رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السابع والخمسون57 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السابع والخمسون57 بقلم عاشقة القلم
✍️كان القمر بعيدًا كل البعد، وحيدًا في علوّه، يبدو كنجمةٍ شاردةٍ أضناها البعد، فلا سماءٌ تؤنس وحدته، ولا نجومٌ تقترب منه؛ وكأنّ في ذلك الصباح شيئًا خفيًّا من الحزن، ينتظر لحظةً واحدةً ليكشف عن وجهه.

كان باران لا يزال غارقًا في تفاصيل عشّه الجديد، ذلك المكان الذي ظلّ يعمل على تجهيزه بحبٍّ يفوق الوصف، وكأنّه لا يهيّئ جدرانًا وأثاثًا فحسب، بل كان ينسج فيه مستقبلًا كاملًا مع المرأة التي أحبّها، ومعشوقته التي أصبحت أخيرًا زوجته.
وكان عيد الأضحى يقترب شيئًا فشيئًا، ولم يعد يفصلهم عنه سوى أيام معدودة، حتى باتت أجواء العيد تتسلّل إلى البيوت والقلوب معًا.
وفي صباح أحد الأيام، كان باران يستعدّ لمغادرة الشقة، حين انتبهت ديلان إلى حركته، فرفعت عينيها إليه باستغراب، وقد عقدت حاجبيها قليلًا قبل أن تسأله:
ديلان: إلى أين أنت ذاهب يا باران؟، أليس اليوم يوم عطلتك؟، أم لديكم أمرٌ مهم؟.
التفت إليها باران، وما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، اقترب منها بخطوات هادئة، ثم انحنى وطبع قبلة حانية على مقدمة رأسها، وكأن مجرد وجودها أمامه كان كفيلًا بأن يجعل صباحه أكثر جمالًا.
ثم قال بنبرة محبة:
باران: نعم يا قلبي، اليوم يوم عطلتي، لكن كما تعلمين، لم يتبقَّ على عيد الأضحى سوى أيام قليلة، وقد طلب مني أبي أن أرافقه لشراء أضحية العيد لنا ولزوج أختي هازان، لانه سيضحي معنا هنا بالبيت هذا العام، كما سيرافقنا عمي وابنه، فهما يريدان شراء أضحية لهما أيضًا.
أومأت ديلان برأسها، لكنها سرعان ما تذكرت أمرًا آخر كان يشغل فضولها منذ فترة.
فقد كانت أعمال التجديد لا تزال مستمرة في الطابق العلوي، وخصوصًا في الورشة والمكتب اللذين أصرّ باران على تجهيزهما على نحو مختلف كما قال لديلان، دون أن يخبرها بتفاصيل ما يخطط له.
ولأن الفرصة بدت مناسبة، انتهزت ديلان غيابه المرتقب لتسأله، فقالت بعفوية:
ديلان: ألم تنتهِ بعد أعمال ورشتك ومكتبك الذي تريد تجديده؟ في رأيي، لقد طالت تلك الإصلاحات كثيرًا.
توقّف باران لحظة، ثم التفت إليها بنظرة جانبية ماكرة، وكأنه أدرك فورًا أن وراء سؤالها فضولًا أكبر مما تُظهر.
ارتسمت على وجهه ابتسامة مشاكسة، وقال وهو يتصنّع الاستنكار:
باران: وهل استكثرتِ على زوجك أن يكون له مكان يعمل فيه براحة، حتى يستطيع أن يبدع في عمله؟.
اتسعت عينا ديلان قليلًا، وسارعت إلى نفي ما فهمه من كلامها، وقد شعرت بشيء من الارتباك:
ديلان: لا يا حبيبي، لم أقصد ذلك! أنت تعلم أنني أريد راحتك، وكل ما في الأمر أن الفضول انتابني لا أكثر.
ضحك باران بخفة، ثم اقترب منها أكثر، وقد بدت في عينيه لمعة حنان واضحة، وقال:
باران: لا عليكِ يا حبيبتي... أنا ذاهب الآن، ولكن إياكِ أن تصعدي إلى الطابق العلوي، كما ترين، لا يزال العمال هناك.
كانت كلماته عادية في ظاهرها، إلا أن نبرته حملت شيئًا جعل ديلان تنظر إليه للحظات، وكأنها تحاول أن تفهم سبب إصراره على منعها من الصعود.
لكن باران لم يمنحها فرصة للتفكير طويلًا؛ فقد انحنى فجأة واختلس قبلة سريعة من وجنتها، فاحمرّ وجهها في لحظة، بينما ابتعد عنها وهو يبتسم بخبث طفولي، ثم غمز لها بطرف عينه قائلًا:
باران: أتركك الآن يا روحي... ولا ترهقي نفسك كثيرًا.
وضعت ديلان يدها على وجنتها التي ما زالت تحتفظ بحرارة قبلته، ونظرت إليه بخجل، قبل أن تقول بابتسامة هادئة:
ديلان: كما تعلم، اليوم سيكون اجتماعنا بوالديك على مائدة واحدة، ولذلك سأنزل لأساعد أمي عائشة في إعداد المائدة.
توقّف باران عند الباب، والتفت إليها من جديد، وقد امتزجت في عينيه المحبة بالقلق عليها.
باران: ولهذا تحديدًا أقول لكِ: لا تتعبي نفسك.
ابتسمت ديلان له، وكأن اهتمامه بها كان شيئًا يدفئ قلبها في كل مرة، ثم قالت:
ديلان: لا تقلق، لن أتعب نفسي.
ظل باران ينظر إليها لثوانٍ، وكأنه لم يكن يرغب في أن يبتعد عنها، ثم تنهد بخفة، وفتح باب الشقة متجهًا إلى الخارج.
وقبل أن يغلق الباب خلفه، ألقى عليها نظرة أخيرة تحمل ألف كلمة لم ينطق بها.
أما ديلان، فبقيت واقفة في مكانها تتابعه بعينيها حتى اختفى عن ناظرها، ثم ابتسمت دون أن تشعر، بينما تسلّل إلى قلبها إحساس دافئ بأن هذا العيد سيكون مختلفًا عن كل عيد مضى...
فهذا العام، لم تكن تنتظر العيد وحده، بل كانت تنتظر معه أيامًا جديدة إلى جوار الرجل الذي أصبح جزءًا من قلبها وحياتها.

داخل الطابق الأرضي من عمارة عائلة باران
مرّت بضعة أيام، وأطلّ عيد الأضحى المبارك حاملاً معه أجواء الفرح والبهجة، فامتلأت العمارة بأصوات التهاني وضحكات الأطفال، بينما اجتمعت العائلة في الطابق السفلي استعدادًا للأضحية.
وبعد أداء صلاة عيد الأضحى، عادت العائلة إلى المنزل، وكانت ملك الصغيرة في قمة حماسها. راحت تقفز حول الكبش، ثم التفتت إلى باران وصفّقت بيديها بحماسة طفولية قائلة:
ملك: هيّا! لقد التقطتُ صورةً بجانب كبشنا يا خالي، وظهرت الصورة جميلة!.
