رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي والستون61 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي والستون61 بقلم عاشقة القلم
 في تلك الأيام، وبعد أن أسدلت قضية ديلان مع كاظم ستارها، لم تكن الحياة في ذلك المنزل قد عادت إلى هدوئها تمامًا.
فبينما كان الجميع يحاولون التقاط أنفاسهم بعد ما مرّوا به، كانت دنيز تعيش صراعًا آخر في الخفاء.
زواجها من مدحت.
ذلك الزواج الذي كانت في البداية تراه نزوةً ستمر، ثم ستصل إلى ما تريده، بدأت الآن تشعر بأنه يتحول شيئًا فشيئًا إلى قيدٍ يضيق حول عنقها.
فمنذ أن بدأت تفكر في التراجع، راحت تتملص من الحديث عن موعد الزفاف، وتختلق الأعذار كلما فتح أحدهم الموضوع، تارةً بحجة الإرهاق، وتارةً بسبب ما حدث في قضية ديلان، وأحيانًا تكتفي بالصمت وكأن تجاهل الأمر قادر على إيقافه.
حتى انها إتصلت على مدحت بعد ان بقية ديلان ببيت والدتها أيام القضية، مدعية ان باران قد سئم منها، وماهي ألا ايام معدودة وسيطلقها، وعندها يمكنه الزواج منها، لكن مدحت لم يبالي بكل ذلك، بل اصر على امره وعلى زواجه منها، وقالها صراحة ان ديلان كانت نزوة وفقط، وبعد الذي حدث لها مع كاظم اشفق على حالها، لانها لاتستحق كل ذلك فديلان إبنة الحي الذي يسكنه، وهو يعرفها ويعرف تربيتها واخلاقها منذ نعومة اضافره، وفي فترة ما اعمى الشيطان عيناه، عندما رفضت الزواح منه، وقد ندم الآن على كل ما فعله، وانه يظن ان الله قد من عليها بزوج كباران، ليعوضها كل ماعشته مع زوج امها كاظم، وكذلك ما عاشته مع مراد بسببهم، وانه الآن يريد ان يعيش حياته معها هي، بعيد عن التخطيط وقلب حياة الناس، فهي صفحة سوداء في حياته ويريد ان يمسحها او يطويها، ويتمنى ان تفعل هي نفس الشيء، وتنسى ديلان وتتركها بحالها وتعيش هي أيضا حياتها معه، لانه يريد ان يعيش حياة هادئة بعيدة عن المشاكل، ويدع الغير يعيشون حياتهم ويكفي ما فعلوه من قبل، وان الله قد سترهم ولم يفضحهم فلا داعي ان يفضحوا نفسهم بأيديهم، لكن دنيز كانت تفكر عكس ذلك، فهي مازالت ترى ان ديلان هي من إستولت على حق ليس لها، وانها هي من كانت احق بمراد، ثم بعده هاهي تتزوج بباران وتعيش حياتها عاديا، وقد نست مراد بسرعة بعد زواجها من باران، وان ما حدث لها من كاظم هو إنتقام من الله، لانها من الاول لاتستحق مراد كزوج، وبعد وفاته بمجرد إنتهاء عدتها، تزوجت مباشرة من غيره ولم يمر على زواجها  اسبوع، حتى تركها باران وسافر، وربما كان ينوي ان يطلقها لولا ذلك الحادث الذي جعل باران يعود إليها، لكن الله لم ينسى بل انتقم منها شر إنتقام وهاهي الآن ببيت والدتها وربما هذه المرة سيطلقها باران اخيرا.
لكن مدحت لم ينتبه لكل ما كانت ترويه على مسامعه، بل كان مصمما على طي صفحة ديلان والمضي قدما في حياته، واخبرها ان يشعر بإحاسيس إتجاهها لم يشعر به من قبل أتجاه ديلان، وانه قد عذرها على ما فعلته بسبب حبها لمراد، لانه هو الآن سيفعل نفس الشيء ليتزوجها هي، ولن يتراجع عن ما نوى عليه.

لكن دنيز لم تكن تعرف أن مدحت لم يكن غافلًا عن محاولاتها.
كان يراقب.
ينتظر.
ويجمع خيوط خطته بهدوء.
حتى لا يلغى هذا الزواج.
وفي أحد الأيام، أمسك هاتفه واتصل بإبراهيم.
ما إن جاءه الرد حتى قال بنبرة هادئة لا تخلو من الحسم:
مدحت: عم إبراهيم، أردت فقط أن أتأكد من موعد الزفاف، ما زلنا على الموعد الذي اتفقنا عليه، أليس كذلك؟.
أجاب إبراهيم دون تردد:
إبراهيم: نعم يا بني، بالطبع. لماذا تسأل؟.
ابتسم مدحت ابتسامة خفيفة لم يرها أحد.
مدحت: لأنني أريد أن أتأكد من أن كل شيء يسير كما خططنا، فلقد حجزت القاعة، واتخذت جميع الترتيبات، وكل شيء أصبح جاهزًا.
توقف لحظة، ثم أضاف:
مدحت: ولم يتبقَ سوى أسبوع واحد على الموعد الذي حددناه.
أجابه إبراهيم بثقة:
إبراهيم: لا تقلق، يا مدحت، كل شيء على ما يرام، ولم يحدث ما يستدعي تأجيل الزفاف.
شعر مدحت براحة تسري في داخله.
مدحت: هذا ما كنت أريد سماعه.
ثم تبادلا بضع كلمات أخرى قبل أن ينهي مدحت المكالمة.
وما إن أغلق الهاتف حتى ظهرت على وجهه ابتسامة مختلفة.
ابتسامة رجلٍ شعر أن الأمور تسير أخيرًا في الاتجاه الذي يريده.
لقد كان يعلم أن دنيز بدأت تتراجع.
ويعلم أنها لم تعد تنظر إلى الزواج منه بالحماس نفسه الذي يظهره هو.
ولهذا لم يترك لها مساحةً واسعة للتراجع.
كل شيء حُجز.
القاعة.
المواعيد.
الترتيبات.
والعائلتان على علم بالموعد.
ولم يعد أمامها، في نظره، سوى أيام قليلة قبل أن تصبح زوجته رسميًا.
أما دنيز...
فكانت تقف في غرفتها، وقد وصلها خبر تأكيد الموعد من والدتها،
بقيت للحظات صامتة.
كانت تتوقع أن تجد مخرجًا،
أن يحدث أمر يؤجل الزفاف،
أن يتغير شيء، أي شيء، يمنحها فرصةً لاستعادة السيطرة التي اعتادت أن تكون بيدها.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
كلما حاولت أن تدفع الأمور بعيدًا، وجدتها تقترب أكثر.
وضعت يدها على جبينها، وأخذت تتنفس ببطء.
أسبوع واحد فقط.
هكذا كانت تفكر.
أسبوع واحد، وبعده ستصبح كل الطرق التي كانت تستطيع بها التراجع أكثر ضيقًا.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل، شعرت دنيز بذلك الشعور الذي لطالما جعل الآخرين يعيشونه بسببها...
شعور العجز.
كانت معتادة على أن تحرك الخيوط من خلف الستار.
تقترب حين تريد، وتبتعد حين تريد.
تدفع شخصًا في اتجاه، وتستفيد من شخص آخر في اتجاه مختلف.
أما الآن...
فقد وجدت نفسها داخل دائرة لا تتحكم هي في حدودها.
وضعت يدها على صدرها، وتمتمت بضيق:
دنيز: لا... هذا ليس ما أريده.
لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تتجاهلها.
لم تعد الأمور تسير وفق ما تشتهي.
مدحت لم يعد الرجل الذي تستطيع تأجيله بكلمة أو إقناعه بعذر.
وإبراهيم والدها أكد الموعد.
والزفاف لم يعد فكرة بعيدة يمكن التلاعب بها...
بل أصبح موعدًا محددًا يقترب يومًا بعد يوم.
شعرت دنيز لأول مرة أن الأرض التي كانت تقف عليها بثقة بدأت تضيق تحت قدميها.
وكان أكثر ما أخافها أنها لم تعد تعرف كيف تستعيد زمام الأمور.
جلست على طرف السرير، تحدق أمامها بشرود، بينما كانت فكرة واحدة تتردد في رأسها:
للمرة الأولى... لم يعد القرار بيدي.
وكان ذلك الشعور وحده كفيلًا بأن يشعل داخلها غضبًا لم تعرف كيف تخفيه.

