
........✍️صباحًا داخل شقة عزت
كان صباح الجمعة قد ألقى بسكينته على أرجاء البيت، وكانت أشعة الشمس تتسلل بهدوء من بين ستائر النوافذ، فتغمر المكان بدفءٍ خفيف يشبه الطمأنينة.
جلس عزت في غرفة المعيشة بعد أن فرغ من بعض أعماله، وبينما كان يتأمل هدوء الصباح، ظهر باران أمامه وعلى وجهه ابتسامة هادئة.
قال باران بود:
باران: جمعة مباركة يا أبي.
ابتسم عزت وردّ:
عزت: علينا وعليك وعلى المسلمين أجمعين، يا رب.
جلس باران للحظات، لكنه لم يستطع إخفاء الاضطراب الذي كان يعتمل داخله. ظل صامتًا قليلًا، ثم قال:
باران: أبي... لو سمحت، أريد أن أتحدث معك في أمر مهم.
رفع عزت عينيه إليه، ولاحظ على الفور شيئًا غير معتاد في نبرة ابنه، فقال بجدية:
عزت: خير يا باران؟ تعال يا بني، لنذهب إلى غرفة الصالون ونتحدث براحتنا. والدتك ليست هنا، فقد ذهبت منذ الصباح إلى هازان.
نهض الاثنان واتجها إلى غرفة الصالون، ثم جلس عزت قبالة ابنه، منتظرًا ما سيقوله.
أما باران، فظل يضم يديه إلى بعضهما بعضًا، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، قبل أن يأخذ نفسًا عميقًا ويقول بتردد:
باران: أبي... بعد إذنك، أريد أن أترك شقة مراد، رحمه الله.
اتسعت عينا عزت دهشة.
عزت: تترك الشقة؟! وأين ستذهب يا بني؟، هل تريد أن تترك البيت؟.
انتفض باران سريعًا:
باران: لا، لا، بالطبع لا! مستحيل يا أبي... أنا لا أستطيع الابتعاد عنك ولا عن أمي.
نظر إليه عزت بحيرة، وقال:
عزت: إذًا ماذا تقصد بما قلته؟.
ابتلع باران تردده، ثم قال:
باران: أريد فقط أن أعيش بعيدًا عن شقة أخي... لذلك، إذا سمحت لي، أريد أن أغلق الغرف الموجودة في الطابق الرابع، ومنها الغرفة التي جعلتها مكتبًا وورشة لي، وأحوّلها إلى شقة صغيرة أسكن فيها.
ظل عزت ينظر إليه غير مستوعب.
عزت: ولماذا يا بني؟، ماذا حدث؟، ألست مرتاحًا هناك؟.
أطلق باران زفيرًا طويلًا، ثم قال بصراحة:
باران: بصراحة يا أبي... لا، لست مرتاحًا.
تغيرت ملامح عزت، وتسلل القلق إلى عينيه، ثم سأله بحذر:
عزت: هل تريد أن تترك ديلان يا باران؟
رفع باران رأسه بسرعة:
باران: لا يا أبي، ليس الأمر كذلك إطلاقًا!.
لكن عزت لم يبدُ مقتنعًا، بل أطرق برأسه بأسى، وقال:
عزت: لا... يبدو أننا تسرعنا وظلمناك عندما أجبرناك على هذا الزواج منذ البداية.
ارتجف قلب باران عند سماع كلمات والده، وقال بصوت مثقل بالتردد:
باران: أبي... أريدك أن تفهمني أولًا. أنا... حتى الآن، لم أستطع لم أن أتعامل مع ديلان كزوجة، أي لم أدخل على ديلان.
اتسعت حدقتا عزت، وكأن اعتراف ابنه فاجأه رغم أنه كان يتوقعه.
عزت: ماذا؟! هذا غير معقول!.
ثم خفت صوته وهو يضيف بأسف:
عزت: آه... كنت أتوقع أن يكون الأمر صعبًا عليك، لكنني لم أتوقع أن يستمر إلى الآن، ظننت أن العِشرة بينكما ستؤدي دورها، وأنها ستمحو الحاجز القائم بينكما، لكن يبدو أنني كنت مخطئًا.
