رواية براءة ايقظت غافلا الفصل الحادي والخمسون51 بقلم عاشقة القلم

رواية براءة ايقظت غافلا 

الفصل الحادي والخمسون51

 بقلم عاشقة القلم 

منذ ساعات الصباح الأولى، كان اليوم مختلفًا…

حتى الهواء بدا وكأنه يحمل رائحة فرحٍ قديم طال انتظاره، والسماء كأنها أشرقت بنور أكثر دفئًا من المعتاد، وكأنها تعلم أن ليلتها ستكون ليلة تُكتب في الذاكرة ولا تُنسى.

المدينة بأكملها كانت تستعد لعرسين لا يشبهان أي عرس،

عرس باران وديلان، وعرس عاكف وسلمى.

ليلة انتظرها الجميع بعد شهور طويلة من الألم والخوف والدموع، حتى صار الفرح نفسه يبدو غريبًا عليهم، لكنه اليوم عاد أخيرًا.

في بيت كوثر…

كان البيت التقليدي الكبير يغرق بالأصوات والحركة والضحكات النسائية التي تتعالى من كل زاوية، بينما امتزجت رائحة القهوة العربية بالعطور الشرقية والبخور.

الثريات القديمة كانت مضاءة بالكامل، والأقمشة البيضاء المعلقة على الجدران جعلت المكان يبدو كبيتٍ خرج من حكاية قديمة.

في الداخل؛

كانت ديلان تجلس أمام المرآة بصمت.

ثوبها الأبيض ينساب حولها بهدوء يشبه السحاب، بينما كانت إحدى الخبيرات ترتب طرحتها بعناية، لكن ديلان بالكاد كانت تسمع شيئًا مما يدور حولها.

كانت تنظر لانعكاسها فقط؛

وكأنها لا تصدق أن هذه الليلة قد جاءت حقًا.

كم مرة تخيلت نفسها بثوب الزفاف؟.

وكم مرة دفنت الحلم خوفًا من ألا يتحقق؟.

ارتجفت أصابعها قليلًا.

لاحظت كوثر ذلك، فاقتربت منها ببطء وجلست خلفها، ثم وضعت يديها على كتفيها بحنان أمٍّ تخشى أن تبكي ابنتها فتنهار معها.

قالت بهدوء:

كوثر: ما بكِ يا ابنتي؟.

ابتسمت ديلان ابتسامة مرتجفة وهمست:

ديلان: أشعر… وكأن قلبي لا يعرف كيف يفرح بعد كل ما مررنا به.

سكتت قليلًا ثم أكملت وعيناها تلمعان:

ديلان: أخشى أن أستيقظ فجأة فأكتشف أن كل هذا حلم.

تنهدت كوثر، ثم أدارتها نحوها برفق وقالت:

كوثر: لو كان حلمًا لما أوصلَكِ الله إلى هنا بعد كل ذلك الألم.

بعض الناس يُرزقون الحب بسهولة؛ أما أنتما، فقد دفعتما ثمنه من أعماركما ودموعكما وصبركما.

انخفض بصر ديلان فورًا حين تذكرت مرض باران؛

تذكرت ليالي المستشفى؛ خوفها كلما أُغلِق باب غرفة العلاج؛ ارتجاف يده بين يديها؛ صلاتها الطويلة وهي تبكي كي لا تأخذه الأيام منها.

فجأة امتلأت عيناها بالدموع.

همست بصوت مختنق:

ديلان: كنت أخاف أن أمضي هذه الليلة وحدي؛ أن يختطفه المرض مني قبل أن يصبح زوجي حقًا.

ارتجف صوتها أكثر:

ديلان: كنت أعد الأيام فقط كي أراه بخير؛ حتى لو لم نتزوج رسميا.

اختنق قلب كوثر لكلماتها، فاحتضنت وجهها بين كفيها وقالت بحنان:

كوثر: لكنه بقي؛ لأجلكِ.

الله أبقاه لأنه يعلم أن روحك مرتبطة بروحه.

عندها انفجرت إحدى الفتيات ضاحكة وهي تدخل الغرفة:

" كفى بكاءً! العروس ستفسد زينتها قبل أن يراها العريس!".

تعالت الضحكات قليلًا، لكن ديلان بقيت تبتسم ودموعها محبوسة في عينيها.

ثم نظرت إلى نفسها مجددًا في المرآة…

ولأول مرة منذ شهور؛ شعرت بالأمان.

أما في القصر؛

فكان الوضع مختلفًا تمامًا.