انفجر باران ضاحكًا من حماسها، ثم انحنى قليلًا نحوها وقال مداعبًا:
باران: حسنًا يا ملوكة، أعدكِ أنني سأضعها لكِ على الفيسبوك.
ضحكت هازان وهي تراقب ابنتها، وقالت بمزاح:
هازان: لقد أصبحت الفتاة تأخذ صورةً ذاتية مع الكبش!.
ثم التفتت إلى ملك وأضافت:
هازان: ولا تنسي يا ملك أن تلتقطي صورةً ذاتية مع خروف جدكِ عزّت وجدكِ إبراهيم أيضًا!.
تعالت ضحكات الجميع، وامتلأ المكان بفرحة العيد ودفء العائلة.
وفي تلك اللحظة، ظهر كاران وهو يحمل مراد الصغير بين ذراعيه، وقد بدا عليه الإرهاق من كثرة حركة الطفل، فقال وهو يناوله لهازان:
كاران: خذي ابنكِ يا هازان وأطعميه، فهذا الولد لا يكفّ عن الرقص والحركة حتى أتعبني!.
ضحكت العائلة، بينما قالت عائشة لابنتها:
عائشة: اصعدي إلى الطابق العلوي يا هازان، وأطعمي ابنكِ، وخذي زوجة أخيكِ معكِ ريثما ننتهي من ذبح الأضحية.
هزّت هازان رأسها باعتراض وقالت:
هازان: لا يا أمي، أريد أن أشاهد الذبح، ومراد سأشغله بأي شيء حتى تنتهوا.
عندها التفت باران إلى ديلان، وقال بلطف:
باران: إذن اصعدي أنتِ يا ديلان، فنحن على وشك أن نبدأ الذبح.
وقبل أن تجيبه، تدخّل كاران قائلًا:
كاران: دعها تبقى هي أيضًا يا باران، ولتتفرج مع هازان.
لكن عائشة أسرعت بالاعتراض، وقد بدت اللهفة واضحة في نبرتها:
عائشة: لا، لا... هازان يمكنها البقاء، أما ديلان فلا، إنها تخاف كثيرًا من منظر الدماء.
نظر كاران إلى ديلان معتذرًا، وقال:
كاران: آه، عذرًا... لم أكن أعلم.
ابتسمت ديلان ابتسامةً خافتة من تحت نقابها، وقالت بهدوء:
ديلان: لا بأس، سأصعد إذن، وسآخذ مراد معي حتى لا أُربككم، وحين تنتهون سأعود إلى الأسفل.
وقبل أن تتحرك، ناداها عزّت قائلًا:
عزت: ديلان، يا ابنتي، إذا صعدتِ فاطرقي باب عمكِ إبراهيم، واطلبي منه أن ينزل هو وزوجته وأولاده، وليشهدوا الذبح منذ بدايته، وايضا لنتعاون لذبح الخراف الثلاثة.
التفتت رقية إلى عزّت باستفهام وقالت:
عائشة: وهل ستذبح كبشنا أولًا أم كبشهم؟.
أجابها عزّت:
عزت: سنذبح كبشنا أولًا قبل ان يحظر أخي ونذبح كبشه، لأننا سنحتاج إلى بعض الوقت لذبح الكباش الثلاثة.
ثم نظر إلى ديلان بحنان وقال:
عزت: سامحيني يا ابنتي، كنا نتمنى أن تشهدي الذبح معنا، ولا سيما أنها المرة الأولى التي نضحي فيها وأنتِ بيننا.
خفضت ديلان عينيها وقالت بخفوت:
ديلان: لا بأس يا أبي... وكل عام وأنتم بخير، والعقبى لكل عام بإذن الله.
ثم حملت مراد الصغير بين ذراعيها، وشرعت في صعود الدرج.
وما إن بلغت الطابق الأول حتى فوجئت بإبراهيم وصفية وروني يهبطون الدرج، فابتسمت لهم وقالت:
ديلان: كنتُ أصعد لأطرق بابكم وأناديكم.
ابتسم إبراهيم بسعادة وقال:
إبراهيم: يبدو أن أباكِ عزّت مستعجلٌ جدًا حتى أرسل من يستدعينا بهذه السرعة!.
ابتسمت ديلان مجاملةً من وراء نقابها، ثم واصلت صعودها.
لكنها ما إن بلغت أعلى الدرج حتى وجدت دنيز تخرج من باب الشقة، وهي تنادي والدتها بلهفة. فتوقفت ديلان أمامها وسألتها:
ديلان: ماذا بكِ يا دنيز؟ هل تريدين شيئًا؟.
قطّبت دنيز حاجبيها وقالت بضيق:
دنيز: كنت أريد أن ألحق بأمي قبل أن تنزل، لأعطيها الميزان والأكياس، لقد نسيتُها.
ثم أشارت إلى ما بيدها وأضافت:
دنيز: خذيها أنتِ وأنزلي بها فلقد نسيت هاتفي بالداخل، سأجلبه وألحق بك، أعطيني مراد لأحمله حتى تتمكني من اللحاق بهم.
لم تجد ديلان سببًا للرفض، فرحّبت بالفكرة، وأعطتها الطفل، بينما أخذت منها الميزان والأكياس.
وما إن شرعت ديلان في النزول حتى تمتمت دنيز بضيق من خلفها وهي تحمل مراد:
دنيز: انزلي أنتِ إذن... أنا لا أطيق حتى رائحة هذه البهائم!.
ثم ابتسمت ابتسامةً ساخرةً وهي تتمتم:
دنيز: أريد أن أهرب من البيت كله قبل أن يفتحوا بطن الضحية.
لم تسمع ديلان شيئًا من كلماتها، فقد كانت قد بدأت بالفعل في النزول، تحمل الميزان بيدها، ولا يخطر ببالها أن خطواتها القليلة القادمة ستقلب هدوء العيد إلى لحظةٍ من الرعب.
وحين بلغت الطابق الأرضي، وإتجهت نحو الفيناء الذي كانت تتواجد به العائلة لضبح الاضاحي، تبدّل كل شيء.
توقفت قدماها فجأة.
تسارعت خفقات قلبها بعنف، وكأن قلبها قد أدرك قبل عينيها ما ينتظرها.
رفعت بصرها...
وفي اللحظة التالية، اتسعت حدقتا عينيها، وتجمّد الدم في عروقها.
كان الدم يتدفق أمام عينيها، مشهدًا لم تستطع روحها احتمال رؤيته.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وارتجفت أطرافها بعنف، بينما بدأت أنفاسها تتقطع، وكأن الهواء قد اختفى من حولها.
عاد إليها المشهد القديم دفعةً واحدة...
الدماء...
الخوف...
والفقد...
مريم...
ارتجفت يدها، وسقط الميزان من بين أصابعها، فارتطم بالأرض محدثًا جلبةً قوية.
لكن الجلبة لم تكن شيئًا أمام الصرخة التي انطلقت من أعماقها، صرخةٍ بدت وكأنها خرجت من جرحٍ قديم لم يندمل قط:
ديلان: لا... لاااا... مريم!.