تنهد عزت، وقال بحزن:
عزت: لقد ندمت يا بني لأنني أجبرتك على الزواج من ديلان،
ابتسم باران ابتسامة امتزج فيها الحب بالألم، وقال:
باران: لا يا أبي... بل أنا الذي كنت سأندم طوال حياتي لو لم أتزوجها، ولو لم تكن من نصيبي.
ثم أضاف بابتسامة خفيفة:
باران: أنت لا تعرف ماذا فعلت بي عندما قررت أن أتزوجها.
حدق عزت فيه بدهشة.
عزت: ماذا تقول؟ إذًا ماذا تريد بالضبط؟، افهمني يا باران.
زم باران شفتيه لحظة، ثم قال:
باران: أبي، سأخبرك بشيء... لكن أرجوك، لا يخرج هذا الكلام من بيننا، لا تخبر به أحدًا، حتى أمي.
رفع عزت حاجبه باستخفاف:
عزت: وما الذي تخفيه عني هذه المرة؟.
ارتبك باران، ثم قال:
باران: هل تذكر الفتاة التي أخبرتك عنها؟، الفتاة التي قلت لك إنني أحببتها منذ أيام الجامعة؟.
تغيرت ملامح عزت إلى الامتعاض.
عزت: وما الذي أعاد سيرة تلك الفتاة الآن؟.
ثم اتسعت عيناه فجأة، وقال بقلق:
عزت: إياك أن تكون قد وجدتها وتريد الزواج منها في هذه الشقة!.
ضحك باران ضحكة قصيرة خالية من الفرح، وقال:
باران: لقد وجدتها فعلًا... وأريد الزواج منها.
شهق عزت:
عزت: ماذا؟! وزوجتك؟.
أغمض باران عينيه بقوة، وكأنه يستجمع شجاعته للاعتراف الذي سيقلب كل شيء، ثم أطلق زفرة طويلة وقال:
باران: هي وزوجتي شخص واحد.
تجمدت ملامح عزت.
ظل يحدق في ابنه وكأن عقله يرفض تصديق ما سمعه.
فبادر باران قائلًا:
باران: ديلان... هي نفسها الفتاة التي أحببتها منذ سنوات.
سقط الصمت على الغرفة دفعة واحدة.
صمت ثقيل، بدا وكأنه ابتلع كل الأصوات من حولهما.
ظل باران يراقب والده بقلق، يبحث في وجهه عن أي علامة غضب أو رفض، لكنه لم يرَ سوى ذهولٍ عميقٍ لم يجد عزت له تفسيرًا.
وبعد لحظات طويلة، انفرجت شفتا عزت أخيرًا، وقال بصوت يكاد لا يصدق ما ينطق به:
عزت: لا يمكن... يا بني، هل هذا حقيقي؟.
أومأ باران بثبات.
باران: نعم يا أبي.
ثم بدأ يحكي له كل شيء...
باران: عندما قابلتها للمرة الأولى، أعجبت بها من النظرة الأولى، وكانت تبادلني الإعجاب، كنا نلتقي كثيرا في الجامعة، وفي كل مرة لم نتحدث أبدل... ثم جاء اليوم الذي صارحتها فيه بحبي.
توقف لحظة، واستعاد تلك الأيام في ذاكرته.
باران: كنت أنوي التقدم إليها، لكن المنحة وسفري للخارج الذي جاءني فجأة قلب كل مخططاتي، وعندما عدت... لم اجدها عندما بحثت عنها......وطبعا ديلان لم أعرفها.
قطّب عزت حاجبيه:
عزت: لأنها كانت ترتدي النقاب؟.
باران: نعم، في البداية شككت في نبرة صوتها، لكنني لم أعطِ الأمر أهمية، لم يخطر ببالي ولو للحظة أنها هي.
قال عزت، وما زال الذهول يسيطر عليه:
عزت: لكنها بالتأكيد عرفتك.
أجاب باران:
باران: بالطبع عرفتني... لكنها لم تتحدث.
ثم أردف بحزن:
باران: فضّلت الصمت، لأن الموقف كان حساسًا جدًا، وتركتني أعيش في جهلي، ولم تمنحني حتى تلميحًا واحدًا بأنها الفتاة نفسها التي أحببتها، وظللت أجهل حقيقتها شهورًا طويلة.
