رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الرابع والخمسون54 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الرابع والخمسون54 بقلم عاشقة القلم

✍️«بدونك، حبيبي، صباحي حزين، ويومي غامض، ولياليَّ معتمة مضطربة...»

كان الليل قد انقضى مثقلًا بالمشاعر، حتى جاء صباح اليوم التالي، حاملاً معه شيئًا من السكينة.

وحين بزغت الشمس من خلف الأفق، وانبثق نورها الذهبي الدافئ، تسللت أشعتها المشرقة من نافذة حجرتهما، لتنساب فوق أرجاء الغرفة بهدوء، وتلامس وجه ديلان المستلقي على الوسادة.

تحركت داخل فراشها ببطء، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تفتح عينيها الرماديتين.

رفعت بصرها إلى الجانب الآخر من الفراش...

فتجمد قلبها للحظة.

كان المكان خاليًا.

اتسعت عيناها، وتسارعت أنفاسها، وعاد ذلك الخوف القديم ليطرق قلبها بعنف.

هل تركها مرة أخرى؟،

هل مضى دون أن يخبرها؟،

هل استيقظ وقرر أن يبتعد عنها كما فعل من قبل؟،

شعرت بغصة مؤلمة تعتصر صدرها، ثم دفعت الغطاء عنها ونهضت بصعوبة، وما إن وقفت حتى خانتها ساقاها، فأسندت نفسها إلى الحائط، بينما انحدرت دمعة ساخنة على وجنتها.

كانت كل خطوة تخطوها نحو الباب أشبه برحلة طويلة من الألم والخوف.

وحين وصلت إليه أخيرًا، مدت يدها المرتجفة وفتحته، وما إن همّت بالخروج حتى فوجئت بباران يدلف إلى الغرفة في اللحظة ذاتها.

اصطدمت به، وكادت تفقد توازنها وتهوي أرضًا، لكنه أسرع إليها، وأمسكها من خصرها بحذر ولهفة، وجذبها إليه قبل أن تسقط.

قال وهو ينظر إليها بمداعبة حاول بها أن يخفف عنها:

باران: لا، لا... ينفع ان تقعي مثل كل مرة، بالذات وإنتِ على حالتك هذه.

لكن ابتسامته اختفت شيئًا فشيئًا حين وقعت عيناه على عينيها.

كانت دموعها متجمعة في مقلتيها، تتراقص على حافتهما، وكأنها تنتظر لحظة واحدة فقط لتنهار.

تغيرت ملامحه، وسألها بقلق وحنان:

بارات: لماذا تبكين يا قلبي؟.

رفعت ديلان بصرها إليه، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى خانتها دموعها، فانحدرت على وجنتيها بلا توقف.

قالت بصوت متهدج، تختلط فيه اللهفة بالخوف:

ديلان: أنت أين كنت؟ ولماذا تركتني لوحدي؟ أنا ظننتك تخليت عني مرة أخرى وذهبت...

شعر باران بوخزة في قلبه.

كيف استطاعت تلك الفكرة أن تؤلمها إلى هذا الحد؟،

رفع يده برفق، ومسح دموعها المنسابة على وجنتيها، ثم ابتسم لها بحنان وقال:

باران: أنا أترمك؟ مستحيل، إنتِ روحي... هل يوجد أحد يترك روحه ويبتعد عنها؟، أنا أموت لو إبعدت عنك ثانية واحدة، وأح...

لم تدعه يكمل.

وضعت كفها على شفتيه بسرعة، وقالت بلهفة وقد ارتجف صوتها:

ديلان: لا بأس عليك... أنا التي روحي تفارقني لو إبتعدت عنك.

ساد بينهما صمت قصير، لكنه كان أبلغ من كل الكلمات.

ثم ضمها باران إليه بحب، فاستسلمت ديلان لعناقه، وتشَبثت به بقوة، وكأنها تخشى أن تفقده إن تراخت ذراعاها للحظة.

كان احتضانها بالنسبة إليها وعدًا بالأمان، أما بالنسبة إليه، فكان اعترافًا صامتًا بأنه لم يعد يحتمل رؤية الخوف في عينيها.

