مختلفة، يمكن أكون نضجت بس كان عندي فكرة إنه مفيش حب والحب دا مجرد وهم، كنت شبه عازف عن الجواز."
ثم صمت ضاحكًا يضمها بقوة أكبر ويده تمسح على رأسها يخبرها بهيام:
_"لحد ما شفتك وتغير كل تفكيري، بقيت عامل زي المجنون نفسي أشوفك أكلمك..."
ثم تنهد متأوهًا بعشق:
_"ياااا عينيكِ دي حكاية، فضلت أحلم بيهم كأنهم سحروني، عمري ما كنت أعرف إن الحب ليه طعم جميل إلا معاكِ، عشان كده كنت عاوزه يكون حب حلال وصادق من أول يوم شفتك فيه وقلت بس خلاص هي دي حبيبتي ومراتي وأم ولادي."
تطلع إليها ليقهقه ضاحكًا وهو يرى احمرار وجهها بخجل ليقرص وجنتها يداعبها بسخرية:
_"أنتِ لسه بتتكسفي من كلامي؟ دا أنا بقيت جوزك يا كسوفة هانم."
وضرب أنفها بإصبعه يمازحها:
_"بس تعرفي أحلى حاجة فيكِ خجلك، بحسك زي نسمة رقيقة... بحبك يا ورد يا حبيبة عمري..."
ليغمز لها بعبث يطمئنها:
_"متخافيش يا ورد، أنتِ أول حب وآخر حب... أنتِ حبي الوحيد."
عيناها التي كانت تراقب حركة شفاهه تطربها كلماته، تشعر كأنها تذوب في سحر تلك الكلمات كما يذوب الثلج مع نسمات الربيع، لتجد نفسها تخبره بلا وعي:
_"بحبك يا "مهاب"."
ضحك منتشيًا باعترافها:
_"وأنا بموت فيكِ يا روح "مهاب"."
ثم أحكم الغطاء حولها يأمرها بلطف:
_"يلا نامي ورانا طيارة بكره."
أومأت له وأغمضت عينيها تطيعه مدعية النوم لكنها فتحت عينيها تتأمله بعد أن غلبه النوم وتسخر من نفسها، فبعد ما تذوقت حب "مهاب" علمت ما يعني الحب الحقيقي، ففهمت أن مشاعرها نحو "سيف" سابقًا لم تكن سوى مشاعر إعجاب أو ربما تعود لكونه ابن خالتها الذي تربت معه.
ابتسمت تحمد الله أن عوضها بـ "مهاب" كي تفهم حقيقة مشاعرها وتجرب الحب بدلًا من أن تعيش حبيسة مع أطلال الماضي.

*************************

كانت تجاوره في سيارته عائدين إلى المنزل لتجده يسلك طريقًا مختلفًا، التفتت إليه تسأله مندهشة:
_"دا مش طريق البيت يا "سونة"، أنت غيرت الطريق؟"
ابتسم بمكر يخبرها دون أن يلتفت إليها:
_"أيوة، دا طريق مختصر يا روحي."
مطت شفتيها بعدم اقتناع وظلت تراقب الطريق بفضول حتى وجدته فجأة يقف أمام مدينة الملاهي لتعقد حاجبيها تسأله متعجبة:
_"أنت جايبنا الملاهي نعمل إيه؟"
التفت إليها يخبرها بتسلية فهو يعلم خوفها من بعض الألعاب ليقرر اليوم أن يجعلها تعيش تجربة تلك الألعاب معه:
_"هخطفك."
هتفت حانقة:
_"يا "سونة"!"
_"عيون "سونة" وقلب "سونة"... انزلي."
ثم أشار لها أن تنزل لتترجل من السيارة على مضض، اتجه نحوها ليجذب يدها فتأبطت ذراعه مترددة وسارت معه بتوتر تخفي عنه حرجًا أنها تخشى بعض الألعاب.
دخلوا إلى المدينة المكتظة بالناس والأطفال يركضون هنا وهناك تتعالى صرخاتهم وضحكاتهم لتملأ المكان صخبًا ممتعًا.
