رواية حبيبتي المراهقه الفصل الاول1 بقلم صابرين شعبان

رواية حبيبتي المراهقه الفصل الاول1 بقلم صابرين شعبان 
شردت أفكارها لسائق المدرسة ، الذي يؤرق أحلامها الوردية حول الحياة  بأنه سيأتي يوماً، فارس أحلامها ، الذي يحارب الكون من أجلها ، و يحبها كما أحب أباها أمها ، تكون له الحياة ، و يكون لها الكون كله  ،  و لكن الذي يشغل أفكارها ، ليس فارس بحصان ، بل فارس بحافلة ،  أذا يا ماريه ، سائق الحافلة هل جنت  ، تنهر نفسها و تظل تردد ، أنت مازلت صغيرة ، أنت مازلت صغيرة
الفصل الأول 

تقدمت من الغرفة  في خطوات هادئة ، تشفق على هذه الصغيرة  التي تعيش في وحدة قاتلة ،  وسط  انشغال أبيها بالعمل الذي دفن نفسه فيه بعد وفاة زوجته ، منذ عشرة أعوام ، فأنعزل كأن لا شئ يهمة بعد الآن.. تاركا تلك الصغيرة تتخبط وحدها  لا تعلم لما لم تعد ترى أمها و غيابها عنها  رغم وجود والدها  الحاضر بجسده الغائب بإهتمامه ،  و رغم أنه يهتم بالسؤال عنها من وقت لآخر ،حتي تغير كل شئ مؤخراً .. فتحت الباب كانت مستلقية بين أغطية فراشها الزرقاء ، فهى تعشق اللون الأزرق .. و تدخلة في جميع  أشيائها ، فكانت حوائط غرفتها متدرجة بلون البحر ،  من الأزرق الغامق الى الفاتح للأخضر ، حتى ملابسها  تختار أغلبها بلونها المفضل ..كان شعرها البني الداكن  يفترش وسادتها .. لقد أخبرتها مرارا وتكرارا أن تعقده قبل نومها.. حتى لا تستلقي عليه  فيتساقط  مع تقلباتها ، فهو ضعيف للغاية منذ أهملت طعامها  لمرض والدها  و هى تحاول معها بشتى الطرق المحافظة على إطعامها ..
جلست بجانبها على السرير تحادثها بحنان  هذه الصغيرة الهادئة بطبعها ..”مارو حبيبتي يلا أصحي الساعة بقت سبعة يلا عشان تصلي الضحى  و تفطري قبل ما تروحي المدرسة “
تململت الفتاة في نومها و هى تتثأب ..” يا تونه سبيني أنام شويه لسه بدري ع المدرسة “
فاتن و قد سحبت عنها الغطاء ..” يلا أصحي بلاش كسل كل يوم تقولي نفس الكلام  و تفضلي نايمه  لحد ميعاد الباص بنص ساعة و بعدين تصحي جري تلبيسي و تصلي و متلحقيش تفطري يا حبيبتي وجبة الفطار .. “
قاطعتها ماريه و هى تكمل بضجر   من تكرر هذا الحديث أمامه أكثر من مرة ..” أهم وجبة في اليوم كله و إنتي في فترة نمو ، لازم تأكلي كويس ، شوفي شكلك بقى عامل إزاي ، بقيتي شبه موميا نفرتيتي إلي شوفتها في التلفزيون ، كده مش هينفع يا حبيبتي هتتعبي ، و هتطريني أبلغ بابا ..... خلاص يا  تونه عرفت ده كله و حفظته ،بس ارجوكي أرحميني من طبق البيض بالبسطرمة إلي بتعمليه كل يوم ..قولتلك ميت مرة مبحبش البيض ، و هكتفي بالجبنه و المربي و كوباية اللبن ، إلي مصرة تشربهالي زي الولاد الصغيرين ، 
ضحكت فاتن  على حديثها الطويل الذي قالته بدون أخذ أنفاسها ...فاتن إمرأة في الرابعة و الأربعون من عمرها أتت لتعيش معهم بعد وفاة والدتها بفترة قصيرة 
منذ حوالي عشر سنوات ، كانت هى الأخرى تمر بفترة صعبة من حياتها  فقد فقدت زوجها و طفلها في حادث سيارة، فتركت مدينتها مبتعده  و أتت لتبحث عن عمل بإقامة ..فكأن الله كان رحيما باثنتيهم  فعوضها بأم ترعاها و عوض الأخرى  عن فراق صغيرها و زوجها بهذه اليتيمه،  فاتن إمرأة متوسطة الطول  لها بشرة بيضاء و عيون خضراء و شعر أشقر فملامحها ورثتها عن أمها كل التي لها أصول تركية  تخفي شقار شعرها تحت حجابها  الذي يذيدها جمالاً  فمن يرها لا يعطيها اكثر من ثلاثون عاما و ليس أربعة و أربعون ” طب يلا قومي ياختي أنا النهارده مش هسيبك  تنامي  عشان تريحي نفسك  و يا ريت تحفظي دروسك زي مبتحفظي كلامي  كده “
ماريه بضحك ”  بحفظ يا تونه بحفظ  إنتي عارفه أنا شاطرة اد ايه “ فاتن و هى تسحبها من الفراش و تدفعها  تجاه المرحاض ” طب يلا أدخلي الحمام أتوضي و صلي و ألبسي هدوم المدرسة لحد ما أروق سريرك و أحضر الفطار ...“ خرجت فاتن بعد أن رتبت الفراش ناظرة لماريه التي تلبس أسدال الصلاه  لتصلي  الضحى قبل الذهاب لمدرستها ...
” أنا نازله أحضر الفطار  لحد ما تصلي و تلبسي “
ماريه بهدوء ”. ماشي يا تونه هحصلك علي طول “