بعد أن انقشعت تلك الغمامة الثقيلة التي خيّمت طويلًا فوق حياة ديلان وباران، وبعد أن تراجعت ديلان عن قرار الطلاق، وأخرج كلٌّ منهما ما كان يختبئ في أعماق قلبه من وجعٍ وعتابٍ وخوفٍ وشوق، بدا وكأنهما يقفان للمرة الأولى أمام بعضهما بلا حواجز.
كان الصمت الذي أعقب اعترافاتهما مختلفًا هذه المرة؛ لم يكن صمتًا مثقلًا بالجفاء، بل كان هدوءًا يشبه راحة القلب بعد بكاءٍ طويل.
ظل باران يتأمل ديلان لبرهة، وكأنه يريد أن يحفظ ملامحها في ذاكرته من جديد، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وقال بصوتٍ امتزج فيه الحب بشيء من الحماس:
باران: كنت أُعدّ لكِ مفاجأة... هدية أردت أن أقدّمها لكِ مع بداية حياتنا الجديدة، لكنني أرى الآن أن هناك خطوةً أخرى يجب أن أقوم بها أولًا... خطوة من أجلكِ، بل هي أمنية لطالما حلمت بتحقيقها منذ اللحظة التي دخلتِ فيها قلبي.
عقدت ديلان حاجبيها باستغراب، ومسحت بطرف أصابعها أثر دمعةٍ كانت لا تزال عالقة عند طرف عينها، ثم نظرت إليه متسائلة:
ديلان: ما هذه الألغاز التي تتحدث بها؟ أي مفاجأة؟ وأي أمنية كنت تحلم بها؟.
ضحك باران ضحكة خفيفة، وكأن دهشتها راقته، ثم قال وهو يهز رأسه:
باران: المفاجأة لا تبقى مفاجأة إذا أخبرتكِ عنها، أليس كذلك؟.
ثم سكت لحظة، قبل أن تتبدل ملامحه إلى شيء أكثر دفئًا، وقال:
باران: أما الأمنية... فقد كنت أحلم بها كلما تخيلتكِ إلى جواري، كنت أتمنى، حين أجدكِ، أن أقيم لكِ عرسًا يليق بكِ... أن أراكِ بفستان زفاف أبيض، كالأميرات، وأن أراكِ تضعين طرحتكِ، وتدخلين القاعة وسط الزفة، والناس من حولكِ، وأنا أقف هناك عاجزًا عن استيعاب أن تلك المرأة التي لطالما بحثت عنها أصبحت أخيرًا عروسي.
خفض عينيه للحظة، وكأن الصورة التي رسمها في مخيلته كانت حاضرة أمامه بالفعل.
باران: كنت أتمنى أن أراكِ عروسًا... عروسي أنا، بفستان أبيض، وأن أعيش معكِ تلك اللحظة التي لم أستطع أن أعيشها من قبل، وأظن أن هذه الأمنية بدأت تلحّ عليّ أكثر من أي وقت مضى... ولذلك أرى أن الوقت قد حان لتحقيقها.
اتسعت عينا ديلان بدهشة، وبدا أنها لم تستوعب بعد إلى أين يريد الوصول بكلامه.
ديلان: ماذا تعني؟، أتريد أن تقيم حفل زفاف... وأن أرتدي فستان زفاف؟.
ابتسم باران، وكانت في عينيه لمعة حب صادقة وهو يجيبها:
باران: ولمَ لا؟، أليس من حقي أن أحتفل بزواجي؟، أليس من حقي أن أرى عروسي بفستان زفاف؟، أن أراها تدخل بيتي وهي ترتدي الأبيض، فتملأ المكان نورًا، كما ملأت هي حياتي كلها؟.
ارتجف قلب ديلان أمام كلماته.
لم تكن المشكلة في فكرة الزفاف نفسها، بل في الطريقة التي تحدث بها عنها؛ وكأنه لا يريد مجرد حفل، وإنما يريد أن يمنحها شيئًا حُرمت منه، وأن يمحو عن ذاكرتها كل لحظة جعلتها تشعر بأنها لم تكن الزوجة التي تستحق الاحتفال بها.
ظل يحدق فيها، ثم استطرد بنبرة أكثر حسمًا:
باران: أظن أن الوقت قد حان لأحقق تلك الأمنية، وكل الظروف الآن مواتية لذلك، وبما أنكِ موجودة في بيت أبيكِ... فلن تعودي إلى بيتي إلا بفستان زفاف.
توقفت أنفاس ديلان للحظة، ثم شهقت بدهشة وهي تضع يدها على صدرها:
ديلان: أرى أنك جننت يا باران!.
انفجر باران ضاحكًا، واقترب منها خطوة، ثم قال بنبرة مازحة، وإن كانت عيناه تفضحان مقدار حبه:
باران: بالفعل... لقد جننت بحبكِ، وإذا لم أركِ يومًا بفستان زفاف وأنتِ عروسي، فسأجنّ حقًا!.
لم تستطع ديلان أن تتمالك نفسها، فانطلقت منها ضحكة صافية، كانت أشبه بعودة الحياة إلى وجهها بعد أيام طويلة من الحزن.
تأمل باران ضحكتها طويلًا.
كم اشتاق إليها...
اشتاق إلى تلك الديلان التي تضحك دون خوف، التي لا تختبئ خلف دموعها، والتي لا تحمل في عينيها سؤالًا عن الغد.
وللحظة، شعر أن كل ما مرّا به كان يستحق أن ينتهي بهذه الابتسامة.
نهض باران من مكانه، وكأنه اتخذ قراره بالفعل، ثم قال:
باران: حسنًا... سأتركك الآن وأذهب إلى البيت، سأخبر والدي بما نويت عليه، وأرى ما الذي يمكننا ترتيبه.
نظرت إليه ديلان، وقد بدا عليها شيء من القلق الممزوج بالخجل، بينما تابع هو بابتسامة:
باران: رغم أنني، بصراحة، لم أعد أطيق الابتعاد عنكِ، لو كان الأمر بيدي، لما انتظرت حتى الغد كي أعود إليكِ.
سكت لحظة، ثم تنهد، وكأنه يجاهد نفسه بالفعل.
باران: لكن لا بأس... إن كان هذا الانتظار القليل سيحقق أمنيتي، وسيمنحكِ حقكِ، ويرد اعتباركِ أمام الجميع، فسأتحمل، سأصبر بضعة أيام فقط... ثم آتي لأصطحب عروسي إلى بيتها.
خفضت ديلان عينيها بخجل، وشعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجنتيها، بينما كان باران يراقبها بابتسامة عاشق وجد أخيرًا الطريق الذي يريد أن يسلكه.
ثم قال وهو يتجه نحو الباب:
باران: سأترككِ الآن، وسأتصل بكِ لاحقًا لأخبركِ بما اتفقت عليه مع والدي. وحينها... لا أريد منكِ سوى أن تستعدي.
توقفت ديلان عند كلماته، ورفعت عينيها إليه.
أما هو، فابتسم لها ابتسامة عميقة، ثم غادر وهو يحمل في قلبه شيئًا لم يشعر به منذ زمن...
يقينًا بأن هذه المرة لن يسمح للحياة أن تسرق منه ديلان مرة أخرى.