وبعد لحظات، ابتعد عنها قليلًا، ونظر إلى وجهها قائلًا برفق:

باران: تعالي ارتاحي، حتى لا تتعب قدميم من الوقوف.

هزت رأسها، وقالت بخفوت:

ديلان: لا... أنا سأذهب أتوضأ وأصلي الضحى، يكفي أن صلاة الفجر فاتتني... كان لابد ان توقضني.

ابتسم باران بحنان وقال:

باران: حاولت أن اوقضكِ، والله، لكن المسكن نوّمك، ولم تشعري بأي شيء.

قطبت حاجبيها باستـياء طفولي، وقالت:

ديلان: إذن، أنا لن اتناوله مرة اخرى، إذا كان سيمنعني من صلاة الفجر.

اتسعت عينا باران بلهفة، وقال سريعًا:

باران: لا، يمكن، هذا المسكن ضروري حتى لا يؤلمك الكسر، وتستطيعي ان تنامي مرتاحة.

صمتت لحظة، ثم قالت بخفوت:

ديلان: إذن لا آخده قبل أن أنام... يمكن ان آخده بعد العصر.

مد باران يده، ولمس خصلاتها الكستنائية بحنان، ثم قال:

باران: تمام... الذي يريحك.

ابتسمت له ديلان ابتسامة صغيرة، ثم قالت:

ديلان: حسنا، أنا سأذهب لأتوضأ.

نظر إليها بحب، ثم سألها:

باران: أتريدين ان أساعدك؟.

ازدادت حمرة وجهها حياءً، وهزت رأسها قائلة:

ديلان: لا... أنا أستطيع ان افعل ذلك.

ابتسم باران بلطف، وقال:

باران: إذن إذهبي توضئي، وإعتني بنفسك... وصلي دوني ان تتعبي، وأنا إلى ان تنتهي من الصلاة سأحضر لك الفطار.

نظرت إليه بدهشة خفيفة، ثم قالت:

ديلان: لا، تتعب نفسك... أنا سأحضره.

رفع حاجبه وكأنه يعترض على أمر لا يقبل النقاش، وقال:

باران: لا، أنا الذي سأحضره.

ثم أردف بنبرة مرحة متعمدة:

باران: أنا أحظر طبق جبنة بالطماطم وبيض مسلوق يجنن... وكأس شاي ساخن!، سيعجبك جدا!!...

لم تستطع ديلان منع نفسها من الضحك.

انفلتت منها ضحكة عفوية، صافية، بددت شيئًا من ثقل الصباح، وملأت الغرفة بدفء لم تعرفه منذ وقت طويل.

نظر إليها باران وهو يبتسم.

وكانت تلك الضحكة بالنسبة إليه أثمن من أي شيء.

أما هي، فظلت تنظر إليه للحظات، وقلبها يردد ما عجز لسانها عن قوله:

حين وجدتك، أيقنت أنك خلاصي.

بحثت عنك طويلًا حتى وجدتك، دون أن أعلم أن القدر كان يخفيك عني ليعيدك إليّ في اللحظة التي أكون فيها أكثر احتياجًا إليك.

أنت شغفي، وارتوائي، وطمأنينتي.

وبقربك أصبحت حياتي كاملة، وأصبحت السعادة نعمتي التي لم أكن أجرؤ على الحلم بها.

لقد أخطأ المصير بحقي كثيرًا، وأوجعني في طرق لا تُحصى، لكنه منحني في النهاية أجمل ما يمكن أن يعوض كل ذلك الألم...

منحني إياك.




آنذاك... داخل شقة عزت

ساد الهدوء أرجاء الشقة في ذلك الصباح، ولم يكن يُسمع سوى همسات الحياة اليومية التي بدأت تستيقظ شيئًا فشيئًا.

في غرفة المعيشة، كان عزت قد أنهى صلاته للتو، نهض بهدوء، ثم انحنى يطوي سجادة الصلاة بعناية، قبل أن يضعها فوق مسند المقعد.

وفي تلك اللحظة، دلفت عائشة إلى الغرفة، وما إن رأته حتى ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:

عائشة: حَرَمًا يا عزت.

