رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل التاسع والخمسون59 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل التاسع والخمسون59 بقلم عاشقة القلم
✍️مرّت الأسابيع بطيئةً وثقيلة، كأن الزمن نفسه كان يتعمّد أن يطيل الطريق أمام ديلان.
وبعد أن رأت الطبيبة أن حالتها الجسدية والنفسية تسمح لها بمغادرة المستشفى، كُتب لها على الخروج، فعادت إلى بيت والدتها أمينة.
وكان باران قد أخبرته الطبيبة بالحقيقة التي لم تكن ديلان تعرف أنه سيكشفها؛ فقد أخبرها أنهما قد عقدا قرانهما، لكن زفافهما لم يتم بعد، عندما سألته وقد إطلعت على التقاربر الطبية عن حالتها الجسمية، وانها مازالت عذراء، رغم انه مدون عن حالتها الاجتماعية انها متزوجة.
ومنذ اليوم الذي خرجت فيه ديلان من المستشفى، بدأت تشعر بأن شيئًا ما قد تغيّر في تصرفات باران.
لم يكن يقول شيئًا صريحًا، ولم يواجهها بكلمة واحدة، لكن عينيه كانتا تفضحان وجود أمر يخفيه عنها.
كلما التقت عيناه بعينيها، كان يشيح بنظره سريعًا، وكأنه يخشى أن تقرأ في عينيه حقيقة لا يريد لها أن تعرفها الآن.
راقبته ديلان أكثر من مرة،
وحاولت أن تفهم،
لكنها لم تصل إلى شيء،
كانت تشعر بأن هناك سرًا يقف بينهما، سرًا لا تعرفه، لكنه يثقل قلبها كلما اقتربت منه.
وفي ذلك اليوم وبعد ان سمحت لها الطبيبة بمغادرة المستشفى، وحيث كانت الشرطة قد إستوفت جميع التحقيقات، وسمحت لها بمغادرة المستشفى، بضمان محل إقامتها، إلى ان تنتهي محاكمة كاظم التي ستبدأ بعد أسبوع من الان، بطلب إستعجالي من المحامي الذي اوكله باران لها.
قالت ديلان لباران بهدوء لم يخفِ ما وراءه من حيرة:
ديلان: باران... أريد أن أبقى في بيت أمي، إلى أن تنتهي القضية.
رفع عينيه إليها، وبقي صامتًا للحظات.
كانت لديه أسباب كثيرة ليعترض،
كان يريد أن تكون بجواره، أن يحميها، وأن يطمئن عليها بنفسه.
لكنه تذكّر ما حدث، وتذكّر أسئلة الشرطة، وتذكّر أيضًا أنه قدّم نفسه أمامهم على أنه زوجها لكن لم يتم زفافهما بعد، فكيف سيعترض ويأخذها معه للبيت، فربما اتت الشرطة او طلبتها، ولم تجدها حينها ببيت والدتها، فذلك سيضر بالقضية ويمكن ان ياثر على سيرها، بينما كانت الحقيقة التي لم يعرفها أحد سوى الطبيبة والشرطة كما قالها هو، أنهما رغم عقد القران، لم يبدآ حياتهما الزوجية بعد.
والأهم...
أن ديلان ما زالت عذراء، ولا احد غيره سواء من عائلتها او عائلته يعلم ذلك، كما اكد له المحقق ان هذا سيكون سرا نظرا لطبيعة القضية، وهذا لن يفيد في كشف حقيقة كاظم للعلن إن إنكشف ذلك، كما اخبره المحامي الذي اوكله للدفاع في قضية ديلان امام المحكمة، بل ربما يفتح اشياء او طرق لمحامي الخصم لتخفيف العقوبة عنه، لذلك إلتزم باران الصمت ولم يرد إخبارها حتى هي بما يعلم، واجل مواجهتها بما يعرفه الى حين ان تنتهي هذه القضية وينتهي كابوس كاظم الذي كان يأرق ديلان، وسيبقى بجوارها لمساندتها ودعمها هو وعائلته أيضا، حتى ولو تكن معه بنفس البيت.
لذلك لم يعارضها.
بل أومأ بهدوء وقال:
باران: إذا كان هذا ما يجعلك أكثر راحة، فابقَي هناك مع والدتك، وسازورك يوميا لأطمئن عليك.
لكن كلماته، بدل أن تطمئنها، زادت حيرتها.
فقد كانت تتوقع منه أن يتمسك بها أكثر،
أن يقول لها إنه لن يتركها تذهب لبيت والدتها،
أن يطلب منها العودة معه هو لبيتهم،
لكن باران اكتفى بالصمت، لكنها لم تكن تعلم بالحروب التي يقودوها باران بداخله، ولهفته لمعرفة حقيقة زواجها من أخيه وسر بقائها عذراء بعد كل تلك الفترة.
في بادئ الأمر شعر بإستغراب من ذلك فكيف كانت زوجة لأخيه طيلة اشهر ومازالت عذراء، ثم شعر بفرحة انه سيكون هو زوجها و هو اول من سيلمسها، لكن تبددت فرحته حين طفى مجددا سر سبب بقائها عذراء.
هل كانت ديلان ترفض اخاه كزوج؟،
هل لم تتقبل أخاه كزوج لان قلبها كان معلق به هو؟.
شعر بوخز في قلبه من الإحتمال الاخير، وتخيل كيف كانت حياة اخيه معها، فهل ظلمت ديلان اخيه بسببه وحرمته من حقه الشرعي؟، ام ان هناك مزيد من الاسرار تخفيها ديلان عنه لحد الآن!!؟.
في تلك اللحظة قرر باران عدم مواجهة ديلان بما يعرفه، حتى ينتهي كابوس كاظم، فلا يمكن ان يضغط عليها وحالتها النفسية متدهورة بهذا الشكل، بل سيصبر وسيبقى بجانيها، وبعد ان يأخذ كاظم جزائه حينما سيواجهها بما عرفه ليعلم الحقيقة كاملة منها.