الرجال في الأسفل يستقبلون الضيوف، والخدم يتحركون بسرعة في كل الاتجاهات، بينما الزينة الفاخرة جعلت المكان يبدو كقصرٍ ملكي حقيقي.

في الطابق العلوي…

كانت سلمى تقف أمام نافذتها بثوبها الأبيض، بعد ان عقد اباها أحمد الشريط الاحمر على خصرها، كما جرت العادة، تضم يديها بقوة وهي تحاول تهدئة نبضات قلبها.

دخلت والدتها مبتسمة وقالت:

فاطمة: الجميع يسألون عنكِ يا عروس.

استدارت سلمى ببطء، ثم قالت بتوتر:

سلمى: أمي؛ هل يبدو عليّ الخوف؟.

ضحكت والدتها بخفة:

فاطمة: يبدو عليكِ أنكِ على وشك الهرب.

ضحكت سلمى رغم توترها، ثم جلست على طرف السرير وقالت:

سلمى: لا أعلم لماذا أشعر وكأن هذه الليلة أكبر مني.

اقتربت منها والدتها:

فاطمة: لأنكِ تحبينه حقًا.

ساد الصمت للحظة؛

ثم قالت سلمى بصوت خافت: سلمى: عاكف أخافني كثيرًا في البداية؛ كان غامضًا، صارما أحيانًا؛ لكنني كلما اقتربت منه اكتشفت أنه يخفي قلبًا متعبًا فقط.

ابتسمت أمها وهي تستمع لها.

أما سلمى فأخفضت رأسها بخجل وهمست:

سلمى: اليوم؛ سأصبح وطنه الحقيقي.

في الجهة الأخرى من القصر؛

كان باران يقف أمام المرآة يرتدي بدلته السوداء ببطء شديد.

ورغم أناقته وهيبته؛ إلا أن شيئًا في عينيه كان مختلفًا.

كان ينظر لنفسه وكأنه يتذكر الرجل الذي كان قبل شهور؛

الرجل الذي ظن أن المرض سينهي كل شيء.

كان معه في الغرفة حارسه شتاي، الذي لم يفرقه طيلة ايام مرضه كان حارسا لقصره ومساعدا لعاكف، ثم وقف يراقبه للحظات قبل أن يقول مبتسمًا:

شتاي: لم أرك متوترًا هكذا حتى في أصعب أيامك يا سيدي.

ابتسم باران بخفة دون أن يرفع عينيه:

باران: لأنني اليوم أخاف أكثر.

عقد شتاي حاجبيه:

شتاي: تخاف مماذا؟.

تنفس باران بعمق، ثم قال بصوت هادئ لكنه مثقل بالمشاعر:

باران: أخاف أن أنظر إليها وهي ترتدي الأبيض؛ فأبكي أمام الجميع.

ضحك شتاي بقوة:

شتاي: إذًا سأطلب من المصور ألا يقترب منك كثيرًا.

لكن باران لم يضحك هذه المرة.

بل جلس ببطء على المقعد خلفه وقال:

باران: عندما كنت في المستشفى، كنت أرى الموت قريبًا مني كل يوم.

كنت أقول لنفسي إنني إن نجوت، سأعوضها عن كل لحظة خوف عاشتها بسببي.

ارتجف صوته قليلًا:

باران: ديلان لم تحبني في وقت القوة، بل أحبتني وأنا أضعف من طفل.

سكت للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة:

باران: واليوم؛ سأذهب لأخذها زوجة لي أمام العالم كله.

تأثر شتاي بصمته أكثر من أي بكاء، فاقترب منه وربت على كتفه:

شتاي: أنت لم تنتصر على المرض وحدك يا باران، أنتما انتصرتما معًا.

أغلق باران عينيه للحظة،

وكأن قلبه امتلأ باسمها فقط.

أما في بيت عاكف،

فكانت الأجواء أكثر صخبًا.

عائلته القادمة من خارج الوطن ملأت المكان بالأحاديث والضحكات والتعليقات الساخرة، بينما كان الجميع يحاول مساعدته في التحضير لكنه كان يفقد أعصابه باستمرار.

صرخ بأحد أقربائه:

عاكف: قلت لك لا تلمس ربطة العنق!.

انفجر الجميع ضاحكين.

قال ابن عمه ساخرًا:

" سبحان الله، الرجل الذي كان يواجه الجميع بلا خوف، هزمته ليلة زفافه".

زفر عاكف بضيق:

عاكف: لأنكم جميعًا تتصرفون وكأنكم في سيرك!.