تقدمت فاتن لتخرج  فترددت قبل أن تلتفت لماريه سائلة ” مارو بابا مقلش هيجي أمتى  من السفر مبلغكيش “  
ماريه بحزن  ” لاء يا تونه مرضيش يبلغني بميعاد رجوعه عشان مقلقش عليه لو حب  يتأخر  و مجاش  في ميعاده  بس هو بيطمني كل يوم  عليه متقلقيش “
أرتبكت فاتن من حديث ماريه  ” لا يا حبيبتي أنا مش قلقانه  ولا حاجة  أنا بس حبيت أطمن أنك  عارفه أنه كويس و بيطمنك عليه “ ماريه التي لم تحب إحراج فاتن أكثر  من ذلك  فهى تعلم أن فاتن تحب والدها فهى رغم صغر سنها إلا أنها لديها من الإدراك  أن تعلم أن فاتن تهتم بوالدها أكثر من اهتمام مرؤس برب عمله و يا ليت والدها يستفيق  قبل فوات الاوان  و ينظر حوله و يكف عن التعبد في محراب والدتها التي  كانت لتنسى ملامحها لو  لا صورها المنتشرة في جميع أنحاء المنزل لا تسمح لأبيها بالنسيان للحظه  هى تفتقد والدتها من حين لآخر و لكن  وجود فاتن في حياتها عوضها عن الكثير أفاقت على صوت فاتن ” يلا  خلصي و حصليني الباص قرب يجي “