حين عاد باران إلى منزل والديه، كانت الساعة قد تجاوزت المساء بقليل، وكان أفراد العائلة مجتمعين في غرفة الجلوس، وما إن دخل حتى رفعت عائشة رأسها نحوه، ثم راحت تبحث بعينيها خلفه، وكأنها تنتظر أن ترى ديلان تدخل معه.
لكنها لم تكن معه.
تبادلت عائشة النظرات مع زوجها عزت، بينما قال الأخير مستفسرًا:
عزت: أين ديلان؟، ألم تأتِ معك؟،
ابتسم باران ابتسامة صغيرة، ثم جلس أمامهما، وقد بدا في عينيه شيء مختلف؛ حماس هادئ ممزوج بعزمٍ لم يعتاداه منه.
باران: تركتها في بيت والدها.
ازدادت دهشة عائشة.
عائشة: تركتها هناك؟، وهل حدث شيء؟.
هز باران رأسه سريعًا.
باران: لا، بل على العكس تمامًا... الأمور بيننا أصبحت بخير.
تنفست عائشة براحة، وكأنها كانت تحمل في صدرها خوفًا من أن تكون الخلافات قد عادت من جديد.
لكن باران لم يكتفِ بذلك، بل قال:
باران: ولهذا بالضبط أريد أن أفعل شيئًا من أجلها.
نظر إليه عزت باهتمام، بينما اقتربت عائشة منه قليلًا.
باران: ماذا تنوي أن تفعل؟.
صمت باران لحظة، ثم قال بثبات:
باران: أريد أن أقيم لديلان حفل زفاف.
ساد الصمت.
حدقت عائشة فيه وكأنها لم تسمع كلامه جيدًا، بينما ارتسمت الدهشة على وجه عزت.
عزت: حفل زفاف؟.
أومأ باران.
باران: نعم، زفاف حقيقي... كما تستحق أن يكون.
ثم تنهد، وخفت صوته وهو يستطرد:
باران: بعد كل ما مرت به بسبب قضية كاظم، وبعد كل ما قيل عنها، وبعد الأيام التي عاشت فيها وهي تشعر بأن حياتها كلها أصبحت موضع شك... نفسيتها ما زالت متعبة، حتى وإن حاولت أن تبدو قوية أمامنا.
خفض عينيه للحظة، وقال بألم:
باران: وأنا لا أريد أن أكتفي بأن أقول لها إنني أحبها، أريد أن أجعلها ترى ذلك بعينيها، أريدها أن تعرف أنني ما زلت أريدها زوجة لي، وأنني لم أتراجع عن حلمي بتكوين أسرة معها، وأن ما حدث لم يغير نظرتي إليها، ولم ينتقص شيئًا من مكانتها في قلبي، كما انه من حقي ان اقيم لنفسي حفل زفاف.
تأثرت عائشة بكلماته، بينما بقي عزت صامتًا يصغي إليه.
تابع باران:
باران: أريد أن أُعيد إليها شعورها بأنها مرغوبة ومصانة، وأنها زوجتي التي أفتخر بها، والأهم من ذلك... أريد أن أُسكت كل لسان حاول أن يتطاول عليها أو يشكك في شرفها وكرامتها.
لمعت الدموع في عيني عائشة.
عائشة: يا بني... هذا أكثر ما تحتاج إليه ديلان الآن، أن تشعر بأن هناك من يتمسك بها، لا من يذكرها بما مرت به.
ابتسم باران بحنان.
باران: ولهذا لن تعود إلى بيتي إلا عروسًا.
وقبل أن يسترسلوا في الحديث، دوّى طرق خفيف على الباب.
التفت الجميع، وما هي إلا لحظات حتى دخل إبراهيم، عم باران، وهو يلقي السلام عليهم.
جلس بينهم، ثم قال بعد قليل:
إبراهيم: جئت لأتحدث معكم بشأن زفاف دنيز.
تبادلت العائلة النظرات، بينما رفع باران حاجبه باهتمام.
قال إبراهيم:
إبراهيم: الموعد لم يتغير، الزفاف سيكون الأسبوع القادم كما اتفقنا من قبل، وبما أن أزمة ديلان قد انتهت، وستعود إلى بيتها معززة مكرمة، فلا أرى سببًا لتأجيل زفاف دنيز.
أومأ عزت، ثم نظر إلى باران بابتسامة وقال:
عزت: في الحقيقة، باران يفكر في إقامة حفل زفاف لديلان في الفترة نفسها.
نظر إبراهيم إلى ابن أخيه بدهشة، فشرح له باران فكرته، وما يريده من هذا الحفل.
استمع إبراهيم إليه حتى النهاية، ثم ابتسم ابتسامة عميقة.
إبراهيم: ولماذا نقيم حفلين منفصلين إذن؟.
نظر إليه الجميع باستغراب.
تابع إبراهيم:
إبراهيم: ما رأيكم أن نتحدث مع مدحت؟، نقيم زفاف ديلان وباران، وزفاف دنيز ومدحت في اليوم نفسه، وفي القاعة نفسها، العائلة ستكون مجتمعة أصلًا، والجميع سيشارك في فرحتين بدل فرحة واحدة.
لمعت عينا عائشة بالفكرة.
عائشة: والله إنها فكرة جميلة!.
وقال عزت:
عزت: وأنا أراها مناسبة جدًا. سيكون يومًا مميزًا للعائلة كلها.
ابتسم باران، ولم يخفِ إعجابه بالفكرة وقال....
باران: إن وافق مدحت، فلا مانع لدي إطلاقًا.
أخرج إبراهيم هاتفه من جيبه دون تردد.
إبراهيم: سأعرف الآن.
ضغط على اسم مدحت، ثم انتظر حتى جاءه الرد.
إبراهيم: السلام عليكم يا مدحت.
جاءه صوت مدحت من الطرف الآخر، فرد إبراهيم:
إبراهيم: أردت أن أتحدث معك بشأن الزفاف، نحن نعلم أن الموعد المتفق عليه الأسبوع القادم، لكن طرأت فكرة أراها جميلة جدًا...
ثم أخبره بما اقترحه.
صمت مدحت للحظات، قبل أن يأتي صوته مرحبًا:
مدحت: ولمَ لا؟، بل أرى أنها فكرة رائعة.
ابتسم إبراهيم.
إبراهيم: إذن أنت موافق؟.
مدحت: بكل تأكيد، ديلان ابنة حينا، وتستحق كل خير، وما مرت به لم يكن سهلًا عليها، وإن كان هذا اليوم سيعيد إليها اعتبارها ويجعلها تبدأ حياتها من جديد بعيدًا عن كلام الناس، فأنا أول من يرحب بذلك.
ساد الارتياح في الغرفة.
ثم أضاف مدحت:
مدحت: لا مانع لدي إطلاقًا من أن يكون الزفافان في اليوم نفسه وفي القاعة نفسها، وليكن يومًا تفرح فيه العائلتان جميعًا.
أنهى إبراهيم المكالمة، ثم نظر إلى الجميع.
إبراهيم: إذن اتفقنا.
وفي تلك اللحظة، شعر باران بشيء دافئ يسري في صدره.
لم يعد الأمر مجرد حفل زفاف.
كان بالنسبة إليه وعدًا جديدًا لديلان.
وعدًا بأن ما انكسر في داخلها يمكن أن يُرمم، وأن ما حاولت المحنة أن تنتزعه منها سيعيده إليها بيديه.
وبمجرد أن استقر الموعد، بدأت الاستعدادات.
اتصل باران بديلان وأخبرها بما حدث.
كانت تجلس في بيت والدتها حين جاءها صوته عبر الهاتف:
باران: ديلان...
ديلان: نعم؟.
باران: تحدثت مع والداي.
شعرت بشيء من التوتر.
ديلان: وماذا قالا؟.
ضحك باران.
باران: وافقا على إقامة الزفاف.
سكتت ديلان لحظة، ثم قالت بدهشة:
ديلان: بهذه السرعة؟.
باران: لم يكن الأمر يحتاج إلى وقت طويل.
ثم أضاف بنبرة مرحة:
باران: بل إن الأمر أصبح أكبر مما توقعت.
ديلان: ماذا تقصد؟.
باران: سيكون زفافنا في اليوم نفسه مع زفاف دنيز ومدحت.
اتسعت عيناها.
ديلان: ماذا؟!.
ضحك باران من دهشتها.
باران: نعم، يبدو أن عائلتنا قررت أن تجعل من اليوم مهرجانًا كاملًا.
وضعت ديلان يدها على جبينها، غير قادرة على استيعاب ما يحدث.
ديلان: باران... أظن أنك أخذت الأمر بجدية أكثر مما ينبغي ، وهل دنيز ستوافق؟.
باران: لايهمني امرها، فقد إقترحنا على مدحت فوافق ورحب بالفكرة وهذا ما يهمني ويكفيني.
ثم أضاف..
باران: وأظن أنني تأخرت كثيرًا.
ثم سكت لحظة قبل أن يقول:
باران: وغدًا سنخرج لشراء فستانك.
تجمدت ديلان.
ديلان: فستاني؟.
باران: فستان الزفاف.
ديلان: ولكن...
باران:  لا يوجد ولكن.
ديلان: باران، أنا...
قاطعها بحنان:
باران: أعلم أنك مترددة، لكنني أريدك أن تفعلي شيئًا واحدًا فقط من أجلي... اسمحي لنفسك أن تشعري بأنك عروس.
صمتت ديلان.
تسللت كلماته إلى مكان حساس في قلبها.
فهي، في الحقيقة، لم تكن تملك ذكرى جميلة عن زفافها الأول.
لم تكن تتذكر فستانًا حلمت به، ولا ليلة شعرت فيها بأنها أميرة، ولا لحظة بقيت في ذاكرتها لتبتسم كلما تذكرتها.
كل ما بقي من ذلك اليوم كان ثقلًا غريبًا في قلبها.
ولهذا، ولأول مرة، شعرت أن فرصةً صغيرة تُفتح أمامها.
ربما تستطيع أن تصنع ذكرى جديدة.
ذكرى لا تشبه الماضي.
فقالت بهدوء:
ديلان: حسنًا... سأذهب معك.
ابتسم باران، وكأنه كان ينتظر هذه الكلمة تحديدًا.
باران: هذا كل ما أردته.
ما إن اغلقت ديلان الخط مع باران، حتى اخبرت والدتها بما قرر باران فعله، فإبتسمت وإحتضنتها قائلة .
امينة: اظن قد آن الأوان لتعيشيي حياة طبيعية كأي فتاة، فانا لم ألحظ معاناتك مع كاظم ولا حتى مراد رحمه الله، واظن من حقك ان تبدأي بداية جديدة مع شخص يحبك كباران.