ثم توقف فجأة عندما لمح صورته في المرآة؛

هدأ تمامًا.

تذكر سلمى.

تذكر أول مرة رآها فيها، وكيف أصبحت تدريجيًا الشيء الوحيد الذي يعيد الطمأنينة إلى قلبه.

دخلت والدته فريدة حينها، فلاحظت شروده.

اقتربت منه مبتسمة:

فريدة: أتفكر بها؟.

ابتسم رغماً عنه:

عاكف: طوال الوقت.

ثم أضاف بصوت منخفض:

عاكف: أخاف ألا أستطيع أن أجعلها سعيدة كما تستحق.

رفعت والدته وجهه نحوها وقالت بحنان:

فريدة: الرجل الذي يخاف على سعادة امرأة، يكون قد أحبها حقًا.

تنهد عاكف بعمق، ثم ابتسم أخيرًا:

عاكف: إذًا؛ يبدو أنني أحبها أكثر مما كنت أظن.

ومع اقتراب الليل؛

بدأت الموسيقى ترتفع؛

الأضواء اشتعلت؛

والقلوب كلها كانت تخفق بالترقب.

أربع أرواح تستعد لعبور أهم لحظة في حياتها؛

ديلان التي أخيرًا ستتوقف عن الخوف.

باران الذي نجا ليعيش الحب الذي تمسك به حتى النهاية.

سلمى التي وجدت الرجل الذي صار قلبها يألفه دون مقاومة.

وعاكف الذي أدرك متأخرًا أن الحب الحقيقي يجعل الرجل أضعف، وأقوى في الوقت نفسه.

وفي مكانٍ ما بين الزغاريد والدعوات والدموع المختبئة خلف الابتسامات،

كانت ليلة العمر تبدأ أخيرًا.

_//////------///////

بدأ الليل يهبط ببطء على المدينة…

لكن الأضواء التي اشتعلت في الطرقات والقصور والبيوت جعلت السماء نفسها تبدو وكأنها تحتفل معهم.

أصوات الزغاريد ارتفعت من بعيد، والسيارات الفاخرة المصطفة أمام القصر أعلنت بداية اللحظة التي انتظرها الجميع طويلًا؛

لحظة الزفاف.

في الخارج…

كان موكب عاكف أول من انطلق.

السيارات السوداء المزينة بالورود البيضاء تتحرك ببطء وسط أصوات الأبواق والتهاني، بينما كان الرجال يرددون عبارات الفرح، والأطفال يركضون خلف الموكب بضحكات بريئة.

أما داخل السيارة الرئيسية؛

فكان عاكف يجلس بصمت غريب.

رغم كل الضوضاء حوله، كان يسمع صوت قلبه فقط.

أحد أصدقائه نظر إليه ضاحكًا:  "أقسم أنك تبدو وكأنك ذاهب لمعركة لا لعرسك."

التفت له عاكف وقال بجدية أربكت الجميع:

عاكف: المعارك أسهل.

انفجروا ضاحكين، لكنه لم يكن يمزح تمامًا…

لأن قلبه فعلًا كان يرتجف.

بعد دقائق…

وصل الموكب إلى القصر.

في الأعلى، كانت سلمى تقف خلف الستارة تراقب الأضواء القادمة، وما إن رأت سيارات الموكب حتى شهقت بخفة ووضعت يدها فوق قلبها.

اقتربت منها والدتها مبتسمة:

فاطمة: جاء عريسك.

همست سلمى بخجل امتزج بالتوتر:

سلمى: أشعر وكأن قدميّ لم تعودا تحملاني.

ضحكت والدتها:

فاطمة: هذا لأن قلبك سبقك إليه.

في الأسفل…

ترجل عاكف من السيارة وسط استقبال الرجال والتصفيق، لكنه لم يكن يرى أحدًا بوضوح.

عيناه كانتا تبحثان عنها فقط.

وحين نزلت سلمى برفقة أبيها، أخيرًا بثوبها الأبيض…

توقف الزمن داخله.

اختفت الأصوات كلها.

حتى أنفاسه تعثرت للحظة.

كانت تسير ببطء تحيطها النساء، بينما الطرحة الطويلة تنساب خلفها كقطعة من الضوء.

ابتلع عاكف ريقه بصعوبة وهو يهمس دون وعي:

عاكف: يا الله…

سمعه ابن عمه فضحك:

" انتهيت… لقد وقعت رسميًا."

لكن عاكف لم يستطع حتى الرد…

لأنه كان غارقًا فيها بالكامل.