كانت عيناها تدور في المكان وكلما مروا من إحدى الألعاب العملاقة تجفلها صرخات راكبيها ليصيبها رهاب يزيد من توترها حتى حطت قدماه أمام بيت الرعب لتتسع ابتسامته قائلًا:
_"حبيبتي إيه رأيك نجرب دي؟"
تشبثت بذراعه بخوف تخبره مرتبكة:
_"بلاش... أصل... أصل..."
تلعثم الكلمات على لسانها جعله يضحك ويصر عليها تجربته:
_"أصل إيه؟ تعالي."
لم يمهلها الاعتراض مجددًا يسحبها خلفه لتجد نفسها تجلس بجانبه في عربة تلك اللعبة وكاد أن يتراجع بعد أن رأى شحوب وجهها وارتجاف جسدها يلوم نفسه على خوفها ليضمها يهمس لها محاولًا امتصاص خوفها:
_"حبيبي متخافيش أنا جنبك."
تأهبت حواسها مرتعبة عندما انطلقت العربة لتتعالى تلك الأصوات المرعبة وصرخات الناس المزيفة، فبعضهم يدعي الخوف وربما بينهم من كان صادقًا مثلها.
تشبثت بأحضانه تدفن وجهها في صدره، عاد يبثها الأمان متوسلًا:
_"حبيبتي والله مش مخيفة، جربي بس افتحي عينك وبصي عشان تستمتعي، دي لعبة مش حقيقة."
لم تكن تسمع له، كل ما يهمها أن يمضي الوقت وتخرج منها:
_"يا قمر، أنتِ مش واثقة فيا؟ أنا جنبك يا حبيبتي، افتحي عينك."
إصراره دفعها لتتلصص تحاول أن تخطف نظرة وسط رعبها، شجعها هو قائلًا بقلة حيلة:
_"بصي شوية، جربي بس، الوقت خلاص قرب يخلص، إحنا وصلنا للنهاية."
تجرأت تنظر قليلًا لكنها ظلت متشبثة به، ضمها أكثر يمنحها أمانًا إضافيًا حتى انتهت اللعبة لتخرج منها ممتعضة، وما زاد من استفزازها ضحكاته المتواصلة:
_"يا جبانة... بصي أهي خلصت."
رمقته بنظرة مستنكرة تضع يدها على قلبها تعاتبه:
_"كده يا "سونة"؟ أخص عليك، قلبي كان هيقف."
وضع يده على يدها وقال يحاول استرضاءها:
_"حبيبتي بعد الشر، إن شاء الله أنا..."
قاطعته بحدة:
_"بعد الشر متقولش كده أزعل منك."
_"لا كله إلا زعلك يا قمري، آسف يا روحي، كان نفسي تجربي بس وتعيشي مغامرة، مش قصدي أخوفك يا روحي."
زمت شفتها بعبوس طفولي تلومه متهكمة:
_"مش عاوزه أعيش مغامرة ولا أجرب."
_"يا بنتي اتعلمي تجربي كل حاجة عشان تستمتعي."
قالها يجذب يدها لتتأبط ذراعه من جديد:
_"تعالي عشان أراضيكِ."
ليقف عند بائع لغزل البنات ويشتري لها واحدة، ابتسم وهو يبصر سعادتها به كطفلة صغيرة تقضمه متلذذة بطعمه كأنها نسيت خوفها معه.
انتشلت منه قطعة ودستها في فمه:
_"دوق يا "سونة"، طعمه يجنن."
سكره المرتفع أزعجه ليجعد أنفه معترضًا:
_"دا مسكر أوي، الدايت والجيم هيروحوا في خبر كان."
_"دي حتة صغيرة يا حبيبي."
غمز لها بعبث قائلًا:
_"ماشي طز في الجيم عشان خاطرك أنتِ يا سكر."
كانت تمضغ قطع تلك الحلوى القطنية التي تذوب مختفية في فمها وتسأله بفضول:
_"أنت جبتنا هنا ليه يا "سونة"؟"
توقفت قدماه عن السير والتفت إليها فتعلقت عيناها بعينيه ما بين تقرب وعشق، أجابها:
_"كان نفسي من زمان أقضي يوم معاكِ هنا ونعمل ذكريات سوا زي ما كنا زمان بنيجي هنا سوا."