وحين حاولت عائشة وعزت إقناعها بالعودة إلى منزل العائلة، رفضت ديلان بهدوء، وكان باران حاضرًا... صامتًا.
لم تفهم ديلان ذلك الصمت،
ولم تعرف أن الرجل الذي أمامها كان يحمل في صدره حقيقة هزّت كيانه كله،
لم تكن تعلم أن باران عرف من الطبيبة أنها ما زالت عذراء،
ولم تكن تعلم أن تلك الحقيقة فتحت في داخله أبوابًا من الأسئلة التي لم يجد لها إجابة بعد.
لماذا تزوجت مراد؟،
لماذا قبلت بذلك الزواج؟،
هل كانت تحبه هو حقًا؟،
أم أنها كانت تهرب من شيء؟،
وما الذي كانت تخفيه عنه طوال هذه الأشهر؟.
أسئلة كثيرة كانت تعصف برأسه، لكنه لم يسمح لأيٍّ منها أن يقترب من ديلان في هذه المرحلة.
فهي لم تكن بحاجة إلى أسئلة أخرى.
كانت بحاجة إلى الأمان،
ولهذا اختار الصمت،
أما ديلان، فكانت ترى صمته بطريقة أخرى تمامًا،
كانت تظن أن في قلبه شيئًا تغيّر تجاهها،
شيئًا لا تعرفه.
حتى والديه إستغربا من ردة فعله على بقائها ببيت والدتها، فباران لم يكن يستطيع ان يبتعد عنها للحظات، فكيف سيصبر على فرقها وبقائها بعيدة عنه طيلة فترة المحاكمة، بدأ بعض القلق يتسلل لقلبهما، سرعان ما تبدد بعد رؤيتهما لمعاملة باران لها، خوفه عليها، ومساندته ودعمه لها المستمر.
ومرت الأيام حتى جاء موعد المحكمة.
وفي كل مرة كانت ديلان تدخل فيها مبنى المحكمة، كانت تشعر بأن قدميها أثقل من أن تحملاها.
كان المكان وحده كافيًا ليعيد إليها كل شيء.
الممرات الطويلة،
الأبواب المغلقة،
أصوات الخطوات المترددة،
نظرات الغرباء،
وذلك الشعور القديم بأنها مضطرة إلى الحديث عن أكثر الأشياء التي حاولت سنوات طويلة أن تدفنها في أعماقها.
كانت لا تريد أن تتذكر،
لا تريد أن تعود إلى تلك الليلة،
لكنها كانت تعرف أن عليها أن تواجه،
ليس لأنها قوية،
بل لأنها تعبت من الهرب،
دخلت القاعة بخطوات مترددة، وكان باران إلى جوارها.
كانت تلك المحاكة تدار في جلسة مغلقة، بعيدا عن الجمهور او الصحافة لحساسية القضية وبطلب من المحامي وافت عليه هيئة المحكمة.
أما أمينة فكانت تسير خلفهما، وعيناها لا تفارقان ابنتها.
كانت تشعر في كل مرة تنظر فيها إلى ديلان بوخزة مؤلمة في قلبها.
فهي الآن تعرف أشياء لم تكن تعرفها من قبل.
وتتذكر كل مرة عاد فيها كاظم ليخبرها أن ديلان تبتعد عنه، وأنها لا تحبه، وأنها تتعامل معه بجفاء وتحترمه كأب او ولي عليها.
كم كانت ساذجة حين صدقت بعض كلماته!.
لم تكن تعرف أنه كان يصنع لنفسه الأعذار.
كان يريد أن يجعلها تظن أن المشكلة في ابنتها، بينما كان يخفي خلف شكواه محاولاته المتكررة للوصول إليها وإبقائها وحدها معه.
كلما تذكرت ذلك، شعرت أمينة بثقل الذنب في صدرها.
لكنها كانت تعرف أن الوقت الآن ليس للوم نفسها.
كان عليها أن تكون إلى جانب ابنتها الآن، لعلها تعوضها عن تلك الايام التي كانت فيها وحيدة.
جلس المحامي بالقرب منهم، ووضع أمامه ملفًا ضخمًا.
كان الملف يحمل بين صفحاته ما يكفي لفتح سنوات كاملة من الألم.
تقارير طبية...
تقارير نفسية....
أقوال شهود....
محاضر الشرطة....
صور من موقع الحادث.....
نتائج الفحوص.....
وتسجيلات كاميرا المراقبة....
وفي الجهة الأخرى من القاعة، كان كاظم حاضرًا تحت الحراسة.
لم يعد الرجل الذي كانت ديلان تخشاه كما كان.
كان يجلس بصمت، وقد تركت إصابته أثرًا واضحًا عليه، كما اثرت تلك الحادثة على نفسيته وسخصيته، وأصبح يعيش واقعًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي عاشه قبل الحادث.
كان يجلس منكّس الرأس،
لم يعد يملك تلك النظرات التي كانت ترعبها،
ولم يعد يملك القدرة على الاقتراب منها،
وبحسب ما ظهر خلال التحقيق، كان قد بدأ يدرك فداحة ما اقترفه، وأن ما حلّ به لم يكن سوى نتيجة مباشرة لمسار طويل من الأذى الذي ألحقه بالفتاة التي لم يكن لها بعد الله سندا، وليس لديها من يحميها كما ينبغي.
لكن بالنسبة إلى ديلان...
لم يكن تغير شخصية كاظم يعني شيئًا في تلك اللحظة.
مجرد رؤيته كان كافيًا لإعادة الماضي كله إلى صدرها دفعة واحدة.
ارتجفت أصابعها،
لاحظ باران ذلك.
لم يسألها،
لم يطلب منها أن تكون قوية،
مد يده إليها بهدوء، وأمسك بكفها،
كانت يده دافئة وثابتة.