وفي الوقت نفسه…

كان موكب باران يتحرك نحو بيت كوثر.

على عكس موكب عاكف الصاخب، بدا موكب باران أكثر هدوءًا وهيبة.

أما باران…

فكان يجلس قرب النافذة ينظر للطرق التي يعبرونها بشرود عميق.

كل شيء أعاده للوراء؛

لأيام الألم؛ للمستشفى؛ لخوفه من ألا يعيش حتى هذه الليلة.

أغمض عينيه للحظة…

ثم همس بداخله:

باران:"الحمد لله…"

كان شتاي يجلس بجانبه، فلاحظ صمته الطويل وقال:

شتاي: فيما تفكر يا سيدي؟.

ابتسم باران ابتسامة صغيرة وقال:

باران: أفكر أنني ذاهب لأخذ المرأة التي أنقذتني من الموت.

ساد الصمت للحظة…

ثم أضاف بصوت منخفض:

باران: لو أخبرني أحد قبل شهور أنني سأعيش هذه الليلة؛ لما صدقت.

ربت شتاي على كتفه دون كلام.

فبعض المشاعر؛ لا تكفيها الكلمات.

في بيت كوثر…

كانت ديلان تقف في منتصف الغرفة محاطة بالنساء، لكن عينيها كانتا معلقتين بالباب فقط.

تنتظر.

تترقب.

ترتجف.

تقدّم جيهان نحو ديلان بخطواتٍ هادئة، وفي عينيه بريقُ فرحٍ ممزوجٍ بشيءٍ من الحنين. أمسك بالشريط الأحمر وربطه حول خصرها برفق، كما تقتضي العادة القديمة التي توارثتها العائلات جيلاً بعد جيل، وكأن ذلك الشريط لم يكن مجرد طقسٍ للزينة، بل دعاءٌ صامت بالحفظ والسعادة والبركة.

مرّره حول خصرها ثلاث مرات، وفي كل مرة كان يعقده ثم يفكّه وهو يتمتم بخشوع:

"بسم الله..."

كان صوته دافئًا، يحمل رهبة اللحظة وصدق المشاعر، حتى وصل إلى العقدة الأخيرة، فعقدها ببطءٍ وكأنه يربط بها أمنيات السنوات كلها. ثم اقترب منها، وطبع قبلةً حانية على جبينها، قبل أن يقول بصوتٍ أثقله التأثر:

جيهان: الحمد لله الذي أرانا هذا اليوم... أظن أن عمي عباس يرقد الآن في قبره بسلام.

ما إن سمعت ديلان اسم والدها حتى ارتجف شيءٌ عميق داخلها، وغزت الذكريات قلبها دفعةً واحدة. تمنت، ولو للحظةٍ واحدة، لو أنه كان حاضرًا بينهم، واقفًا قربها، يراها بثوب فرحها، ويبتسم لها بتلك النظرة التي كانت تشعرها دائمًا بالأمان. شعرت بغصةٍ تخنق أنفاسها، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها بصمتٍ موجع.

انتبه جيهان لذلك سريعًا، فرأى دموعها المعلقة على حافة الانهيار، فابتسم لها بحنانٍ خافت، وقال بصوتٍ دافئ كأنما يربّت على قلبها المتعب:

جيهان: اليوم يوم فرح يا ديلان... وليس يوم بكاء. هذا يومك الذي انتظرتِه طويلًا، فلا تفسديه بالذكريات المؤلمة. روح أبيك معنا اليوم... وهو سعيد، سعيد لأن الله كتب لكِ أن تصلي إلى هذه اللحظة التي كان يتمناها لكِ دائمًا.

ارتجفت شفتاها وهي تستمع إليه، وشعرت أن كلماتِه لم تكن مجرد مواساة، بل حضنًا خفيًا جمع قلبها بروح والدها في تلك الليلة المليئة بالفرح والحنين معًا.

وفجأة تعالى صوت الزغاريد في الخارج.

شهقت إحدى الفتيات:

" وصل موكب العريس!".

ارتعشت أنفاس ديلان فورًا.

أما كوثر فاقتربت منها وعدلت طرحتها بحنان، ثم همست قرب أذنها:

كوثر: من اليوم… ستذهبين معه حيث ينتمي قلبك.

امتلأت عينا ديلان بالدموع مباشرة.

لكنها ابتسمت.

لأنها أخيرًا… لم تعد خائفة.

حين خرجت ديلان أخيرًا وهي تتأبط ذراع جيهان…

كان باران واقفًا في الخارج بين الرجال.