ابتسم بمرارة:
باران: كنت أعاملها مثل هازان تمامًا، ولم يخطر ببالي يومًا أن أنظر إليها بطريقة مختلفة، كانت حريصة على ألا تلفت انتباهي إليها، ولم تجعلني أشك في هويتها ولو للحظة واحدة.
رفع عزت رأسه ببطء.
عزت: حتى بعد زواجك منها؟.
أومأ باران.
باران: حتى بعد زواجي منها.
ثم قال بصوت خافت:
باران: نعم يا أبي... أنا لم أرَ وجه ديلان إلا بعد أسبوع من زواجنا.
اتسعت عينا عزت من جديد، وجف حلقه من شدة الصدمة.
عزت: إذًا... هذا هو سبب سفرك؟، لكن كيف بقيت معها اسبوعا دون ان ارى وجهها؟.
أومأ باران:
باران: نعم، هذا هو سبب سفري.
ثم تابع:
باران: في البداية لم أكن مهتمًا بأن أرى وجهها، كانت دائمًا أمامي بنقابها، وهي أيضًا كانت تخشى ردة فعلي عندما أكتشف الحقيقة... أن المرأة التي أحببتها منذ سنوات أصبحت زوجة أخي الراحل.
أومأ عزت ببطء، وكأن قطع الأحجية بدأت تتجمع أمامه.
عزت: آه... إذًا هذا هو السبب الذي جعلها تتردد في الموافقة على الزواج، كلما سألتها والدتك كانت تقول: «سأفكر».
قال باران:
باران: نعم يا أبي، لكنها عندما جاء كاظم، زوج والدتها، ليأخذها معه، رفضت الذهاب معه، واضطرت إلى الموافقة على الزواج مني، كانت تؤجل المواجهة قدر استطاعتها... حتى اكتشفت حقيقتها بالصدفة.
قال عزت بأسى:
عزت: وصُدمت...
خفض باران عينيه.
باران: كانت صدمة عمري يا أبي... صدمة عمري.
ثم تابع بصوت موجوع:
باران: تشاجرت معها، ولم أستطع البقاء في البيت، فسافرت.
تنهد عزت، وهز رأسه غير مصدق:
عزت: يا الله... كل هذا كانت تحمله في قلبها وحدها؟، ولماذا؟، لماذا لم تتحدث؟.
رفع باران عينيه إلى والده وقال بجدية:
باران: لم يكن بإمكانها أن تتحدث يا أبي، فكر للحظة... ماذا كان سيكون رد فعلي عندما أعرف أنها كانت زوجة مراد؟.
صمت عزت.
فأكمل باران:
عزت: كان الشيطان سيدخل بيني وبين أخي رحمه الله، وكانت ديلان ستصبح الملامة الوحيدة، رغم أن ما حدث لم يكن ذنبها.
قال عزت بحزن:
عزت: لو كانت قد أخبرتك وكشفت عن شخصيتها منذ البداية، لكانت النار قد اشتعلت في البيت.
باران: ولهذا سكتت.
ثم ابتسم باران ابتسامة حزينة:
باران: وعندما سألتها عن سبب صمتها، أخبرتني بالسبب نفسه الذي قلته لي الآن.
ظل عزت صامتًا لحظات، ثم سأل:
عزت: لكن لماذا ظلت تخفي شخصيتها حتى بعد وفاة مراد، وحتى بعد زواجك منها؟.
أجاب باران:
باران: كانت تخشى أن أكرهها عندما أعرف أنها كانت زوجة أخي، كانت خائفة من مواجهتي... خافت أن أخسرها قبل أن أمنحها فرصة لتشرح لي.
سكت باران قليلًا، ثم نظر إلى والده بتوتر واضح.
باران: ما رأيك يا أبي في كل ما حدث؟، هل تعتقد أنها تستحق أن أكمل معها... أم أنني...
قاطعه عزت بحزم:
عزت: لا تقل «أم» يا باران.
رفع باران عينيه إليه.
