رواية براعم الحب الفصل الحادي والاربعون41 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل الحادي والاربعون41 بقلم رشا عبد العزيز
لم ينبض قلبي إلا لك ولم أعرف الحب إلا معك وأزهرت براعم مشاعري شوقاً إليك فلم أرَ في الدنيا سواك 
ولم أتمنَ إلا لقياك، عيناك غايتي وروحك مطلبي، تسرني نظراتك وأجدني سجين هواك بإرادتي 
تسكرني كلماتك وتنسيني هويتي وتغرقني بسمتك في بحر عشقك لا أريد النجاة.

توقف العالم من حولها لا تستطيع استيعاب ما يخبرها به، هل قال طلاق؟ قلبها رفض تصديق ما سمعته
وعقلها يخبرها أنها النهاية، جف حلقها من ثقل الكلمة على روحها وتلعثمت الكلمات على لسانها حتى تلاشت قبل أن تنطقها 
صمتها الطويل وتجمد نظراتها جعله يكمل اقتراحه:

_"كنت بفكر إني أعزمك النهاردة وخلينا نعتبره العشا الأخير اللي هيجمعنا".

غص صدره بضيق وصعب على لسانه نطقها لكنه استجمع قوته وأجبر قلبه الباكي على الخضوع لقراره:

_"عشان هنروح بكرة للمأذون ونطلق، جهزي نفسك عشان نخرج".

قذف كلماته مرة واحدة كأنه يحاول الهروب قبل أن يضعف ويتخاذل ونهض مغادراً يتركها وسط تلك الصدمة المرة تبلعها الأحزان نحو هاوية النهاية لكنها قررت أن تصاحبه لتصنع آخر ذكرى لهم معاً فربما ستظل تعيش عمرها الباقي على ركام تلك الذكريات.

جلس أمامها يتناول الطعام ولا يستطعم مذاقه فكل ما يتذوقه الآن مرارة الخذلان، حك أنفه يخفي خلف حركته 
كذبة عدم مبالاته ويرسم تلك الابتسامة المزيفة على شفتيه يحاول أن يقنع نفسه قبلها أنه بخير:

_"أنت ما بتاكليش ليه يا قمر؟ أطلب لك حاجة تانية؟ قولي ما تتكسفيش".

_"لا متشكرة، أنا باكل أهو".

أمسكت الشوكة بضعف تدعي أنها تتناول الطعام لكنها كانت تتأمله تحفر ملامحه في قلبها قبل ذاكرتها 
كأنها نظرة الوداع وستفترق طرقهم بعدها 
رغم تحجر الدموع في عينيها لكن قلبها كان ينزف بصمت معلناً الهزيمة، حاولت أن تسيطر على 
مشاعرها قبل أن تنهار أمامه، ربما هذا قدرها فلتتقبل التعازي في حب أضاعته بمحض إرادتها
ولتلبس السواد على عشق سيكون عليها محرماً.

أنهوا العشاء في صمت قاتل تخللته بعض الأحاديث البسيطة ربما لم تعد للكلمات قيمة وما قيمة كلمة كتبت على رمال الأمل لتمسحها أمواج الخذلان تحت عواصف الندم:

_"تحبي نرقص؟ أهو نعتبرها رقصة الوداع".

قالها متهكماً بحزن فجرحها بقسوة وهو يؤكد لها أنها النهاية لكنها نهضت برفقته نحو منصة الرقص في ذلك المطعم الفخم الذي اختاره ليشهد على لقائهم الأخير 
مدت أصابعها المرتعشة لتتشابك ملتحمة مع أصابعه وأحاط خصرها يضمها إليه ولم تشعر بنفسها وهي تسند رأسها على صدره وتغمض عينيها تستسلم لسحر تلك اللحظة.
أما هو فأخذ نفساً عميقاً يجمع عبيرها الهادئ ويحبسه داخل صدره عله يطفئ تلك النيران المتقدة داخله ويلجم مشاعره الثائرة فليصمت قلبه الخائن عن الصراخ فلم يعد ينفع النواح.

عادوا من عشائهم الأخير كما أطلق عليه وكان قلب الاثنين يحترق في صمت، أغلق الباب
وقف لحظات يستجمع شجاعته لاستكمال دور اللامبالي رغم انهياره الداخلي، هذا آخر مشهد من مشاهد هذه المسرحية المؤلمة وبعدها سيُسدل ستار النهاية.

رسم تلك الابتسامة المزيفة على وجهه واقترب منها حتى أصبح أمامها يشرح لها بقلب ممزق كيف سيخطون نهاية حياتهم:

_"بكره الصبح هنروح للمأذون
وننهي كل حاجة".

ثم ضحك ساخراً بقهر:

_"وربنا يعيني على اللي هيجرالي من أبو الفوارس".

لم تستطع أن تعقب على كلامه ولا تبادله الابتسامة وكيف تبتسم
وقلبها يصرخ باكياً بحرقة، هذه آخر ليلة ستنامها بقربه غداً سيصبح شخصاً غريباً عنها لقد انتهى كل شيء بأبشع صورة كانت تتخيلها، لسعت الدموع عينيها

وبدأت أنفاسها تُسلب منها رويداً رويداً كأنها تنازع الموت فما فراقه سوى الموت بالنسبة لها
فبعده ستعيش كميت حي.
كان يتأمل صمتها وعيناه تطوف وجهها بحزن يحفظ ملامحها ليوشم قلبه بعشقها حتى آخر العمر فلا قيمة للنساء بعدها
حافظ على ابتسامته المجروحة وتنهد بأسى:

_"أنا عارف إننا هنواجه معركة رفض وهنوجعهم وعارف إننا هنكسر العلاقة الحلوة اللي بين الإخوات وهنكون غصة حزينة كل ما يجتمعوا بس كل حاجة نصيب".