وما إن رآها…

شعر وكأن العالم كله انطفأ ولم يبقَ سوى هي.

كانت جميلة بطريقة أوجعت قلبه.

بيضاء؛ هادئة؛ قريبة من الحلم أكثر من الحقيقة.

أما ديلان…

فحين التقت عيناها بعينيه، شعرت أن كل ما عاشته قبله أصبح بعيدًا جدًا.

ذلك الخوف؛ ذلك الوجع؛ ليالي الدعاء والبكاء…

كلها انتهت عند هذه اللحظة.

اقترب باران ببطء، وعيناه لا تفارقانها، وقد تجمعت بهم بعض الدموع.

ثم همس بصوت لم يسمعه سواها:

باران: أخيرًا…

ارتجفت شفتاها بابتسامة صغيرة، بينما احتبست دموعها بصعوبة.

تقدم جيهان وقال: اسلمك قطعة من روحي فحافظ عليها.

اجابه باران دون ان بنزل عينيه من عينيها..

باران: لا تخف فإنها قلبي وروحي، وسأخبئها داخل عيوني واغلق عليها بروموشي، حتى لا يصلها أي أذى فهي قطعة من قلبي ♥️.

تحرك الموكبان بعد ذلك نحو قاعة الحفلات الكبرى.

كانت القاعة مضاءة بعشرات الثريات الذهبية، والزينة البيضاء تغطي المكان بأكمله، بينما ارتفعت التلاوات والأناشيد الإسلامية الهادئة في الأرجاء.

وقد تم تجهيز القاعتين وفق الطابع الإسلامي المحافظ…

قاعة واسعة للنساء مليئة بالورود والأضواء الناعمة.

وقاعة أخرى للرجال تعج بالترحيب والتهاني.

وصل العروسان أولًا…

باران وديلان في المقدمة.

خلفهما عاكف وسلمى.

دخلوا وسط تصفيق حار وزغاريد متواصلة حتى بدا المكان وكأنه يهتز من شدة الفرح.

توجهوا جميعا نحو القاعة المخصصة لعقد القران.

كانت العيون كلها معلقة بهم…

خصوصًا بباران.

الجميع كان يعلم ما مر به.

لذلك رؤيته واقفًا الليلة بكامل أناقته، ممسكًا بيد ديلان، جعل كثيرين يخفون دموعهم بصعوبة.

أما ديلان…

فكانت تسير بجانبه وهي تشعر أن قلبها ممتلئ بطريقة لم تعرفها من قبل.

بعدها…

ساد القاعة هدوءٌ مهيب مع بداية مراسم عقد القران، وكأن اللحظة بكل ما تحمله من قدسية وفرح أجبرت الجميع على الصمت احترامًا لها. جلس باران إلى جانب ديلان، وبينهما مسافةٌ صغيرة، لكنها كانت ممتلئة بكل ما عاشاه معًا من ألمٍ وانتظارٍ وخوفٍ وحب.

أما الشاهدان، فكانا عاكف وجيهان، يقفان بالقرب منهما بملامح يغمرها التأثر والرضا، وكأنهما يشهدان على ولادة حياةٍ جديدة بعد رحلةٍ طويلة من العذاب.

بدأ المأذون الشرعي يتلو صيغة العقد بصوتٍ هادئٍ رخيم، تتردد كلماته في أرجاء القاعة فتزيد رهبة اللحظة عمقًا. ثم التفت نحو ديلان وقال:

المأذون: ديلان ابنة عباس تكين... هل تقبلين باران كول أوغلو زوجًا لكِ في الأيام السعيدة والحزينة، في الصحة والمرض؟.

رفعت ديلان عينيها الزرقاوين، اللتين لم يكن يظهر منهما سوى ذلك البحر المليء بالمشاعر المرتبكة، ونظرت مباشرةً داخل عيني باران. كانت الدموع تلمع في عينيها كأنها حكاية عمرٍ كامل اختُصرت في لحظة. شعرت أن قلبها يخفق بعنف، وأن كل الطرق التي قادتها إلى هنا مرت أمامها دفعةً واحدة. ثم قالت بصوتٍ واضح، صادق، خرج من أعماق قلبها قبل شفتيها:

ديلان: نعم... أقبل.

وما إن نطقت بها حتى شعر باران أن العالم بأسره اتسع داخل صدره فرحًا، وكأن قلبه الذي أنهكته الخيبات عاد ينبض للحياة من جديد. ارتجفت أنفاسه وهو ينظر إليها، غير مصدق أن تلك المرأة التي أحبها بكل وجعه أصبحت أخيرًا زوجته أمام الله والجميع.