قال عزت بثبات:
عزت: ليس أمامك «أم»، ديلان لم تخطئ في شيء من كل ما حدث، وأنت أيضًا لم تخطئ، هذه مشيئة الله وقدرُه.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
عزت: أرأيت كيف يكون النصيب؟ أنت تبحث عنها في كل مكان، وهي كانت بجوارك، ثم يتوفى أخوك وتتزوجها، وبعد كل ذلك تكتشف أنها الفتاة التي أحببتها منذ سنوات!.
لم يتمالك باران نفسه.
انحنى أمام والده، وجثا إلى جواره ممسكًا بيده، وسأل بصوت يحمل خوف طفل يخشى فقدان رضا أبيه:
باران: يعني... أنت لست غاضبًا منها؟، ولا مني يا أبي؟.
ربت عزت على كتفه بحنان.
عزت: أبدًا يا بني، بل على العكس... لقد ارتحت.
ثم أضاف:
عزت: كنت كلما رأيتك حزينًا أو رأيتك تبتعد عنها، أشعر بالندم لأنني أجبرتك على زواج لم تكن تريده، أما الآن فقد فهمت كل شيء.
رفع باران يد والده إلى شفتيه وقبّلها بحب، فابتسم عزت، ثم جذبه ليجلس إلى جواره.
قال باران بصوت صادق:
باران: أبي... أنا أريد أن أكمل معها، أريد أن أسعدها، وأريد أن أعيش سعيدًا معها... لكنني لا أستطيع الاستمرار في شقة أخي، لا أريد أن أظلمها معي أكثر من ذلك.
نظر عزت إلى ابنه بحكمة، وقال:
عزت: ما دمت مرتاحًا يا باران، فسأكون سعيدًا، ولن أشعر بعد اليوم أنني أجبرتك على حياة لم تكن تتمناها.
قبّل باران جبين والده، وقال:
باران: إذًا... ما رأيك أن تسمح لي بأخذ الغرف الموجودة في الطابق الرابع؟، سأغلقها وأحوّلها إلى شقة صغيرة، وأبدأ فيها معها حياة جديدة... بعيدًا عن أي ضغط نفسي أو ذكريات تؤلمنا.
تنهد عزت، وقال:
عزت: لكن الشقة محجوزة لروني منذ زمن، أنت تعرف أنني وعدت أخي إبراهيم بأن تكون لروني شقة في هذا البيت.
ساد الصمت.
راح باران يفكر قليلًا، ثم رفع رأسه وقال بتردد:
باران: هل يمكن أن نعطي روني شقة مراد... وأخذ أنا الغرف الموجودة في الطابق الرابع؟.
ثم أردف موضحًا:
باران: وبذلك نحل المشكلة، ويظل وعدك لعمي قائمًا كما هو.
تأمل عزت الفكرة لحظات، ثم ابتسم:
عزت: والله... فكرة جيدة، وأنا لا أمانع.
تنفس باران براحة، لكن القلق عاد إلى عينيه سريعًا.
باران: لكن... هل تظن أن أمي قد تحزن إذا سكن شخص آخر في شقة مراد؟.
وقبل أن يجيب عزت، جاء صوت هادئ من خلفهما:
عائشة: الذكريات يا حبيبي مكانها القلب... وليست مرتبطة بالمكان.
التفت الاثنان في اللحظة نفسها.
كانت عائشة قد عادت للتو من منزل ابنتها هازان، ويبدو أنها سمعت الجزء الأخير من حديثهما.
دخلت إلى الغرفة وجلست على المقعد المقابل لهما، ثم قالت بابتسامة تحمل من الحكمة ما يفوق سنوات عمرها:
عائشة: الأماكن تتغير يا حبيبي... لكن ما يسكن القلب لا يتغير أبدًا.
نظر إليها باران، وشعر بغصة في حلقه.
ثم اندفع نحوها، وألقى بنفسه بين ذراعيها.
باران: أمي... أنا آسف.
أحاطته عائشة بذراعيها، وربتت على شعره بحنان الأم التي لا تحتاج إلى تفسير كي تفهم وجع ولدها.
وقالت:
عائشة: سمعت آخر حديثكما، وفهمت أنك تريد أن تسكن بعيدًا عن شقة أخيك.