تجمّد الجميع في أماكنهم.
ثم التفتوا جميعًا نحو مصدر الصرخة، وما هي إلا لحظات حتى تركوا ما بأيديهم واندفعوا إلى الداخل.
كانت ديلان ممددةً على الأرض بلا حراك.
باران: ديلااان!....
اندفع باران نحوها، وجثا إلى جوارها، وقلبه يكاد يخرج من صدره رعبًا، أخذ يربّت بخفة على وجهها المتواري خلف نقابها، محاولًا إعادتها إلى وعيها.
باران: ديلان... ديلان، افتحي عينيكِ... حبيبتي، اسمعيني!.
لكنها لم تجبه.
اقتربت عائشة وهي شديدة القلق، وقالت بانزعاج ممزوج بالخوف:
عائشة: يا حبيبتي، ما الذي أنزلكِ إلى هنا مرةً أخرى؟، ألم نرسلْكِ إلى الطابق العلوي حتى لا تري الدماء؟.
رفع باران عينيه إليها للحظة، ثم لم يتردد، مدّ ذراعيه وحمل ديلان بينهما، وكأنها لم تعد تزن شيئًا أمام خوفه عليها، ثم صعد بها الدرج مسرعًا.
كانت هازان خلفه مباشرة، تتابع المشهد بقلق.
وفي أثناء صعودهما، استوقفتهما دنيز، التي كانت لا تزال تحمل مراد الصغير، وسألت هازان بلهفة:
دنيز: ماذا حدث لديلان؟، لماذا فقدت وعيها؟.
أجابتها هازان على عجل:
هازان: لديها فوبيا شديدة من رؤية الدماء... يبدو أنها رأت ما يحدث في الأسفل فأُغمي عليها.
ثم أسرعت خلف باران، تاركةً مراد الصغير برفقة دنيز، بينما ظلّت دنيز تراقبهم بصمت، وقد اختفت ابتسامتها تمامًا، وأصبح في عينيها شيءٌ يصعب تفسيره.

داخل شقة مراد
دلف باران إلى حجرتهما مسرعًا، وديلان بين ذراعيه، ثم وضعها برفق شديد فوق الفراش، وكأنّه يخشى أن يزيد ألمًا لا يعرف كيف يداويه.
كانت شاحبة الوجه، ساكنة تمامًا، لا تستجيب لندائه ولا لمحاولاته إفاقتها.
مدّ يده إلى نقابها، فنزعه عن وجهها حتى يتسنى له الاطمئنان عليها، وحتى تستطيع ان تأخذ نفسها بأكثر اريحية، ثم أخذ هو وهازان يحاولان بشتى الطرق إعادتها إلى وعيها.
باران: ديلان... حبيبتي، اسمعيني.
هازان: ديلان، افتحي عينيكِ... نحن بجانبكِ.
وبعد محاولات عدة، ارتجفت أهدابها أخيرًا، ثم فتحت عينيها ببطء، وكأنها تعود من مكان بعيد.
لكنها ما إن أدركت أين هي حتى رفعت كلتا يديها وحجبت بهما وجهها، وانفجرت في بكاءٍ موجع، خرجت كلماته من بين شهقاتها متقطعة:
ديلان: لا... حرام... والله حرام ما حدث لها... كانت طيبة جدًا... كانت صديقتي الوحيدة...
توقفت لحظة لتلتقط أنفاسها، ثم تابعت والدموع تنهمر من بين أصابعها:
ديلان: كنا سنحتفل معًا في آخر يوم من الامتحانات... وكانت على وشك التخرج...
اقتربت هازان منها، وربّتت على كتفها محاولةً أن تحتوي انهيارها، وقالت بحنان:
هازان: كفى يا ديلان... أرجوكِ، لا تفعلي بنفسكِ هذا.
لكن باران أوقفها بنظرة حزينة، ثم قال بصوت خافت:
باران: دعيها يا هازان... دعيها تُخرج كل ما في قلبها.
كان يرى أمامه امرأةً تحمل فوق صدرها سنواتٍ من الحزن دفعةً واحدة، ولم يجد في نفسه القدرة على منعها من البكاء.
ظلّت ديلان تبكي بانهيار، حتى كادت شهقاتها تخنق أنفاسها.
لم يحتمل باران رؤية حالها، فغادر الحجرة للحظات، تاركًا هازان إلى جوارها.
جلست هازان على حافة الفراش، وأخذت تربّت على كتف ديلان بحنان، محاولةً تهدئة ارتجاف جسدها، لكن تأثرها بما تسمعه كان أقوى من قدرتها على التماسك؛ فترقرقت الدموع في عينيها هي الأخرى، ومسحت إحداها سريعًا قبل أن تراها ديلان.
وبعد لحظات، عاد باران إلى الحجرة، وفي يده كوب من الماء الفاتر.
جلس إلى جوار ديلان على حافة الفراش، ثم مدّ يده برفق وأزاح يديها عن وجهها، وقال:
باران: اشربي قليلًا يا ديلان... لعل الماء يهدئكِ.
ساعدها على الاعتدال، وقرّب الكوب من شفتيها، فارتشفت منه جرعة صغيرة.
لكن ما إن ابتعد الكوب عن فمها حتى عادت دموعها للانهمار، وكأنها لم تكن تبكي بإرادتها، بل لأن قلبها لم يعد قادرًا على احتواء ما بداخله.
لم يتردد باران هذه المرة، بل جذبها إلى صدره، وضمها إليه بحنان، وأخذ يربّت على كتفها في صمت.
كان يشعر بعجزٍ مؤلم أمام دموعها.
فمهما حاول، لن يستطيع إعادة مريم إليها.
ومهما قال، فلن يستطيع محو الصورة التي انغرست في ذاكرتها.
فقد تذكرها تلك الفتاة التي كان دائما يراها بصحبتها ايام الجامعة.
نهضت هازان من مكانها، وقالت بقلق:
هازان: لا، هكذا لا يصح... يجب أن نعطيها مهدئًا، أخشى أن يتحول الأمر معها إلى انهيار عصبي.
رفع باران رأسه إليها، وقال بحزن:
باران: لكنني لا أملك شيئًا من ذلك.
أجابته هازان بخفوت:
هازان: انتظر... كاران لديه مهدئ، وأنت تعرف أنه لا يستغني عنه بسبب ضغط العمل وكثرة توتره. سأذهب وأحضر منه حبتين وأعود إليكما.
وما إن همّت هازان بالمغادرة حتى تشبثت ديلان بملابس باران بكل قوتها، وكأنها تخشى أن يبتعد عنها هو أيضًا، وازدادت شهقاتها.
خفض باران رأسه إليها، وقال بصوت خافت مليء بالحنان:
باران: حسنًا يا ديلان... اهدئي، أرجوكِ... أنا هنا، ولن أترككِ.
لكن ديلان لم تستطع السيطرة على نفسها، وخرج صوتها متلعثمًا من بين شهقاتها:
ديلان: مريم... ماتت أمام عينيّ...
توقف باران عن الربت على كتفها، وأصغى إليها بكل جوارحه.