كلماته أعادتها للماضي حيث تجمعهم ولعبهم سويًا لتتنهد بحنين:
_"فعلًا كانت ذكريات جميلة."
ضرب على وجنتها بخفة وقال يشاكسها:
_"أهو إحنا بنعمل ذكريات زيها بس المرة دي أنا وأنتِ وبس يا قلبي."
وما بين ضحكات ومغامرات عاشت أحلى أيام حياتها، نسيت معه خوفها وعاشت تصنع معه أجمل ذكرياتهما معًا.
***************************

غمرته السعادة يراقب فرحتها وهي تمسك بصورة السونار الخاص بولدهم، فاليوم قد علموا أن جنسه صبي، ومنذ أن خرجوا من العيادة وهي تمعن النظر إلى تلك الصورة رغم عدم وضوحها.
وزع نظره بينها وبين الطريق ليمازحها قائلًا:
_"هو الباشا هيخطفك مني من أولها كده؟"
التفتت تسأله بلهفة:
_"يا "زياد"، تفتكر هيطلع شبهي ولا شبهك؟"
ابتسم يجيبها برضا:
_"شبهي ولا شبهك، الأهم تمام الخلقة يا حبيبتي."
تنهدت بشوق وحنان:
_"ياااا نفسي الشهور تعدي بسرعة وألاقيه في حضني وأحضنه وأبوسه، يا حبيبي يا ابني."
أتبعت كلمتها وهي ترفع تلك الصورة وتقبلها عدة قبل كأنها تقبل صغيرها ليمثل الامتغاض ويقول بحنق مزيف:
_"لا بقى أنا كده أغير منه بجد."
ضحكت تنظر إليه تلومه متعجبة:
_"هتغير من ابنك يا روحي؟"
قبض على مقود السيارة بغضب مصطنع كشفته هي لتبتسم وهي تراه يقول بحدة كاذبة:
_"أيوة أغير، شكله هيخطف حبيبتي مني."
مدت يدها تمسك كفه وتقبض عليها بقوة تخبره بعشق وهي تقترب منه ساندة برأسها على كتفه:
_"محدش يقدر يخطفني منك، دا أنت روحي، حد يقدر يعيش من غير روحه؟"
أراح رأسه على رأسها ورفع يدها يقربها من فمه يقبلها:
_"دا أنتِ اللي روح الروح."
صمت الاثنان يستمتعان بتلك اللحظات بقلوب تنبض حبًا حتى وجدها ترفع الهاتف وتقول:
_"خلينا نوثق اللحظة دي."
شغلت كاميرا الهاتف وبدأت بتسجيل فيديو وهي تبتسم:
_"النهاردة أسعد يوم في حياتنا أنا وشريك عمري وحبيب روحي وعشقي الأبدي "زيزو"."
بادلها الابتسامة وعيناه تتنقل بين الطريق وكاميرا الهاتف:
_"حبيبتي."
لتوجه رسالة لابنها قائلة:
_"ابني حبيبي عاوزاك تطلع حلو وقمر شبه بابا بعيون خضرا وغمازات."
قهقه ضاحكًا على حديثها ليعقب عليه:
_"لا متسمعش كلام أمك، أنا عاوزك قمر شبهها."
ثم لوح بيده مهددًا:
_"ولو مصدقتش في وعدها وخطفتها مني وأخدت كل وقتها هتطرد عند "سموحة"، يلا."
كان الضحك من نصيبها هذه المرة:
_"لا دي "سموحة" اللي هتخطفه مننا."
ليهز رأسه بسعادة مازحًا:
_"أحسن عشان الواد دا شكله مش سهل."
انطلقت ضحكاتهم يتمازحون يتخيلون مستقبلًا يتوقان لرؤيته.