ابتعد باران قليلًا ونظر إليها بقلق.
لكنها ابتسمت وقالت:
عائشة: وأنا موافقة يا حبيبي.
ظل ينظر إليها وكأنه لم يتوقع أن تكون موافقتها بهذه السهولة.
فأكملت:
عائشة: نعم، ليس لدي أي مانع. أهم شيء عندي أن تعيشا سعيدين ومرتاحين، وأن تظل سعادتكما أمام عيني.
ثم تنهدت بحزن:
عائشة: لو كنت أستطيع تحمل فراقكما، لجعلتك تأخذ شقة خارج هذا البيت... لكنني لا أستطيع، لا أستطيع أن أعيش وحدي بعيدًا عنكما.
هز باران رأسه بسرعة:
باران: لا يا أمي، لا... أنا مستحيل أن أتركك.
وضعت عائشة كفيها على وجنتيه، وقالت بابتسامة دافئة:
عائشة: إذًا أخبرني... هل زوجتك تعرف بما تنوي فعله، أم أنك ستفاجئها؟.
ابتسم باران ابتسامة خجولة:
باران: بصراحة... لا، ما زالت لا تعرف، أردت أولًا أن آخذ رأيكما.
ثم ضحك بخفة:
باران: وفي الحقيقة، أريد أن أفاجئها، لكنني لا أعرف ماذا سأقول لها عندما تراني مشغولًا بتجهيز الشقة مع العمال.
ضحك عزت وقال:
عزت: قل لها إنك تجهز ورشتك، وأنه لا يصح أن تصعد إلى هناك، لأن المكان سيكون فيه رجال غرباء.
أضاءت السعادة وجه باران.
باران: فكرة رائعة يا أبي!.
ثم نظر إلى والديه بعينين ممتلئتين بالامتنان.
باران: الله لا يحرمني منكما.
ابتسمت عائشة بسعادة لرؤية الفرح يعود إلى وجه ابنها، وقالت:
عائشة: أهم شيء عندنا أن تعيشا سعيدين يا بني.
في تلك اللحظة، شعر باران وكأن بابًا جديدًا قد فُتح أمامه.
باب لا يحمل اسم مراد، ولا تسكنه ظلال الماضي، ولا تطارده فيه الذكريات عند كل زاوية.
كان يريد مكانًا له ولها فقط...
مكانًا يبدأ فيه حياته مع المرأة التي أحبها قبل أن يعرف حتى اسمها، ثم وجدها أخيرًا إلى جواره، زوجةً وحبيبةً وقدرًا كتبه الله له.
ومنذ ذلك الصباح، بدأ باران بالفعل في إعداد عشهما الجديد.
اختار بنفسه كل تفصيل، وتابع العمال، وراح يرسم في خياله شكل البيت الذي سيجمعه بديلان.
وكان يحرص على شيء واحد قبل كل شيء...
ألا تعرف ديلان شيئًا عن الأمر.
فقد قرر أن يمنحها مفاجأة لن تنساها.
مفاجأة يفتحان معها صفحة جديدة...
بعيدًا عن شقة مراد، وبعيدًا عن الذكريات التي أوجعتهما طويلًا.
وللمرة الأولى، شعر باران أن المستقبل لا يبدو مخيفًا كما كان.
بل بدا وكأنه ينتظرهما... في الطابق الرابع.
في اليوم التالي.......
ما إن غادر باران المنزل حتى بقيت ديلان واقفة للحظات تحدق في الباب، وقد ازدادت حيرتها بسبب طريقته الغامضة في الحديث.
لم تكن تعلم أن خلف ذلك الباب، وفي الطابق الرابع تحديدًا، كان حلم صغير يتشكل قطعةً قطعة.
فمنذ أن أخبر باران والديه برغبته في الانتقال من شقة مراد، بدأ يعمل على تحويل الطابق الرابع إلى منزل كامل، ولم يترك فيه شيئًا للصدفة.
كان الطابق في البداية مجرد مساحة تضم ورشته ومكتبه وبعض الغرف التي لم تكن مجهزة بالشكل الذي يليق بها، مانت عبارة عن جدران خام، لكن باران رأى فيها أكثر من مجرد مكان للسكن.
