رواية براعم الحب الفصل السادس والاربعون46 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل السادس والاربعون46 بقلم رشا عبد العزيز
ليتنا نستطيع محو أوجاعنا أو نسيان آلامنا، وليت كلمة الأسف كانت كممحاة تستطيع إزالتها، وليت قلوبنا تستطيع طي الماضي.
وليت أرواحنا تستطيع أن تعفو عمن ظلمنا. هل ننسى دموعنا أم ننسى حزننا وخذلاننا لمجرد الاعتذار، أم أن الصفح لم يعد من شيمنا؟ هل قست قلوبنا حتى صارت كحجر صوان لا يستطيع الغفران الولوج إليه ولا تحطمه كلمات الندم؟
أم سيرضخ ذلك القلب الجريح يومًا وينسى كل ما كان؟

كانت تحمل أغراض شقيقها وتدخل إلى المستشفى، تخطو بخطى مثقلة ومتعبة، فتلك الأمتعة كانت ثقيلة.
فتذمرت تتمتم مع نفسها وتعدل حزام تلك الحقيبة على كتفها:

_ أهو الباشا يلعب كورة ينبسط وإحنا اللي نتحمل خطأه وهو يتدلع.

اقتربت من غرفته فتباطأت خطواتها عندما رأت ذلك الذي يقف ساندًا ظهره على الجدار كأنه ينتظر أحدًا، أخفضت عينيها تتحاشى مواجهته كي لا تفضح اضطرابها أمامه.

لمحها هو وانتبه لثقل خطواتها، حاول التغاضي لكنه لم يتحمل أن يراها هكذا، أسرع نحوها وقال باحترام:
_ أجدر أساعدك؟ هاتي أشيل عنك.
رفضت قائلة:
_ لا عادي ما فاضلش مسافة طويلة قربت أوصل.
لم يمهلها الاستمرار في الرفض، مد يده يسحب منها ما كانت تحمله رغم رفضها:

_ والدتي و"ساجد" جم يشوفوا "ياسين".. هوصل الحاجة عند الباب، يا ريت تبلغيهم عشان نروح.

_ بس أنا كده هتعبك.
ابتسم لها وقال:
_ لا دي أصلًا مش تجيل.
سارت خلفه قائلة بامتنان:
_ متشكرة.
_ أنتِ تؤمري يا "بسبوسة".
ابتلع باقي كلماته بحرج عندما أدرك فداحة صنيعه، ليتحمحم معتذرًا بتوتر:

_ أنا متأسف بس لساني واخد على الاسم من وإحنا صغيرين، سامحيني مقصدتش حاجة والله.

صمتها زاد من توتره ليتصبب عرقًا، فيسرع الخطى يسبقها هاربًا من هذا الموقف السخيف.

أما هي فظلت متسمرة مكانها تطالع هروبه متعجبة مما قاله، هو يتذكرها جيدًا بل ويتذكر اسم دلعها.
ابتلعت ريقها بحرج وتملكتها مشاعر غريبة، دغدغت قلبها  وضعت يدها على قلبها بعفوية تحاول تهدئة خفقاته، وتتوسل قدميها المتجمدة أن توصلها إلى تلك الغرفة كي تختبئ خلف جدرانها. سارت مخفضة العينين وتجاوزت وقوفه في مكانه، ولم يكن هو بأقل حرجًا منها بعد زلة لسانه.
تنهد باضطراب يلوم نفسه ويعاتب ذلك القلب المحب الذي تسارعت دقاته قربها وسبقت لهفته تعقله ليحاوره بحزن:
_ بلاش تبص لفوج أنت مش شايف الفرج بينك وبينها؟ بلاش تحلم عشان متقعش وتنكسر رجبتك.
افتر ثغره عن زفرة طويلة حملت معها حسرته وهو يغمغم:
_ فوج يا ابن "جابر" وبلاش خيالك يسرح بعيد.
**************************'

تململت منزعجة وهي تشعر بشيء يسير فوق وجنتها، حاولت إزاحته قبل أن تحاول فتح عينيها التي أثقلت أجفانها النوم، ضغطت عليها قبل أن تعاود فتحها من جديد لتجده أمامها مبتسمًا، دهشت خجلًا وارتبكت وهي ترى تحديقه بها قبل أن تتسع ابتسامته ويداعب أنفها بتلك الزهرة التي يحملها:

_ صباح الخير على أحلى عيون في الدنيا.
ثم غمز لها بعبث:
_ صباح الخير يا عروستي.
اطبغت بشرتها البيضاء بحمرة الخجل وقالت باستحياء:
_ صباح النور.
ليهتف بهيام:
_ الله، أحلى صباح في حياتي.
رمشت بعينيها متوترة وحاولت النهوض مستندة على كفيها، اعتدلت في رقودها ورفعت يدها تحاول إعادة ترتيب خصلات شعرها المتناثر، لتجد يده تسبق يدها يعيد تهذيبه ويضع خصلاتها خلف أذنها بينما يخبرها:

_ حضرت لك الفطار.
ابتلعت ريقها بحرج وقالت تلومه:
_ ليه كده يا "مهاب" كنت عملته أنا ليه تتعب نفسك؟
تفاجأت بوجهه الذي تجهم وعقد حاجبيه بضيق مصطنع يعاتبها:

_ إيه "مهاب" دي؟ ممنوع أسمع الاسم ده تاني، أنا ما اسميش "مهاب"، أنتِ تناديني حبيبي.
أشار إليها أن تردد وراءه:

_ سمعيني كده.. حبيبي.
ابتسمت برقة تنفذ أوامره:
_ حبيبي.