التفت إليها عزت، ولا تزال على وجهه ملامح الخشوع، وأجابها:

عزت: جمعًا إن شاء الله.

ثم رفع بصره إليها، وكأنه تذكر شيئًا، فسألها مستفهمًا:

عزت: مع من كنتِ بتكلمي قبل قليل؟.

جلست عائشة على المقعد، وأسندت ظهرها إليه براحة، ثم أجابته:

عائشة: هذه صفية، زوجة أخوك.

توقفت لحظة، ثم تابعت بابتسامة:

عائشة: لقد جلبت لنا طبق فيه فطائر سخنة... إنت تعرفها، هي دائمًا تحظرها وتبعث لنا منها. وصراحة، هي تجيد تحضيرها أحسن مني بكثير.

رفع عزت حاجبيه بدهشة، وقال:

عزت: وهل هي من صعدت السلم بنفسها؟، لماذا لم تبعثها مع دنيز؟.

ابتسمت عائشة وأجابته:

عائشة: أنا قلت لها ذلك، قلت لها: «ماكنت أتعبتي نفسك، وكنتي بعثتِيه مع دنيز.»

ثم أردفت موضحة:

عائشة: قالت لي إن دنيز لازالت نائمة، لذلك هي من جلبته بنفسها، ووعندما علمت إن ديلان عاد لبيتها بالسلامة، فرحت جدًا، وقالت لي إنها ستصعد لتعودها بالليل.

أومأ عزت برأسه، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا.

كان خبر عودة ديلان إلى البيت قد أعاد شيئًا من الطمأنينة إلى قلب الجميع، حتى أولئك الذين لم يتحدثوا كثيرًا عن خوفهم عليها.

قال عزت بعدها:

عزت: إذن تعالى حتى نفطر.

نهضت عائشة معه، واتجها إلى غرفة الطعام، حيث جلسا حول المائدة التي أعدت عليها وجبة الإفطار.

وبينما كانا يتناولان الطعام، رفعت عائشة عينيها عن طبقها، وسألت بنبرة تحمل شيئًا من القلق الأمومي:

عائشة: يا ترى هل الأولاد إستيقضوا او لازالوا نائمين؟.

ابتلع عزت ما في فمه، ثم أجابها ببساطة:

عزت: أكيد إستيقضوا، فأنتِ تعلمين عادة ابنك، يحب ان يستيقظ باكرا حتى يصلي الضحى.

تنهدت عائشة، ثم قالت باستـياء ممزوج بالحنان:

عائشة: كان يحب علي ان أبعث لهم بفطارهم من هنا، ديلان لازالت مريضة، ولن تستطيع ان تحضّر شيء.

ابتسم عزت، وقال محاولًا أن يطمئنها:

عزت: أتركيهم يا عائشة، يعتادوا على بعض، باران معها، ويستطيع ان يتصرف.

رفعت عائشة حاجبها، ثم انفجرت ضاحكة:

عائشة: باران؟! وه لا يعرف حتى أن يسخّن رغيف هبزغ! فكيف سيتصرف إذن؟.

ضحك عزت بدوره، لكن عائشة لم تلبث أن عادت إلى قلقها، وكأن عقلها لم يستطع أن يتوقف عن التفكير في ديلان.

قالت وهي تمد يدها نحو هاتفها:

عائشة: أنظر... أنا سأتصل به على هاتفه وأقول له إنني سأجلب لهم الفطار.

لكن عزت أسرع في الاعتراض، وقال بحزم لطيف:

عزت: لا يا ستّي، اسمعي الكلام وأتركيهم على راحتهم.

نظرت إليه عائشة، بينما تابع هو:

عزت: ابنك لو احتاج لشيء، هدسينزل ويطلبه منك، فإطمني إذن، ولا تقلقي عليهم.

سكتت عائشة لحظات، ثم وضعت الهاتف جانبًا، لكنها لم تستطع أن تمنع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهها.

كانت تعرف أن عزت محق.

ومع ذلك، كانت الأمومة شيئًا لا يعرف كلمة «اطمئني».