****************************
دخلت غرفتها تغلق الباب خلفها تضع يدها على قلبها تحاول تهدئة خفقاته، لا تصدق ما سمعته من والدتها وهي تسألها رأيها، لقد تقدم لخطبتها وما زاد غبطتها أنها شعرت بموافقة والدتها من خلال حديثها ومحاولتها إقناعها، ورغم أنها أبدت تعززها وتغلت عليها لكن قلبها كان يرقص بسعادة وهي تجيبها:
_"الشورة شورة أبويا ياما، أنا موافجة باللي تجولوا عليه."
دارت حول نفسها وقفزت كالأطفال بسعادة وهي تردد:
_"خطبني... خطبني."
ثم توقفت فجأة تلوم نفسها:
_"أنتِ اتجننتي يا "بسبوسة"؟ اتهبلتي يا بت؟ اللي يشوفك كده هيجول بتحبي ودايبة في هواه."
توقفت تنفض ثوبها بهدوء وتعقل تناظر مرآتها وتحادث نفسها:
_"أيوة كده خليكِ عاقلة."
لكن ابتسامتها اتسعت من جديد تتخيل نفسها ترتدي ثوب زفافها وتقف بجانبه:
_"هيبجى عريسي... "محمد" عريس "بسوسة"."
وضعت يدها على صدرها وأغمضت عينيها تردد بهيام:
_"ياااا "بسبوسة" من حنكه كيف السكر."
ثم عادت تتمايل كأنها ترقص معه:
_"هبجى مراته وهيدلعني وهيجلي بحبك يا "بسبوسة"."
تباطأت خطواتها الراقصة حتى توقفت تسأل نفسها:
_"بت يا "بسملة"، هو أنتِ بتحبيه؟"
صمتت كأن سؤالها عاد يتكرر داخلها يبحث عن إجابته لتأخذها قدماها نحو سريرها تجلس عليه شاردة الذهن قبل أن تتصنع وتجيب بهمس لا يسمعه سواها كأنها تبوح بسر كتمته منذ زمن:
_"أيوة بحبه من يوم ما شفته وهو شاغل بالي، ومن ساعة ما ناداني "بسبوسة" وقلبي بقى يفكر فيه."
لتدخل في نوبة من الضحك وهي تشعر بالانتصار:
_"كنت عارفه إنه بيحبني هو كمان، عينيه كانت بتجول كده، أهو طلع ظني صحيح وخطيبي."
أغمضت عينيها وعادت تتخيل مستقبلها معه.
*************************'*' ***'' 

أغلق الهاتف معها يشاركها قلقها، فاليوم سوف تظهر نتيجتها، بالنسبة له لم يكن ينتظر نجاحها فقط بل نجاحه أيضًا.
عاد إلى عمله يدعو الله أن يوفقها وتنجح كي لا يحمل نفسه ذنب عدم نجاحها، فربما مكوثه معها فترة الامتحانات يكون سببًا في إخفاقها.
أما هي فكانت تمسك هاتفها بين الحين والآخر تنتظر إعلان النتائج، وفي غمرة مخاوفها ابتسمت تشعر بالسعادة لاهتمامه بها، فاتصاله بين الحين والآخر ليطمئن عليها منحها شعورًا بالأمان تشكر الله على وجوده بجانبها.
حل المساء وعلمت هي بنجاحها لكنها أخفت عنه حتى ترى ردة فعله حينما يعلم أنه قد اجتاز الامتحان ونجحت بتقدير جيد.
سمعت صوت مفتاحه يدور في باب شقتهم لتتأهب تستعد لاستقباله، وبمجرد أن دخل حتى تفاجأ بها تركض نحوه وترمي نفسها بين أحضانه تتعلق برقبته وتخبره بسعادة:
_"نجحت يا حبيبي... نجحت."
احتضنها ورفعها يدور بها مرددًا بابتهاج:
_"ألف مبروك يا حبيبتي... ألف مبروك."
توقف وأنزلها لتخرج من أحضانه، أحاط وجهها يمسح عليه بفرح غامر:
_"برافو يا "نونو"... مخيبتيش ظني فيكِ."
ابتسمت بفخر قبل أن يتجمد جسدها وهي تجده يميل عليها يقبل جبهتها ووجنتيها لتتوتر بخجل وتعود خطوة إلى الوراء تحاول الهروب من بين يديه:
_"هروح أعملك العشا."