ثم التفت المأذون إلى باران وقال:

المأذون: باران ابن إبراهيم كول أوغلو... هل تقبل الزواج من ديلان تكين في الأيام السعيدة والحزينة، في الصحة والمرض؟

لم يحوّل باران نظره عنها لحظة، بقيت عيناه معلقتين بعينيها وكأنهما وحدهما الموجودان في ذلك المكان. ثم أجاب بصوتٍ مرتفعٍ ثابت، حمل كل الحب الذي يسكنه:

باران: نعم... أقبل، وللأبد.

في تلك اللحظة انفجرت القاعة بالتصفيق والزغاريد والتهاني، وتعالت الدعوات الصادقة بالسعادة لهما. وقّع الجميع على عقد القران وسط أجواءٍ غمرتها الفرحة، ثم وقف باران أمام ديلان، واقترب منها ببطءٍ وكأن قلبه يخشى أن تكون اللحظة حلمًا، قبل أن يطبع قبلةً حانية على جبينها، قبلةً حملت وعدًا بالحماية والحب والعمر كله.

بعدها انتقلت مراسم العقد إلى عاكف وسلمى، فجلسا متجاورين وسط ابتسامات الجميع، بينما كان الشاهدان هذه المرة إبن عم عاكف وباران. امتلأت الأجواء بالدفء والبهجة، ومع انتهاء العقد تعالى التصفيق مجددًا، واقترب عاكف من سلمى وقبّل جبينها بحنانٍ جعل وجنتيها تحمران خجلًا وسعادة.

سلّم المأذون دفاتر الزواج للعروسين، بينما انشغل المصورون بالتقاط الصور؛ صورٍ للعروسين وحدهما، وأخرى جمعتهم بعائلاتهم التي بدت وكأنها أخيرًا تنفست راحةً طال انتظارها. كانت الابتسامات تختلط بالدموع، والضحكات تمتزج بالحنين، في ليلةٍ شعر فيها الجميع أن الله عوّضهم عن كل ما مضى.

وبعد انتهاء مراسم العقد، ترك العروسان عروسيتيهما لبعض الوقت واتجها إلى قاعة الرجال، حيث استمرت الاحتفالات والتهاني والأحاديث لساعاتٍ طويلة، بينما كانت السعادة تملأ المكان حتى بدا وكأن الليل نفسه يبتسم لهم، فرحًا بقلبين أخيرًا وجدا طريقهما إلى بعضهما بعد كل ذلك الضياع.

وفي الداخل…

كانت النساء يلتففن حول العروسين، يباركن لهما ويغنين الأهازيج التقليدية، بينما سلمى تضحك بخجل، وديلان تبتسم بهدوء وعيناها تسرحان كل لحظة نحو الباب…

وكأنها تشعر بوجود باران حتى وهو بعيد عنها.

ومع اقتراب منتصف الليل…

جاءت اللحظة المنتظرة.

لحظة تقطيع قالب الحلوى.

فُتحت الأبواب الكبيرة مجددًا…

ودخل العروسان إلى قاعة النساء وسط تصفيق أقوى من السابق.

اتجه عاكف مباشرة نحو سلمى، بينما وقف باران قرب ديلان وعيناه لا تفارقان وجهها.

همس لها بهدوء:

باران: هل أنتِ بخير؟.

ابتسمت بخفة:

ديلان: الآن فقط… أشعر أنني بخير فعلًا.

نظر لها طويلًا؛

نظرة رجل كان على وشك خسارة الحياة، ثم مُنح فرصة أخرى ليعيشها معها.

بدأت مراسم إلباس الخواتم أولًا.

أمسك باران يد ديلان بحذر شديد وكأنها شيء ثمين يخشى أن يؤذيه، ثم ألبسها خاتمها وسط التصفيق والزغاريد.

أما هي…

فحين وضعت الخاتم في إصبعه، شعرت وكأنها تعلن أمام العالم كله: "هذا الرجل أصبح قدري."

وفي الجهة الأخرى…

كان عاكف يبتسم أخيرًا براحة حقيقية وهو يلبس سلمى خاتمها، بينما هي بالكاد تستطيع رفع عينيها من شدة خجلها.

ثم انتقل الجميع نحو قالب الحلوى الضخم المزخرف بالورود البيضاء.