أما يدها فكانت باردة ترتجف بين أصابعه،
ضغط عليها برفق،
لم يقل شيئًا،
لكن قبضته كانت تقول كل ما عجز عن قوله:
أنا هنا،
هذه المرة لن أتركك.
أغمضت ديلان عينيها للحظة،
ولأول مرة منذ دخولها القاعة، شعرت أن الأرض تحت قدميها لم تعد تميل بها.
بدأت المحكمة في الاستماع إلى القضية.
تُليت وقائع الاتهام، ثم عُرضت المستندات والتقارير الطبية التي أعدها الأطباء عقب الحادث،
ثم جاء التقرير النفسي.
ساد الهدوء في القاعة بينما كان ممثل النيابة يعرض ما ورد فيه من ملاحظات حول حالة ديلان النفسية، والأعراض التي ظهرت عليها عقب الواقعة، وما أفصحت عنه بشأن محاولات الاعتداء السابقة التي قالت إنها تعرضت لها على مدى سنوات.
كانت ديلان تستمع إلى الكلمات، وقلبها يضرب في صدرها بعنف.
كل كلمة كانت تشعرها بأن أجزاءً من حياتها التي أخفتها طويلًا أصبحت الآن مكتوبة على أوراق، يتداولها الغرباء أمامها.
ثم عُرضت تسجيلات كاميرا المراقبة.
لم تُظهر الكاميرا ما حدث داخل المنزل، لكنها أظهرت حركة الأشخاص في الشارع، وحددت التسلسل الزمني للأحداث.
ظهر كاظم وهو يدخل إلى الشارع.
ثم ظهر باران برفقة عمر.
ثم عادت أمينة.
ثم ظهرت سيارة الإسعاف.
لم يكن التسجيل وحده هو الذي حسم القضية، لكنه دعم بصورة مستقلة التسلسل الزمني الذي قدمه أفراد الأسرة.
ثم استمعت المحكمة إلى أقوال أمينة.
وتحدثت عن وجودها خارج المنزل وقت وقوع الحادث، وعن عودتها وما شاهدته بعد ذلك.
ثم جاء دور باران.
وقف أمام هيئة المحكمة، وكان صوته هادئًا، لكنه كان يخفي وراء هدوئه غضبًا وألمًا لم يستطع التخلص منهما.
تحدث عن اتصاله بديلان.
عن عودته إلى المنزل.
عن الحالة التي وجدها عليها.
وعن كاظم.
لم يبالغ.
لم يزد كلمة واحدة.
كان يعلم أن الحقيقة وحدها تكفي.
ثم جاء الدور الذي كانت ديلان تخشاه أكثر من أي شيء.
دورها هي.
نادى القاضي اسمها.
شعرت بأن قلبها توقف لحظة.
نهضت.
تشبثت بيد باران للحظة، ثم تركتها وتقدمت.
كانت خطواتها بطيئة.
لكنها لم تتراجع.
وقفت أمام القاضي.
نظر إليها القاضي بنظرة هادئة، ثم بدأ يسألها عن الواقعة.
كانت الكلمات تخرج منها بصعوبة.
كل سؤال كان يفتح بابًا من الذاكرة.
وكل إجابة كانت تنتزع منها جزءًا من الألم الذي حملته طويلًا.
حتى وصل السؤال إلى اللحظة التي استخدمت فيها السكين.
قال القاضي:
القاضي: لماذا استخدمتِ السكين؟.
ساد الصمت.
خفضت ديلان رأسها.
تعلقت عيناها بالأرض.
كانت تتذكر الخوف.
الباب.
الاقتراب.
صوت أنفاسها المرتجفة.
محاولتها الابتعاد.
ثم رفعت رأسها ببطء.
وقالت بصوت خافت، لكنه واضح:
ديلان: لأنني كنت خائفة على نفسي.
توقفت...
ابتلعت غصتها.....
ثم تابعت:
ديلان: لم أكن أريد أن أؤذيه... كنت أريد أن يبتعد عني.
ارتجف صوتها.
ديلان: طلبت منه أن يبتعد.
ثم أضافت، وقد بدأت دموعها تتجمع في عينيها:
ديلان: لكنه لم يبتعد.
ساد الصمت من جديد.
ديلان: وعندما لم يبتعد... فعلت أي شيء أستطيع فعله حتى أنجو.
لم تكن كلماتها تحمل غضبًا.
ولا رغبة في الانتقام.
كانت تحمل شيئًا واحدًا فقط.
الخوف...
الخوف الذي عاش داخلها سنوات طويلة.
ثم سألها القاضي عن اللحظة التالية.
قالت ديلان:
ديلان: وبعدها حاول أن يهاجمني مرة أخرى... فضربته بما كان قريبًا مني.
سألها:
القاضي: هل كنتِ تقصدين قتله؟.
هزت رأسها سريعًا.
ديلان: لا.
ثم خرجت منها الكلمات وكأنها اعتراف من أعماق روحها:
ديلان:كنت أريد أن أحمي نفسي فقط.
ارتعشت شفتاها.
ديلان: لم أفكر في شيء آخر.
ساد صمت ثقيل في القاعة.
حتى أنفاس الحاضرين بدت مسموعة.
أما باران، فظل ينظر إليها بعينين امتلأتا بالألم.
كان يسمعها للمرة الأولى وهي تروي ما عاشته دون أن تخفي شيئًا.
وفي تلك اللحظة أدرك شيئًا لم يستطع تجاهله:
لم تكن ديلان تقاتل كاظم في تلك الليلة وحدها.
كانت تقاتل سنوات كاملة من الخوف،
سنوات ظنت خلالها أن الصمت هو الطريقة الوحيدة للبقاء.
ثم إستدعى محامي ديلان كريمة وزوجها عبدالله للإدلاء بشهادتهما عن واقعة الاعتداء على ديلان قبل سنوات من طرف كاظم.