*
أستقلت ماريه حافلة المدرسة في الثامنة و هى تحي السائق ” صباح  الخير عمو توفيق يا رب تكون بخير اليوم “ أبتسم الرجل في وجهها  قائلاً بمرح ” بخير يا بنتي أمال فين صحبتك الاسيره  مركبتش معاكي النهارده ..“ ضحكت ماريه  فصديقتها شهيرة تسكن على مقربة منها  و هما معا في نفس الصف  و تكون دوماً في انتظارها ،   بالحافلة تنتظرهم في بداية الطريق  لعدم استطاعته الدوران مره اخرى ، ” هى مش جاية النهارده يا عمو لأن أخوها رجع أمبارح من السفر ، و هى حابه تقضي معاه شويه “ رد عليها عم توفيق و هو يتحرك بالحافلة ” حمد لله على سلامته يلا أقعدي مكانك احسن  تقعي و أنا بتحرك “ جلست ماريه في مقعدها  بجوار النافذة مبتسمه  فهى و شهيرة دوما تتجادلان  من منهم تجلس بجوار النافذة  إلي أن أتفقتا  على تبادل الأماكن في الذهاب و الإياب ،  هى ماريه يحيى عبد الرحمن  فتاة في السابعة عشرة  طالبة في العام النهائي من الثانوية  تعيش مع والدها  يحيى و فاتن التي تولت مسؤليتها  منذ توفيت والدتها  و هى في السابعة هى هادئة بطبعها ليس لها أصدقاء كثر في مدرستها ، سوى شهيرة  فهما معا منذ أربع سنوات  منذ انتقلت و والدها و أمها و شقيقها حسام الذي يدرس في الخارج و يأتي كل عام شهرين فقط ثم يسافر مره أخري للسكن على مقربة منهم ، فتعارفا منذ ذلك الوقت  و هما معا  تعرفان عن بعضهما كل شئ  دوما تخبرها عن حسام الذي يدرس الهندسة  و عندما سينهي دراسته سيعود و يستقر معهم مره اخرىو العمل في مجال تخصصه  ..
عادت على صوت عم  توفيق منبها ” يلا يا بنات وصلنا  كله ينزل “ قامت ماريه من مقعدها  تحمل حقيبتها  مودعه ” أشوفك بعد الضهر عمو  توفيق “
رد توفيق بابتسامه ” أن شاء الله ماريه يلا انتبهي لدروسك “ ....