تابعت ديلان بصوتٍ منكسر:
ديلان: ماتت بأبشع موتة يمكن أن تتخيلها... كان دمها يملأ المكان...
ثم أطلقت تأوهًا عميقًا، وضغطت على صدرها بيدها:
ديلان: آه... يا قلبي... كم يؤلمني ما حدث لكِ يا أعز صديقة...
ارتجف صوتها أكثر وهي تستعيد ذكرياتها:
ديلان: كانت هي ووالدتها دائمًا تقفان إلى جواري... كنت أبيت معها في سرير واحد... ذهبنا إلى المدرسة معًا... ثم دخلنا الكلية نفسها، فقط حتى لا نفترق...
صمتت لحظة، ثم دفنت وجهها في صدر باران، وانفجرت في البكاء من جديد.
ظل باران يستمع إليها وقلبه يعتصر ألمًا.
كان شعورًا قاسيًا أن يفقد الإنسان شخصًا عزيزًا أمام عينيه، لكن أن يكون الفقد بهذه الصورة البشعة، وأن تبقى تفاصيله عالقة في الذاكرة، فتعود إليه مع كل مشهد مشابه... فذلك وجع لا يعرفه إلا من عاشه.
وبينما كان باران يحتضنها، عادت هازان إلى الحجرة، وفي يدها الحبوب المهدئة، ومدتها إليه قائلة:
هازان: خذ، دعها تتناول الحبتين، وستهدأ بإذن الله.
نظر باران إلى الحبتين في راحة يده، ثم رفع عينيه إلى شقيقته بتردد:
باران: حبتان يا هازان؟ أليستا كثيرتين؟.
ابتسمت هازان مطمئنة وقالت:
هازان: لا تقلق، يا أخي، كاران يتناول أكثر من ذلك عندما يشتد عليه التوتر، دعها تأخذهما حتى تهدأ قليلًا بدل أن تستنزف نفسها بالبكاء هكذا، وإن شاء الله ستنام وترتاح.
أعطاها باران الدواء، ثم تناولت قليلًا من الماء.
بعد ذلك ظل إلى جوارها، وهازان بجانبه، يراقبانها بصمت.
شيئًا فشيئًا، بدأت شهقاتها تخف، وهدأت أنفاسها، وخفّ ارتجاف جسدها.
ظل باران يربّت على كتفها حتى شعر بأن جسدها استرخى أخيرًا، ثم أسبلت جفنيها ببطء، وغاصت في نوم هادئ بعد عاصفةٍ من البكاء.
نظر باران إلى وجهها طويلًا، وكأن قلبه لم يطمئن بعد.
ثم تبادل نظرةً صامتة مع هازان، قبل أن ينهضا بهدوء.
غادرا الحجرة وأغلقا الباب خلفهما برفق، تاركين ديلان تنعم أخيرًا ببضع لحظات من الهدوء والسكينة، بعدما أنهك الحزن روحها وأتعب البكاء جسدها.

آنذاك... في الطابق الأرضي من العمارة.
ساد الصمت للحظات، بعدما انصرف باران وهازان بديلان إلى الأعلى، وبقي أفراد العائلة في الأسفل يحاولون استيعاب ما حدث.
قطعت صفية الصمت وهي تنظر إلى عائشة بقلق، وقالت:
صفية: ماذا حدث لها يا عائشة؟، لماذا انهارت بهذه الصورة؟.
تنهدت عائشة بحزن، وأجابت:
عاىشة: ديلان تخاف بشدة من منظر الدماء؛ فقد شهدت حادثةً بشعة أمام عينيها منذ سنوات، ومنذ ذلك الحين، كلما رأت كمية كبيرة من الدماء ينتابها الخوف وتفقد قدرتها على السيطرة على نفسها.
قطّب إبراهيم حاجبيه بضيق، وقال:
إبر اهيم: لكن لماذا نزلت أصلًا؟، لقد رأيناها وهي تصعد أمام أعيننا!.
أجاب عزّت بانزعاج:
عزت: نحن من طلبنا منها ألّا تشهد الذبح، ولا أفهم ما الذي جعلها تعود إلى الأسفل مرة أخرى.
وبينما كانوا يتحدثون، وقعت عينا صفية على شيء ملقى على الأرض، فأشارت إليه قائلة:
صفية: انظروا... هذا ميزاننا!، يبدو أنها كانت تحمل الميزان عندما نزلت، ثم أفلت من يدها حين رأت دم الأضحية.
نظر إبراهيم إلى الميزان، ثم قال مستاءً:
إبراهيم: وكيف وصل إليها أصلًا؟.
أجاب روني بضيق:
روني: لا بد أن دنيز هي من أعطته لها، من غيرها؟!، ربما حين اكتشفت أننا نسيناه، رأت ديلان وهي تصعد، فأعطته لها كي تنزله بظلا عنها.
زفر إبراهيم بضيق وقال:
إبراهيم: آه، دنيز هذه... الله يسامحها.
لكن عزّت هدّأه قائلًا:
عزت: وما ذنب دنيز يا أخي؟، من المؤكد أنها لم تكن تعرف ما تعانيه ديلان، والحمد لله أن الأمر انتهى عند هذا الحد ولم يحدث لها مكروه أكبر.
وبعد قليل، انضمت هازان وباران إليهم بعد أن اطمأنا على ديلان، وأخبراهم أنها هدأت وأنها غفت بفعل المهدئ.
تنفس الجميع الصعداء، وعاد شيء من الطمأنينة إلى قلوبهم، وإن ظل القلق عالقًا في نفوسهم.
ثم انهمك الجميع في ضبح الاضاحي وتجهيزها.

بعد ساعات...
أرخى الليل سدوله على المكان، وسكنت أرجاء العمارة بعد يوم طويل من أجواء العيد.
وفي الغرفة، فتحت ديلان عينيها ببطء.
احتاجت إلى لحظات حتى تستوعب أين هي، ثم التفتت إلى جوارها، فوجدت باران مستلقيًا إلى جانبها، يحدق فيها بحب وطمأنينة، وكأنه كان ينتظر اللحظة التي تفتح فيها عينيها منذ ساعات.
اعتدلت ديلان في جلستها بوهن، فابتسم باران وقال مداعبًا:
باران: صباح النوم يا باشا! كل هذا النوم؟، هكذا تتركينني وحدي طوال النهار؟.
رمشت ديلان بدهشة، ثم قالت:
ديلان: ماذا؟، هل نمت طوال النهار؟.
أومأ باران برأسه، فارتسم الأسف على وجهها وقالت:
ديلان: أنا آسفة لما حدث صباحًا... لم يكن بيدي، أنا...
قاطعها باران على الفور، بابتسامة حانية:
باران: لا عليكِ يا قمري، المهم أنك بخير.
ثم تناول صينية الطعام التي كانت إلى جواره، ووضعها أمامها على الفراش، وقال بنبرة مازحة:
باران: والحمد لله أنك استيقظت قبل أن يبرد الطعام، فقد سخّنته ثلاث مرات!, وفي كل مرة كنت أقول: ستستيقظ الآن، وسنلحق بتناوله قبل أن يبرد.