وفي اليوم التالي، خرج باران وديلان معًا لاختيار الفستان.
كان باران أكثر حماسًا منها، ينتقل بين التصاميم بعينين لامعتين، بينما كانت ديلان تقف مترددة، تشعر بشيء من الخجل كلما تخيلت نفسها ترتدي فستان الزفاف.
وأخيرًا، وقع اختيار باران على فستان أبيض أنيق، محتشم، مصمم بما يتناسب مع حجابها ونقابها، يجمع بين البساطة والرقي.
وقف أمامه لحظات، ثم قال:
باران: هذا.
نظرت ديلان إليه.
ديلان: كيف عرفت أنه مناسب؟.
ابتسم.
باران: لأنني عندما رأيته تخيلتكِ ترتدينه.
خفضت عينيها بخجل.
باران: أنت لا تتوقف عن قول الأشياء التي تجعلني أشعر بالإحراج.
اقترب منها قليلًا وقال:
باران: لأنني أحب أن أراكِ تبتسمين.
ثم لم يكتفِ بشراء الفستان، بل حرص على أن تكون كل التفاصيل مهيأة لها، حتى حجز لها موعدًا لدى خبيرة تجميل لتستعد كأي عروس في ليلة زفافها، مع مراعاة حجابها ونقابها وخصوصيتها.
وكان كلما انتهى من تفصيل، نظر إليها وكأنه يضع حجرًا جديدًا في البيت الذي يبنيه معها من جديد.
أما ديلان، فكانت تراقبه في صمت.
شيء ما في داخلها كان يتغير.
لم تعد ترى الزفاف مجرد حفل.
بل أصبحت تراه فرصة لتدفن آخر بقايا ذلك الماضي الذي ظل يلاحقها، وأن تدخل حياة باران هذه المرة بقلب مختلف... مطمئن، ومحب، ومتيقن من مكانته عند الرجل الذي اختار أن يتمسك بها.
ولم يكن الجميع سعيدًا بهذا الأمر.
كانت دنيز تراقب الاستعدادات بوجه عابس، وكلما سمعت حديثًا عن زفاف ديلان وباران، ازدادت ملامحها ضيقًا.
دنيز: وكأن الجميع نسي أن لدي زفافًا أنا أيضًا! 
قالتها بضيق ذات مرة.
لكن كلماتها لم تجد الصدى الذي كانت تنتظره.
لم يلتفت إليها أحد.
كانت العائلة منشغلة بالتحضيرات، وكلما ذُكرت ديلان، كان الحديث يتحول إلى الدعاء لها والفرح من أجلها.
حتى صفية قالت أمامها:
صفية: ديلان تستحق أن تبدأ من جديد، يكفيها ما مرت به.
وأضافت عائشة:
عائشة: هذا اليوم ليس مجرد زفاف... إنها فرصة لتعود إليها ابتسامتها.
أما إبراهيم فقال:
إبراهيم: المهم أن تدخل ديلان بيتها مرفوعة الرأس، ويكون هذا اليوم ذكرى جميلة لها بدل كل الذكريات المؤلمة.
كانت دنيز تستمع بصمت، وملامح الغيظ ترتسم على وجهها.
لكن لا أحد أعطاها ما كانت تريده من اهتمام.
فقد اتفق الجميع، دون حاجة إلى كثير من الكلام، أن ديلان تستحق تلك البداية.
وفي مكان آخر، كان باران يقف أمام قائمة طويلة من التفاصيل، يتابع كل شيء بنفسه، وكأنه يخشى أن تفوته تفصيلة واحدة.
أما ديلان، فكانت في غرفتها تنظر إلى فستانها الأبيض المعلّق أمامها.
مدّت يدها نحوه ولمسته بأطراف أصابعها.
ثم ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، خجولة، لكنها كانت صادقة.
ولأول مرة منذ زمن طويل، لم تشعر بالخوف عندما فكرت في الغد.
بل شعرت بشيء يشبه الأمل.
وكأن قلبها يقول لها بهدوء:
هذه المرة... ستدخلين بيت زوجك عروسًا، لا مثقلةً بذكريات الماضي