رآه بدايةً جديدة،
بيتًا له ولزوجته،
ولهذا قرر أن يجعله مختلفًا تمامًا عن شقة مراد.
لم يرد أن يكون المكان فخمًا بصورة مبالغ فيها، بل أراده عصريًا، هادئًا، دافئًا... يحمل لمسة ديلان قبل أن تدخله.
وكان أغرب ما في الأمر أن معظم اختياراته لم تكن من أفكاره وحده.
لقد استعاد في ذاكرته أحاديث قديمة كانت ديلان قد قالتها دون أن تنتبه، عندما كانت تجلس بالقرب منه أثناء عمله على التصميمات الهندسية، وخصوصًا حين كان يُعد تصميم منزل هازان.
كانت يومها تتأمل المخططات التي أمامه باهتمام، وتسأله عن توزيع الغرف، وألوان الجدران، وأشكال الأثاث، ثم كانت تبدي رأيها بعفوية كلما أعجبها تصميم ما.
وكان باران آنذاك يظن أنها مجرد أحاديث عابرة...
لكنه اكتشف الآن أنه حفظها كلها.
اختار لغرفة المعيشة تصميمًا عصريًا واسعًا، بألوان هادئة ومريحة للعين، مع أريكة كبيرة مريحة ومقاعد أنيقة، وطاولة وسط بسيطة التصميم، تتناغم مع ديكور المكان دون أن تجعله يبدو مزدحمًا.
وتذكر يوم قالت له ديلان، وهي تنظر إلى أحد تصميماته عندما كانت تختبئ بورشته، عندما طردها مراد رحمها الله:
ديلان: أحب البيوت التي تكون بسيطة وأنيقة في الوقت نفسه... لا أحب كثرة التفاصيل التي تجعل المكان خانقًا.
لذلك ابتعد عن الزخارف المبالغ فيها، واختار خطوطًا هندسية بسيطة، وإضاءة دافئة، ونوافذ واسعة تسمح لأشعة الشمس بالدخول إلى المكان.
أما الجدران، فاختار لها ألوانًا فاتحة تمنح الشقة اتساعًا وهدوءًا، مع جدار واحد في غرفة المعيشة صُمم بطريقة مختلفة ليمنح المكان لمسة عصرية مميزة.
وفي أحد أركان الغرفة وضع مكتبة أنيقة، تضم رفوفًا مفتوحة للكتب، وبجانبها مقعد مريح.
فقد تذكر ديلان وهي تقول ذات مرة، بينما كانت تقلب إحدى أوراق تصميم منزل هازان:
ديلان: لو كان لي بيت يومًا، أريد ركنًا صغيرًا للقراءة... مكانًا أجلس فيه بهدوء بعيدًا عن الضوضاء.
ابتسم باران يومها ولم يعلّق، مان اذاك يراها رغبة زوجة اخيه، لتصبح اليوم امنية لزوجته يحققها لها .
أما الآن، فقد قرر أن يمنحها ذلك الركن الذي لم تطلبه منه يومًا.
وفي المطبخ، اختار تصميمًا عصريًا مفتوحًا، بخزائن مرتبة ومساحات واسعة للحركة، مع طاولة صغيرة لتناول الإفطار.
ولم ينسَ أنها كانت تحب أن يكون المطبخ عمليًا قبل أن يكون فاخرًا.
حتى غرفة النوم لم تكن أقل اهتمامًا.
اختار لها أثاثًا عصريًا أنيقًا، وسريرًا واسعًا، وخزائن بتصميم بسيط، مع إضاءة جانبية هادئة تمنح الغرفة جوًا دافئًا في المساء.
أما الستائر، فاختارها بلون هادئ يسمح بدخول ضوء الصباح دون أن يكشف خصوصية الغرفة.
وكان باران يقف أحيانًا وسط المكان بعد انتهاء العمال من عملهم، يتأمل ما أنجزوه، ثم يتخيل ديلان وهي تدخل من الباب للمرة الأولى.
كان يتخيل دهشتها...
ابتسامتها...