ثم أخفض عينيه بألم قبل أن يرفعها ببطء لتلتقي بعينيها التي كانت معلقة به تتمنى أن ينهي مأساتهم ويخبرها بعدوله عن قراره كانت تثبت نظرها على شفتيه علها تمنحها شيئاً من الأمل لكنه ابتلع ريقه واختنقت الكلمات في صدره لتخرج مثقلة

على لسانه يخبرها بابتسامة اغتصبها من جراحه:

_"أرجوك ما تعتبريش طلاقنا نهاية علاقتنا، أنا هفضل ابن خالتك وأخوك مهما حصل وهتلاقيني موجود لو احتجتي أي حاجة ما تتردديش في إنك تطلبي مساعدتي هكون سندك إن شاء الله".

وكادت أن تخونه دموعه وهو يدعو لها بقلب مستنكر حديثه:

_"بتمنالك الخير ربنا يرزقك السعادة مع الإنسان اللي يختاره قلبك".

كانت تتمنى أن يصمت توسلته أن يتوقف عن هذا الهراء ومن حبيبها سواه وهل ستذوق السعادة
بعيداً عن أحضانه، أحست أن أقدامها تتراخى لم تعد تستطيع الصمود قلبها تكسر حتى بات فتاتاً تناثر مع أملها الضائع، استفاقت
من انهيارها على ملمس شفتيه
يقبل جبينها قبلة طويلة كأنها قبلة الوداع يودع معها حبه لها
أراد أن يتذوق آخر قبلة قبل أن تصبح محرمة غداً
أغمض عينيه يستنشق قربها يتمنى أن لا تنتهي هذه اللحظة ليبتعد عنها بعد أن أدرك أنه يتجرع المر ويسقي قلبه سم الفراق يكفي هذا العذاب لقلبه الملتاع فليطلق على هذا الحب رصاصة الرحمة لكي يرتاح.

ابتعد عنها متجهاً نحو غرفته يجر أذيال الخيبة كان يتمنى أن تعطيه أملاً أو أن ترجوه أن لا يتركها

كلمة واحدة فقط تخبره أنها تريده ربما ما تقوله عيناها له ليست سوى أوهام تخيلها قلبه الغبي.

سارت بخطواتها هي الأخرى نحو غرفتها وقلبها يرجوه أن يتمسك بها لا تريد الفراق
وقف كلاهما على باب غرفته والتفتا في وقت واحد ينظران لبعضهما النظرة الأخيرة نظرة رجاء وعتاب:

_"تصبحي على خير".

قالها بصوت مهزوز قبل أن يعاود النظر إلى الباب ويستسلم إنها النهاية ليتفاجأ بها تنادي عليه:

_"حسين".

التفت ليتفاجأ بها تركض نحوه ترمي نفسها بين أحضانه ليتيبس جسده وهو يجدها تحيط جسده بذراعيها وتضمه بقوة قبل أن تنهار باكية تتوسله بكلمات عجز عقله عن تصديقها:

_"أنا مش عاوزه نفترق ولا نطلق بلاش تبعدني عنك أنا بحبك بحبك أوي يا حسين".

تجمدت حركته لثوانٍ وبدأ قلبه يخفق بقوة هل تعترف له بحبها؟ هل ما يسمعه حقيقي أم أخطأت أذنه؟
تعشمت يداه يحاول أن يلمسها ليتأكد أنه لا يتخيل ولا ما يراه أضغاث أحلام لكن يده تعلقت في الهواء وصمته جعلها تكرر رجاءها:

_"أرجوك يا حسين أنا عارفه إني جرحتك بس صدقني أنا حبيتك من كل قلبي طيبتك وحنانك وحبك ليا خلوني أحبك لا مش بس أحبك أنا بعشقك أرجوك ما تبعدنيش عنك خلينا ناخد فرصة تانية".

ابتلع ريقه باضطراب ها هي تكرر كلامها هو لم يجن ولم يتوهم هي بين يديه نعم أنفاسها الساخنة تضرب صدره ودفء دموعها لسع جلده
شهقاتها المتعالية بدأت تخفت مع استمرار صمته فقد ظنت أن ما تخشاه صار حقيقة هو لم يعد يحبها وطردها من قلبه بعد أن كانت تستوطنه تراخت قبضتها حول جسده وبدأت يدها تنسحب ببطء فقد تملكها الحرج من صمته الذي اعتبرته صداً لمشاعرها فكت حصار يديها تمسح دموعها بارتباك فرفضه قتل كبرياءها وسحق كرامتها كما سحق قلبها العاشق لتقول بتلعثم تداري خلفه حرجها:

_"آسفة الظاهر إني اتأخرت وما عادش ليه مكان في قلبك".

ثم ابتلعت غصة مرة بندم وزيفت ابتسامة حزينة لتكمل معها ألمها:

_"يظهر مفيش نصيب نكمل... ربنا يسعدك".