انحنى يقبل وجنتها كأنه يكافئها:
_ برافو شاطرة يا قلب حبيبك.
ثم أمرها بحزم وهو ينهض ويتركها مغادرًا:
_ أوعي تقومي من مكانك راجع لك.
عاد بعد قليل يحمل صينية طعام وتفاجأت به يضعها أمامها يخبرها:
_ يلا عشان تفطري.
أسعدها تدليله لها رغم خجلها لكنها كانت مستمتعة بما يفعله وهي تجده يمنعها من تناول الطعام بنفسها بل يطعمها هو:

_ يلا يا حبيبي افتحي بقك.
دس اللقمة في فمها وجلس يراقبها كيف تمضغ الطعام باستحياء لتسأله:

_ وأنت مش هتاكل معايا؟

_ تؤ، أنا هشبع لما أنتِ تشبعي.
هزت رأسها نافية وقالت بعناد:

_ وأنا مش هاكل إلا لما أنت تاكل معايا.
أتبعت حديثها تأخذ قطعة خبز تغمسها بالعسل وتدسها بفمه، التقطها بشفتيه يمضغها باستمتاع:
_ تسلم إيدك يا روحي.
وعاد يطعمها من جديد ثم يلعق أصابعه متلذذًا وهي الأخرى تطعمه وسط ضحكاته ومشاكساته لها، ليمضي الوقت في غمرة عشقهم وحياتهم الجديدة التي حملت طعم الشهد.
*************'' '' '*************

تفاجأ بها تضع طبق الطعام أمامه وتشيح وجهها بغيظ عنه:

_ اتفضل.
ثم استدارت مغادرة نحو غرفتها ليسألها بدهشة:
_ أنتِ مش هتاكلي معايا؟
لتجيبه باقتضاب دون أن تنظر إليه:
_ لا.
تعجب من طريقتها وتسلل الخوف إليه، ترى ماذا فعل وبماذا أخطأ؟ نهض يتبعها إلى غرفتهم ليجدها تجلس بملامح يعتليها الحزن، جلس أمامها يسألها بقلق:

_ مالك يا قمري؟ أنتِ زعلانة مني؟ أنا زعلتك في حاجة؟

أشاحت وجهها عنه بضيق وقالت بنبرة صوت حملت عتاب صاحبتها:

_ اسأل نفسك عملت النهارده إيه زعلني منك.

عقد حاجبيه وظلت الأفكار تدور في رأسه يحاول استذكار ما فعله حتى وصل إلى النقطة التي حملت شكه أنها نقطة ضيقها منه ليسألها بريبة:
_ تقصدي "سالي"؟
نطقه لاسمها كان كفيلًا في انفجارها لتهتف غاضبة:

_ أيوة "سالي"، تقدر تقولي يا حضرة الباشمهندس أنت رفضت استقالتها ليه؟

انفجر ضاحكًا لانفعالها حتى استفزتها ضحكاته لتلكم ذراعه عدة لكمات تقول من بينها:

_ بتضحك ليه هااا.. بتضحك ليه..

دلك ذراعه وتوقف عن الضحك مرغمًا ليتأوه:

_ آه.. آه.. يا مجنونة.. اهدي.. اهدي.

صاح بها بعد أن انقضت عليه بعنف تمسك مقدمة ملابسه وتهزه بغضب :

_ يعني أنا ما صدقت تقدم استقالتها وحضرتك ترفض؟

ثم أتبعت حديثها بتهديد:

_ ممنوع تكلمني أنا مخاصماك وأوعى لسانك يخاطب لساني يا ابن "الجوهري" يا بتاع زميلتي الشاطرة.

لتدفعه فيسقط على السرير وسط ضحكاته التي لم يستطع إيقافها مستمتعًا بغيرتها عليه.
عادت تعتدل في جلوسها تلتقط أنفاسها وتشيح وجهها بعيدًا عنه.

أما هو فبالكاد استطاع التقاط أنفاسه قبل أن ينهض ويقترب منها منحنيا نحوها يقرص وجنتها يردد مبتسمًا:

_ حبيبي القموص سكر، يا قمري.

أزاحت يده بعنف ترمقه بنظرات حانقة وتقول بضيق:
_ ابعد عني.
_ طب حقك عليا وأدي راسك أبوسها.
قالها يجذبها نحوه ويقبل رأسها ووجنتيها لتدفعه عنها بحدة:

_ ابعد عني يا "حسين" أنا مش بهزر وفعلًا متغاظة منك.