ارتسمت على شفتي ديلان ابتسامة واهنة، ثم قالت:
ديلان: ولماذا لم توقظني إذن يا حبيبي؟.
ابتسم باران لها بحب، وأجاب:
باران: لم أحب أن أزعج نومك. تركتك تأخذين راحتك إلى آخرها، فقد كنتِ بحاجة إلى الراحة أكثر من أي شيء آخر.
ثم عدّل جلسته حتى أصبح في مواجهتها، وأخذ يتأمل وجهها بهدوء قبل أن يقول:
باران: لكنك بالتأكيد جائعة... لقد مضى النهار كله وأنتِ لم تأكلي شيئًا.
هزّت ديلان رأسها بخفوت:
ديلان: لا أريد الطعام يا باران... لا أشعر برغبة في الأكل إطلاقًا.
اعترض باران فورًا:
باران: لا، لا يوجد شيء اسمه «لا أريد» أو «ليس لديّ نفس».
ثم رمقها بنظرة استياء مصطنعة، وأضاف:
باران: وهل يرضيكِ أنني أنا أيضًا لم آكل بعد؟، ولازلت صائما!!.
اتسعت عينا ديلان بدهشة:
ديلان: ماذا؟! أنت أيضًا لم تأكل؟! لماذا فعلت ذلك؟.
مدّ باران يده ولمس وجنتها برقة، وقال:
باران: لم أستطع أن آكل من دونكِ، تركت العائلة تتناول فطورها وغداءها، لكنني لم أرد أن آكل معهم وأنتِ لستِ بينهم.
نظرت إليه ديلان بعتاب ممزوج بالحنان، وقالت:
ديلان: ولماذا فعلت ذلك؟ أنا لم آكل لأنني كنت نائمة... أما أنت، فقد كان يومك مرهقًا بالتأكيد، وكان عليك أن تأكل.
ابتسم باران دون أن يجيب، ثم أخرج قطعتين من الخبز وأعدّ شطيرتين بسيطتين، ووضع إحداهما في يدها قائلًا:
باران: لم تأتني رغبة في الطعام وأنتِ لستِ معي.
تسللت ابتسامة واسعة إلى وجه ديلان، وغمر قلبها دفء لم تستطع إخفاءه.
كانت كلماته بسيطة، لكنها لامست مكانًا عميقًا في قلبها؛ ذلك المكان الذي لم يعد باران بالنسبة إليه مجرد زوج، بل أصبح أمانًا تخشى فقدانه أكثر مما تخشى أي شيء آخر.
انحنت نحوه وقبّلته على إحدى وجنتيه.
اتسعت ابتسامة باران، وقال مازحًا:
باران: لماذا فعلتِ ذلك يا دودو؟، جعلتِني أحصل على التحلية قبل أن أبدأ الأكل!.
ثم أضاف وهو يضحك:
باران: الأشياء الحلوة هذه تكون بعد الطعام، تعلّمي القواعد أولًا!.
احمرّ وجه ديلان خجلًا، فضحكت بسعادة، ثم اندفعت نحوه ودفنت نفسها بين ذراعيه.
ضمّها باران إليه، وأغمض عينيه لحظة، وكأنه كان يريد أن يختزن دفء تلك اللحظة في أعماقه.
وفي ذلك العناق، لم تعد الكلمات بحاجة إلى أن تُقال.
كان قلباهما يتحدثان بدلًا عنهما...
أشعرني بوجودي فقط حين ضممتني،
وتسللت إلى قلبي، وستبقى إلى الأبد بين أضلعي.
عيناك أخبرتني بما عجز لسانك عن قوله،
ومادمت إلى جانبي، فلن أخشى شيئًا.
وسأبقى إلى جوارك... أعدكِ، ما بقي من العمر.
كان ما بينهما أعمق من مجرد كلمات حب عابرة؛ كان شعورًا متبادلًا، يسكن قلبين ذاقا الفقد، وعرفا معنى الخوف، ثم وجدا في بعضهما ملاذًا لا يريد أيٌّ منهما أن يفقده.
وفي تلك اللحظة، شعرت ديلان أن الحياة، رغم كل ما أخذته منها، قد منحتها شيئًا يستحق أن تتمسك به بكل ما أوتيت من حب.
أما باران، فكان يحتضنها وكأنه يعاهد نفسه قبل أن يعاهدها:
لن أترككِ وحيدة أمام خوفكِ بعد اليوم... ما دمتُ حيًّا.

في اليوم التالي...
في مكانٍ آخر، داخل شقّة أمينة...
كان الهدوء يخيّم على أرجاء الشقّة، ولم يكن يُسمع سوى خرير الماء المنساب من بين يدي أمينة وهي تتوضّأ استعدادًا لصلاة الظهر، حين اخترق السكون صوتُ طرقاتٍ خافتةٍ تردّدت على باب الشقّة.
رفعت أمينة رأسها، وأصغت للحظات، ثم نادت من مكانها:
أمينة: من الطارق يا عمر؟.
كان عمر الصغير، ذو الأعوام السبعة، أقرب إلى الباب، فتقدّم نحوه على عجل، ووقف على أطراف أصابعه قبل أن يفتح الباب.
وما إن انفتح الباب حتى لمح وجهًا يعرفه جيدًا، فبدت على ملامحه ابتسامة واسعة، غير أن القادم أشار إليه بإصبعه أن يلتزم الصمت.
اتّسعت ابتسامة عمر أكثر، وما هي إلا لحظات حتى اندفع نحو القادم، وارتمى بين ذراعيه في فرحةٍ عفوية.
وفي تلك الأثناء، خرج صوت أمينة من الداخل:
أمينة: يا ولد! أنا أسألك... من الذي يطرق الباب؟، لماذا لا تجيبني؟.
ثم أقبلت نحو المدخل، وهي تمسح يديها بعد أن فرغت من وضوئها، وما إن وقعت عيناها على الواقفة أمامها حتى تجمّدت في مكانها.
اتّسعت عيناها دهشة، ثم شهقت شهقة امتزجت فيها المفاجأة بالفرح:
أمينة: ديلان!...
ابتسمت ديلان ابتسامةً حانية، ولم تمهلها أمها فرصةً أخرى، إذ اندفعت نحوها واحتضنتها بقوة، وكأنها تريد أن تستعيد في ذلك العناق كل لحظات الغياب.
همست ديلان وهي تشدّ ذراعيها حول والدتها:
ديلان: كل عام وأنتِ بخير يا أمي.
ضمّتها أمينة إلى صدرها، وقبّلت رأسها بحبّ، ثم قالت بصوتٍ غلبته عاطفة الأم:
أمينة: وأنتِ بخير يا عيون أمك... يا حبيبتي، ما أسعدني برؤيتك!.
ابتعدت ديلان قليلًا، بينما كانت أمينة لا تزال تتأمل وجه ابنتها وكأنها تتأكد أنها أمامها حقًا، ثم وقع بصرها على الرجل الذي يقف بالقرب منهما، وكان يلاعب عمر الصغير ويضحكه.