كان المحامي إستدعاهما حتى يثري فرضيته امام هيئة المحكمة، ان كاظم لم تكن هذه هي المرة الاولى التي حاول فيها للإعتداء على ديلان، بل سبقتها عدة مرات كما اوضحت كريمة في مداخلتها، انها شهدت على عدة محاولات غير صريحة ومحاولات صريحة للإعتداء عليها منذ صغرها، وقد انقذتها من يده هي وزوجها في آخر لحظة منذ سنوات، وعندما سألها القاضي عن عدم الإبلاغ بذلك، اخبرته ان والدتها لم تكن تصدق لا أبنتها ولا أي احد فيما يخص ذلك، وكانت ستثير بلبلة فقط على سمعة ديلان، لانهم لم يكن لهم دليل مادي على ذلك، وحتى الدعم من طرف والدتها، الذي حتما سينهار امام كلام كاظم الذي كان يجيد التلاعب بالكلمات وقلب الموازين لصالحه، لان كاظم كان قد فرض طوقا على امينة حتى لاتصدق غير كلامه، وقد وافق كلام زوجها عبدالله على كلامها، بعد ان وقف هو الآخر ليقدم شهادته بتلك الواقعة مع زوجته، وهذا ما اكدته أمينة حين سألها القاضي عن ذلك، وان إبنتها إشتكت لها عدة مرات من تصرفات كاظم معها، وحتى السيدة كريمة فقد كانت تلفت نظرها لتصرفات كاظم نحو إبنتها، وانها يجب ان تحترس منه وتحمي إبنتها من نواياه الخبيثة، لكنها لم تصغ لأي منهما، مصدقة ما كان يقوله زوجها ظانة ان ديلان لاتحبه، بسبب عقدتعا منذ الطفولة بعد وفاة والدها، ورفضها ان يأخذ مكانه أي رجل آخر.
وبعد انتهاء سماع أقوال الأطراف والشهود، انتقلت المحكمة إلى مناقشة المسألة القانونية المتعلقة بتصرف ديلان.
هل كانت قد تعمدت الاعتداء على كاظم؟،
أم أن ما قامت به كان رد فعل على اعتداء حالٍّ وخطر يهدد سلامتها؟.
استُعرضت ظروف الواقعة كاملة، ولم تُنظر إلى لحظة إصابة كاظم منفصلة عن اللحظات التي سبقتها.
فقد وُضعت أمام المحكمة إفادة ديلان، وأقوال الشهود، وآثار الاشتباك في المكان، والتقارير الطبية وتحاليل دم كاظم، وتسلسل الأحداث الذي دعمته تسجيلات كاميرا المراقبة.
وبحسب التكييف القانوني الذي ناقشته المحكمة في القضية، فإن الدفاع المشروع عن النفس يقوم على ضرورة دفع اعتداء غير مشروع حالّ، مع مراعاة حدود الضرورة والتناسب التي يحددها القانون والظروف المحيطة بالفعل.
أما فيما يتعلق بكاظم، فقد كانت القضية تتضمن وقائع تتصل بمحاولة اعتداء جنسي مقرونة بالعنف والتهديد، إلى جانب ما كشفه التحقيق من محاولات سابقة، وهي وقائع عولجت ضمن التكييف الجنائي الذي قدمته النيابة للمحكمة.
كانت ديلان تستمع.
لكنها لم تعد تسمع الكلمات القانونية بوضوح.
كل ما كانت تشعر به هو يد باران التي لم تفارق يدها.
وكأنها أصبحت الشيء الوحيد الذي يربطها بالحاضر.
نظرت إليه للحظة.
فوجدته ينظر إليها.
ولم يكن في عينيه هذه المرة ذلك الهروب الذي اعتادت ملاحظته في الاونة الأخيرة.
كان هناك شيء آخر.
حزن.
ندم.
وحب.
حب رجل أدرك متأخرًا كم كانت المرأة التي يحبها بحاجة إليه.
ضغط على يدها مرة أخرى.
فهمست دون أن يسمعها أحد:
ديلان: لماذا أشعر أنك تخفي عني شيئًا يا باران؟.
تجمد للحظة.
ثم نظر إليها طويلًا.
لم يجب.
لم يستطع.
لأن الحقيقة التي يخفيها لم تكن بسيطة.
كان يعرف أنها ما زالت عذراء.
ويعرف أن وراء ذلك سرًا أكبر من مجرد معلومة طبية.
لكنه لم يكن مستعدًا لأن يفتح هذا الجرح الآن.
ليس في المحكمة.
ليس وهي ما تزال تقف على حافة الانهيار.
أما ديلان، فلم تجد تفسيرًا لصمته سوى أنها ربما لم تعد تعرف الرجل الذي تحبه كما كانت تظن.
اجلت المحاكمة للأسبوع المقبل،
ثم جاء اليوم الذي انتظرته ديلان طويلًا.
اليوم الذي لم تعد فيه تريد سوى شيء واحد...
أن تنتهي هذه القضية.
أن يُغلق الباب الذي ظلت تخشاه سنوات.
وأن تتمكن، للمرة الأولى، من العودة إلى حياتها دون أن تلتفت خلفها كلما سمعت وقع خطوات.
جلست في قاعة المحكمة، ويداها متشابكتان فوق حجرها.
كان قلبها يرتجف.
وبجوارها جلس باران وبجوارهما المحامي.
وخلفهما جلسا كل من أمينة مع عائشة وعزت، حتى كريمة وزوجها حظرا ليشهدا على ما ستسفر عنه المحاكمة.
وفي الجهة المقابلة كان كاظم تحت الحراسة.
ساد القاعة صمت ثقيل.
ثم فُتح باب القاعة.
دخلت هيئة المحكمة.
وقف الجميع.
أما ديلان، فشعرت بأن قلبها يخفق بعنف حتى خُيّل إليها أن الجميع يستطيع سماعه.
رفع القاضي نظره إلى الحاضرين.