*
جلس على رأس طاولة الطعام يتصفح جريدته اليومية، وهو يتناول الفطور في إنتظار ابنته الصغيرة أن تتلطف و لو مره واحده و تحضر  في موعد الإفطار  قبل قيامة من على المائدة ، نظر للمقعد على يمينه  في ضيق و هو يتذكر   هذا الولد الذي يكاد يفقده عقله  بسبب عناده 
نزلت مسرعة على الدرج  تكاد تقفز من أعلى لأسفل  من شدة سرعتها الغبية ..التي حذرها  منها مرارا وتكرارا  و لكن لا حياة لمن تنادي  ..فهى و شقيقها سيتسببون في قتله يوما ما .. صرخ بصوت عال لينبهها  ...
” سمر انزلي براحه الدنيا مش هتطير قولتلك كده ميت مره “   سمر و هى تتمهل في النزول  قائلة بتذمر ..
” طب قول صباح الخير الأول يا بابا و بعدين تنبهني “
عذرا الدين بضيق  .. ” مين إلي يقول صباح الخير أنا ولا إنتي الكبير و لا الصغير  “
أقتربت سمر تقبل  خده ” صباح الخير يا بابا سامحني أنا أسفه  مش هعمل كده تاني  اوعدك هنزل بالراحة  من ع السلم  “  عز الدين بهدوء و هو يعود لتصفح جريدته 
” طب يلا اعدي افطري عشان معاد الباص قرب “
جلست سمر بجانبه  تتناول فطورها بسرعة  حتي لا تتأخر عن الحافلة  نظر إليها والدها من تحت عدسات نظارته  و هو يسأل بهدوء ” سمر “ ..  رفعت رأسها عن طبقها و فمها ملئ بالطعام  ” نعم يا بابا  خير في حاجة “
عز الدين بضيق ” يا سمر قولتلك ميت مره متتكلميش و بوءك مليان أكل كده استني لما تخلصي و بعدين افتحيه “ سمر ضاحكه ” حاضر يا بابا أسفه مره تانيه ، وبعدين يعني أنت ديما بتحزرني ميت مره متخليهم ميتين يا عز أهو تغير برضوا “  ضحك عز الدين علي حديثها  محذرا ” سمورة حبيبتي متلهنيش بالكلام أنت عارفه أنا عايز أسألك على ايه كويس يلا جاوبي “ ..
سمر بمكر ” بتسأل على ايه بس يا بابا  قولي عشان أعرف أجاوب “ ..
عز بمكر مماثل ” بقى كده  طيب يا سمر هو فين “ ..
سمر بخبث و هى تبتسم  ” هو مين ده إلي فين يا بابا متوضح أنت بتسأل علي ايه بس “ ..
عز الدين و هو يجلس بأريحية في مقعده ...
” الولد فين  يا سمر  أكيد إنتي عارفه هو مبيخبيش عنك حاجة “ .. سمر و هى تدعي الفهم أخيرا ” اه تقصد أخويا  طيب متقول كده م الصبح “ ...ثم عادت لتكمل طعامها و هى تقول ”  معرفش مكانه المره دي يا بابا  صدقني شكله كده عارف أني هفتن عليه زي كل مره و أر على مكانه  فمرضاش يقولي  هو رايح فين  شكله مش عايزك تعرف  هو فين المره دي “ ...
عز الدين بغضب ” بقى كده يا سمر بتتفقي  مع اخوكي عليا “  سمر بنفي ” لا يا بابا أنا فعلا  معرفش هو فين “ ..
تنهد عز الدين   ”  ماشي يا سمر يلا كملي فطارك عشان متتأخريش  على مدرستك “ ...
عادت سمر لأكمال طعامها  ” حاضر يا بابا “ ..
شرد عز الدين في ذلك اليوم ، الذي تشاجر  معه  بسبب ذلك الموضوع  الخاص بصديقه  فهو لم يستطع الرفض  و لما يرفض و قد أمنه صديقه على ابنته  لو حدث له شئ  كيف له أن يخون الأمانه ..و لكنه حمد الله كثيرا علي سلامته ،  فهو أخبره أن جراحته قد نجحت  و لله الحمد على ذلك  و هو ليس مضطرا للضغط  على إبنه للموافقه  و لكنه فعلا قد تمنى أن يوافق فهو سمع عنها كثيرا من  والدها  فكما قال له  عنها مطيعه و ليست متهورة كالفتيات  هى فعلا صغيرة قليلا و لكنها تملك عقل متزن  و متفهم ليست متطلبه عندما علم إبنه أنها في عمر سمر شقيقته ، ثأر و هاج ...قال
” دي لسه عيله يا بابا  دي حتى مكملتش عشرين سنة عشان أفكر حتى في الموضوع  أن كنت أوافق ولا أرفض ، أنت عارف انا اكبر منها  بكام سنه    تلت تاشر سنه يا بابا يعني لو سمر أختي جالها عريس ادي  و هى في سنها ده هتوافق “ ...
عز الدين يحاول  إقناعه ” يا وحيد هي ظروفها  مختلفه عن سمر  و الظروف يا بني ساعات بتحكم  و تخبرنا على حاجات لو وقت مختلف كنا رفضناها “ ...
وحيد منهيا حديثه ” أنا آسف يا بابا لو وافقت تبقى جريمه في حقها و حقي وأنا مستحيل أعمل كده تحت اي ظرف ى“... ثم أكمل ” أنا رايح مشوار مع واحد صاحبي  كام يوم عشان متقلقش  عليا عن اذنك يا بابا “ 
عاد عز الدين على صوت سمر ” بابا أنا رايحه المدرسة معاد الباص جه عايز حاجة قبل ما أمشي “ 
عز الدين بهدوء ” لا يا حبيبتي مع السلامة “
خرجت بعد أن قبلته على رأسه ” خلي بالك من نفسك يا عزو و متتعبش نفسك في الشغل “
ودعها عز الدين ” حاضر يا حبيبتي و انتبهي لدروسك “ 
شرد عقله مره أخري  في ذلك اليوم  يستعيده بكل تفاصيله 
يتبع 

تعليقات



<>