تراجعت خطوة إلى الوراء تبتعد عنه تمهيداً لهروبها خجلاً من أمامه وقبل أن تتحرك خطوة أخرى كان يجذبها من جديد نحو أحضانه يحتضنها بقوة آلمتها كأنه يريد أن يخبئها بين أضلعه أو ربما يعوض قلبه عن تلك الأيام التي تمنى أن يأخذها فيها بين أحضانه 
بادلته العناق وعاودت بكاءها من جديد لكن البكاء لم يكن من نصيبها وحدها بل شاركها هو دموعها لا يصدق ما يحدث ليتأوه بهيام يخبرها بصوت مختنق:

_"آه... يا قمر آه... يا حبيبة عمري... آه يا حلمي بحبك يا روح روحي... بحبك أوي يا قلب حسين".

لم يعلما كم من الوقت استمر هذا العناق فلم يكن هذه المرة عناق وداع بل كان عناق اعتراف انتظره الاثنان 
أخرجها من أحضانه يحيط وجهها ويسند جبهته على جبهتها يعاتبها بعين باكية وصوت ملؤه الشوق:

_"ما تكلمتيش ليه يا حبيبتي كنت مستني إشارة بس منك تديني أمل".

رفعت كفها تمسح دموعه بحنان وأخبرته بصوت مبحوح من شدة البكاء وعيناها تبوح باعترافها الصادق:

_"خفت يا حبيبي خفت تكون بطلت تحبني وما عادش ليه مكان في قلبك خفت أفرض نفسي عليك".

ضم رأسها إلى صدره يحتضنها من جديد يؤكد لقلبه أنها تحبه ليسخر من كلماتها ويلومها بعشق:

_"يا عبيطة بطلت أحبك... إيه يا مجنونة دا أنا بعشقك هو قلبي بيعرف يعيش من غير حبك 
دا أنا حبي ليك كل يوم بيزيد حتى وأنا عارف إننا هنبعد عن بعض".

تساقطت أقنعتهم التي كانوا يخفون خلفها مشاعرهم وازدادت خفقات قلبها كأن الكلمات عالقة بين شفتها وقلبها
لكنها كانت تشعر بالراحة فقد باحت بمشاعرها التي لطالما كتمتها مجبرة ليتحرر لسانها من قيوده:

_"وأنا كمان بحبك أوي".

ابتسم بعشق وهي تمنحه تأكيداً لمشاعرها ضمها بقوة يخشى إخراجها من أحضانه كأنها كنزه الثمين ثم 
انحنى يقبل رأسها المستند على صدره عدة قبل يأخذ نفساً عميقاً يستنشق عطرها ويحمد الله على حلم يئس من تحقيقه.

***************************

كانت تتجنب لقاءه منذ أن رآها مع "مهاب" في الحديقة وهي تهرب بعينها من الالتقاء بعينيه خجلاً مما حدث 
حتى وجدت نفسها مجبرة على لقائه عندما طلبت منها والدتها أن تصنع له فنجاناً من القهوة وتذهب به 
نحو مكتبه، دخلت إليه بخطوات متوترة وعينه كانت ترصد توترها وضعت الفنجان أمامه:

_"اتفضل يا بابا".

_"تسلم إيدك يا وردتي".

أرادت أن تهرب بسرعة من أمامه لتستدير تخطو خطوة مسرعة رغم حفاظها على ثباتها لكنها تفاجأت به ينهي خطوتها المتعجلة:

_"تعالي يا ورد عاوز أتكلم معاك".

عادت تجلس أمامه مرتبكة لا خوفاً بقدر كونه خجلاً منه تشابكت يديها بتلقائية وبدأت تطرقع أصابعها 
تنتظر أن يبدأ بالحديث فلم تجرؤ عيناها على النظر إليه 
وصلها صوت فنجان قهوته الذي رفعه يرتشف من قهوته القليل لتلتقط من صمته أن شيئاً ما في القهوة لم يرق له:

_"أنت اللي عملتي القهوة؟"

_"أيوة".

ليقول وكأنه يمهد لبداية حديثه معها يحاول أن يطيل في أسئلته ليخفف من توترها الظاهر ويمنحها مساحة من الأمان:

_"طول عمري بعرف قهوة ندى من بين ألف فنجان وعمري ما دقت فنجان قهوة أحلى من اللي هي بتعمله 
باين إني بقيت مدمن قهوة ندى".

رمى حديثه بفكاهة يحاول أن يسحبها نحوه يلغي ذلك الجدار الذي بُني بينهما ليصل إلى هدفه:

_"ورد".

ردد اسمها بحنان لامس شغاف قلبها المشتاق له فحياؤها رسم لها حداً خشيت أن تتخطاه بعد ما حدث:

_"أنت بنتي اللي ربيتها وعلمتها وأول فرحة ليه يمكن أنا مش هقول إن أنت في كفة وأخواتك في كفة تانية لأنك عارفة ومتأكدة إنك غالية عندي أوي وإن ليك معزة ومكانة خاصة في قلبي الكل عارفها".

سكت لحظة ثم تابع بنبرة أكثر هدوءاً:

_"ومش بس كده أنا عندي ثقة فيك فوق ما تتصوري".

رفعت عينيها عند تلك الكلمة نحوه بعفوية شعرت كأنه وجه لها صفعة دون أن يلمسها لتلتقي بعينيه المعاتبة وابتسم يعلم أن كلماته أصابت هدفها أسرعت تخفض عينها هرباً منه من جديد:

_"اللي شفته يا بنتي ما هزش ثقتي فيك لأني متأكد من تربيتي".