تحرك يجاورها على السرير يضمها إليه رغم تمنعها ليحاول إقناعها:

_ حبيبي افهمي بالعقل كده وبالمنطق، دي واحدة بتشتغل معايا من فترة طويلة عمرها ما غلطت في حقي وكانت شايلة حمل كبير، أول ما تقدم لي استقالة أوافق على طول؟
ربعت يديها على صدرها تنفث أنفاسها المحترقة غضبًا وتجيبه بثقة:

_ أيوه.
طالعها بعدم اقتناع وقال مستنكرًا:

_ حبيبتي تيجي إزاي كده؟

لتثبت نظرها عليه بتحد وتقول بانفعال:

_ خلاص يبقى أنا اللي استقيل.
اتسعت عينيه بدهشة وحاول ضمها من جديد لتتملص منه معترضة ليحتضنها بإصرار ساندًا جبهته على جبهتها يعاتبها بضيق:

_ عاوزة تسيبي الشغل يا قمر؟ عاوزة تبعدي عن حبيبك؟

لتقول متهكمة بحزن:

_ أيوه هسيبه خلي زميلتك الشاطرة تنفعك.
ضرب جبهته بجبهتها بخفة وقال يحاول استرضاءها:

_ يا هبلة هو أنا عندي أغلى ولا أعز منك؟
قال هذا وأفلتها يخبرها بما جعلها تبتهج:

_ وبعدين لو حضرتك كنتِ صبرتي كنت هقولك إني وافقت على استقالة "سالي" لأنها أصرت عليها بعد ما سيادتك خرجتِ من المكتب وبوزك شبر.

اقتربت منه تسأله بلهفة:

_ بجد يا "سونة" يعني خلاص هي مشيت من المكتب؟

تصنع الضيق وهو يفعل مثل ما فعلت ويشيح وجهه بعيدًا عنها يتدلل عليها:
_ أيوه.
تحرك مبتعدًا عنها لتقترب منه تسأله بغنج:
_ "سونة" أنت زعلت؟
أجابها باقتضاب:
_ أيوه.
اقتربت منه أكثر لتحاول إرضاءه فتقبل وجنته لكن دون جدوى ظل يمثل الخصام ثم قبلت وجنته الأخرى تترجاه:

_ "سونة" خلاص متبقاش قموص.
ليكرر حديثها بتهكم يزيف غضبه مستمتعًا بتدليلها:
_ ليه مش أنتِ اللي كنتِ عاوزة تستقيلي وتسيبيني مع زميلتي الشاطرة؟

عادت تقبل رأسه ووجنتيه كي تستميله:
_ هو أنا مش بنوتك الصغيرة؟ حد ياخد بكلام عيلة زيي؟
كتم ضحكته يرمقها بنظرة جانبية مستهجنة يلومها:
_ كلام عيلة بس جرحني وزعلني، كسر قلبي اللي بيعشقها.

أسرعت ترفض حديثه:

_ لا يا روحي سلامة قلبك يا نور عيني ده أنا أفديك بروحي.
اقتربت أكثر تمسح على وجنته بحنان تقول متدللة عليه:
_ "سونة" أنا بغير عليك يا قلبي.. اعذر غيرتي.
ثم بدأت تبرر له غيرتها تحرك يدها تشرح له بطريقة فكاهية ما كانت تشعر به عند رؤيتها تنظر إلى الأمام كأنها تتخيلها أمامها:

_ ده أنا لما كنت بشوفها بتضحك معاك كان نفسي أضربها كف أمسح ملامح وشها، ولما بتدلع بكلامها معاك نفسي أمسكها من شعرها وأقطم رقبتها.
فغر فاهه بتعجب يطالعها بدهشة:
_ كل ده؟
وقبل أن تعقب رمت نفسها بين أحضانه تطوق جسده وتضمه بقوة تخبره باستياء:

_ أنا ماكنتش برتاح أصلًا وأنا بتخيل حاجات وحشة وأفكار سودة بتنط في دماغي لما بعرف إنها دخلت عليك مكتبك.

انفرج ثغرها أخيرًا بابتسامة عاشقة تخبره بحب:
_ لو تعرف أنا بحبك وبغير عليك قد إيه كنت عذرتني.

ضمها إليه وكلماتها تنعش قلبه يشعر بالانتشاء بعد أن سقته جرعة حب جعلته يحلق في سماء العشق، يتمنى أن يتوقف الزمن عند هذه اللحظة فلا ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل يضاهي بسعادته لحظات بين أحضانها.
كان يأخذ أنفاسًا عميقة يستنشق عطرها يؤكد لنفسه أنه لا يحلم، يعترف هو الآخر بحبه لينافس اعترافها:
_ مهما كان حجم حبك ليا فتأكدي إن حبي ليكِ ضعفه.. حبي ليكِ مالوش حد أكبر من البحر وأبعد من السما.
شددت من ضمه تشعر بالارتياح بين أحضانه واعترافه يسقي روحها الظمأى.
**************************

تفاجأت به يرتدي ملابس الخروج ويقف أمام المرآة متأهبًا يمشط شعره وينثر عطره بحماس لتسأله بتعجب:

_ "طارق" أنت خارج؟
التفت إليها لتخفت ابتسامته وتحل محلها الوجوم يسألها:

_ أنتِ لسه ما لبستيش؟ كده هنتأخر على "ورد".
قطبت حاجبيها تسأله بدهشة:
_ هو إحنا مش اتفقنا نخليها الساعه سته عشان نسيبهم ياخدوا راحتهم شوية دلوقت الساعه تلاته؟

نثر عطره على ملابسه وقال بعدم اكتراث:

_ لا مش مهم خلينا نروح .