ثم ربما تلك الطريقة التي ستبدأ بها في سؤاله عن سبب كل تفصيل.
وفي كل مرة كان يتخيل ذلك، تزداد ابتسامته.
حتى إنه لم يكتفِ بالأثاث.
اختار بعض اللوحات البسيطة، ومصابيح عصرية، ونباتات داخلية صغيرة موزعة في أركان الشقة، لأنه تذكر أنها كانت تحب وجود النباتات حولها.
أما أكثر ما كان يعنيه، فقد كان ركنًا صغيرًا قرب النافذة.
طاولة أنيقة وكرسي مريح، وبجانبه رف صغير.
كان ذلك المكان مخصصًا لها.
مكانًا يمكنها أن تقرأ فيه، أو تكتب، أو تحتسي قهوتها، أو تجلس وحدها حين تحتاج إلى الهدوء.
لم تكن ديلان تعرف أن ذلك الركن وُلد من جملة عابرة قالتها قبل أشهر، حين كانت تراقب باران وهو يعمل على أحد تصاميمه.
أما هو، فلم ينسَ.
كان يتذكر كل شيء.
وحتى عندما كان العمال يسألونه عن سبب إصراره على تغيير تصميم معين أو استبدال قطعة أثاث بأخرى، كان يجيبهم بثقة:
باران: لا... هذه ليست مناسبة.
لم يكن يقول لهم أن تلك القطعة ليست مناسبة لديلان.
ولم يكن يخبرهم أن كل زاوية في ذلك المكان صُممت وهو يفكر فيها.
فهذا البيت لم يكن مجرد شقة جديدة.
كان رسالة حب صامتة.
رسالة أراد باران أن يقول لها من خلالها:
لقد كنت أستمع إليكِ طوال الوقت... حتى في اللحظات التي ظننتِ أنني لم أكن منتبهًا فيها.
تذكرت ما أحببتِ، وما تمنيتِ، وما كنتِ تقولينه بعفوية وأنتِ تنظرين إلى تصميماتي.
والآن... حان الوقت لأمنحكِ شيئًا مما حلمتِ به.
وفي المساء، وقف باران في منتصف غرفة المعيشة بعد أن غادر آخر عامل، وأخذ يتأمل المكان للمرة الأخيرة.
كان كل شيء تقريبًا قد اكتمل.
رفع عينيه نحو الدرج المؤدي إلى الطابق، وتخيلها وهي تصعد إليه، ثم تدخل من الباب.
ابتسم لنفسه وقال في هدوء:
باران: أتمنى أن يعجبكِ يا ديلان...
ثم مرر يده على ظهر أحد المقاعد، وأضاف بابتسامة عاشقة:
باران: بل أنا متأكد أنه سيعجبكِ... لأنني لم أصنعه كما أحب أنا، وإنما كما كنتِ تحلمين أنتِ.
ولم يكن يعلم أن تلك المفاجأة الصغيرة ستصبح بالنسبة إلى ديلان أكثر من مجرد منزل جديد.
فقد كانت، دون أن تدري، ستكتشف أن الرجل الذي ظنت يومًا أنه لم يكن ينتبه إلى تفاصيلها...
كان يحفظها في قلبه واحدةً واحدة.
كان باران يُعِدّ البيت بكل ما يحمله قلبه من حبٍّ وشغف، حريصًا على أن يجعل كل زاوية فيه تنبض بشيءٍ من روحه، وكأنّه ينسج بيديه مكانًا يليق ببداية جديدة تجمعه بديلان، ولم يتبقَّ أمامه سوى تفاصيل قليلة، لكنه كان يتعامل معها بعناية بالغة، ويسابق الوقت لإنهائها قبل أن تكتشف ديلان ما يُحضّره لها.
فقد كان يخشى أن تفضح إحدى التفاصيل الصغيرة مفاجأته، أو أن تتسلل إليها خيوط ما يدبّره لها قبل أوانه، لذلك كان يتكتّم قدر استطاعته، ويخفي عنها كل ما يمكن أن يقودها إلى الحقيقة، بينما كان في داخله يبتسم كلما تخيّل الدهشة التي سترتسم على وجهها حين ترى ما أعدّه لها.