وقفت ديلان قرب باران، وسلمى قرب عاكف، ثم أمسك كل عريس بيد عروسه لتقطيع القالب وسط التصفيق والتهاني والدعوات.

الضحكات؛

الكاميرات؛

الدموع المختبئة خلف الابتسامات؛

كل شيء كان يعلن أن هذه الليلة ليست مجرد زفاف…

بل نهاية طويلة للحزن، وبداية حياة جديدة.

لكن؛

جاءت اللحظة الأصعب أخيرًا.

لحظة الوداع.

هدأت الأجواء قليلًا؛

وبدأت العائلات تعانق أبناءها وسط دموع الفرح.

كوثر احتضنت ديلان طويلًا وكأنها لا تريد تركها ترحل، ثم قالت وهي تبكي:

كوثر: اذهبي سعيدة يا ابنتي… هذا كل ما أريده منكِ.

بكت ديلان فورًا وهي تعانقها بقوة:

ديلان: لن أنسى أبدًا أنكِ كنتِ لي أمًّا حين احتجت واحدة.

وفي الجهة الأخرى…

كانت سلمى تحتضن فاطمة وهي تبكي بصمت، بينما عاكف يقف قريبًا منهما بعينين ممتلئتين بالتأثر.

ثم،

بدأت لحظة الرحيل.

خرج عاكف وسلمى أولًا وسط الزغاريد والدعوات، واتجها نحو شقتهما حيث ستبدأ حياتهما الجديدة.

أما باران،

فوقف قرب السيارة ينتظر ديلان بعينين لا تزالان غير مصدقتين أنها أصبحت زوجته أخيرًا.

اقتربت منه ببطء بثوبها الأبيض…

ففتح لها الباب بنفسه، ثم قبل يدها برقة أدهشت الجميع.

همس لها قبل أن تدخل السيارة: باران: إلى بيتنا…

ارتجف قلبها عند الكلمة.

بيتُنا.

الكلمة التي حلمت بها طويلًا.

أغلقت أبواب السيارة  ببطء…

وانطلق الموكب الأخير نحو القصر.

نحو الحياة التي بدأت أخيرًا…

بعد كل ذلك الألم.

__///////*****//////

في تلك الليلة التي بدت وكأنها خُلقت لتكون فاصلة بين عمرين، لم يكن الطريق مجرد مسافة بين مكانين… بل كان عبورًا بين حياة كاملة وأخرى تُولد للتو.

انطلقت السيارات بهدوءٍ يليق بثقل اللحظة.

في المقدمة، سيارة عاكف وسلمى تتجه نحو شقتهما الجديدة.

وفي الخلف، سيارة باران وديلان تشق طريقها نحو القصر، حيث ينتظرها صمت طويل وذكريات لم تُكتب بعد.

في سيارة عاكف وسلمى…

كان الليل يمرّ من خلف النوافذ كأنه يهمس لهما وحدهما.

سلمى كانت تجلس بجانبه، يديها متشابكتان فوق حجرها، تنظر إلى الطريق لكنها لا تراه.

أما عاكف… فكان ممسكًا بالمقود بإحكام، لكن عينيه لم تكونا على الطريق بقدر ما كانتا تسرحان في انعكاسها على الزجاج.

صمت طويل… صمت ممتلئ بأشياء لا تُقال.

حتى قطعه عاكف أخيرًا بصوت منخفض:

عاكف: هل أنتِ خائفة؟.

التفتت إليه ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة مرتبكة:

سلمى: لستُ خائفة… بل لا أصدق.

سكتت لحظة ثم أضافت:

سلمى: كأنني إذا أغمضت عيني؛ سأستيقظ في بيت أبي من جديد.

ضغط على المقود قليلًا، ثم قال بنبرة أهدأ مما اعتادها الجميع منه:

عاكف: لن تعودي إلى هناك إلا كزائرة.

ارتجف قلبها من كلمته.

ثم أكمل، وصوته هذه المرة أكثر دفئًا:

عاكف: هذا البيت؛ سيكون لكِ قبل أن يكون لي.

صمتت طويلًا، ثم قالت بخفوت:

سلمى: وهل أنت متأكد أنك تريدني هنا؟.

أوقف السيارة عند إشارة ضوئية، ثم التفت إليها بالكامل لأول مرة منذ انطلاقهم.

نظر إليها طويلًا؛ نظرة رجلٍ لا يحاول أن يُقنع، بل يُعلن حقيقة عاشها في داخله طويلًا.

ثم قال:

عاكف: أنا لم أختركِ؛ أنا وصلت إليكِ بعد أن تعبت كل الطرق من الابتعاد.