_ "طارق" خليه الساعه سته  احسن
نظر إلى ساعته ليجدها تشير إلى الثالثه  ليعاود النظر إليها يخبرها بثقة:

_ الساعة تلاته ولسه كمان ورانه طريق وعلى ماتغيري هدومك هتكون اربعه يادوبك نحلق هستناكي عشر دقايق ألاقيكِ جاهزة.

اقتربت منه تمسح على ذراعه تحاول إقناعه:

_ حبيبي خليها كمان شويه لسه بدري.

تعلقت عينيه بها لثوانٍ قبل أن تنهار حصون ثباته ويقول بصوت ملؤه الشوق يرجوها:

_ أرجوكِ يا "ندى" خلينا نروح دلوقت وحشتني أوي، أطمن عليها بس.

أشفقت عليه فتحركت حدقتاها في حيرة قبل أن تنفرج شفتها بتنهيدة يائسة وتهز رأسها بقلة حيلة:
_ حاضر.
اتسعت ابتسامته بلهفة وهو يجدها تنفذ أوامره.
***********************

أغمض عينيه متلذذًا ورائحة الطعام تداعب أنفاسه، اقترب من باب المطبخ يطلق صفيرًا طويلًا ينظر لما صنعت بانبهار ويقول مادحًا:

_ إيه ده إيه كل ده؟ ما شاء الله تبارك الرحمن.. إيه ده لحقتِ تعملي كل ده إمتى؟
لتتنقل عينيه بين الأطباق يحصيها بإعجاب:
_ محشي ورز معمر وحمام.. تسلم إيدك يا "رحومة".

جلس على مقعده متحمسًا ليفترس تلك الوليمة القابعة أمامه، التقط الملعقة وتملكته الحيرة من أين يبدأ ثم هم بتناول الأرز بعد أن وقع اختياره عليه ليدس اللقمة في فمه ويمضغها باستمتاع حتى توقف فجأة وتباطأت حركة فمه يستطعم ما يتناوله باستغراب لينظر لها نظرة جانبية فيجدها تكتم ضحكتها فتأكد شكه ليسألها مستفسرًا:

_ مش أنتِ اللي عملتي الأكل ده؟

أومأت له برأسها لتنطلق ضحكاتها وهي تبصر نظراته الممتعضة:
_ بتخميني يا "رحمة" فاكراني مش عارف الأكل بتاعك؟
أوقفت ضحكاتها تخبره بصدق:

_ بصراحة آه.. قلت أتمنظر عليه شوية بأكل أمي، أصلها بعتت لي كل الأصناف دي.

أكملت حديثها تحرك يدها على بطنها:
_ أصلها يا سيدي خايفة على حفيدها الباشا لتطلع له وحمة في إيده ولا في رجله.

اتسعت عينيه بانتصار وهتف بسعادة:

_ أكل "سموحة" كنت عارف نفسها في الأكل لا يعلى عليه.
أسعدها إطراؤه على طبخ والدتها لتغمز له تمازحه:
_ يعني أفتن لماما "ندى"؟
مثل التوتر ورسم على وجهه الارتباك يجاري مزاحها:
_ لا يا "رحومة" أرجوكِ استري عليا.. الستر حلو محناش قد زعل أم "زياد" علينا.

تشاركا الضحك قبل أن ينهالا على تلك الوجبة ويتناولاها بنهم حتى الشبع، وضعت الملعقة في طبقها الفارغ وقالت تمسح على بطنها بانتشاء:

_ الحمد لله شبعت، تسلم إيد "سموحة" الأكل سكر.
نظرت إليه لتجد عينيه زائغة في الفراغ، فمه يمضغ الطعام بلا وعي كأنه شارد في عالم آخر لتسأله بقلق:
_ مالك يا "زياد" سرحان في إيه؟
صوتها انتشله من دوامة أفكاره تلاقت عينيهما ليسألها في حيرة:
_ حبيبتي تفتكري لو طلبت من "سموحة" إنها تيجي تسكن معانا هتوافق؟
تراقص قلبها فرحًا بتلك الفكرة لتسأله بلهفة:
_ بجد يا حبيبي؟

_ بجد يا روحي أنا بفكر في الحكاية دي من زمان على الاقل تكون قريبه منك بس تفتكري هي هتوافق؟

دارت الفكرة في رأسها كأنها تقلبها لتستوعبها من كل الجوانب لتتطلع إليه وتقول بعدم معرفة:

_ والله مش عارفة يا حبيبي بس غالبًا مش هتوافق.. أنت عارف ماما عزيزة نفس وكمان بتحب الخصوصية وبتحب تاخد راحتها في بيتها فمعتقدش توافق.