ثم جلس.
وساد الصمت من جديد.
صمتٌ لم يكن عاديًا.
فخلف تلك اللحظة كانت أسابيع من التحقيقات، وتقارير الأطباء، وشهادات الشهود، ودموع فتاة حاولت أن تنجو، ورجل أصرّ على إنكار الحقيقة حتى حاصرته الأدلة.
كان قد مر شهر وهم يعيشون داخل دوامة ستنتهي اليوم بالنطق النهائي بالحكم فيها.
رفعت ديلان عينيها نحو منصة القضاء.
وللمرة الأولى منذ بدأت هذه الرحلة...
لم تشعر بالخوف وحده.
كان هناك شيء آخر.
انتظار.
انتظار كلمة واحدة قد تضع حدًا لفصل كامل من حياتها.
أما باران، فكان لا يزال ممسكًا بيدها.
وكأنه كان يقول لها بصمته:
مهما كانت الكلمة التي ستخرج الآن...
لن تكوني وحدك.

جاء اليوم الذي انتظرته ديلان طويلًا...
اليوم الذي ستُغلق فيه صفحةٌ ظلت مفتوحةً في حياتها لسنوات، حتى وإن كانت تعرف في أعماقها أن بعض الصفحات، مهما أُغلقت، تظل آثار حبرها عالقةً في الذاكرة.
كان يوم النطق بالحكم.
منذ الصباح، كانت المحكمة تعج بالحاضرين، ولكن القاعة لم تكن  ممتلئة بالاشخاص، بل بالهواء نفسه كان مثقلًا بالتوتر والترقب.
جلست ديلان إلى جوار باران، وإلى جوارهما المحامي الذي أوكله باران و أسرته لمتابعة قضيتها.
كانت تجلس في هدوء ظاهري، لكن يديها كانتا تفضحان ما تحاول إخفاءه.
كانت أصابعها باردة.
باردة إلى حد جعل باران يشعر بذلك بمجرد أن لامست يده يدها.
نظر إليها.
لم تسأله شيئًا.
ولم تحتج إلى أن تفعل.
فمد يده وأحاط أصابعها بكفه، وضغط عليها برفق.
رفعت عينيها إليه.
لم يقل كلمة.
لكنه كان هناك.
وكأن وجوده وحده يقول لها:
لن تمرّي بهذه اللحظة وحدك.
بعد لحظات، فُتح باب القاعة.
دخلت هيئة المحكمة.
وقف الجميع.
نهضت ديلان مع الآخرين، وشعرت للحظة بأن ركبتيها لا تقويان على حملها.
لكن يد باران بقيت ممسكة بيدها.
ثم جلس الجميع.
ساد الصمت.
ذلك الصمت الذي يسبق الكلمات التي قد تغيّر حياة إنسان.
رفع القاضي الأوراق أمامه، ثم بدأ بتلاوة حيثيات الحكم.
تحدث عن وقائع الدعوى.
عن الأدلة التي جُمعت منذ اللحظة الأولى.
عن التقارير الطبية.
عن التقرير النفسي.
عن أقوال الشهود.
عن تسجيلات كاميرا المراقبة.
وعن آثار الاشتباك التي عاينتها الجهات المختصة.
كانت ديلان تستمع، وقلبها يخفق بعنف.
كل كلمة كانت تعيدها إلى تلك الليلة.
كل تفصيل كان يوقظ في داخلها شيئًا حاولت طويلًا أن تدفنه.
ثم توقف القاضي لحظة.
ورفع نظره عن الأوراق.
وقال بصوت واضح اخترق سكون القاعة:
القاضي: ثبت للمحكمة، من خلال مجموع الأدلة والقرائن، أن المتهم كاظم دخل إلى مسكن وكان يعلم بوجود ديلان فيه، وأنه انفرد بها، وأن الواقعة لم تكن مشاجرة عابرة كما حاول الدفاع تصويرها، وإنما جاءت في سياق محاولة اعتداء جنسي اقترنت بالعنف والتهديد.
شعرت ديلان بقلبها ينقبض.
ارتجفت أصابعها داخل يد باران.
فشد عليها برفق.
واصل القاضي:
القاضي: كما ثبت للمحكمة أن إصابة المتهم لم تقع في سياق اعتداء مستقل من جانب المتهمة ديلان، وإنما وقعت أثناء مقاومتها للاعتداء الواقع عليها ومحاولتها الإفلات منه.
أغمض باران عينيه للحظة.
لم يكن يسمع كلمات القاضي فقط.
كان يسمع معها صوت ديلان وهي تبكي.
يتذكر جسدها المرتجف في تلك الليلة.
يتذكر كيف وجدها عند الباب.
ويتذكر كم مرة قالت إنها كانت خائفة.
وكم مرة ظن أنها تخفي عنه شيئًا دون أن يعرف حجم الجحيم الذي كانت تحاول النجاة منه.
فتح عينيه.
نظر إليها.
أما ديلان فكانت تحدق أمامها، وكأنها لا تزال عاجزة عن تصديق أن ما تقوله المحكمة ليس حلمًا.
للمرة الأولى...
لم يكن أحد يشكك في روايتها.
لم يكن أحد يطلب منها أن تثبت خوفها.
لم يكن أحد يسألها لماذا لم تصمت.
لم يكن أحد يقول لها إنها بالغت.
كان صوت العدالة، في تلك اللحظة، يضع كلماته أمام الجميع:
لقد كنتِ خائفة... وكان خوفها حقيقيًا.
ثم جاءت اللحظة التي انتظرتها طويلًا.
خفض القاضي نظره إلى الأوراق، ثم قال:
القاضي: وعليه، تقضي المحكمة ببراءة المتهمة ديلان مما نُسب إليها، لثبوت قيام حالة الدفاع الشرعي عن النفس في حدود ما ثبت للمحكمة من وقائع الدعوى.
توقفت أنفاسها.