فمهما كبر أبناؤها، ومهما أصبحوا قادرين على الاعتناء بأنفسهم، ظل قلبها معلّقًا بهم، يراقبهم من بعيد، ويخشى عليهم من أبسط الأشياء.

أما عزت، فكان ينظر إليها بحب صامت، وقد أدرك أن قلقها هذه المرة لم يكن على باران وحده...

بل على ديلان أيضًا.

تلك الفتاة التي دخلت حياتهم في ظروف قاسية، ثم تسللت إلى قلوبهم حتى أصبحت واحدة منهم، دون أن يشعر أحد متى حدث ذلك.

ولذلك، كان عزت يعرف أن عائشة لن تهدأ بسهولة...

إلا حين تراهما بخير بعينيها.




داخل شقة مراد...

نهضت ديلان ببطء عن المقعد القابع في حجرة نومها، بعدما أدّت صلاتها وهي جالسة عليه، إذ لم تكن ساقها وذراعها تسمحان لها بأن تؤديها واقفة.

كانت لا تزال ترتدي الروب الثقيل الذي ارتدته فوق ثياب نومها، وحين شرعت في نزعه، انفتح باب الغرفة ودلف باران إليها.

وقعت عيناه عليها، فتوقف لحظة، ثم رمقها بدهشة قبل أن يسأل:

باران: ما الذي جعلك ترتدين هذا الروب؟.

ابتسمت ديلان ابتسامة خجولة، وأجابته بهدوء:

ديلان: ارتديته فوق ثياب النوم؛ لأنني لا أستطيع أن أُصلّي وأنا أرتدي بنطالًا.

أومأ باران موافقًا، وقال ببساطة:

باران: معكِ حق... ولكن كان عليكِ أن تناديني لأساعدك، حتى في تبديل ثيابك.

خفضت ديلان صوتها وكأنها تريد إنهاء الحديث:

ديلان: انتهى الأمر الآن، فقد صلّيت، والحمد لله.

غير أن باران لم يقتنع، فاقترب منها وقال بجدية ممزوجة بالحنان:

باران: أنا لا أتحدث عن وقت الصلاة فقط، وإنما أقصد أنه كان ينبغي لكِ أن تبدّلي ثيابك، لا يُعقل أن تظلي طوال اليوم مرتدية ثياب النوم.

طأطأت ديلان رأسها، وشعرت بشيء من التوجس يتسلل إلى قلبها، لم تكن تعرف إلى أين يريد باران أن يصل بكلامه، ولا لماذا شعرت فجأة بأن دقات قلبها تسارعت.

لاحظ باران ارتباكها، فاقترب أكثر، وأحاطها بذراعيه برفق، ثم قال بصوت خفيض يحمل من الحنان ما أذاب شيئًا من خوفها:

بارلن: حبيبتي وروحي، أنا لا أريدكِ أن تتعبي نفسك ما دمتُ موجودًا، أنتِ زوجتي وأنا زوجك، وليس في الأمر ما يدعو إلى الحرج إن ساعدتكِ.

تسللت كلماته إلى أعماقها، ولمست أوتارًا دقيقة في قلبها، فابتعدت قليلًا عن صدره، ورفعت عينيها إليه.

ظلت ترنو إلى عينيه اللتين تشبهان العسل في صفائه ونقائه، وكأنها للمرة الأولى تسمح لنفسها بأن تصدق حقيقة ما يجمعهما.

وتناست للحظات آلام جسدها، ولم يبقَ في وعيها سوى تلك الكلمة التي تردد صداها داخلها...

زوجتي.

همست بخفوت:

ديلان: صحيح يا باران... أنا زوجتك.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، وقال دون تردد:

باران: طبعًا... زوجتي، وكل عمري.

شعرت ديلان بشيء دافئ ينساب إلى قلبها، فحدقت فيه بعينين تلألأ فيهما بريق أخاذ، ثم قالت بخجل طفولي:

ديلان: قلها مرة أخرى... أريد أن أسمعها منك مليون مرة.