_"بابا أنا.....".

لم يفسح لها المجال لتبرئ نفسها أمامه أو تبرر عفوية ما حدث ليكمل حديثه بتعقل يعلم أن تأثير الكلمة على "ورد" أقوى من الغضب:

_"أنا مش بحاسبك يا ورد أنا بقولك إني واثق فيك بس يا بنتي أنا هديكي نصيحة وأنت أوزني كلامي وافهميه 
اللي حصل يا ورد تجاوز لحدود علاقة ما بينكم عارف إنه حلال وإنك مراته لكن يا ورد أنت لسه في بيتي 
في بيت أبوك وعارف هتقولي أنا هتجوز بعد شهرين أو تلاتة يبقى الأحسن يا ورد إننا نستنى يتقفل علينا باب يعفنا من التجاوزات دي".

كان يراقب عينيها التي لمعت الدموع فيها وحملت اعتذار خجل:

_"بصي أنا هقولك على حاجة افرضي إن حصلت بينكم تجاوزات على افتراض إنك مراته وحقه والكلام دا كله
وقبل فرحكم بأسبوع يومين تلاتة اختلفتوا وحصل بينكم انفصال لا سمح الله تقدري تقوليلي نظرتك لنفسك هتكون عاملة إزاي؟ أنا مش بفاول عليك يا بنتي أنا بس بفهمك اعتراضي ليه رغم إنه حلال 
أنا مش خايف عليك من مهاب يا ورد أنا خايف عليك من لحظة تندمي فيها على حاجة كان ممكن تستني وقتها

الدنيا ممكن تتوقعي فيها أي حاجة أنا يا بنتي عشان كده سيبوا اللحظات الحلوة دي تكون في بيتكم في المكان الصح وافقت على كتب الكتاب لأني متأكد من أخلاق مهاب وعارف إنه شاب حابب يقرب من مراته 
وأنت كمان بنت وفرحانة بحب واهتمام خطيبك
وزي ما أنا متأكد من أخلاق مهاب أنا متأكد من أخلاق بنتي وتربيتها".

ليناديها بحسم غلفه الرجاء:

_"أنا عندي ثقة فيك بلاش تكسري الثقة دي يا حبيبتي".

قاومت دموعها ونبرة الرجاء في كلمة حبيبتي هزت ثباتها المزعوم لتضغط على يديها المتشابكة بقوة تسيطر على مشاعرها المبعثرة:

_"آسفة يا بابا".

شقت ثغرة ضحكة بسيطة حاول أن يبثها الأمان من خلالها:

_"وردتي أنت بتعتذري ليه؟ أنا بنصحك يا بنتي".

نهضت تهم بالمغادرة بعد أن توقف هو عن الكلام لتعلم أنه قد أنهى حديثه وما إن سارت بضع خطوات حتى سمعته ينادي عليها:

_"وردتي فين تصبح على خير يا بابا؟"

التفتت لتجده يفتح ذراعيه لها ترددت قبل أن تركض نحوه فهل تستطيع رفض أحضانه؟ رمت نفسها بين أحضانه 
كطفلة تعود لأحضان والدها قبل أن تتحلى بأقصى درجات الثبات كي لا تنهار باكية وهي تقبل وجنته قائلة:

_"تصبح على خير يا حبيبي".

قبلها هو الآخر بحب قبل أن يمسح على وجنتها بحنو:

_"وأنت من أهل الخير يا قلب بابا".

رحلت نحو غرفتها تجلس على السرير لتنساب دموعها رغماً عنها تعلم أن والدها يحبها ويريد أن يحافظ عليها 
ولا تلومه لكن ربما حرجها من الموقف وخجلها من الوقوف أمامه لتحاسب على قبلة في لحظات مسروقة.

تعالى رنين هاتفها ينتشلها من تلك الأفكار لتجده هو أجابت عليه:

_"أيوة يا مهاب".

صوتها وشى له أنها ليست بخير ليسألها بقلق:

_"مالك يا حبيبتي صوتك مش طبيعي أنت بتعيطي؟"

تحمحمت تجلي حنجرتها قبل أن تجيبه:

_"لا بس كنت نايمة وتليفونك صحاني".

_"آسف يا روحي ما كانش قصدي بس كنت عاوز أسمع صوتك قبل ما أنام".

_"ولا يهمك يا حبيبي".

_"يا روح حبيبك يلا روحي نامي وأنا هكلمك الصبح تصبحي على حب يا أحلى ورد في الدنيا".

_"مع السلامة".

أغلقت الهاتف تطالع شاشته مشاعر متضاربة.

****************************

 
وقف يمشط شعره أمام المرآة وينثر عطره يتأمل انعكاس تلك الغافية بسعادة لا يصدق ما حدث ثلاثة أيام منذ أن اعترفت له بحبها وتغير شكل حياتهم ثلاثة أيام تسقيه عشقها وتروي صحراء قلبه الذي أتعبه الجفاء ليُزهر بربيع هواها من جديد يشعر كأنه يعيش في حلم لم يكن يتوقع مقدار حبها له وهي تغدق عليه بعبارات الغزل وتبثه حبها كأنها تحاول أن تعوضه تلك الشهور العجاف.