لم تستوعب الجملة في اللحظة الأولى.
براءة...
كلمة قصيرة.
لكنها بدت لها أثقل من سنوات كاملة.
اتسعت عينا أمينة، ثم انفجرت دموعها فجأة.
وضعت يدها على فمها، وهي تحاول أن تمنع صوت بكائها، لكنها لم تستطع.
كانت تبكي من شدة الارتياح.
تبكي لأن ابنتها، التي حملت خوفها وحدها طويلًا، لم تعد مضطرة إلى الدفاع عن نفسها أمام أحد.
أما ديلان...
فلم تبكِ فورًا.
بقيت جامدة في مكانها.
ثم أغمضت عينيها ببطء.
وسقطت دمعة واحدة على خدها.
ثم أخرى.
لم تستطع الكلام.
كانت تشعر بشيء غريب في صدرها.
كأن حملًا ضخمًا ظل جاثمًا فوق قلبها سنوات طويلة، بدأ أخيرًا بالانزياح.
لم تكن سعيدة بالمعنى الذي يجعل الإنسان يضحك أو يصفق.
كانت فقط...
تتنفس.
تتنفس دون أن تشعر بأنها متهمة.
دون أن تخشى أن يأتي أحد ليقول لها إنها كانت مخطئة حين حاولت حماية نفسها.
لكن القاضي لم يكن قد انتهى بعد.
التفت نحو كاظم.
ساد الهدوء من جديد.
نظر الجميع إليه.
أما هو فبقي جالسًا في مكانه، صامتًا، وقد بدا على وجهه أثر السنين التي قضاها وهو يخفي أفعاله، وأثر الإصابة التي غيّرت حياته إلى الأبد.
ثم قال القاضي:
القاضي: وبخصوص المتهم كاظم، وبعد ثبوت شروعه في ارتكاب فعل مخل بالحياء بالعنف، وما صاحب ذلك من تهديد برفع السلاح الأبيض ومقاومة للضحية، تقضي المحكمة بإدانته ومعاقبته بالسجن لمدة خمسة عشر عامًا نافذة، مع تحميله المصاريف القضائية، وغرامة جزافية عن الضرر الذي لحق بالضحية، وذلك في حدود التكييف القانوني الثابت في الدعوى.
ضجت القاعة بهمهمات خافتة.
لكن ديلان لم تنظر إليه.
لم تبحث عن وجهه.
لم تشعر بالانتصار.
ولم تشمت.
كل ما شعرت به هو أن دموعها أصبحت أكثر غزارة.
لأن خمسة عشر عامًا من السجن لن تعيد إليها طفولتها.
لن تمحو الليالي التي نامت فيها وهي تخشى أن يفتح أحد الأبواب.
لن تمحو السنوات التي ظلت فيها تظن أن عليها أن تصمت كي تنجو.
لن تمحو خوفها من الرجل الذي كان ينبغي أن يكون جزءًا من عائلتها، لا مصدرًا لرعبها.
لكن الحكم أعاد إليها شيئًا آخر.
شيئًا لم تكن تعرف مقدار حاجتها إليه إلا الآن.
أعاد إليها حقها في أن تصدق نفسها.
حقها في أن تقول:
كنت خائفة.
وقلت لا.
وحين لم تُحترم كلمتي، دافعت عن نفسي.
وأثبتت المحكمة أن ذلك لم يكن ذنبًا.
انتهت الجلسة.
بدأ الحاضرون بالخروج تباعًا.
أما ديلان فبقيت للحظات في مكانها، عاجزة عن النهوض.
كان كل شيء من حولها يتحرك.
الأصوات.
الخطوات.
باران الذي كاد قلبه يقفز من الفرح بعد ان إنتهى هذا الكابوس، الذي اخاف ديلان لسنوات وعاشت في رعب بسببه.
المحامي وهو يجمع أوراقه.
أمينة وهي تمسح دموعها.
عائلة باران مع كريمة وزوجها وهم يتبادلون التهاني، لان العدالة اخيرا اخذت مجراها، فقد عوقب المذنب، وقد نصفت الضحية أخيرا، لينزاح ذلك العبئ من على قلبها وكاهلها.
لكنها شعرت كأنها في عالم آخر.
اقترب باران منها.
لم يسألها إن كانت بخير.
كان يعرف أن السؤال أكبر من قدرتها على الإجابة.
فقط مد يده إليها.
رفعت ديلان يدها و وضعتها في يده.
ونهضت.
خرجا من القاعة.
وحين وطئت قدماها درجات المحكمة، ضرب ضوء النهار عينيها بقوة.
توقفت.
رفعت وجهها نحو السماء.
وأخذت نفسًا عميقًا.
نفسًا طويلًا...
كأنها كانت تتعلم التنفس من جديد.
وقف باران إلى جوارها.
ظل صامتًا لحظات، ثم قال بهدوء:
باران: انتهى.
التفتت إليه.
كانت عيناها لا تزالان غارقتين بالدموع.
هزت رأسها ببطء.
ديلان: لا...
تفاجأ باران.
فأكملت:
ديلان: لم ينتهِ كل شيء.
نظر إليها دون أن يقاطعها.
مسحت دمعة استقرت عند طرف عينها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة خلف نقابها، كانت أقرب إلى ابتسامة إنسان خرج لتوه من نفق طويل.
وقالت:
ديلان: لكن انتهى خوفي من أن يقول أحد إنني كنت مخطئة لأنني دافعت عن نفسي.
شعر باران بشيء ينقبض في صدره.
اقترب منها خطوة.
وقال بصوت هادئ:
باران: ولن أسمح لك أن تعودي إلى ذلك الخوف.
رفعت عينيها إليه.
ظلّت تنظر إليه طويلًا.
ثم قالت بصوت خافت:
ديلان: أتعرف ما أكثر شيء يؤلمني؟.
باران: ماذا؟.
ترددت.