لوى شفته يفكر في جوابها لتطرق باله فكرة أخرى فسألها مستفسرًا:

_ طب لو بنينا لها شقة جنبنا هتوافق؟

تقافز قلبها فرحًا تتخيل حدوث ذلك لكنه وسط غمرة سعادتها كان هناك شوكة تنغص عليها فرحتها فعند أمها واستحالة إقناعها خيب أملها لتجيبه بحيرة:

_ مش عارفة يا حبيبي.
ثم غص صوتها بتمنٍ:

_ أنا أتمنى إنها توافق.. يااه ده أنت تكون عملت لي جميلة يا حبيبي وفضل هفضل أفتكره لك العمر كله.

تأثر بكلماتها وصوتها الذي حمل مشاعر حزنها الدفين لبعدها عنها مزق قلبه ليلتقط يدها يقبل راحتها يخبرها بعشق معاتبًا:

_ أولًا مفيش فضل بيني وبينك أنا وأنتِ بنكمل بعض يعني إحنا واحد.
_ ثانيًا "سموحة" دي أمي وليها فضل عليا.

وقبل أن ينعقد حاجبها بتعجب وصلت إجابته تروي فضولها بحب:

_ كفاية إنها جابت لي أحلى "رحمة" في الدنيا.
أطربت كلماته قلبها العاشق وأسعدها وهو يعاود تقبيل يدها يهمس لها:

_ بحبك.

*************************
وقف أمام بابها يملؤه الشوق لرؤيتها، طرق الباب وسط نظرات "ندى" المحرجة من القدوم في هذا الوقت.

كرر طرقاته لتعترض "ندى" تحاول إقناعه بالعدول والعودة مرة أخرى:
_ "طارق" الظاهر نايمين خلينا نمشي

تجاهل حديثها وعاد يطرق الباب ليفتح الباب ويظهر "مهاب" الذي ابتسم فورًا مرحبًا بهم:
_ أهلًا يا عمي أهلًا يا ماما اتفضلوا.
دخل متلهفًا عينيه تبحث عنها بشوق ودخلت خلفه "ندى" بخطوات متوترة:
_ أهلًا يا "مهاب" ألف مبروك.
_ الله يبارك فيكِ يا عمي.
_ ألف مبروك يا ابني.
_ اللي يبارك فيكِ يا ماما اتفضلوا.
قال يشير إليهم بالجلوس وقبل أن يجلس "طارق" سأل عنها:
_ أمال "ورد" فين؟
وقبل أن يجيب "مهاب" على سؤاله أجابته هي:
_ أنا هنا يا حبيبي.
أسرعت نحوه متشوقة لرؤيته لترتمي بين أحضانه تعانقه مرددة:

_ وحشتني أوي يا بابا.
بادلها العناق وكان غيابها لم يكن يومًا بل كان دهرًا من الزمن:
_ أنتِ كمان وحشتيني يا قلب بابا.
استمر ذلك العناق لحظات حتى قطعه حمحمة "مهاب" ليقول مازحًا:
_ دكتور "طارق" لو سمحت مش كفاية أحضان؟ أنا راجل بغير على مراتي.
ضحكت "ندى" التي سايرت مزاحه قائلة:
_ وأنا كمان والله يا متر بغير على جوزي لو سمحت قل لمراتك تبعد عنه.
ابتعدت عن أحضانه وأفلتها هو مرغمًا لتؤدي التحية على والدتها:
_ ماما حبيبي وحشتيني إيه المفاجأة الحلوة دي؟
مصمصت "ندى" شفتيها بسخط تعاتبها:
_ الحمد لله عرفتي إن ليكِ أم وحشاكِ.
قبلت وجنتها تراضيها:
_ هو في أغلى منك يا "ندوش"؟
هزت رأسها تجيبها بثقة:
_ أيوه "طارق".
ضحكت وشاركها "مهاب" الضحك قبل أن يطلب منها أن تؤدي واجب الضيافة لهم:

_ حبيبتي هاتي لنا حاجة نشربها عشان نقعد براحتنا.
وما إن سمع "طارق" أوامر حتى جذبها نحوه وقال رافضًا يسحبها خلفه:

_ لا إحنا مش عاوزين حاجة خليها تقعد جنبي أشبع منها.
جلس وأجلسها بجانبه يضمها إليه بشوق لتتشبث هي الأخرى به تحت نظرات "ندى" و"مهاب" التي حملت قلة حيلتهم أمام هذا الحب.
همس لها:
_ وحشتني صباح الخير يا بابا.. هحسد أنا كده "مهاب" هيسمع صباح الخير منك.
ابتسمت وأخبرته بذات الهمس:
_ وأنا كمان وحشتني صباح الخير يا حبيبة بابا..
ثم غمزت له عابثة:
_ بس أنت أكيد ماما عوضتك أنا عارفة "ندوش" بتحبك أوي.
اختطف نظرة نحو "ندى" التي تملكها الفضول لتسمع ما يتهامسان به ليجيبها:

_ "ندوش" دي كنز حياتي بس برضو حياتي من دونك ملهاش طعم أنتِ سكر حياتي اللي محليها.