كان في غمرة نشوته وهو يتذكر لحظاتهم معاً عندما شعر بيدها تطوق جسده تسند رأسها على ظهره تعاتبه بصوت ناعس:

_"هو كان لازم تروح المكتب النهارده؟ كنت استنيت لبكرة".

ابتسم بعشق وقلبه ينبض بجنون أغمض عينيه يضع يده فوق يدها ويتمتم الحمد سراً على سعادة تمناها و

وها هو يعيشها.

فتح عينيه واستدار ببطء نحوها يحتضنها بقوة يسند ذقنه على رأسها معتذراً:

_"حبيبتي أنا كان على نفسي أفضل معاك شهر مش تلات أيام بس أنت عارفه أنا اتحججت إني تعبان 

الأيام اللي فاتت لازم أرجع أشوف أخبار الشغل إيه".

خرجت من أحضانه لكنها لم تبتعد ظلت متشبثة بأحضانه تخبره بدلال متذمرة:

_"هو يوم واحد يا حبيبي".

_"يااا حبيبي طالعة زي السكر قوليها تاني كده".

تمايلت بين أحضانه بغنج تكررها على مسامعه وتفيض بما يملأ قلبها:

_"حبيبي وقلبي وروحي وعمري وكل حاجة حلوة في دنيتي".

تأوه متلوعاً يطلق ضحكاته مستمتعاً بغزلها متلذذاً بغرامها:

_"الله.. الله من يوم ما دق قلبي وأنت الوحيدة اللي عرفت تسكنه وكان الحب ما اتخلقش جوايا إلا عشان يكون ليك قلبي مش قادر يصدق الغزل والدلع ياروح الروح

زمت شفتها بعبوس مصطنع ورفرفت عيونها تتدلع مستنكرة:

_"مش أنت اللي كنت عاوز تسمع كلمة حبيبي يا سونة؟"

أغمض عينيه يمثل إغماءه بفكاهة ساخراً يكرر دلعها له:

_"وسونا كمان".

_"حسين".

قالتها تضرب صدره بخفة:

_"عيون حسين وقلب حسين أمر يا جميل".

تلاعبت بياقة قميصه وعادت تتدلل عليه:

_"أنا بتكلم جد يا حبيبي خلينا النهارده سوا وخلي المكتب بكره".

رفع يده يعيد ترتيب خصلات شعرها التي بعثرتها حركاتها المتمردة وغنجها:

_"يا روح حبيبك أنت هعوضك صدقيني هرتب الشغل وآخدك شهر عسل لأي مكان أنت تختاريه بس دلوقت صعب عشان عارفه مشروع الساحل".

رفعت سبابتها أمام وجهه تحركها بتهديد:

_"وعد".

انحنى يعض سبابتها مشاكساً ويجيبها ضاحكاً بعد أن رأى تأوهها:

_"وعد يا روحي".

نظرت إلى سبابتها بوجه ممتعض وسط ضحكاته وقالت له:

_"هروح معاك المكتب".

ليحاول مراوغتها مستمتعاً بمشاكستها ودلالها:

_"هتتأخري أنت لسه قدامك كتير على ما تغيري هدومك".

لتقول بعناد ترفع نفسها تقبل وجنته بسرعة وتتحرك هاربة من أحضانه:

_"مش هتأخر".

وهل بعد قبلتها يستطيع الرفض أو المقاومة؟
******************************، **

تفاجأت به يعود للمنزل مبكراً بشرته محمرة وعيناه اغرورقت بالدموع بالكاد يجر خطواته جراً، ألقى عليها التحية بصوت منهك:

_"مساء الخير".

لم تجبه كالمعتاد لكن ازدادت دهشتها وهي تجده يدخل غرفة الأطفال ويغلق الباب خلفه أصابها القلق لكنها تغاضت عن ذلك متجاهلة وجوده تحاول أن تشغل نفسها بأعمال المنزل أو بملاعبة ذلك القط المشاكس 
ترمي له الكرة فيركض خلفها وتكرر الكرة وهي تضحك على حركاته لكن تلك الضحكة لم تكن حقيقية كانت تمثلها لتثبت لنفسها أنه لم يعد يهمها أمره، ضحكة حملت طعماً مراً فقلبها المتمرد كان يخفق بخوف وعينها الخائنة تهرب نحو باب الغرفة تنتظر خروجه لكن مر وقت طويل ولم يخرج 
هل أصبحت قاسية لهذه الدرجة؟ هل نفذ حبه من قلبها؟ هل ذلك الجفاء الطويل جعل قلبها يتحجر ولا تهزه أي مشاعر؟
خرجت من دوامة أفكارها على حركة "سكر" الذي يقف بقربها ويتمسح بها كي تلاعبه بدأت تلاعبه بذهن شارد 
وسؤال واحد يطرق عقلها هل لا زالت تحبه أم لم يعد يعني لها شيء؟
وإجابة سؤالها رافقتها دمعة حارقة هي لم تتوقف عن حبه لكن ذلك الحب ضاع بين زحام الجراح 
وربما هي من أخفته تحت أنقاض قلبها المحطم لتدعي أنها قد نسيته لكن رؤيته بهذا الضعف اليوم أزاحت عنه تلك الأسوار المزيفة وأزالت أربطة القسوة فلم تشعر بنفسها إلا وهي تفتح الباب وتقترب منه كان ممدداً على السرير وجسده يرتجف بقوة كانت تسمع اصطكاك أسنانه بسرعة اقتربت أكثر فاتسعت عيناها بخوف تبصر جسده المتعرق مدت يدها لتلسعها حرارة جبهته أصابها الرعب لا تدري ماذا تفعل 
هرولت نحو الخارج وعادت بقطعة قماش مبللة بدأت تمسح على جبهته تزيح حبات العرق عنها:

_"حسن".