ارتسمت على وجهها ابتسامة ترحيب، وقالت:
أمينة: أهلًا بك يا باران، تفضّل يا بني.
تقدّم باران منها، وصافحها باحترام، قائلًا بابتسامة هادئة:
باران: أهلًا بكِ يا خالتي، وكل عام وأنتِ بخير.
أمينة: وأنت بخير يا بني، تفضل.
ثم أخذ باران يسألها عن كاظم زوجها وابنها الآخر، فأجابته أمينة بأنهما خرجا معًا لمعايدة أحد معارفهما إلى ضيعة قريبة، وأن عمرًا بقي برفقتها.
وما إن سمعت ديلان ذلك حتى شعرت بشيء من الارتياح يسري في داخلها؛ فقد كانت تخشى أن تلتقي به، ولم تكن مستعدة لمواجهة ذلك اللقاء في هذه اللحظة.
قادتهما أمينة إلى غرفة المعيشة، وجلست معهما، ثم أسرعت إلى إعداد الشاي، وقدّمت إليهما أكوابًا ساخنة وهي تشعر في أعماقها بشيء من الحرج.
كانت سعيدة بوجود ابنتها وزوجها في بيتها، لكنها في الوقت نفسه كانت تشعر بالضيق من بساطة ما تستطيع تقديمه لهما.
"إنها أول مرة يدخل فيها زوج ابنتي إلى بيتي... وفي ثاني أيام العيد أيضًا"، همست بها أمينة في نفسها.
نظرت إلى المائدة الصغيرة أمامها، ثم تنهدت في سرّها.
"ماذا عساني أقدّم له؟ لو كان في البيت شيء يليق بهما..."
وقبل أن تسترسل في أفكارها، أخرجت ديلان كيسًا بلاستيكيًا كبيرًا وقدّمته إلى والدتها.
ديلان: أمي، هذه أرسلتها إليكِ أمي عائشة من أضحية العيد.
فتحت أمينة الكيس، وما إن رأت اللحم حتى رفعت عينيها إلى ابنتها، شاكرةً لها ولعائشة.
أمينة: بارك الله فيكم يا ابنتي، وجزاها الله عننا كل خيرًا.
ثم أخذت الكيس ودلفت إلى المطبخ، وهناك ما إن أغلقت الباب خلفها حتى بدأت تتمتم بحيرة:
أمينة  يا ربي... ماذا أفعل الآن؟، وكيف أتصرف؟.
نظرت إلى اللحم بين يديها، ثم إلى الثلاجة التي لم يكن فيها ما يكفي لإعداد غداءٍ يليق بضيوفها.
أمينة: لا بد أن أُعدّ لهما الغداء... هذه أول مرة يدخل فيها زوج ابنتي بيتنا، ولا يمكنني أن أتركهما يرحلان من دون أن أكرمهما.
فتحت الثلاجة مرة أخرى، وكأنها تأمل أن تجد فيها شيئًا قد غفل عنه بصرها.
أنينة: ولكن ماذا سأصنع؟ الثلاجة شبه فارغة... وليس لائقا أن أقدّم لهما اللحم الذي أحضراه معهما وكأنني لا أملك شيئًا!.
وضعت يدها على جبينها، ثم زفرت بضيق.
أنينة: لا بد أن أتصرف... حتى لو اضطررت إلى الاستدانة إلى أن يفرّجها الله.
مسحت وجهها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة مصطنعة تخفي خلفها كل ذلك القلق، وعادت إلى غرفة المعيشة.
قالت وهي تحاول أن تجعل نبرتها مليئة بالحماس:
أمينة: أنتما اليوم ستتناولان الغداء معي.
رفع باران عينيه إليها، وقال بلطف:
باران: لا يا خالتي، حفظكِ الله. سنبقى قليلًا ثم نغادر.
هزّت أمينة رأسها باعتراض، وقالت بإصرارٍ ممزوجٍ بحنان الأم:
أمينة: وهل يُعقل هذا؟ أنت زوج ابنتي، وهذه أول مرة تتفضل فيها بزيارة بيتنا، ولن أسمح لكما بالمغادرة قبل أن تتناولا الغداء معي، بل أريد أن نقضي اليوم كله معًا.
حاول باران الاعتذار مرةً أخرى، لكن أمينة لم تمنحه فرصةً للتراجع.
أمينة: لا أريد سماع كلمة "لا". اليوم أنت ابني قبل أن تكون زوج ابنتي.
نظر باران إلى ديلان، فبادلته نظرةً صغيرة تحمل شيئًا من الحرج والامتنان، ثم ابتسم.
وبعد إلحاحٍ طويل من أمينة، رضخ الزوجان لرغبتها، فبدت السعادة على وجهها، وكأن موافقتهما قد أزاحت عن قلبها حملًا ثقيلًا، نهضت أمينة خارجة من الغرفة لتلحق بها ديلان، لتدخلا لغرفة نوم والدتها.
وفي أثناء ذلك، كان عمر الصغير قد جلس إلى جوار باران، الذي أخذ يلاعبه ويحادثه كأنه يعرفه منذ سنوات.
ابتسم باران وقال له مازحًا:
باران: وأنت يا بطل، ألم تذهب مع أبيك وأخيك؟.
هزّ عمر رأسه نافيًا، وأجاب بجدية طفولية أثارت ضحكة باران:
عمر: لا، أنا لا أترك أمي تجلس وحدها، أنا الكبير في البيت... عندما يخرج أبي، أجلس مكانه وأبقى مع أمي.
تأمل باران وجهه للحظات، ثم انفجر ضاحكًا بسعادة، وربّت على كتفه بإعجاب:
باران: ما شاء الله عليك! أنت رجل صغير بالفعل... أحسنت يا عمر.
انتفخت ملامح عمر فخرًا، وكأنه حصل للتو على أعظم وسام يمكن لطفل في عمره أن يحصل عليه.
وفي تلك اللحظة، ارتفعت في الخارج أصوات الأطفال وهم ينادونه، يستدعونه للخروج معهم والتنزه.
التفت عمر نحو مصدر الصوت، ثم نهض مسرعًا، واتجه إلى حيث كانت أمينة وديلان في غرفة النوم، وقال:
عمر: أمي، أصدقائي ينادونني... هل يمكنني أن أخرج لألعب معهم؟
نظرت إليه أمينة، ثم قالت بحزمٍ لطيف:
أمينة: لا يا عمر، أنت ما زلت صغيرًا، ولا يجوز أن تخرج وحدك من دوني أو من دون أبيك.
انخفض رأس عمر، وخبت الفرحة التي كانت تملأ وجهه قبل لحظات.
عاد بخطواتٍ بطيئة إلى غرفة المعيشة، وجلس إلى جوار باران، وقد غلب الحزن ملامحه وانطفأت عيناه بعد أن كانتا تلمعان بالحماس.
لاحظ باران حاله، فابتسم له بحنان، ثم مال نحوه وقال:
باران: لا تحزن يا بطل... ما رأيك أن أخرج معك؟.
رفع عمر رأسه بسرعة، وكأن الكلمات أعادت النور إلى عينيه.
عمر: حقًا؟.