اتسعت ابتسامته، ورفع كفيه ليحتضن بهما وجهها برفق، ثم قال:

باران: ديلان... حبيبتي، وروحي، وزوجتي، وكل حياتي. أحبك... بل أموت فيكِ يا دودو.

ما إن سمعت اللقب حتى ترقرقت الدموع في عينيها.

ديلان: ياااه... دودو.

توقفت لحظة، وكأن الاسم أعاد إليها زمنًا دفنته الأيام في أعماق ذاكرتها، ثم تابعت بصوت مثقل بالحنين:

—ديلان: مرّت سنوات طويلة منذ سمعت هذا الاسم.

تبدلت ملامح باران، وسألها بلطف:

باران: ومن كان يناديكِ به؟.

ارتجف صوتها قليلًا، وأجابته والحنين يخنق حروفها:

ديلان: أبي... رحمه الله.

ساد الصمت بينهما لحظة، ثم قال باران بخفوت:

باران: رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

ثم حاول أن يعيد إليها ابتسامتها، فقال ممازحًا:

باران: ولكن هل هذا وحده ما جعلكِ تبكين هكذا؟.

رفع يده ومسح دموعها برفق، ثم أضاف:

باران: أنا لا أحب أن أرى هذه الدموع في عينيكِ أبدًا.

احتضنت ديلان يده بكفها اليسرى، وكأنها تستمد منها الأمان، ثم قالت بابتسامة حزينة:

ديلان: أنا لا أبكي حزنًا... بل لأنني عدت أسمع هذا الاسم من جديد، إنه كان من أحب الأسماء إلى قلبي، لأنه كان أبي يناديني به... وأنت الآن تفعل الشيء ذاته، بارك الله لي فيك، ولا حرمني منك أبدًا.

نظر إليها باران بحنان، وقال:

باران: إن كان الاسم يزعجكِ، فلن أناديكِ به.

هزت رأسها سريعًا، وابتسمت:

ديلان: لا، بل نادني به دائمًا، هذا الاسم يعيدني إلى أسعد أيام حياتي... إلى الأيام التي كان أبي فيها حيًا.

ربت باران على كتفها بحنان، وقال:

باران: عيشي وتذكري يا حبيبتي... وليبقَ كل ما كان جميلًا حيًا في قلبك.

ثم ابتسم وأضاف:

باران: والآن، هيا بنا كي تبدّلي ثيابك.

اتسعت عيناها قليلًا، وابتلعت ريقها بتوتر:

ديلان: لا... لا داعي لذلك.

ابتسم باران، وقد التقط ارتباكها من نبرة صوتها، وقال بإصرار لطيف:

باران: بل هناك داعٍ.

ثم أضاف وهو يرفع حاجبه بمشاكسة:

باران: أم أنكِ تريدين أن يراكِ الناس مرتدية ثياب النوم؟، أنا أغار عليكِ، ولا أحب أن ينظر أحد إلى زوجتي وحبيبتي.

أسندها إليه برفق، ثم ساعدها حتى جلست على طرف الفراش، قبل أن يتجه إلى الخزانة.

وقف أمامها لحظات يتأمل ثيابها، ثم اختار فستانًا وردي اللون، طويل الأكمام، تتوسطه صفوف من الأزرار الأمامية، ثم أغلق الخزانة واتجه إليها.

رفع الفستان أمامها وقال:

باران: أظن أن هذا مناسب... وسيكون سهلًا عليكِ في ارتدائه.

شعرت ديلان بالارتياح، فقد ظنت أنه اختاره لتتمكن من ارتدائه بنفسها، فأومأت موافقة.

لكن باران لم يتحرك فورًا.

أخذ يطيل النظر في أرجاء الغرفة، وكأنه يبحث عن شيء.

راقبته ديلان باستغراب، ثم سألته:

ديلان: ماذا هناك؟، عمَّ تبحث؟.

أجابها دون أن ينظر إليها:

باران: أبحث عن...

ثم خطا بضع خطوات، وانحنى نحو أرض الغرفة، قبل أن يلتقط شيئًا كان يبحث عنه، ويرفعه أمام عينيه قائلًا:

باران: كنت أبحث عن حجابك.