تفهم هو سبب ابتعادها، كادت أن تهرب من أمامه لكنه جذب يدها يتلاعب بها هامسًا:
_"رايحه فين يا "نونو"؟ مش لما أبارك لك؟"
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت تحاول التملص من قبضته:
_"لا خلاص خليني أروح أعملك العشا."
انفجر ضاحكًا وهو يفلتها يخبرها:
_"لا متعمليش عشا، أنا عازمك على العشا بره، عاوزين نحتفل بنجاحك، يلا روحي غيري هدومك."
أومأت له بالموافقة وانطلقت راكضة نحو غرفتها.
جاورته في سيارته لينطلق بها حتى توقفت سيارته عند أحد محلات المجوهرات لتسأله متعجبة:
_"إحنا وقفنا هنا ليه؟"
_"انزلي يا "نونو" وهتفهمي كل حاجة."
ترجلت من السيارة ليذهب باتجاهها، أمسك يدها وأشار إليها لتسير معه نحو الداخل.
دخلوا سويًا واستقبلهم البائع ليطلب منه سلسلة تكون جميلة:
_"كنت عاوز سلسلة تكون جميلة."
_"تمام يا فندم، هوريك حاجات جديدة هتعجبك إن شاء الله."
أخرج له البائع مجموعة من العلب، نظر إليها "سيف" يشير لها نحو المجموعة ويحثها على الاختيار:
_"يلا يا "نور"، اختاري اللي يعجبك."
لتهمس له بخجل:
_"اختار أنت، أنا مش عارفه أختار."
عقد حاجبيه يسخر منها مستنكرًا:
_"يا "نور"، دي هدية نجاحك، أنتِ اللي لازم تختاري."
ثم أحاط جسدها يدفعها لتصبح أمام تلك المجموعة يشجعها على الاختيار:
_"تعالي قربي كده هتعرفي تختاري."
مدت يدها مترددة وبدأت تختار بارتباك يسيطر عليها خجلها ليبدأ هو بمساعدتها حتى استقر رأيها على سلسلة تتدلى منها زهرة رقيقة تشبهها ليبتسم يخبرها باستحسان:
_"حلوة أوي يا "نور"، ألف مبروك."
_"الله يبارك لك، متشكرة."
ابتسمت سعيدة تتلمس تلك السلسلة تطالعها بإعجاب.
خرج الاثنان بعد الانتهاء من عملية الشراء وركبا في السيارة، ابتسم بسعادة عندما وجدها تتطلع للعلبة ترتسم ابتسامة عريضة على محياها:
_"أساعدك تلبسيها؟"
أومأت له موافقة وفتحت العلبة تناوله السلسلة، أمسكها وأحاط رقبتها يساعدها على ارتدائها قبل أن يبتعد يتطلع لها يميل رأسه يمينًا ويسارًا ليقول برضا:
_"ألف مبروك يا "نونو"."
لامست تلك الزهرة الرقيقة لتتسع عيناها دموعًا متأثرة بمزيج من المشاعر ما بين السعادة والحب والامتنان لترفع رأسها نحوه فوجد أنه يستحق شكرها لتدنو منه تقبل وجنته وتقول ممتنة:
_"متشكرة يا "سيف"، متشكرة أوي يا حبيبي."
فاجأته فعلتها وأطربت قلبه العاشق لها ليمسح على وجنتها بحنو:
_"متشكرة على إيه؟ أنتِ مراتي حبيبتي فرحتيني ونجحتي يبقى أنا اللي لازم أقولك شكرًا."
تساقطت دموعها واهتمامه بها يجعلها تغرق في حبه حتى أصبحت متيمة بحبه الذي كان مرهمًا لجراحها لينطق لسانها بما يختلج قلبها:
_"أنت أعظم راجل في الدنيا، أنا بحبك أوي."
أشرق وجهه بابتسامة عاشقة يبادلها غزلها:
_"وأنا بموت فيكِ يا قلب "سيف"."