نادته بهمس مترددة وكأن اسمه قد حرم على لسانها لكن قلبها أجبره 
لتسمع هذيانه الذي زاد من خوفها:

_"ماما... ماما....".

ثم بدأ يأن بوجع:

_"آه.. آه..".

أشفقت عليه لم تره ضعيفاً يوماً هكذا واضطربت لتترك جبهته وتمسح على يده ليعاود هذيانه:

_"سندس..".

تجمدت يدها على يده الدافئة من شدة حرارته عندما ردد اسمها لتتساقط دموعها بقهر يذكرها في هذه اللحظات 
ليزيد من حزنها عندما ترجاها بلا وعي:

_"سامحيني.. سامحيني".

تراخت يدها حتى سقطت منها تلك القماشة المبللة واختنق صوتها تبكي بحسرة على حالهم 
ازداد ارتجاف جسده وتعالى صوت أنينه مسحت دموعها وأيقنت أن تلك الكمادات لن تجدي نفعاً 
خرجت تبحث عن هاتفها لتتصل بـ "علي" الذي جاء مهرولاً تتبعه "هدى":

_"بقاله كتير كده؟"

سؤال طرحه "علي" بقلق:

_"لا يا عمي أنا تفاجأت بيه قبل ساعة أو أكتر رجع وحالته كده حاولت أعمله كمادات بس جسمه كان بيترعش وخفت عليه".

_"يا حبيبي يا بني ماله يا علي؟"

قالتها "هدى" بعين دامعة:

_"باين التهاب رئوي".

نظر "علي" لـ "سندس" التي تقف باكية تمسح دموعها بصمت ليقول لها محذراً:

_"أوعي تدخلي الأوضة يا سندس أحسن تتصابي بعدوى ودا خطر على الجنين".

أيدت "هدى" كلامه وهي تضمها تساندها وصورة من الماضي اخترقت ذاكرتها تخشى أن تتكرر مع "سندس" لتحاول نفض تلك الذكريات المؤلمة:

_"أيوه يا حبيبتي خلي بالك يا بنتي علي هيديله الدوا وأنا هكون معاه أنت بلاش تدخلي".

وضعت يدها المرتعشة على شفتها في حركة عفوية تخفي خوفها وقالت تحاول الاعتراض:

_"بس..".

ربتت "هدى" على كتفها توقف استرسالها وسحبتها إلى غرفتها مرغمة رغم اعتراضها:

_"ما تخافيش يلا يا حبيبتي ادخلي أوضتك عشان تكوني بعيدة".

حثها "علي" على الانصياع لأمر "هدى" وحاول طمأنتها:

_"ما تخافيش يا سندس هو يومين وهيكون كويس يلا اسمعي الكلام أحسن تلقطي عدوى".

قالها "علي" ودخل إلى غرفته يعطيه الأدوية المناسبة كانت تسير مع "هدى" وعيناها معلقة على تلك الغرفة 
أجلستها على السرير وسألتها:

_"أنت كلتي؟"

هزت رأسها نافية لتوبخها "هدى" بلطف خوفاً عليها:

_"وهو ينفع كده يا سندس؟ أنت حامل يا بنتي يعني فيه روح معاك عاوزه اهتمام وتغذية أنا هعملك شوربة أنت وحسن وأجبلك طبق من ورقة اللحمة اللي عملتها النهارده".

ثم حاولت أن تخفف عنها رغم حزنها على ولدها:

_"يلا عشان تدوقي أكل حماتك وتحكمي حاكم الواد حسن كان دايماً يقول أكل سندس جميل أوي كده أنت كمان هتقوليلي أكل حماتي حلو أوي".

تركتها "هدى" لتلتفت نحو مكانه الخالي بجانبها تحركت يدها تتلمسه وقلبها يعاتب صاحبه الغائب على ما أوصلهم إليه خنق حبها له حتى ظنت أنه قتله لتكتشف اليوم أنه لا زال يتنفس داخلها وإن كان ضعيفاً لكنه لا زال موجوداً.
******************************
خرجت من مدرستها بعد انتهاء عملها تسير بجانب صديقتها المقربة "سجى" التي تقلها كل يوم معها إلى منزلها 
كانت مندمجة بالحديث حتى تفاجأت به يقف بانتظارها أصابها القلق لتستأذن من صديقتها وذهبت باتجاهه 
وصلت إليه تلتقط أنفاسها المتسارعة:

_"مهاب".

استقبلها بابتسامة مشرقة وعيناه تطالعها بحب:

_"روح مهاب".

تنقلت عيناها عليه بخوف لتسأله بلهفة:

_"مهاب أنت هنا ليه؟ حصل حاجة؟ عمو فارس ولا بابا حصلهم حاجة؟"

اتسعت ابتسامته أكثر وقال يحاول طمأنتها:

_"مالك يا حبيبتي مافيش حاجة وحشتيني وجيت أشوفك".

تنهدت بارتياح وعاتبته بلطف:

_"حبيبي خفت".

_"سلامتك من الخوف يا جميلة يلا عشان أوصلك".