اتسعت عينا ديلان فورًا، وأدركت مقصده، فاعترضت بشدة:

ديلان: لا، لا، لا! ما فعلته بالأمس لن يحدث الآن!.

اتجه باران نحو باب الغرفة وأغلقه، ثم التفت إليها وقال بمكر لطيف:

باران: يبدو أنكِ ستتعبينني... وربما تهربين مني وأنا مغمض العينين.

اقترب منها، ثم شرع في فك الأزرار الأمامية للفستان الذي اختاره لها، أو بالأحرى للفستان الذي قرر أن يساعدها على ارتدائه.

وبعد ذلك عصّب عينيه بحجابها كما فعل في مساء الأمس، وقال وهو يبتسم:

باران: إذا ابتعدتِ من أمامي، فسأنزع الحجاب، وبعدها أنتِ حرة فيما تفعلين.

لم يستجب لاعتراضاتها، وكما فعل في الأمس تمامًا، بدأ يساعدها بحذر حتى ارتدت الفستان.

كان يتلمس طريقه بحرص، محافظًا على وعده، إلى أن انتهى من إغلاق أزراره واحدًا تلو الآخر، حتى بلغ آخرها.

ثم قال:

باران: حسنًا... أيمكنني فتح عيني الآن؟.

وسرعان ما أضاف بنبرة مرحة، وقد ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه:

باران: أرأيتِ كم أنا مؤدب؟، حتى إنني أستأذنك قبل أن أفتح عيني!.

لكن ديلان لم تجبه.

انتظر لحظات، ثم نزع العصابة عن عينيه وأخذ يرمش قليلًا حتى اعتادت عيناه الضوء.

وحين نظر إليها، وجدها جالسة على طرف الفراش، وقد تصبب العرق على جبينها ووجنتيها.

اقترب منها فورًا، ومسح قطرات العرق برفق، ثم قال مازحًا:

باران: هل اخترت لكِ فستانًا ثقيلًا إلى هذه الدرجة، أم أن السبب هو الخجل؟.

كانت ديلان تلهث بخفة، وتضم شفتيها في محاولة يائسة لإخفاء ارتباكها.

جلس باران إلى جوارها، وأحاطها بذراعه بحنان:

باران: حسنًا، اهدئي... لا تخافي.

ثم نظر إلى الفستان، قبل أن يبتسم بإعجاب صادق:

باران: لكن تعرفين ماذا؟ هذا الفستان لاق بك كثيرا... إنه جميل جدًا عليكِ.

ابتسمت ديلان بخجل، وقد راقها إطراؤه رغم محاولتها إخفاء ذلك.

أما باران فانتفخ صدره قليلًا بزهو مصطنع وقال:

باران: طبعًا... دودو زوجتي وحبيبتي قمر، وأي ثوب سيبدو رائعًا عليها.

رفعت ديلان رأسها إليه، ونظرت في عينيه طويلًا، ثم قالت بصوت يحمل امتنانًا يفوق الكلمات:

ديلان: أبقاك الله لي، ولا حرمني منك أبدًا، كلماتك هذه ترفع معنوياتي... تجعلني أشعر بأن لي مكانًا في هذه الحياة، وأن وجودي فيها ما زال يعني شيئًا.

تغيرت ملامح باران، وكأن كلماتها لامست شيئًا عميقًا في داخله.

أمسك يدها التي كانت تستقر بين يديه، ورفعها إلى شفتيه وقبّلها برقة، ثم قال:

باران: هذا ليس مجرد كلام يا دودو... هذه هي الحقيقة.

توقف لحظة، وكأنه يريد أن يحفظ تفاصيلها في ذاكرته، ثم تابع:

باران: كل شيء فيكِ جميل... ملامحكِ، ابتسامتكِ، عيناكِ، شعركِ، طيبة قلبكِ، وعفويتكِ... وحتى وجنتاكِ اللتان تحمران كلما اقتربت منكِ أو تحدثت إليكِ، أحب كل شيء فيكِ... أحبكِ أنتِ، كما أنتِ، بكل تفاصيلكِ. لقد دخلتِ قلبي، ولم تعودي مجرد امرأة أحبها... بل أصبحتِ جزءًا مني.