تاهت كلماتها في صدرها، ولم تجد جوابًا.

فقط أطرقت رأسها، بينما ابتسمت دموع صغيرة في عينيها دون أن تسقط.

في سيارة باران وديلان…

كان الصمت مختلفًا.

ليس صمت توتر؛ بل صمت امتلاء.

ديلان كانت تضع يدها على طرف ثوبها الأبيض، تتحسس قماشًا صار الآن جزءًا من حياتها الجديدة.

أما باران، فكان يجلس بجانبها، مائلًا قليلًا نحوها وكأنه يخشى أن يبتعد حتى ولو سنتيمترًا.

قال بصوت خافت:

باران: هل تعبتي من الطريق؟.

هزت رأسها بالنفي:

ديلان: لا… لكنني أشعر أنني لا أريد الوصول بسرعة.

رفع حاجبيه قليلاً:

باران: ولماذا؟.

تنهدت، ثم قالت بصوت يحمل كل ما عاشته:

ديلان: لأن الوصول يعني أن هذا اليوم سينتهي، وأنا أخاف أن ينتهي الفرح بسرعة.

صمت باران.

ثم التفت نحوها ببطء، وقال بصوت أهدأ من أي وقت مضى:

باران: أنا لم أبدأ الفرح اليوم، أنا فقط بدأت أعيشه معكِ علنًا.

ارتجف قلبها.

فهو لم يعد الرجل الذي كان يخاف عليه الجميع…

بل أصبح رجلًا يعرف تمامًا ماذا يريد.

ثم أضاف:

باران: لم ينتهي أي شيء يا ديلان، نحن فقط بدأنا.

ابتسمت رغم دموع خفيفة تجمعت في عينيها:

ديلان: وعد؟.

اقترب قليلًا، وقال:

باران  وعد لا يحتاج إلى كلمات.

وصل عاكف وسلمى إلى الشقة…

توقفت السيارة أمام المبنى.

الضوء الخافت في المدخل جعل المكان يبدو أكثر هدوءًا مما توقعت سلمى.

نزل عاكف أولًا، ثم فتح لها الباب.

مدّ يده لها دون أن يتكلم.

ترددت لحظة، ثم وضعت يدها في يده.

كانت أول مرة تمسكه بهذه الطريقة خارج الفوضى والناس.

صعدا المصعد بصمت.

كل خطوة كانت أثقل من السابقة، وكأن كل طابق يحمل بداية جديدة لا يعرفان شكلها بعد.

عند الباب…

توقف عاكف للحظة.

ثم فتحه.

دخلت سلمى أولًا، ثم تبعها.

البيت كان بسيطًا، أنيقًا، هادئًا… لكنه فارغ من كل شيء إلا الانتظار.

أغلق الباب خلفها.

وصمت ثقيل سقط بينهما.

قال عاكف:

عاكف: هذا مكانك.

التفتت حولها ببطء، ثم همست:

سلمى: يبدو غريبًا…

اقترب منها خطوة:

عاكف: سيصبح مألوفًا مع الوقت.

ثم أضاف بصوت أخفض:

" ومعي."

توقفت عيناها عليه.

لم يقترب أكثر، فقط وقف في مكانه كأنه يمنحها المساحة لتقرر اللحظة بنفسها.

ثم قالت فجأة بصوت خافت:

سلمى: أنا لا أعرف كيف أكون زوجة جيدة…

ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:

عاكف: ولا أنا؛ لا أعرف كيف أكون زوجًا هادئًا، لكننا سنتعلم.

اقترب خطوة أخرى، ثم قال:

عاكف: لا أحد يبدأ الحياة الزوجية وهو جاهز.

ثم مد يده مجددًا:

عاكف: فقط… لنبدأ.

وضعت يدها في يده مرة أخرى.

لكن هذه المرة… لم ترتجف.

______///////////////

كانت سلمى تقف قرب النافذة، بينما عاكف يقف خلفها على مسافة قريبة، وقد احاط خصرها بذراعيه.

قالت بصوت منخفض:

سلمى: هل انتهى كل شيء؟.

اقترب منها ببطء شديد، ثم قال: عاكف: لا… كل شيء بدأ الآن.

سكت لحظة.

ثم أضاف:

عاكف: أنتِ لستِ نهاية قصة… أنتِ بدايتها.

التفتت إليه ببطء.

كانت عيناها ممتلئتين بكل ما لم يُقل منذ زمن

                الفصل الثاني والخمسون من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

تعليقات



<>