تعلقت عيناها عليه بتردد قبل أن تحسم أمرها تشير له نحو صديقتها بعد أن هزت رأسها بالموافقة:

_"أبلغ "سجى" إنك هتوصلني عشان بتستناني".

أبلغت صديقتها وعادت إليه ركبت السيارة بجانبه وما إن ركبت حتى شعرت بيده تمسك كفها يقربها من فمه ويقبلها يخبرها بعشق:

_"وحشتيني يا قلب مهاب".

لمسة يده وقبلته أعادت رنين كلمات والدها حول ثقته بها سحبت يدها من بين يديه ببطء وارتباك تشبكها بيدها الأخرى وتقبض عليها بتوتر 
فاجأته حركتها لكنه تغاضى عن ذلك وسألها مبتسماً:

_"تحبي تتغدي فين؟"

التفتت بسرعة نحوه وتساءلت مندهشة:

_"أتغدى؟ أنت مش قلت هوصلك؟"

تعجب من ردة فعلها ليقطب حاجبيه مستهجناً سؤالها:

_"فيه إيه يا ورد مالك اتخضيتي كده ليه؟ عاجبني أتغدى معاك".

أدركت تسرعها في ردة فعلها ورفضها لتبتلع ريقها توضح له:

_"أصل مش هقدر أتأخر عن موعد رجوعي للبيت أنت بابا وماما كده هيقلقوا عليا".

احتدت لهجته وقال بضيق معترضاً:

_"ورد أنت معايا مع جوزك يعني تأخيرك مبرر ولو عاوزه ممكن تتصلي بوالدتك تبلغيها".

أقلقها انفعاله لتحاول استرضاءه كي تقنعه بالعدول عن قراره مدت يدها تمسك يده مترجية:

_"أرجوك يا حبيبي ما تزعلش بس إحنا ممكن نخليها وقت تاني أكون أخدت إذن بابا وأديت لماما خبر".

عيناها كانت تترقب ردة فعله وهو يرمقها بنظرات جانبية مستنكرة زفر نفساً عميقاً وكاد أن يتفوه بكلمات أشد استنكاراً من نظراته لكنه تراجع أمام عينيها التي أوشكت أن تدمع فأخذ يحرك إبهامه على ظهر يدها كأنه يطمئنها لكنه أراد أن يطمئن نفسه أيضاً:

_"ورد حبيبتي مالك؟ فيه حاجة؟ حصل حاجة؟ حاسك مش طبيعية".

هزت رأسها نافية بسرعة ولمعت الدموع في عينيها مع إجابتها:

_"لا مافيش حاجة بس مش عاوزه أزعلهم هما دلوقت بيستنوني عشان نتغدا سوا بعد زياد وأحلام ما اتجوزوا بابا وماما اتعلقوا فيا أوي بقوا يراقبوا كل حاجة في حياتي كأني رجعت صغيرة وبنتهم الوحيدة دول بيطمنوا عليا قبل ما يناموا ومش بياكلوا قبل ما أكون أنا موجودة".

_"بس يا حبيبي أنت بكرة كمان تتجوزي...".

أومأت له مؤيدة وقالت مفسره:

_"عشان كده عاوزه أقضي وقت طويل معاهم عشان خاطري ما تزعلش مني".

رمقها بعدم اقتناع قبل أن يتنهد ويسألها:

_"أنت متأكدة إن دا السبب؟"

هربت بنظراتها من عينيه المحدقة بها وهي لا تعلم أ حديث والدها منعها مع أنها تعلم هو لم يرفض يوماً أن تخرج مع "مهاب" هو أخبرها بتلك الحدود التي يجب أن تضعها لعلاقتهم لكن ربما خوفها من جرأة "مهاب" وأن تضعف أمام عواصف غزله وتلك المشاعر التي تأسرها بوجوده 
أو ربما أنها فعلاً تريد أن تقضي وقتاً أطول مع عائلتها 
انتبهت لصوت محرك السيارة الذي دار تواً فصمتها الطويل زاد من ضيقه التفتت إليه لتجد علامات الامتعاض مرتسمة على وجهه لتمسك ذراعه وتسأله بتوجس:

_"مهاب أنت زعلت مني؟"

_"تؤ".

قالها باقتضاب أكد لها أنه منزعج لتستخدم حيل النساء وتتدلل عليه تمنحه جرعة غزل كي يعفو عنها
لتضرب أنفه بإصبعها مشاكسة:

_"لا إزاي وأنت مقموص كده يا قلب ورد وروح ورد وعشق ورد وحياة ورد ودنيا ورد؟"

تراخت ملامحه بعدما هدأت كلماتها من ضيقه ليبتسم مستمتعاً بكلمات:

_"هون على قلبي فخصامك لقلبي ابتلاؤه يا مالك القلب ومقتحم حصونه والقلاعه سكنت روحي وأصبحت دواءها 
فهل للعليل دون حبك هناؤه؟"

اتسعت ابتسامته بنشوة بعد أن أطربه غزلها ليسترخي جسده على ظهر الكرسي وأرجع رأسه إلى الوراء قبل أن يلتفت إليها يطالعها بهيام:

_"هتجننيني بحبك يا ورد".

ثم وضع يده على موضع قلبه العاشق:

_"قلبي بينبض بجنون كل الكلام الجميل دا... بتقوليلي شعر يا روح مهاب؟"

أسبلت أهدابها بخجل وسألته بخفوت:

_"عجبك؟"

أمسك يدها  من جديد يجيبها بعشق:

_"تحفة".