ارتجف قلب ديلان من وقع كلماته، وقالت بصوت رخيم صادق:

ديلان: وأنا لا أتمنى من الدنيا أكثر من ذلك.

قبّل باران باطن يدها بحنان، فارتعش جسدها من شدة تأثرها، ثم نهض عن الفراش وساعدها حتى وقفت.

تأبطت ذراعه بسعادة، فالتفت إليها مبتسمًا وقال بمشاكسة:

باران: هيا بنا لنتناول الإفطار، فقد صار البيض المسلوق الذي تعبت في إعداده منذ الصباح باردًا!....

ضحكت ديلان بخفة، ومضت إلى جواره، بينما كان قلب باران ممتلئًا بشعور لم يعرفه من قبل؛ شعور رجل وجد أخيرًا المرأة التي يريد أن يبدأ معها يومه وينهي به ليله.

وقبل أن يخرجا من الغرفة، مال نحوها وقال بصوت دافئ:

باران: يصبح يومي مميزًا مع بداية كل صباح، حين أستيقظ وأجدكِ بين ذراعيّ... وفي الليل، لا أتمنى سوى أن أغمر قلبكِ بحناني.

ثم نظر إلى عينيها طويلًا، وأضاف بابتسامة عاشقة:

باران: واعلمي أن النجمة التي تزيّن سماء ليلي لا تكتسب بريقها الآخاذ إلا من عينيكِ.




كانت الأجواء حول مائدة الطعام هادئة ودافئة، وقد بدا واضحًا أن باران لم يكن يسمح لديلان بأن تبذل أي جهد يُذكر.

وكعادته منذ عودتها من المستشفى، تولّى إطعامها بيده، يناولها الطعام بحرص، ويتأكد في كل مرة من أنها تناولت ما يكفي قبل أن ينتقل إلى اللقمة التالية.

كانت ديلان تراقبه بصمت، وقلبها يمتلئ بشعور غريب من الطمأنينة، لم تكن معتادة على هذا القدر من الاهتمام، وكلما حاولت أن تفعل شيئًا بنفسها، وجدته إلى جوارها قبل أن تطلب منه المساعدة.

وبعد أن فرغا من طعامهما، تناول باران برتقالة، وشرع في تقشيرها بعناية، ثم فككها إلى فصوص صغيرة، ورتبها أمامها حتى يسهل عليها تناولها.

راقبته ديلان بعينين تلمعان بالسعادة، ثم بدأت تأكل البرتقال قطعة تلو الأخرى.

التقط باران أحد الفصوص، وقربه من فمها، فتناولت نصفه، بينما تناول هو النصف الآخر.

وما إن مضغه حتى تغيرت ملامحه، فقد كان مذاقه حامضًا على نحو لم يستسغه، فسارع إلى التقاط الكأس الزجاجية أمامه وارتشف منه قليلًا من الماء.

ثم نظر إليها مستنكرًا وقال:

باران: كيف تستطيعين تناولها هكذا؟، أعطيني إياها وسأقشر لك برتقالة أخرى.

ضمّت ديلان الفص إلى يدها، وقالت باعتراض طفولي:

ديلان: لا، لن أعطيك إياها.

رمقها باران باستغراب وقال:

باران: إنها حامضة جدًا! كيف أعجبكِ طعمها؟.

ابتسمت ديلان، وقالت بعينين مليئتين بالرضا:

ديلان: إنها كالعسل.

ضحك باران على ابتسامتها، وقال بمشاكسة:

باران: بالطبع... لأنها من يدي.

نظرت إليه ديلان بحب، ثم قالت:

ديلان: بل لأنك قشرتها لي بنفسك... وهذه أول مرة تفعلها، لذلك لن أتركها حتى آكلها كلها.

هز باران رأسه مستسلمًا، وقال برجاء:

باران: لا تأكليها، أرجوكِ، إنها شديدة الحموضة، وسأقشر لكِ واحدة أخرى.

ابتسمت ديلان، وقالت بخفوت:

ديلان: طعمها في فمي كالشهد.