ضحك باران وقال:
باران: نعم، سنخرج معًا ونترك أصدقاءك يكتشفون أنك جئت بصحبة رجلٍ مهم جدًا!.
ضحك عمر، ثم اندفع نحو والدته يستأذنها، وبعد موافقتها خرج بصحبة باران، بينما بقيت ديلان مع أمها.
وقفت أمينة عند الباب تراقبهما حتى اختفيا عن ناظريها، ثم أغلقت الباب وعادت إلى ابنتها.
جلست إلى جوارها، وأخذتا تتحدثان طويلًا، وكانت أمينة بين الحين والآخر تتأمل ملامح ديلان، وتسألها عن حالها، وعن حياتها، وعن زوجها، وكأنها تحاول أن تطمئن قلبها على ابنتها بكل الطرق.
ومع مرور الوقت، شعرت أمينة براحةٍ كبيرة حين لمست السكينة في حديث ديلان، واطمأن قلبها إلى أن ابنتها بخير.
وبعد فترة، نهضت أمينة وقالت:
أمينة: سأخرج لأشتري بعض الأشياء، ولن أتأخر، ابقي هنا حتى أعود.
أومأت ديلان بابتسامة:
ديلان: حسنًا يا أمي.
ارتدت أمينة ملابسها على عجل، ثم خرجت من الشقة، وتركت ابنتها وحدها في المنزل...
دون أن تعلم أن تلك الزيارة الهادئة ستفتح بابًا لحديثٍ لم تكن ديلان تتوقعه.

وبعد قليل...
كان كاظم في طريق عودته إلى المنزل، يتأفف بضيق، وقد بدا التبرّم واضحًا على ملامحه وهو يقول لنفسه:
كاظم: يا ساتر... ما إن أخرج من المنزل حتى تقع حادثة وتُغلق الطرق!، ألا يمكن أن يمرّ يوم واحد من دون أن يتعسّر حظي؟.
وحين اقترب من الحي، ترك أحمد  ليبقى في الشارع يلعب مع بعض الأطفال.
لم يُعِر كاظم الأمر اهتمامًا كبيرًا، بل تابع طريقه وصعد درجات السلم، وهو لا يزال ساخطًا على ما حدث في الطريق.
لكن ما إن اقترب من باب الشقة حتى توقّف فجأة.
كان ثمة صوت يأتي من الداخل...
صوت ديلان.
اقترب أكثر، وأصغى دون أن يُصدر أدنى حركة.
ديلان: نعم يا حبيبي... أين أنت الآن؟....
صمتت لحظة، وكأنها تستمع إلى الطرف الآخر، ثم تابعت:
ديلان: ما زلتما تتنزهان؟
ثم ابتسمت، وقالت بنبرة حانية:
ديلان: لا عليك يا باران، فعمر لا يخرج كثيرًا، ولا بد أنه سعيد الآن بالمراجيح والألعاب.
ساد صمت قصير، ثم قالت:
ديلان: حفظك الله لي يا حبيبي، لا حرمني منك أبدًا.
كانت كلماتها تصل إلى مسامع كاظم بوضوح، وكل كلمة منها كانت تزيد شيئًا مظلمًا في داخله.
ثم سمعها تقول:
ديلان: أنا وحدي الآن، أمي خرجت منذ خمس دقائق تقريبًا. ذهبت إلى السوق لتشتري بعض الأشياء حتى تُعدّ لنا الغداء.
صمتت تستمع إلى حديث باران، ثم أجابت:
ديلان: قلت لها إننا نستطيع شراء طعام جاهز، لكنها رفضت... تعرفها، لا بد أن تُصرّ على أن تصنع كل شيء بنفسها.
ثم ضحكت بخفة:
ديلان: لا، لستُ أشعر بالملل وأنا وحدي، أنا أرتّب المنزل ريثما تعودون سالمين..... حسنًا يا حبيبي، انتبه إلى نفسك وإلى عمر.
ثم قالت بهدوء:
ديلان: في أمان الله.
انتهت المكالمة.
وقف كاظم أمام الباب لحظات، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة حين أدرك أنها أصبحت وحدها.
أدخل يده في جيبه، وأخرج شيئًا داكن اللون، ثم أخفاه سريعًا داخل فمه ليبتلعه بسرعة، وأدار المفتاح في قفل الباب.
دخل وأغلق الباب خلفه بهدوء.
لم تكن ديلان تتوقع وجود أحد.
كانت قد ارتدت ملابس المنزل، وبقيت بلا نقاب لأنها في بيت والدتها، وكانت منشغلة بترتيب بعض الأشياء في غرفة المعيشة، حين شعرت فجأة بيدٍ تمتد إلى شعرها.
شهقت بفزع، واستدارت بسرعة.
وما إن رأته أمامها حتى اتسعت عيناها رعبًا، وتوقّف الدم في عروقها.
ديلان: أنت؟!... 
تراجعت خطوة، وصوتها يرتجف:
ديلان: متى جئت؟، وكيف دخلت وأنا بهذه الهيئة؟.
نظر إليها كاظم بنظرةٍ ماكرة، وقال ببرود مستفز:
كاظم: هذا بيتي، أدخل إليه وأخرج منه متى أشاء يا جميلة.
شعرت ديلان بقلبها يهبط إلى قاع صدرها.
لم تكن تخاف منه فحسب؛ بل كانت تعرف نظراته، وتعرف جيدًا ما الذي يعنيه وجودها معه وحدهما.
استدارت سريعًا محاولة الوصول إلى نقابها وملابسها، لكنه اعترض طريقها، ووضع يديه على جانبي الباب مانعًا إياها من المرور.
قالت بحدة وهي تحاول الإفلات منه:
ديلان: ابتعد عن طريقي! دعني آخذ نقابي.
ضحك بسخرية:
كاظم: وما حاجتك إلى النقاب الآن؟ أنت هكذا أجمل.
اشتعل الغضب في عينيها رغم خوفها، وقالت:
ديلان: إبتعد انت عن طريقي فقط... ابتعد!......
دفعته بكل قوتها، لكنه باغتها وحملها، فانطلقت منها صرخة مذعورة وهي تقاومه بكل ما أوتيت من قوة.
ديلان: أنزلني! ابتعد عني!!!!.....
لم يستجب.
حملها إلى غرفة النوم، ثم أنزلها على الفراش، وشرع بنزع ملابسه، وحين حاولت النهوض والفرار، أسرع إلى إغلاق الباب بالمفتاح، ثم دسّه في جيبه.
تراجعت ديلان إلى الخلف، وراحت أنفاسها تتسارع.
كانت تنظر إليه وكأنها أمام كابوس لا تستطيع الاستيقاظ منه.
اقترب منها ببطء.
قالت بصوت متقطع من شدة الخوف:
ديلان: ابتعد عني... وإلا سأصرخ وأجمع عليك الناس!.
توقّف أمامها، ثم أخرج السكين التي اعتاد حملها، فشهقت ديلان وتراجعت حتى اصطدم ظهرها بالحائط.