*******************************

وقف يتصبب عرقًا يجهز الخجل على حواسه يفكر كيف سيواجهه بعد ما فعلته والدته، مسح حبات العرق التي غزت جبهته يستجمع قواه. أسبوع مضى منذ مجيء والدته وطلب يد ابنته، وكان من المقرر أن يقدم له حساباتهم المشتركة منذ يومين لكنه ظل يماطل ليضطر اليوم للمجيء مرغمًا، فما عاد هناك سبب لتأخيره.
حاول الثبات وإظهار عدم المبالاة لكنه كلما تقدم من باب مكتبه خفق قلبه بقلق أكثر.
صوته الحازم الذي أذن له بالدخول زاد من توتره.
دخل بخطوات مترددة وألقى عليه التحية يجاهد على الاحتفاظ بقوته أمام هيبته:
_"أهلًا يا باشمهندس، اتفضل."
قالها "راجح" بابتسامة فاترة يشير له بالجلوس:
_"أهلًا بحضرتك."
جلس يضع أمامه الأوراق المطلوبة تهرب عيناه من مواجهته:
_"الحسابات يا فندم."
التقطها "راجح" منه بعملية ولم يخفَ عليه توتره وعيناه الهاربة باضطراب.
دعك يديه ببعضهما يحاول السيطرة على ارتباكه ريثما ينهي "راجح" مراجعة تلك الأوراق.
أما "راجح" فقد ادعى تقليبه للأوراق ومراجعتها لكن عينيه لم تحِد عنه يراقب تقلبات وجهه ويقرأ توتره، ابتسم متفهمًا وأعاد له الأوراق:
_"اتفضل يا باشمهندس، عفارم عليك، شغل مظبوط."
التقطت وجهه ابتسامة مشدودة فأعصابه كانت متشنجة يضغطه القلق:
_"متشكر يا فندم."
التقط منه الأوراق وهم بالمغادرة، سأله:
_"محتاج مني حاجة تانية يا فندم؟"
أومأ برأسه وعيناه تحدق به، وقبل أن ينهض جاءه سؤاله الذي جمد الدماء في عروقه لتبهت ملامحه يطالع "راجح" بحرج:
_"والدتك من كام يوم طلبت إيد بنتي، أنت مش عاوز تسمع ردنا على طلبها؟"
توتر يبتلع ريقه بحرج وقلبه يخفق خوفًا من جوابه، أخفض عينيه يجيبه:
_"قبل ما أسمع جواب حضرتك عاوز بس أعرفك إن نسب عيلتكم شرف ليا واللي حضرتك غالي عليا وبعتبرك زي والدي، ومهما كان رد حضرتك أتمنى إن دا ما يأثرش على علاقتي بحضرتك."
زفر نفسًا طويلًا كأنه ألقى بثقل ما يحمله صدره.
تعلقت عين "راجح" بعينيه ليتكئ بذراعيه على سطح المكتب يحرك حبات مسبحته ببطء كأنه يرتب ما سيقوله له.
خفق قلب "محمد" مع صوت مسبحة "راجح" بترقب حتى تضاعفت بوتيرة متسارعة مع أول حرف نطقه:
_"شوف يا ابني، أنت بقالك مدة بتشتغل معايا ويمكن مدة أطول في عشرتنا سوا، وأكيد فهمت إن أهم حاجة عندي معدن الناس وأخلاقها."
توقف متنهدًا قبل أن يسترسل وهو يطالع "محمد" الذي ازداد توتره يمسح على وجهه تارة ويتلاعب بأصابعه يقبض عليها ويفلتها تارة أخرى:
_"أنا أعرفك من زمان ومربيك على يدي زي ما بيقولوا وأعرف أخلاقك كويس، لكن اللي عاجبني فيك عزة نفسك وطموحك إنك تطور نفسك وتبجى حاجة كبيرة."
تهللت أساريره فرحًا بعد أن طمأنه حديثه ليسأله بلهفة:
_"يعني حضرتك موافج؟"
ابتسم "راجح" يهز رأسه مؤكدًا موافقته:
_"أيوة يا ابني موافج."
تسارعت أنفاسه بغبطة وهو يخبره بامتنان:
_"متشكر جوي جوي، وإن شاء الله هشيلها في عينيا وهفضل عند حسن ظنك."