وكأن الكلمات التي ستخرج الآن كانت أثقل من كل ما قالته أمام المحكمة.
ثم همست:
ديلان: أنني عشت سنوات أظن أن النجاة تعني أن أهرب وحدي.
سكتت لحظة.
ثم نظرت إلى يده.
وضعت يدها في يده ببطء.
وقالت:
ديلان: الآن فقط فهمت أن النجاة قد تعني أيضًا أن أجد من يقف بجانبي، وان ادافع عن نفسي، ان اصرخ بأعلى صوتي واواجه خوفي.
أطبق باران أصابعه حول يدها.
نظر إليها، وكانت عيناه تحملان من الكلام ما لم يستطع لسانه قوله.
كان يعرف أنه تأخر.
يعرف أنه في وقت من الأوقات تركها تواجه الكثير وحدها.
ويعرف أن بعض جراحها كان يمكن أن تكون أقل عمقًا لو بقي إلى جوارها منذ البداية.
لكنه لم يحاول تبرئة نفسه بالكلمات.
لم يقل إنه لم يكن يعلم.
ولم يقل إنه لم يقصد.
فبعض الندم لا تصلحه الأعذار.
كان عليه فقط أن يثبت لها بالأفعال أنه لن يكرر خطأه.
أما ديلان، فبقيت ممسكة بيده.
ولأول مرة منذ زمن طويل، لم تشعر بأنها مضطرة إلى النظر خلفها.
لم تعد تبحث عن باب تهرب منه.
لم تعد تفكر في الطريق الذي ستسلكه وحدها.
كان هناك شخص يقف بجوارها.
شخص لم يعد يسمح لها بأن تواجه الخوف بمفردها.
ولذلك...
لم يقل باران شيئًا آخر.
فبعض الجراح لا تحتاج إلى كلمات.
تحتاج فقط إلى شخص يبقى.
وهذه المرة...
بقي هو.

ما إن انتهت المحاكمة، وأُعلن الحكم الذي أعاد لكل ذي حقٍّ حقَّه، حتى خرج الجميع من قاعة المحكمة بخطوات مثقلة بما حملته الساعات الماضية من توترٍ وخوفٍ وانتظار.
كان الهواء في الخارج مختلفًا... وكأن الجميع قد خرج من مكانٍ ضاق بأنفاسهم طويلًا، ليجدوا أنفسهم أخيرًا في فسحةٍ من الطمأنينة.
اقتربت كريمة من ديلان، وعيناها تلمعان بالدموع، ثم أمسكت بيديها بين كفيها وضغطت عليهما بحنان.
قالت بصوتٍ امتزج فيه الحمد بالارتياح:
كريمة: الحمد لله يا ابنتي... الحمد لله الذي أظهر الحق، وكشف الحقيقة، ولم يترك الظلم ينتصر، لقد أخذ كل إنسان جزاءه، وانتهت هذه الغمة التي أثقلت قلوبنا طويلًا.
ابتسمت ديلان ابتسامةً صغيرة، رغم الإرهاق الذي كان واضحًا على ملامحها، ثم احتضنت كريمة للحظات.
ديلان: الحمد لله يا خالتي... لولا رعاية الله، لما استطعت أن أصل إلى هذه اللحظة.
ربتت كريمة على ظهرها بحنان، ثم ودعتها وودعت الجميع، كان زوجها ألى جانبها الذي ودع هو الآخر بدوره ديلان، واوصى باران عليها كما يوصي الاب على إبنته، قبل أن يغادرا المكان، وهم يحملان في قلبهما راحةً لم يعرفاها منذ بدأت تلك المحنة.
وبعد رحيلهما، التفت عزت إلى أمينة، وقال بلطف:
عزت: هيا، تعالي معنا يا سيدة أمينة، لنوصلك إلى بيتك قبل أن نعود نحن إلى منزلنا.
لكن أمينة هزت رأسها، ثم ابتسمت قائلة:
أمينة: لا، بل تعالوا جميعًا معي إلى البيت، لقد مررنا جميعًا بالكثير، وأظن أننا نستحق أن نجلس قليلًا معًا ونحتفل بانتهاء هذه المحنة... وبعدها يعود كل واحد منا إلى بيته وحياته.
تبادل الجميع النظرات، ثم وافقوا على اقتراحها.
بعد وقتٍ قصير، اجتمعوا في منزل أمينة.
كانت أمينة قد أعدت الشاي بنفسها، وملأت الطاولة بأكوابٍ صغيرة تفوح منها رائحة النعناع، بينما كان باران قد توقف في طريقه واشترى بعض الحلوى ليشارك بها الجميع فرحتهم.
جلسوا متقابلين، وشيئًا فشيئًا بدأ ثقل الساعات الماضية يخف عن صدورهم.
تحدثوا عن المحاكمة، وعن الحكم، وعن الأيام العصيبة التي مرت بهم، وتخللت أحاديثهم بعض الابتسامات التي بدت في البداية خجولة، ثم أخذت تزداد شيئًا فشيئًا.
أما ديلان، فكانت تجلس إلى جوار باران، هادئة على نحوٍ أثار في داخله شيئًا من القلق.
كان يراقبها من حينٍ إلى آخر.
منذ خرجا من المحكمة، لم تقل الكثير.
كانت تبتسم حين يبتسم الآخرون، وتجيب حين تُسأل، لكنها بدت وكأن جزءًا منها كان بعيدًا عنهم جميعًا... غارقًا في أفكار لا يعرفها.
وحين مضى بعض الوقت، وضع عزت كوب الشاي جانبًا، ثم نهض من مكانه وقال:
عزت: نستأذنك يا سيدة أمينة... لقد أطال الله في جلستنا اليوم، وحان الوقت لنعود إلى بيتنا.
وقفت عائشة بدورها، ثم تنهدت براحة وقالت:
عائشة: الحمد لله... فقد أنصف الله ديلان، وزالت هذه الغمة عنا جميعا أخيرًا، والآن يجب أن يعود كل واحد منا إلى حياته، ولا ينبغي لهذه الحادثة أن تبقى أسيرةً لقلوبنا أكثر من ذلك.