ثم حاول مشاكستها:

_"أي نعم فيه وزن وقافية مش مضبوطة بس يكفيني إحساسك الصادق ومشاعرك الجميلة بحبك يا وردتي".

اكتفت بابتسامة خجلة دون أن تعقب ليباغتها قائلاً:

_"مش هزعل بس بشرط".

تعلقت عيناها به بترقب تنتظر أن تسمع شرطه وقلبها يخفق بخوف:

_"نشرب قهوة حتى لو في العربية عشان ما تتأخريش بس المهم نشرب حاجة سوا".

تهللت أساريرها بفرح وأومأت له موافقة
ليحتال عليها مختاراً أطول الطرق بل وتعمد أن يغير طريقه عدة مرات ليشرب القهوة معها ويطيل الوقت سوياً 
تغاضت عن مراوغته واستمتعت بقهوتها وسعدت بتلك الوردة التي اشتراها لها من أحد الصبية في الشارع 
حتى أوصلها لمنزلهم:

_"أنزل أتغدا معنا يا مهاب؟"

عرض طرحته عليه صدفة فغمز لها بعبث:

_"عزومة مراكبية ولا بجد؟"

ابتسمت تجيبه باضطراب:

_"لا بجد تعالى اتغدا معانا ما دام النهارده بابا موجود يعني ماما عامله حاجة مفتخرة".

ظنت أنه لن يوافق رغم أن قلبها كان يدعو الله أن يقتنع كي تخفف من حرجها من رفضها عرض الغداء 
ثوانٍ تردد هو في قبول عرضها لكنه حسم أمره ليترجل من سيارته ويتجه نحوها يمازحها:

_"أنا مش مسؤول لو والدتك زعقتلك عشان جايبالها ضيف مفاجئ وقت الغدا".

بادلته الابتسامة وقالت بثقة:

_"لا ما تخافش يا متر ما أنا قلتلك الدكتور النهارده موجود يعني أمان".

دخل المنزل حرجاً ليتفاجأ بـ "ندى" التي كانت تسألها بقلق:

_"اتأخرتي ليه يا ورد...".

بترت حديثها عندما رأته يدخل خلفها لترحب به:

_"أهلاً يا مهاب إزيك يا بني؟"

أجابها مبتسماً ومدافعاً عن حبيبته:

_"أهلاً يا أمي معلش أنا اللي أخرت ورد كنت قريب من المدرسة وعرضت عليها أوصلها".

_"أهلاً.. أهلاً.. إزيكم يا ولاد".

كان هذا صوت "طارق" الذي جاء لاستقبالهم لتتوتر "ورد" خشية أن ينزعج والدها من وجود "مهاب" لكنه خيب ظنها عندما اقترب مرحباً به وكأنه يؤكد لها ثقته بها فليلزمها بالمقابل بالحفاظ عليها:

_"أهلاً يا مهاب حماتك بتحبك عشان تتغدا معانا حاكم حماتك يا سيدي أحسن واحدة تعمل ملوخية والنهارده حظك حلو عامله ملوخية وبط كمان".

ابتسمت "ندى" بسعادة لثنائه عليها أمام زوج ابنتها لتؤيد كلامه بفخر:

_"أيوة يا مهاب اسمع الكلام لو فوت الملوخية هيفوتك كتير".

بادلهم الابتسامة بحرج وقال يوزع نظراته بينهم:

_"بصراحة ورد عزمتني واتنبأت بغدا فاخر وأنا ما كدبتش خبر ووافقت على طول".

ضحك الثلاثة تحت نظرات تلك التي تقف خجلة وتترقب بتوتر لتجد والدها يحيط كتفها ويضمها بحب قبل أن يوجه حديثه لـ "مهاب":

_"وكنت هزعل منها لو ما عزمتنيش بعد ما وصلتها".

ربت "طارق" على كتفها يخبره:

_"وردتي دي أحلى حاجة في حياتي سكر دنيتي".

توردت وجنتاها بعد مديحه لها وازدادت خجلاً حينما قال "مهاب":

_"وسكر دنيتي أنا كمان".

ضحك "طارق" يحرك سبابته محذراً بمزاح:

_"أنت عاوز تنافسني يا مهاب.. ما تحاولش هتخسر... وردتي دي دا محدش بيحبها قدي".

_"أوعدك يا عمي إني أحبها قدك".

هتف بها "مهاب" بتحدٍ

ليعاود "طارق" تحذيره بعناد:

_"ما تحاولش".

قهقه "مهاب" ضاحكاً وشاركه "طارق" تحت سعادة تلك التي تقف كأميرة بينهم وهم يتنافسون على حبها:

_"ربنا يسعدكم يا بني".

دعاء خرج صادقاً من قلب أب يعشق ابنته لتقبل يده بحب:
"ويحفظك لينا يا حبيبي".
كان "مهاب" يشاهدهم بإعجاب فـ "طارق" يوصيه بابنته بطريقته الأخرى عندما تحداه أن يحبها كما يحبها والدها وكأنه يخبره أن يعاملها ويحبها كما يحب الوالد ابنته ويدللها كدلاله لها 
أما "ورد" وحبها لوالدها منحه الأمان لأنها تمتلك قلباً محباً وحنوناً وكل يوم يوقن أن قلبه أحسن اختيارها.
تعليقات



<>