وأخيرًا... جاء اليوم الذي ظلّت الاستعدادات له تتسارع يومًا بعد يوم.
منذ ساعات الصباح الأولى، كانت القاعة تعج بالحركة؛ العاملون يتنقلون بين الطاولات، والأضواء تُضبط بعناية، والزهور البيضاء تزيّن الممرات، بينما امتزجت أصوات الموسيقى الهادئة بضحكات أفراد العائلتين وهم يتابعون آخر الترتيبات.
كان كل شيء جاهزًا.
القاعة التي ستجمع في ليلة واحدة فرحتين، وزفافين، وصفحتين جديدتين من حياة أفراد العائلة.
وفي الوقت الذي كانت فيه العائلتان تستعدان لاستقبال الضيوف، كانت ديلان تقف خلف باب إحدى الغرف المخصصة للعروس.
كانت ترتدي فستانها الأبيض.
فستانًا محتشمًا أنيقًا، صُمم بما يتناسب مع حجابها ونقابها، ينسدل حولها بنعومة، بينما استقرت طرحتها بعناية فوق رأسها.
وقفت أمام المرآة، لكنها لم تستطع أن تطيل النظر إلى انعكاسها.
كانت تشعر بأن قلبها يخفق بطريقة لم يعتدها منذ زمن.
وضعت يدها على صدرها وهمست:
ديلان: يا الله...
لم تكن تعرف إن كانت سعيدة أم خائفة.
ربما كان الاثنان معًا.
فهي لم تكن تخوض ليلة زفاف عادية.
كانت تدخل تجربة جديدة وهي تحمل خلفها زواجًا سابقًا لم يمنحها من الذكريات الجميلة شيئًا تقريبًا.
لكنها هذه المرة لم تكن تدخل المجهول.
كانت تعرف الرجل الذي ينتظرها.
باران.
الرجل الذي عرف حقيقتها، ووقف إلى جانبها حين اهتزت حياتها، وتمسك بها حين كان بإمكانه أن يبتعد.
رفعت عينيها إلى المرآة مرة أخرى.
هذه المرة لم ترَ امرأة مكسورة.
رأت نفسها... عروسًا.
عروس باران.
ومن خلف الباب، جاءت طرقة خفيفة.
استدارت ديلان، فدخلت عائشة ومن خلفها أمينة.
توقفت لحظة عندما رأتها، ثم وضعت يدها على قلبها وقد اغرورقت عيناها بالدموع.
عائشة: ما شاء الله...
ابتسمت ديلان بخجل.
اقتربت منها عائشة، وأمسكت يدها.
عائشة: اليوم مختلف، أليس كذلك؟
أومأت ديلان.
ديلان: مختلف جدًا.
ثم إقتربت منها امينة ودون ان تتحدث، فتحت ذراعيها وقد إغرورقت عينيها، وهي ترى تلك السعادة التي تشع من وجه إبنتها، بادلتها ديلان العناق، ثم إبتعدت عنها لتطبع امينة قبلة حنونة على جبهتها، وهي تدعو لها بان يفتح الله بوجهها كل الأبواب التي اغلقت سابقة، وان تعيش حياة سعيدة، ملؤها الحب والوفاء مع باران.
اما عائشة فامسكت يدها وضغطت عليها بحنان وقالت.
عائشة: إنك اليوم لا تدخلين حياة رجل لا تعرفين مكانك فيها، أنت تدخلين حياة رجل اختارك أمام الجميع، وتمسك بكِ حين كانت الدنيا كلها تضغط عليكِ.
ارتعشت شفتا ديلان، فاحتضنتها عائشة.
عائشة: لا تبكي الآن، يا ابنتي... لقد أمضيتِ ما يكفي من الأيام وأنت تبكين.
ضحكت ديلان وسط دموعها.
ديلان: سأحاول.
ابتعدت عنها عائشة قليلًا، ثم قالت:
عائشة: باران ينتظر.
تسارعت دقات قلب ديلان.
ديلان: الآن؟.
ابتسمت عائشة.
عائشة: نعم... حان الوقت.
وفي الجهة الأخرى من القاعة، كان باران يقف بين أفراد عائلته.
كان يرتدي بدلته الرسمية، لكن ملامحه لم تكن ملامح رجل يحتفل بزفافه فحسب.
كان يبدو كمن ينتظر شيئًا ظل يحلم به طويلًا.
اقترب منه عزت، وربت على كتفه.
عزت: اهدأ يا بني.
ضحك باران بخفة.
باران: أحاول.
قال إبراهيم ممازحًا:
إبراهيم: منذ ساعة وأنت تنظر إلى الباب وكأنك تتوقع أن تدخل ديلان في أي لحظة.
أجابه باران دون أن يرفع عينيه عن المدخل:
باران: لأنني أنتظرها فعلًا.
ضحك بعض الرجال، بينما ابتسم عزت بفخر.
لكن باران لم يكن يسمع شيئًا تقريبًا.
كان قلبه مشغولًا بصورة واحدة.
ديلان.
ثم خفتت الأحاديث فجأة.
وتوجهت الأنظار جميعها نحو مدخل القاعة.
وصلته إشارة بأن العروسين أصبحتا جاهزتين.
توقفت الموسيقى لحظة...
ثم بدأت نغمات هادئة تتصاعد.
رفع باران رأسه.
وفي اللحظة التالية...
ظهرت ديلان وهي تتأبط ذراع عزت ومن خلفها، دنيز وهي الاخرى تتألط ذراع والدها إبراهيم.
لم تستطع ديلان أن تمنع ارتجافة صغيرة من السيطرة على خطواتها.
كانت تسير ببطء، وقد أحاطت بها هيبة اللحظة.
لكنها ما إن رفعت عينيها حتى التقتا بعيني باران.
توقفت الدنيا بالنسبة إليه.
لم يعد يرى القاعة.
ولا الزينة.
ولا الضيوف.
ولا الأصوات.
لم يرَ سوى المرأة القادمة نحوه.
زوجته.
حبيبته.
المرأة التي خاف يومًا أن يخسرها.
المرأة التي كاد الألم أن ينتزعها من حياته.
والآن...
كانت تأتي إليه بثوب أبيض.
كما حلم.
ظل باران يحدق بها غير قادر على إخفاء التأثر الذي غمر وجهه.
حتى قال عزت بجانبه بصوت خافت:
عزت: هاهي عروسك يا بني، فحافظ عليها، ثم سلمها لباران.
وكأنه احتاج إلى تلك الكلمات كي يستعيد قدرته على الحركة.
خطا نحوها.
خطوة.
ثم أخرى.
حتى وقف أمامها.
ظل صامتًا للحظات.
ثم امسك بيدها وسارا نحو وسط القاعة حيث تعالت الموسيقى الرومنسية معلنة اول رقصة بينهما، وكذلك فعل إبراهيم وسلم إبنته لعريسها بعد ان عقد قرانهم اولا وسارا هما ايضا نحو باران وديلان، ليأديا رقصتهما الاولى.
وبعد ان إنتهت الرقصة رفع باران ديلان ولف بها ثم وضعها على الارض، وسارا نحو مكانهما المخصص، بجانب مدحت ودنيز بمكانهما المخصص لهما ايضا.
كان باران ينظر إلى ديلان بلهفة ولم يرفع عينيه من عليها 
فقالت ديلان بخجل:
ديلان: لماذا تنظر إليّ هكذا؟.
ابتسم باران، وكانت عيناه تلمعان بشيء يشبه الدموع.
باران: لأنني أحاول أن أصدق أن الأمنية التي حلمت بها طويلًا أصبحت أمامي.
خفضت ديلان عينيها.
ديلان: وهل أنا كما تخيلت؟
ضحك بخفة.
باران: بل أجمل بكثير.
ارتجف قلبها.
ثم مد يده إليها.
باران: هل تسمحين لي أن امسك بيد عروسي؟.
وضعت يدها في يده.
ديلان: نعم.
ضم باران يدها بين أصابعه، وشعر وكأنه يمسك بحياته كلها.
جلست العائلتان حول الطاولات، وتعالت التهاني والدعوات، بينما كانت ديلان تشعر للمرة الأولى بأنها محاطة بفرحة لا تخالطها نظرات الشفقة أو الأسئلة.
كانت هذه الليلة لها.
ولباران.
أما دنيز، فكانت تجلس إلى جانب مدحت، تحاول أن تحافظ على ابتسامتها أمام الجميع، رغم أن عينيها كانتا تتبعان ديلان وباران من حين إلى آخر.
لاحظت كيف كانت العائلة تلتف حول ديلان.
كيف كانت عائشة تمسك يدها.
كيف كان عزت يبتسم لها.
وكيف لم يستطع باران أن يخفي فرحته بها.
اشتد الضيق في صدرها.
لكنها لم تجد هذه المرة من يلتفت إلى امتعاضها.
كان الجميع منشغلًا بالفرح.
وبمرور الوقت، بدأت ديلان نفسها تنسى كل ما حولها.
كانت تستمع إلى ضحكات النساء، وإلى التهاني، وإلى الموسيقى، لكنها كانت تشعر أن أكثر ما يطمئنها هو يد باران التي لم تترك يدها.
نظر إليها وقال:
باران: هل أنت سعيدة؟.
رفعت عينيها إليه.
ترددت للحظة، ثم ابتسمت.
ديلان: للمرة الأولى منذ وقت طويل... نعم.
شد على يدها برفق.
باران: إذن كانت هذه الليلة تستحق كل شيء.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:
ديلان: شكرًا لأنك جعلتني أشعر بأنني عروس فعلًا.
تغيرت ملامح باران، وقال بصدق:
باران: أنتِ لم تكوني بحاجة إلى هذا الحفل لتكوني عروسي يا ديلان... أنتِ كنتِ كذلك منذ اللحظة التي اخترتكِ فيها.
ارتعشت عيناها بالدموع.
لكنها هذه المرة لم تسمح لها بالسقوط.
ابتسمت.
أما باران، فظل ينظر إليها وكأنه يريد أن يثبت هذه اللحظة في ذاكرته إلى الأبد.
لقد حقق أمنيته.
رآها بفستانها الأبيض.
لكن ما لم يكن يعرفه حين حلم بذلك اليوم...
أن أجمل ما في الأمر لم يكن الفستان.
بل أنها كانت هناك.
بجانبه.
وبقلبها اختارته من جديد.