_ حبيبي يا بابا أنت أعظم أب في الدنيا.
شدد من ضمها قبل أن يتنهد بارتياح:

_ الحمد لله أنا اطمنت عليكِ عينيكِ بتقول إنك مرتاحة وده كفاية عندي.

أسبلت أجفانها بخجل وأحرجت عن إجابته لتتنبه "ندى" لذلك فتنادي عليه:

_ متسيب لي بنتي يا "طارق" هي وحشتك أنت بس؟ وحشتني أنا كمان تعالي يا حبيبتي جنبي.
نداء والدتها كان طوق نجاة من حرجها لتبتعد عنه مع تراخي يده المحيطة بها وتتجه نحو والدتها التي نهضت هي الأخرى وسحبتها خلفها نحو المطبخ لتبدأ معها سلسلة تحقيق الأمهات في يوم كهذا.
حاول "مهاب" تلطيف ذلك الجو الذي شحن بمشاعر متناقضة ما بين الشوق والحرج ليبتسم قائلًا:

_ منور يا عمي.
صوته أخرج "طارق" من شروده ليصدمه حينما سأله:
_ "مهاب" أنت عارف لو زعلت "ورد" هيحصل إيه؟
حافظ "مهاب" على ابتسامته وأجاب:
_ لا مش عارف.
ليقول بجدية ووعيد:
_ هتكون آخر مرة تشوف فيها "ورد" عشان أنا معنديش فرصة تانية.

ابتسامة "مهاب" لم تزول فقد تفهم مشاعره ومنحه عذرًا فتعلقه بها ربما يكون جنونيًا لكنه لا يلومه فـ "ورد" تستحق أن تحب، فأعطاه جوابًا مطمئنًا:

_ ما تخافش يا عمي أنا عمري ما هزعل "ورد" لأني بحبها قوي وبخاف على زعلها.
ثم صمت لثوانٍ قبل أن يكمل:

_ ولأني مش من طبعي إني أقسى أو أزعل مراتي وشريكة حياتي.

فهم "طارق" مقصده ووصلت رسالته المبطنة فقد أزعجه حديثه ليتنهد مبررًا قوله:

_ متزعلش مني يا ابني أنا بس حبيت أقولك كده عشان متلومنيش لو لا سمح الله حصل بينكم خلاف، قدر إني أب وبحب بنتي قوي وبخاف على زعلها.

هز "مهاب" رأسه مقتنعًا بحديثه وطمأنه من جديد:
_ ما تخافش يا عمي إن شاء الله هشيل "ورد" في عنيا.
*********'' '' '**********

وفي صباح يوم جديد حمل معه أملًا لقلوب آمنت برحمة الله وسألته التوفيق لتنزع عنها عباءة الماضي وتعيش بسلام تحت كنف الرضا بما كتبه لها.. أخذت نفسًا عميقًا تستعد به لبداية هذا اليوم يملؤها الحماس لتتعلم المزيد كي تتقن هذه المهنة التي ستكسب بها لقمة العيش الحلال وتروي ظمأ روحها لحياة مستقرة.

ابتسمت تتذكر مديح "عرفة" على سرعة تعلمها وإطراءه على ما صنعته وشعرت بالامتنان لتشجيعه دومًا لها.

ولم يكن هو وحده من يدفعها إلى التقدم والمواصلة لا بل زميلاتها من النسوة الأخريات.
فكل واحدة منهن كانت تحمل همًا تجعله هدفًا لمواصلتها عملها فاكتشفت بينهن أن هناك همومًا أثقل من همها بكثير.
فمنهن من حملت على عاتقها تربية أولادها الأيتام ومنهن من تكد لتجهز بناتها وأخرى تعيل إخوتها العجزة.

وقائمة طويلة تجعلها تحمد الله على ما هي عليه وتشكره لتسخير "فارس" لها كي ينقذها من أعماق الظلام.
وعلى ذكر اسمه غص قلبها بحسرة كم تمنت لو كان والدها في الحقيقة.
تنهدت بقهر قبل أن تنفض عنها هذه الأفكار السخيفة فيكفي أنه ساعدها ثم عادت تبتسم تتذكر "سليم".
ذلك الشاب الذي نشأ في دار للأيتام وجاء ليعمل في هذا المكان بتوصية من العم "حسن" أيضًا.
وضحكت تتذكر كيف يحسدها على اهتمام "عرفة" بها بعد توصية "فارس":

_ يعني أنا بشتغل هنا بواسطة من "حسن" بيه وأنتِ من "فارس" بيه، اشمعنا أنتِ مهتم بيكِ أكتر مني.
واستمرت ضحكاتها تتذكر كيف صرخ عليه "عرفة" ووبخه طالبًا منه أن يهتم بعمله ويكف عن الشكوى والتذمر.