بادله "راجح" الابتسامة وقال:
_"وأنا واثج فيك."
لكن فجأة تناقصت ابتسامته وحل محلها جديته وهو يخبره بلباقة:
_"بس أنا كنت عاوز أجول حاجة."
_"اتفضل يا فندم."
ليخبره برزانة وعزة نفس عهدها منه وزادت إعجابه به:
_"أنا هتجوز "بسملة" بإمكانياتي."
ثم تنحنح يكمل بغصة كتمها وهو يبوح له بحقيقة لا يستطيع إنكارها:
_"أنا عارف إن إمكانياتي محدودة بس أوعدك إني أعمل لها كل اللي أجدر عليه ومجصرش معاها."
رمقه "راجح" بنظرة إعجاب خصه بها وهو يدرك أنه اختار لابنته رجلًا يعتمد عليه:
_"وأنا متأكد إني هجوز بنتي لراجل عارف جيمتها ومجدرها."
تناسى في غمرة مشاعره وابتهاجه أنه يجلس أمام والدها ليقول:
_"مجامها عالي وجيمتها غالية، هشيلها بجلبي وأحميها برموش عينيا."
ليدرك تهوره ليتحمحم حرجًا:
_"أحم... أجصد إني مش هخذل حضرتك."

***************************

أدهشها وهو يدخل حاملًا أكياسًا وأصيص زرع كبير لتسأله متعجبة:
_"إيه دا يا "حسن"؟"
ابتسم ضاحكًا على معالم وجهها المندهشة ليقترب منها يخبرها بصوت منخفض كأنه يقول لها سرًا:
_"عاملك مفاجأة."
عقدت حاجبيها وازدادت حيرتها وهي تتبعه نحو شرفة شقتها وقبل أن يفتح باب الشرفة أنزل الأغراض:
_"خليها هنا كويس."
ثم جذب يدها يساعدها على الجلوس أرضًا قبل أن يجلس بجانبها يفتح الأكياس أمامها كي يرضي فضولها:
_"شوفي يا ستي، دي بذور، الراجل بتاع المشتل قال إنها نوع ورد حلو جدًا وهيقدر يقاوم لو اتحط في مكان شبه ظلي."
ثم أخرج كيسًا آخر يحركه أمام وجهها:
_"ودا نوع تاني كمان حلو، هنجرب لو ظبط خلاص، لو مظبطش هنجرب نزرع شتلات."
ثم التفت إليها يطالعها بنظرات مزجت ما بين الحب والأسف:
_"عارف إنك بتحبي الزرع والورد، قلت أعوضك ولو بحاجة صغيرة، بس متخافيش لو نجحنا هملالك البيت كله ورد وزرع."
ليتلمس بروز بطنها الظاهر يخبرها بحنان:
_"عاوز "عسولة" لما تتولد تعيش وسط الورد والياسمين عشان تطلع طيبة ورقيقة زي مامتها."
وضعت يدها فوق يده الموضوعة على بطنها تدعو له بصدق:
_"ربنا يحفظك ليا وليها يا حبيبي."
انحنى يقبل وجنتها بامتنان:
_"ويحفظك ليا يا أحلى حاجة في دنيتي كلها."
تشابكت عيناهما بنظرات حملت عشقًا نجا من طوفان الأحزان ليطوف على شواطئ الأمل والسكينة:
_"تعالي يلا عشان أنتِ اللي هتساعديني نزرع الورد سوا، عاوزه يكون شاهد على حبي ليكِ."
ابتسمت بخجل ليقهقه ضاحكًا على خجلها الذي يعشقه وقرب الأصيص منها ليبدأوا يغرسون البذور سويًا، وبينما كانا مندمجين هتفت بحماس:
_"إيه رأيك نسمي الورد "عسل" عشان لما "عسل" تتولد إن شاء الله يكبر معاها؟"
ليكمل هو مؤيدًا لها:
إن شاء الله تتولد بخير وتحلي أيامنا... ويكبر الورد معاها يا أحلى أم "عسل" في الدنيا كلها.
تعليقات



<>