انتهى الحفل أخيرًا بعد ليلة طويلة امتلأت بالتهاني والضحكات والدموع السعيدة، وحين بدأ المدعوون بالانصراف، أخذ كل عريس عروسه، واتجه كل منهما إلى سيارته، لينطلق الزوجان إلى بيت الزوجية الذي أُعدّ لاستقبالهما.
أما باران، فكان طوال الطريق يقود بصمت، ويد ديلان مستقرة بين يديه كلما سنحت له الفرصة، وكأنه لا يزال غير مصدق أن تلك الليلة التي ظل يحلم بها قد أصبحت حقيقة.
كان ينظر إليها بين الحين والآخر، فيجدها شاردة خلف نافذة السيارة، تراقب أضواء الشوارع وهي تنسحب متتابعة خلفهما.
ابتسم.
باران: بماذا تفكرين؟.
التفتت إليه ديلان، ثم ابتسمت بخجل.
ديلان: لا أدري... أشعر وكأنني أحلم.
ضغط على يدها بحنان.
باران: وأنا كذلك.
ثم عاد إلى الطريق، وفي قلبه سر صغير ظل يحتفظ به حتى اللحظة الأخيرة.

توقفت السيارة أمام البناية.
ترجل باران أولًا، ثم أسرع إلى الجهة الأخرى وفتح الباب لديلان، ومد يده إليها.
نزلت وهي تبتسم، ثم تشابكت أصابعهما معًا، ودخلا إلى البناية.
كانت ديلان تظن أنهما سيتجهان مباشرة إلى الشقة التي اعتاداها في الطابق الثالث، لكن باران قادها نحو الدرج مرة اخرى مبتعدا عن باب الشقة.
نظرت إليه باستغراب.
ديلان: إلى أين نذهب؟.
ابتسم دون أن يجيب.
باران: ستعرفين بعد قليل.
ظلت تصعد معه، درجة تلو أخرى، حتى وصلا إلى الطابق الرابع.
توقفت ديلان أمام باب يحمل لوحة رخامية أنيقة، وما إن قرأت ما كُتب عليها حتى اتسعت عيناها.
شقة باران أزدمير.
التفتت إليه بدهشة.
ديلان: أليست شقتنا في الأسفل؟.
ابتسم باران، وقد بدأت ملامح الحماس تظهر على وجهه.
باران: كانت شقتنا هناك.
ثم أضاف:
باران: أما هذه... فهي شقتنا الجديدة.
حدقت فيه غير مصدقة.
ديلان: شقتنا الجديدة؟.
باران: وهذه هي المفاجأة التي كنت أُعدّها لكِ.
مد يده إلى المقبض وفتح الباب، وكادت ديلان أن تخطو إلى الداخل، لكنه أمسك يدها وأوقفها.
باران: انتظري... لا تدخلي بعد.
نظرت إليه باستغراب.
ديلان: لماذا؟ ماذا هناك؟.
لم يجبها.
بل انحنى فجأة، وحملها بين ذراعيه.
شهقت ديلان من المفاجأة، وتعلقت بعنقه تلقائيًا.
قال باران وهو يبتسم:
باران: هذا بيتك، ومن حقك أن تدخليه بين ذراعيّ.
ثم همس:
باران: لكن أغمضي عينيك أولًا.
امتثلت ديلان، وأغمضت عينيها، ثم أسندت جبينها إلى رأسه في خجل، بينما حملها باران إلى الداخل وأغلق الباب خلفه بقدمه.
توقف لحظة، ونظر إليها بحب عميق، ثم قال:
باران: نورتِ بيتك يا عروستي... ونورتِ دنيتي كلها.
ابتسمت ديلان بخجل، وأجابت:
ديلان: ربنا يحفظك لي... دنيتي كلها منيرة بقربك مني.
ضحك باران.
باران: وهل تردين مني الآن أن أنزلك؟.
ديلان: نعم، أرجوك.
هز رأسه بمكر.
باران: ليس هنا، لكنك يمكنك ان تفتحي عينيك.
فتحت عينيها قليلًا.
ديلان: إذن أين تريد ان تنزلني؟
ابتسم.
باران: في الداخل... في غرفتنا يا قمر.
فتحت ديلان عينيها تمامًا، وأخذت ترمش حتى اعتادت عيناها الإضاءة.
وما إن نظرت حولها حتى شهقت بدهشة.
كانت الشقة مختلفة تمامًا عما عرفته من قبل؛ واسعة، أنيقة، تتناغم فيها الألوان والأثاث والإضاءة في صورة جعلتها تشعر وكأنها انتقلت فجأة إلى عالم كانت تراه فقط في الشاشات.
قالت غير مصدقة:
ديلان: ما هذا؟! لا يمكن!.
ضحك باران.
باران: ما رأيك يا قمري؟، ثم انزلها .
راحت ديلان تنظر حولها بدهشة.
ديلان: هذا جميل جدًا... بل أكثر من جميل! هل نحن فعلًا في بيتنا؟، أم خرجنا إلى بناية أخرى دون أن أشعر؟.
ضحك باران.
باران: لا يا عمري، ما زلنا في بنايتنا، نحن مازلنا في الطابق الرابع.
اتسعت ابتسامتها.
ديلان: لا أصدق! وأين ورشتك؟.
أمسك باران يدها بحنان، وقال:
باران: الورشة كانت تشغل إحدى هذه الغرف فقط، وانا أغلقت جميع الغرف، وبدأت في إعادة ترتيب الطابق كله وتحويله إلى شقة كبيرة تليق بكِ.
ثم نظر إليها منتظرًا رأيها.
باران: هل أعجبتك؟.
بدأت ديلان تتجول بين الغرف، وقد امتلأت عيناها بالإعجاب.
ديلان: إنها جميلة جدًا... جميلة بمعنى الكلمة! لقد أدهشتني حقًا.
اقترب منها باران وقال بحنان:
باران: يا حظي بك أنتِ يا حياتي.
التفتت إليه بدهشة.
ديلان: يا حظي أنا؟
ابتسم، ثم قال:
باران: نعم.
وأشار إلى المكان حولهما.
باران: هذه الشقة لكِ يا ديلان... لنا نحن الاثنين.
حدقت فيه طويلًا، وكأنها لا تزال غير قادرة على تصديق ما تسمعه.
اقترب منها وضمها إلى صدره.
باران: نعم يا حبيبتي لنا.
ثم تنهد بأسف، وقال:
باران: لكن يا حبيبتي، لقد عذبتكِ معي كثيرًا، واستحملتِ مني ما يفوق طاقتكِ، لكن يكفي عذابًا. أريد أن نبدأ حياتنا كما يعيش أي زوجين يحبان بعضهما ويريدان أن يكملا الطريق معًا بسعادة وطمأنينة.
ابتعد عنها قليلًا، ثم استطرد:
باران: لم أكن قادرًا على أن أقدم لكِ كل هذا ونحن في شقة مراد، رحمه الله، كانت تحمل من الذكريات ما يكفي، ولذلك قررت أن نتركها، واستأذنت أبي وأمي في أن أعيد تجهيز هذا الطابق كله.
ثم ابتسم.
باران: أردت أن أحوله إلى بيت يليق بكِ يا عروستي.
خفضت ديلان عينيها بخجل.
ديلان: عروستك؟.
داعب باران وجنتها برفق.
باران: طبعًا عروستي.
ثم ابتسم وهو يتأملها بفخر.
باران: وكان لا بد أن تدخلي هذه الشقة وأنتِ عروس، كما تمنيت طوال عمري.
رفعت ديلان عينيها إليه.
ديلان: ولذلك أصررت على أن أرتدي فستان الزفاف وتقيم لنا حفلًا؟.
باران: بالطبع.
قالها دون تردد.
باران: كانت تلك أمنية حياتي. أردت أن أراكِ كما تخيلتك دائمًا... بفستان أبيض وطرحة، وأمام الناس جميعًا، وأنا أقف إلى جوارك وأعلن أن هذه المرأة هي زوجتي.
ثم أضاف بابتسامة حالمة:
باران: كنت أتخيل الزفة والقاعة والضيوف، وفي نهاية الليلة... أعود بكِ معي، ولا يبقى في عالمنا سوى أنا وأنتِ والقمر والنجوم.
ابتسمت ديلان بود.
ديلان: وأنا بالفعل ارتديت الفستان... بل حتى الطرحة، ألم يكن ذلك كافيًا بدون زفاف؟.
انحنى باران وطبع قبلة حانية على وجنتها.
باران: لا... كنت أريد أن أراكِ هكذا تمامًا، كما أنتِ الآن أمامي.
وبعد لحظات، إنحنى باران وحملها من جديد واتجه بها نحو غرفتهما.
كان باب الغرفة مواربًا، لكنه توقف قبل أن يدخلا.
باران: قبل أن ندخل... أغمضي عينيكِ.
نظرت إليه بدهشة ممزوجة بالسعادة.
ديلان: مرة أخرى؟.
ابتسم بمشاكسة:
باران: اسمعي الكلام يا حياتي.
ضحكت ديلان، ثم أغمضت عينيها.
دفع باران الباب برفق، ودلف بها إلى الداخل، ثم أنزلها بين ذراعيه وظل محيطًا خصرها بحنان.
قالت وهي تبتسم:
ديلان: أفتح عيني الآن؟.
لم يجبها بالكلمات.
اقترب منها، وطبع على شفتيها قبلة حانية طويلة، حملت من الشوق والامتنان ما عجز عن قوله طوال سنوات.
شهقت ديلان بخفوت من المفاجأة، ثم استكانت للحظة بين ذراعيه.
وحين ابتعد عنها، تنفست بهدوء وفتحت عينيها، ثم خفضت رأسها بخجل.
قال باران بصوت دافئ:
باران: انظري إليّ.
لكنها لم تستطع.
فضحك برفق، ثم أشار بعينيه إلى الفراش.
رفعت ديلان نظرها، فإذا بها ترى شيئًا جعلها تصمت تمامًا.
كان الفراش مزينًا ببتلات الورود الحمراء والبيضاء، وقد رتبت في منتصفه على هيئة قلب كبير، تحيط به بتلات متناثرة بعناية.
اتسعت عيناها، وارتسمت على وجهها ابتسامة امتنان صادقة.
قال باران:
باران:  من أجل عيونك أنتِ وفقط.
لم تجد ديلان ما تقوله.
اندفعت نحوه واحتضنته بكل جوارحها.
ضمها بدوره، وأغمض عينيه، مستشعرًا أخيرًا ذلك الأمان الذي ظل يفتقده.
همس:
باران: اشتقت إلى هذه اللحظة أكثر مما تتخيلين.
وبعد قليل، ابتعدت ديلان عنه بخجل، بينما قال باران:
باران: هيا بنا.
ارتبكت ديلان وقالت.
ديلان: إلى أين؟
ابتسم ورد عليها.
باران: لكي تنزعي هذه الطرحة ونصلي.
ضحكت ديلان.
ديلان: ظننت أنك تقصد شيئًا آخر.
رفع حاجبه بمكر واردف قائلا.
باران: وماذا ظننتِ؟.
ازداد خجلها وردت.
ديلان: لا شيء!.
فتوجهت ديلان الى مرأتها.
ضحك، ثم ساعدها على نزع الطرحة، وبعدها أرخى ربطة شعرها، فانسكبت خصلاتها بنعومة على ظهرها، قبلها بحب على عنقها الخلفى.
ومن ثم انسدلت يده على ظهرها وشرع بفتح سحاب الفستان،
فأبتعدت ديلان مسرعة وهى تقول..
ديلان: لااا !!!!