رفعها في وجهها مهددًا، وقال بلهجة قاسية:
كاظم: إذا رفعتِ صوتك فسأقتلك.
ثم أضاف بنظراتٍ مخيفة:
كاظم: لطالما أفلتِّ مني... لكن هذه المرة لن تفلتي، قبل ان آخذ غرضي منك، ولن أسمح لك بإفساد ما أريده.
سكت وبدأ يقترب منها وهو يهمس بصوت كفحيح الافعى...
كاظم: وإذا فتحت فمك وأخبرت احدا، سأقتل لك حبيب القلب.
انهارت الدموع من عينيها.
ديلان: أرجوك... دعني وشأني، ولا تقتله.....
لكن كاظم لم يستمع، فإنقض عليها، وحملها مرة اخرى ليلقيها فوق السرير، ويشرع في تمزيق ملابسها لينال منها.
بدأت ديلان تدفعه بكلتاةيديها، وتبحث بعينيها عن أي فرصة للنجاة، بينما كان الخوف يطبق على صدرها حتى كادت تختنق.
وفجأة، وبينما كان يحاول النيل منها، سقطت السكين من جيبه دون أن ينتبه.
لم تتردد.
اندفعت يدها نحوها، وحاولت التقاطها رغم ارتجاف أصابعها، حتى تمكنت أخيرًا من الإمساك بها.
وحينها غرستها في كتفه بدون تفكير غريزيًا للنحاة منه، دون أن تفكر في العواقب.
تأوه كاظم بعنف، وتراجع عنها، بينما أخذ الدم يتدفق من موضع الإصابة.
حدّقت ديلان في الدماء للحظات، فتجمدت في مكانها.
سقطت السكين من يدها، وانطلقت منها صرخة هستيرية.
إبستم كاظم بخبث رغم الم كتفه وصاح بها...
كاظم: لقد اتت لك إذن تلك الحالة فأنت اردت ذلك.
استشاط كاظم غضبًا، وانقض عليها محاولًا إسكاتها.
لكن صراخها تحول إلى بكاء حار، وجسدها كله أخذ يرتجف من شدة الرعب.
إنقض عليها كاظم محاولا تكميم فمها بيده، لكن ديلان قامت بعضه في تلك الاثناء، وفي اللحظة التي حاول فيها استعادة السيطرة عليها، لمحَت ديلان مزهرية موضوعة فوق المنضدة بجوارها.
لم تفكر.
لم يعد أمامها سوى النجاة.
التقطتها بكلتا يديها، ثم استجمعت ما تبقى في جسدها من قوة، وهوت بها على رأسه.
صدر صوت ارتطام عنيف.
ترنح كاظم، ثم سقط أرضًا، بينما تدفقت الدماء من رأسه.
وقفت ديلان في مكانها للحظات، تحدق فيه بعينين زائغتين.
كانت ترتجف بشدة.
لم تصدق أنها فعلتها.
ثم نظرت إلى ملابسها الممزقة، وإلى الدماء التي لطختها، فانفجر داخلها كل ما كانت تحاول كتمانه.
وضعت يدها على فمها، وانهمرت دموعها.
ديلان: يا رب... يا رب...
ثم أسرعت إلى الباب، وراحت تحاول فتحه بيدين مرتعشتين، قبل أن تتذكر أن المفتاح في جيب كاظم.
ركضت نحوه بحذر، وانتزعته منه، فقد كان مرمي على الأرض غائبا عن الوعي يغرق في دمائها التي تنهمر من جرح رأسع، ثم فتحت الباب وخرجت، وهي لا تزال تبكي وتتنفس بصعوبة.
وفي الوقت نفسه، كان باران قد عاد برفقة عمر الصغير.
ويبدو أنهما صادفا أمينة في الطريق، فأخبرتهما أنها عائدة إلى المنزل.
وما إن اقتربت أمينة من البناية حتى رأت أحمد يلعب في الشارع مع بعض الأطفال، فتوقفت بدهشة.
أمينة: أحمد! ألم تذهب مع أبيك؟.
لكن الصغير لم يمنحها إجابة واضحة، فقد مان منشغلا باللعب مع أصدقائه، فانتابها القلق.
التفتت إلى باران وقالت:
أمينة: تُرى، ما الذي أعادهما؟، أسأل الله أن يكون خيرًا.
ابتسم باران مطمئنًا:
باران: لا تقلقي يا خالتي، ربما لم يجدا وسيلة مواصلات متاحة فعادا.
صعدوا إلى الشقة.
وقفت أمينة أمام الباب وطرقت عدة طرقات.
لا جواب.
طرقت مرة أخرى.
أمينة: ديلان؟ افتحي يا ابنتي.
ظل الصمت يخيّم خلف الباب.
نظر باران إلى أمينة باستغراب، وقال:
باران: لماذا لا تفتح ديلان؟.
أجابته أمينة محاولة تفسير الأمر:
أمينة: ربما خرجت إلى الشارع لشراء شيء.
لكن القلق بدأ يتسلل إلى قلب باران دون أن يعرف له سببًا.
وقبل أن يطرق الباب مرة ثالثة، تحرك المقبض فجأة.
وانفتح الباب.
تسمّر الثلاثة في أماكنهم.
كانت ديلان تقف خلفه...
لكنها لم تكن ديلان التي دخلت المنزل قبل قليل.
كانت خصلات شعرها مبعثرة بعشوائية، ووجهها شاحبًا، ودموعها قد تركت آثارًا واضحة على وجنتيها، بينما كانت ملابسها ممزقة وملطخة بالدماء.
شهقت أمينة، ووضعت يدها على فمها.
أما باران، فقد تجمد للحظة من هول ما رأى، ثم اندفع نحوها، وأمسك بذراعيها برعب:
باران: ديلان! ما الذي حدث لك؟!، من فعل بك هذا؟، ولمن هذه الدماء؟!.
كانت عيناها زائغتين، وجسدها ينتفض بعنف، وكأنها لا تزال عالقة داخل تلك اللحظات المرعبة.
هزّها باران برفق:
باران: ديلان، انظري إليّ... أخبريني ماذا حدث؟.
رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع تنهمر منهما بغزارة.
خرج صوتها متهدجًا، متقطعًا، كأن كل كلمة تنتزع من بين أنقاض خوفها:
ديلان: قتلته...
اتسعت عينا باران.
باران: ماذا قلتِ؟.
شهقت، ثم قالت وهي ترتجف:
ديلان: قتلته... قبل أن يؤذيني... 
تلفتت أمينة حولها بذعر، ثم اقتربت من ابنتها:
أمينة: من!!؟، من الذي تتحدثين عنه يا ديلان؟.
حدق باران فيها، وقلبه يكاد يخرج من صدره:
باران: من هو يا ديلان؟!.
أغمضت عينيها لحظة، وانهمرت دموعها من جديد، ثم نطقت بالكلمة التي جعلت الصدمة تعصف بوجهيهما:
ديلان: كاظم...
ساد صمت ثقيل.
وكأن اسمًا واحدًا كان كافيًا ليقلب دفء ذلك اليوم إلى كابوسٍ لا يُمحى.

تعليقات



<>