تعلم أن "سليم" يمازحها فهو الذراع اليمين لـ "عرفة" والمسؤول الأكبر في المكان.
جلست ترتدي حذاءها على عجل خشية التأخر لتسمع صوتها المتهكم:

_ إيه شكل شغل الشحاتين بتاع "فارس" عجبك؟ عرف يضحك عليكِ ابن "الجوهري" ده بدل ما يشغلك معاه في المحلات الشيك بتاعته رايح يشغلك في مشغل.

رفعت رأسها نحوها بغضب وهتفت بانفعال:

_ أنتِ عاوزة إيه هااا؟ مش كفاية إنه عفا عنك وإلا زمانك مرمية في السجن ولا أنتِ بتكدبي الكدبة وتصدقيها وفاكراه أبويا بجد؟ كتر خيره الراجل إنه بص في خلقتي وساعدني.

نهضت تواجهها وتقول بحدة:

_ دي حياتي وأنا مرتاحة وفرحانة فيها وببوس إيدي وش وظهر كل يوم إني قدرت أخلص من الوساخة والقرف بتاع زمان.

جعدت أنفها وحاجبيها باشمئزاز وقالت:

_ لو وحشتك ارجعي لها من غيري.

ثم التقطت حقيبتها وهمت بالمغادرة وسط ذهول "بوسي" التي لم تراها يومًا بهذه القوة وازدادت ذهولًا عندما أبعدتها عن طريقها بغيظ وقالت:

_ دي حياتي عجبك تعيشي معايا كده أهلًا معجبكيش مع السلامة.
ثم غادرت تصفع الباب خلفها بقوة لتنظر "بوسي" لأثرها تلوم نفسها لماذا لا تتركها تعيش حياتها كما تريد؟ بل تعيش تلك الحياة النظيفة ألا يكفيها ما فعلته بها؟

سارت بخطوات منزعجة وحديث والدتها يرن في أذنها يحرق قلبها، إلى متى سوف تبقى تؤذيها وتدمر حياتها؟
ركلت ذلك الحجر على الأرض بقوة تزيحه عن الطريق تتمنى لو تستطيع معه إزاحة الماضي البغيض:

_ تأخير عشرة دقيقة يا موظفة يا مهملة، خصم ساندويتش فول وطعمية.

كان هذا صوت "سليم" الذي كان يقف أمام باب الورشة يتناول طعامه لتبتسم معتذرة:

_ بعتذر يا فندم مش هتتكرر.

انفجر "سليم" ضاحكًا على توترها وقال يوضح لها:
_ أنتِ صدقتي؟
ثم أشار نحو غرفة الإدارة:

_ بصراحة مش أنا اللي بسأل عليكِ فيه حد بيسأل واتأخرتي عليه، عمي "عرفة" سأل عليكِ مرتين شكل الراجل مستعجل.

تسلل القلق إليها وهي تقترب من باب الغرفة طرقته مستأذنة قبل أن تدخل وتتسع ابتسامتها وهي تجد "فارس" يجلس أمام "عرفة" يتحدث معه لتشهق بفرح:

_ "فارس" بيه.. إزي حضرتك؟ مش معقول.. أنا فرحانة إني شفت حضرتك.
بادلها "فارس" الابتسامة وقال معللًا وجوده:
_ جيت أطمن على الأمانة.. إزيك يا "شروق" عاملة إيه؟
ادمعت عينيها متأثرة باهتمامه وأجابته:
_ الحمد لله بخير ما دام أنت بخير.
ثم أثنى عليها مشيرًا نحو "عرفة":
_ "عرفة" بيشكر فيكِ وبيقول انك ذكيه وبتتعلمي بسرعة.. برافو يا "شروق".

ليشجعها قائلًا:
_ كملي شغلك  مع عم "عرفة" ولو بقيتِ محترفة وعد مني أشوف لك أتيليه تتعلمي فيه أكتر.

ابتهج قلبها فما حطمته والدتها رممه "فارس" بثوانٍ:

_ متشكرة.. متشكرة قوي يا فندم.

لكن ابتسامتها توترت عندما سمعت مزاح "عرفة" مع "فارس":
_ إيه يا "فارس" بيه أنت عاوز تاخد الصنايعية بتوعي؟ ده أنا بربيهم على إيديا وبعلمهم الصنعة عشان حضرتك تاخدها أتيليه.

ضحك "فارس" وقال له:

_ لا يا عم لا ناخد ولا حاجة بس "شروق" استثناء عاوزنها تبقى خياطة شاطرة.
هربت دموعها لتمسحها بسرعة قبل أن ينتبهوا:

_ متشكرة يا بيه جميلك فوق راسي طول العمر.
_ جميلي يترد يا "شروق" لما أشوفك معتمدة على نفسك.
هزت رأسها تؤكد له:

_ إن شاء الله هشرفك يا بيه.

_ شاطرة يا "شروق"..