فقال باران بمكر:
باران:  الله؛ ولماذا لا دعينى اساعدك.
فقالت ديلان مبتسمة ..
دلان: وياترى هل ستغمض عنيك مثلما ما كنت تفعل
عندها قال باران بلهفة
باران: لالالا... كلة الا هذا،  فقد كانت آيام وعدت ولا داعى للخجل هذا ما بيننا.

ثم اقترب اليها وضمها بين ذراعيه، فغمرت وجهها على صدرة فإستمعت اليه يقول...
باران: إذن هيا بنا.
فأبتعدت عنه مسرعة ومن ثم قالت متلعثمة..
ديلان: إلى أين؟.

فضحك باران مقهقهاً ومن ثم قال..
باران: هيا لنصلى يادودو.
ضحكت ديلان بشدة ومن ثم قالت...
ديلان: هيا انت مطرود.
وبعد ان انهت جملتها اغلقت الباب بوجهه
واحكمت اغلاقة وهى تضحك بسعادة.
عندها أضاف باران مازحًا:
باران: وسأنتظرك خارجًا.
دخلت ديلان الغرفة، وبعد دقائق خرجت مرتدية ثوب الصلاة، وتحتَه ثوب نوم محتشم.
كان باران قد توضأ وبدل ملابسه أيضًا، فلما رآها ابتسم ومد يده إليها.
باران: تعالي.
أمسكت يده.
وقاما معًا بالصلاة، ثم أطالا الدعاء، يسألان الله أن يبارك لهما في حياتهما المقبلة، وأن يجعل ما مرّا به آخر أحزانهما، وأن يرزقهما السكينة والمودة والرحمة.
وحين فرغا، بقيت ديلان لحظات في مكانها، تشعر براحة غريبة تسري في صدرها.
قال باران مبتسمًا:
باران: هيا بنا، لنتعشَّ.
هزت رأسها.
ديلان: لا أشعر بالجوع، لقد أكلت قطعة الحلوى في الحفل وشبعت.
داعب باران خصلات شعرها، ثم لمح شيئًا عند عنقها، حينما رمق حمالة القميص التى تلتف حول عنقها، فابتسم بمشاكسة.
قال:
باران: وهل ستبقين مرتدية ثوب الصلاة طوال الليل؟.
ديلان بإندهاش...
ديلان: ماذا يعنى؟.

باران بخفوت ..
باران: هيا انزعي هذا الاسدال الان وحالاً.
اضطربت ديلان بشدة ومن ثم قالت..
ديلان: طبعاً، ما الذي تقصده.
قال باران بإستياء...
باران: يعنى هل ستبقين بيه هكذا طوال الليل.
فأومأت ديلان بالايجاب دون ان تتحدث.
فرمقها باران بخبث ومن ثم قال...
باران: إذن ولماذا إرتديت من اسفله هذا؟.
فشهقت ديلان حينما وجدتة يتلمس حمالة القميص فصفعتة على كف يدة وهى تقول..
ديلان: لا يمكن كيف رأيته، انت مجرم.

رفع باران احدى حاجبية بإستنكار ومن ثم قال...
باران: انا مجرم.
وعندما وجدها خجلت والتزمت الصمت، نهض وحملها بين ذراعية ودلف بها الى حجرتهم.
شرع بنزع الاسدال فمنعته ديلان وظلت تقاومه.
ولكنه اخمد مقاومتها بقبلة عميقة بث بها كل شوقة ولوعته اليها.
ابتعد عنها يناظرها بإعجاب شديد، وهو يراها بهذا القميص المغرى، نظر الى محياها فوجدها مغمضة العينين تفرك قبضتها بشدة، وقد تضرجت وجنتيها باللون القرمزى من شدة الحياء.

همس قرب اذنها بحب وهو يقول...
باران: لم يبقى ألا شي واحد، وهذا اهم شيء في هذا اليوم يا حياتي.

ومن ثم حملها بين ذراعية، وقام بوضعها برفق على فراشهم المزين بالورود، ظل يداعب خصلاتها ووجنتيها ويطبع عدة قبلات متفرقة على محياها، حتى شعر بإسترخاء جسدها، كان يشعر بالسعادة وهى بين ذراعية ولكنه كان يشعر بإنقباضاتها، وهى بين احضانه وكأنها المرة الاولى لها وبعد نهوضه، تأكدت شكوكة حينما وجد بقعتين من الدماء، متواجدة على شرشف الفراش.
ظن بأنه آذاها دون شعور منه، حين رأى دموعها تنزل على خديها.

فتحدث بإضطراب قائلا 
باران: هل انت بخير.