ثم التفتت إلى باران، الذي كان يجلس بالقرب من ديلان، وقالت بابتسامة هادئة:
عائشة: سنسبقكما أنا ووالدك. فمنذ الصباح الباكر ونحن خارج المنزل، وقد أنهكنا التعب، أما أنتما، فمتى أردتما العودة إلى البيت، فذلك شأنكما.
رفع باران عينيه إلى والدته، وابتسم ابتسامةً هادئة.
باران: سأنتظر حتى تجمع ديلان أشياءها، ثم سنلحق بكما إلى البيت.
كانت كلماته عادية في ظاهرها...
لكنها وقعت على قلب ديلان بثقلٍ غريب.
خفضت عينيها للحظات، وظلت صامتة.
كان الجميع يتحركون استعدادًا للمغادرة، بينما بقيت هي في مكانها وكأنها تخوض صراعًا داخليًا لا يراه أحد.
كانت تعرف أن اللحظة قد حانت.
لحظة قالت لنفسها إنها لن تؤجلها أكثر.
رفعت رأسها ببطء.
ثم وقفت.
ساد الصمت فجأة.
التفت الجميع إليها، ظانين أنها ستستعد للمغادرة مثلهم.
لكن ديلان لم تتحرك.
نظرت إلى الوجوه المحيطة بها واحدًا تلو الآخر.
أمينة.
عزت.
عائشة.
ثم استقرت عيناها أخيرًا على باران.
كان ينظر إليها باستغراب، ولم يفهم سبب ذلك التردد الذي ظهر في عينيها.
خرج والدا باران ليعودا لبيتهم وكانت أمينة في إثرهما تودعهما حتى مدخل الشقة.
ابتلعت ديلان غصةً مريرة، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
كان قلبها يخفق بعنف، حتى خُيّل إليها أن الجميع يستطيع سماعه.
لكن حين تكلمت، خرج صوتها هادئًا...
ثابتًا...
على نحوٍ لم يتوقعه أحد.
ديلان: أريد ان اتحدث معك اولا.
تجمدت ملامح باران.
حدق فيها وكأنه لم يفهم ما سمعه.
باران: ماذا هناك يا ديلان؟.
لم تجبه فورًا.
ظلت تنظر إليه، وفي عينيها حزن عميق أخفته طويلًا خلف الصمت.
ثم قالت:
ديلان: قبل ان أرجع معك إلى البيت يا باران اريد ان اتحدث معك في موضوع مهم.
ساد صمتٌ ثقيل.
حتى أمينة التي عادت بعد ان اغلقت باب الشقة خلف والدي باىان، كانت تقف على مقربة منها بقيت تحدق فيها بدهشة، وكأن الكلمات التي خرجت من فمها لم تصل إلى عقلها بعد.
نظر باران محدقا في ديلان، وقال باران بصوتٍ خافت، وقد بدأ القلق يتسلل إليه:
باران: ديلان... ماذا  تودين قوله؟.
ارتجفت أصابعها قليلًا، لكنها سرعان ما أخفت ارتجافها بضم يديها أمامها.
كانت قد اتخذت قرارها.
قرارًا لم يكن سهلًا، ولم تتخذه في لحظة غضب، بل بعد ليالٍ طويلة من التفكير، وبعد أن استنزفها الألم حتى لم يعد في قلبها متسعٌ لمزيد منه.
أما الجميع، فقد كانوا قد غادروا المكان.
كانت أمينة وافقة امام باب الغرفة، وحين وقعت على اسماعها تلك الكلمات بعد ان عادت للداخل، فتقدمت خطوة نحو ديلان، وقالت بقلق:
أمينة: ديلان... ماذا بك يا ابنتي؟، هل تشعرين بشيء.
نظرت لها ديلان وقالت بإبتسامة باهتة..
ديلان: لاشيء يا امي، فقط اردت ان اتحدث مع باران على أنفراد بموضوع يخصنا نحن الاثنين.
لم تجب أمينة بل نظرت لإبنتها وزوجها، ثم أستقرت عيناها على ديلان مرة أخرى، ثم تحركت لتغادر الغرفة.
كانت عينا ديلان لا تزالان معلقتين بباران.
كان هو وحده المعني بهذه الكلمات.
وفي تلك اللحظة، شعر باران وكأن كل ما حدث منذ الصباح قد فقد معناه فجأة.
الحكم الذي انتظروه طويلًا...
البراءة التي أثبتت حق ديلان...
والفرحة التي ظن أنها ستكون بداية صفحة جديدة...
كل ذلك تلاشى أمام جملة واحدة.
كان الجميع قد خرج وبقيت ديلان وباران وحدهما داخل البيت.
فقد إصطحبت امينة ولديها وغادرت البيت بصحبتهما للسوق لتبتاع بعض المستلزمات لتجهز الأكل.
رفعت ديلان عينيها إليه مرة أخرى.
هذه المرة لم تهرب من نظراته.
وقالت بصوتٍ هادئ، لكنه حمل وقع الصاعقة:
ديلان: أريد الطلاق يا باران.
اتسعت عينا باران.
وكأن الزمن توقف للحظة.
لم يتحرك.
لم يجد كلمة واحدة يقولها.
"أريد الطلاق."
حدق بها طويلًا، ثم قال بصوتٍ خرج مبحوحًا:
باران: لماذا؟.
لم تجبه.
فقط نظرت إليه بعينين امتلأتا بالدموع، ثم أشاحت بوجهها قليلًا حتى لا يراها وهي تتهاوى من الداخل.
فقد كان أصعب ما في قرارها...
أنها لم تكن تكرهه.
بل ربما كان هذا هو السبب الذي جعل الفراق أكثر إيلامًا.

تعليقات



<>