ليشير لها "عرفة" بالمغادرة:

_ روحي يا "شروق" شوفي شغلك.
استدارت نصف استدارة وقبل أن تغادر نظرت إلى "فارس" وقالت بامتنان:

_ متشكرة يا بيه متشكرة قوي على اهتمامك.
وغادرت المكان ليطمئن "عرفة" "فارس" أنها تتقدم في عملها ويثني على أخلاقها واحترامها ما جعل "فارس" يشعر بالراحة أن "شمس" قد اختارت لها المكان الصحيح.
******************'' '' '**************
عاد إلى شقته بعد يوم عمل مرهق وما أن فتح الباب حتى وصل إلى مسامعه صوت بكائها ليتهاوى قلبه خوفًا عليها، أغلق الباب بسرعة واتجه إليها ليجدها تجلس على حافة السرير تتحدث عبر الهاتف تتفوه بكلمات مبهمة لم يفهم منها شيئًا بسبب انهيارها وبكائها:

_ ليه يا أما محدش جلي حاجة؟ حتى "أصيل" شفته في الفرح ومحكاش حاجة.
صمتت تتلقى الجواب قبل أن تعاتب صاحبته والتي فهم أنها والدتها:
_ ليه توصيه خايفة عليه من إيه؟ يعني كده أحسن؟ حاسة إني غريبة عنكم وأنا آخر من يعلم.

اقترب منها بقلق يجلس بجانبها تفاجأت هي بوجوده فتلعثمت الكلمات على لسانها بارتباك لتحاول إنهاء حديثها بسرعة، فتحذيقه بها بوجهه المضطرب زاد توترها:

_ طب يا أمي مع السلامة دلوك وهبجى أتصل تاني أطمن عليه.
أغلقت الهاتف وهمت بالنهوض هربًا منه لكنه أمسك يدها يمنعها وأخذ يحرك إبهامه على وجنتها يسألها بقلق:

_ "سندس" مالك؟ حصل إيه؟ اتكلمي أرجوكِ فيه إيه؟ حد من أهلك جراله حاجة؟
استمر صمتها كما استمر رجاؤه:

_ اتكلمي يا حبيبتي أنتِ بتعيطي أكيد فيه حاجة وحشة متخبيش عليا، والد ولا والدتك؟ طب حد من إخواتك؟

اعتصرها قلبها عندما ذكر أشقاءها فحادثة شقيقها "ياسين" التي أخفاها الجميع عنها خوفًا عليها كانت سبب بكائها فهي تحبه كثيرًا.
تساقطت دموعها بتلقائية تتخيل إصابته لتتناسى عقابها تشكو له بعفوية من بين دموعها:

_ "ياسين" عمل حادثة ونقلوه المستشفى.
حتى هو نسي تجاوبها معه خوفًا على الصغير ليسألها بلهفة:
_ طب إصابته خطيرة ولا حاجة بسيطة؟ هو بخير دلوقت؟
مسحت دموعها المنهمرة وقالت بصوت مختنق غرغرته الدموع:

_ ماما بتجول هو كويس وبجى أحسن دلوك بس خايفة تكون بتخبي عني عشان خايفة عليا.
مسح على وجنتها وقال يحاول تهدئتها:

_ ما يمكن كلامها صحيح وإنه بقى كويس.
أمسك يدها يضمها بين يده ويسألها برفق:

_ تحبي نسافر "قنا" عشان تطمني عليه؟
خرجت شهقة حسرة من بين شفتيها تجيبه بأسى:
_ أمي بتجول السفر مش كويس عشانك.

أشفق عليها وبعدها عنهم صار عائقًا لها وكان ذلك لمس جرحًا تغافل عنه، هي معه وحيدة وهو هنا كل ما تملك، هي تواجدت حيث يمكث سندها ليسخر بحزن من كونه سندها الذي خذلها وعالمها الجديد الذي قتل أحلامها وحرمها حتى من النظر إلى الوراء أو العودة لعالمها الآخر.

تطلع لدموعها اللامعة على وجنتها فكانت حارقة تلسع قلبه قبل وجنتها، فلم يمتلك سوى أن يجذبها نحوه ويضمها بقوة، حضن اعتذار قبل أن يكون حضن مواساة لتنهار باكية فكم اشتاقت لأحضانه.
مسح على ظهرها يحاول تهدئتها:

_ . اهدي يا روحي وإن شاء الله خير و"ياسين" كويس متخافيش أنا هتصل بعمي "راجح" وأطمن عليه وأكيد هو مش هيخبي عليا.
_ بجد يا "حسن"؟
سؤال طرحته بعفوية غلفته نبرة الرجاء لكنه كان بمثابة قبلة حياة لزواجهم الذي غرق وسط ظلام مشاكلهم، فإعادة ترديدها لاسمه أعاد الأمل له أنها ستعود، خفق قلبها متلذذًا بسماعه من شفتيها ليجيبها متأثرًا بهيام:
 بجد يا روح "حسن".
ارتبكت متوترة من جوابه وكادت أن تتملص من أحضانه لكنه أحكم حصاره حولها يسألها متوسلًا:
مش كفاية هجر وعقاب يا حبيبتي؟ قلبي تعب من الانتظار ومبقتش قادر على بعدك.
تعليقات



<>