فأعتدلت ديلان وأومأت بالايجاب

فتحدث مبتسما وهو يشير نحو قطرات الدماء قائلا...
باران: لم اعتقد ان ربنا سيكرمني بهذا.
فبكت ديلان بشدة وهى غير قادرة على التحدث، ثم تمالكت نفسها وهى تقول...
ديلان: هل هذا دم البكارة لآننى كنت “عذراء”.
فاشار لها بإيماءة من رأسه بالايجاب. 
وعندها بإبتسامة شاحبة قالت ديلان  ....
ديلان: هل لازلت تحبنى؟.
أحابها باران بلوعة....
باران: ولاخر يوم بحياتي.

فانحنى وقبلها قبلة بنهم ويدع تتخلل خصلات شعرها ليستطيع
التعمق بتقبيلها ومن ثم اغرقها بقبلاتة المثيرة.
فشعرت ديلان بالسعادة وبادلتة قبلاتة الملتهبة.

كانت هذه الليلة، بالنسبة إلى كليهما، أكثر من مجرد ليلة زفاف.
كانت إعلانًا بأن الماضي، بكل ألمه، لن يبقى سيد حياتهما.
وحين خلا المكان من كل شيء سوى هدوئهما، جلسا متقابلين.
لم يعد هناك صخب الحفل.
ولا أصوات المدعوين.
ولا الموسيقى.
فقط هما...
وقلبان حملا فوق طاقتهما من الوجع.
نظر باران إلى ديلان طويلًا، ثم قال:
باران: ديلان...
رفعت عينيها إليه.
ديلان: نعم؟.
باران: هل أنتِ بخير؟.
سكتت.
ثم ظهرت في عينيها دمعة.
كانت تلك الليلة التي يفترض أن تكون بداية الفرح، لكنها فتحت في داخلهما أبوابًا كثيرة من الذكريات.
اقترب باران منها، وأمسك يدها.
باران: لا أريد أن يبقى شيء في قلبك الليلة.
ارتجفت أصابعها بين أصابعه.
ديلان: وأنا أيضًا.
ثم قالت بصوت متعب:
ديلان: أتعرف ماذا؟، أنا لم أعد غاضبة من أي شيء حدث لي.
نظر إليها باستغراب.
باران: كيف؟.
ابتسمت ابتسامة حزينة.
ديلان: ربما لأنني صرت أراه ابتلاءً مررت به، وأرجو أن يكون سببًا في تكفير ذنوبي، وأن يكون الله قد كتب لي بعده فرجًا.
سقطت دمعة من عينها.
ديلان:  لكنني تعبت يا باران...
شعر بقلبه ينقبض.
باران: أعلم.
هزت رأسها.
ديلان: لا... أنت لا تعرف كل شيء.
وصمتت لحظات قبل أن تتابع:
ديلان: أنا عشت وحدي عامين من عمري وأنا أتألم، ولا أحد يعرف ما كان يحدث داخلي.
كان باران يستمع إليها بصمت، والدموع بدأت تتجمع في عينيه.
قالت:
ديلان: عشت شهورًا مع مراد، رحمه الله، وأنا لا أعرف هل أنا زوجته حقًا أم مجرد امرأة معلقة بين الزواج والطلاق، وعانيت من معاملته القاسية، ومن شكه، ومن اتهاماته، ومن كل الكلمات التي كان يوجهها إليّ.
خفضت رأسها، لكن ديلان أكملت..
ديلان: وأنت رأيت جانبًا من ذلك بعينيك.
ضغط باران على يدها.
باران: ديلان...
لكنها تابعت، وكأنها للمرة الأولى تسمح لكل ما في صدرها بالخروج:
ديلان: ثم جاءت الصدمة الأكبر... عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته، والذي شعرت معه بالأمان، لم يكن بعيدًا عني كما كنت أظن... بل كان أخا زوجي.
ارتجف صوتها.
ديلان: وفوق ذلك كله، اكتشفت أنك ما زلت تبحث عني، وما زلت تحمل في قلبك ذلك الحب القديم.
سالت دموع باران بغزارة.
قال بصوت متهدج:
باران: حقك عليّ... سامحيني.
أغمضت ديلان عينيها.
ديلان: لقد كرهت سماع هذه الكلمة.
نظر إليها بألم.
باران: لماذا؟.
ديلان: لأنني سمعتها كثيرًا حتى أصبحت تؤلمني.
ثم رفعت عينيها إليه واكملت.
ديلان:  مراد كان يحملني ذنب أشياء لم أرتكبها، وأنت أيضًا حملتني ذنبًا لم أكن قد أخترته، كنت زوجة أخيك، ولم أختر أن أحبك، ولم أرد أن أكتشف حقيقتك .
صمتت، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
ديلان: أنا حزينة على نفسي يا باران... على نصيبي الذي ظل يضعني أمام الاختبارات واحدًا تلو الآخر.
مسحت دموعها، وبدأت تعد على أصابعها:
ديلان: أولها وفاة أبي، رحمه الله، وأنا ما زلت في العاشرة من عمري.
ثم قالت:
ديلان: ثم زواج أمي من رجل لم يكن رحمة لي.
وتابعت بصوت أكثر انكسارًا:
ديلان: ثم موت صديقتي مريم بطريقة بشعة وأمام عيني.
ارتعشت شفتاها.
ديلان: ثم فقدانك بعد أن وجدتك صدفة، بعدما شعرت أن وجودك إلى جواري هو الأمان الذي كنت أبحث عنه.
ثم أضافت:
ديلان: وبعد ذلك حياتي مع مراد، وما حملته من ألم...
توقفت طويلًا.
ديلان: وأخيرًا... معرفتي بأنك أخو زوجي.
انفجرت دموعها.
ديلان: كان ذلك أصعب اختبار مررت به.
ظل باران صامتًا، والدموع تنساب على وجهه دون أن يحاول إخفاءها.
مد يده إليها، وأمسك كفها.
قالت ديلان:
باران: لكنني تحملت... وسكت... وحاولت أن أعيش.
ثم نظرت إلى يدهما المتشابكتين.
ديلان: وربما لهذا أنا الآن هنا.
رفع باران عينيه إليها، وقال بصوت مكسور:
باران: حقك عليّ يا ديلان... سامحيني.
اقتربت منه، وربتت على كتفه.
ديلان: أنا قد عذرتك يا باران. ولست غاضبة منك.
اندفع نحوها واحتضنها بقوة، فبادلته العناق.
ظلّا هكذا للحظات، وكأن كل واحد منهما يحاول أن يمنح الآخر ما حُرم منه طويلًا.
ثم ابتعد باران قليلًا، ونظر إلى عينيها المتورمتين من البكاء.
سألها بصوت خافت:
باران: ما زلتِ تحبينني؟.
لم تتردد.
ديلان: إلى آخر يوم في عمري.
أغمض عينيه لحظة، وكأن الكلمة أصابت أعمق موضع في قلبه.
قالت ديلان:
ديلان: وأنا أريد أن أنسى.
ابتسم باران.
باران: وأنا أريد أن أعيش بقربك كل سنوات عمري.
ثم قالا في اللحظة نفسها:
" أحبك."
ابتسما وسط دموعهما.
اقترب باران منها، واحتضنها بحنان، ثم قبّل جبينها ووجنتها، قبل أن يضمها إلى صدره طويلًا.
استكانت ديلان بين ذراعيه، وشعرت للمرة الأولى أن الماضي، بكل ما حمله، أصبح خلفهما.
لم يعد هناك سر تخشاه.
ولا شعور تخفيه.
ولا كلمة لم تُقل.
كان كل شيء مكشوفًا بينهما الآن.
كل الألم.
كل الحب.
كل الخوف.
وكل الشوق.
أسندت رأسها إلى صدره، فسمعت صوته الدافئ يهمس بالقرب منها، وكأنه عناق آخر يطوق قلبها:
باران: انتهى كل شيء يا ديلان... من اليوم، لن أتركك تواجهين شيئًا وحدك.
أغمضت عينيها.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن صوته وحده قادر على تهدئة كل ما اضطرب داخلها.
كان صوته الدافئ يشبه عناقًا عميقًا يغمرها، ويشد أزرها، ويسلب من قلبها خفقاته المتعبة... وكأنها للمرة الأولى منذ سنوات، وجدت أخيرًا مكانًا تستطيع أن تستريح فيه.

تعليقات



<>