توقفت الكلمات على شفتي باران للحظة، وأخذ يتأملها بعينين امتلأتا بالحب.

لم تكن البرتقالة هي التي أسعدتها حقًا، بل ذلك الشعور البسيط الذي صنعه اهتمامه بها.

ومضى يومهما على هذا النحو، بين ضحكات خافتة ومواقف صغيرة لا تكاد تُذكر، لكنها كانت بالنسبة إلى قلبيهما أشياء ثمينة؛ إذ تسللت السعادة إلى روحيهما دون استئذان، واستقرت فيهما كأنها كانت تعرف طريقها إليهما منذ زمن.

وفي المساء، حضر أفراد العائلة للاطمئنان على ديلان، وجاءوا واحدًا تلو الآخر، يحملون معها كلمات الدعاء والسؤال عن صحتها.

أما دنيز، فقد غابت عن الزيارة، متذرعة أمام والدتها بأنها تشعر بوعكة صحية.

لم يعلّق أحد على غيابها، وانشغل الجميع بديلان التي بدت حالتها تتحسن يومًا بعد يوم.

داخل شقة مراد

في وقت متأخر من الليل، دلف باران إلى غرفة ديلان، فوجدها مستلقية على فراشها.

اقترب منها مبتسمًا، وأخذ يوزع نظراته بينها وبين المساحة الخالية من الفراش إلى جوارها.

فهمت ديلان ما يريده دون أن ينطق، فابتعدت قليلًا وأفسحت له مكانًا بجانبها.

وما إن وجد المساحة التي تركتها له حتى اندفع إلى جوارها، ثم ضمها إلى صدره وأطلق تنهيدة عميقة، كأن قربها وحده قادر على انتزاع كل ما علق بروحه من تعب اليوم.

ظل محتضنًا لها عدة دقائق، لا يتحدث، ولا يفعل شيئًا سوى الاستكانة إلى دفء وجودها.

ثم ابتعد قليلًا، وأخذ يتأملها بنظرات طويلة، كانت تحمل من الحنين أكثر مما تستطيع الكلمات وصفه.

ابتسمت له ديلان ابتسامة خجلى.

مال باران نحوها قاصدًا تقبيلها، لكنها ابتعدت عنه في اللحظة الأخيرة بخفة، فاستقرت قبلته على عنقها.

ارتجف جسدها بخجل، وشعرت بقشعريرة تسري في أطرافها، بينما تظاهر باران بالاستياء وقال:

باران: مرة أخرى؟ ابتعدتِ مرة أخرى!.

ثم نظر إليها متذمرًا على نحو مرح:

باران: كلما حاولت أن أقبلكِ ابتعدتِ عني!، أظنكِ لا تقبلين إلا وأنتِ نائمة.

ابتسمت ديلان بخجل، وقالت باستغراب:

ديلان: وكيف يعني؟.

أجابها باران بحب:

باران: أجل... لأنني لا أعرف كيف أقبلكِ إلا وأنتِ نائمة.

ازدادت حمرة وجهها، وسألته بحياء:

ديلان: تقصد قبلة الحياة التي كانت في المستشفى؟.

هز باران رأسه نافيًا، وقال:

باران: لا، ليست تلك وحدها... هناك اثنتان أخريان.

شهقت ديلان بدهشة:

ديلان: أين؟! أنت تمزح بالتأكيد!

أومأ باران بالنفي، وقال بثقة:

باران: لا، أنا فعلًا قبّلتكِ هنا... في هذه الغرفة.

ثم ابتسم وهو يتذكر:

باران: واحدة بالأمس ليلًا، بعدما بدّلت ملابسي وجئت إليكِ، والأخرى هذا الصباح، قبل أن تستيقظي من نومكِ.

وضعت ديلان يدها على وجهها من شدة الخجل، وقالت:

ديلان: إذن أنت تستغل نومي!.

ضحك باران، وقال بكل صراحة:

باران: بصراحة... نعم.

ثم شدها إليه بحنان، وأضاف ممازحًا:

باران: والآن نامي، فلا توجد لدينا قمرات يسهرن حتى هذا الوقت.

ضحكت ديلان بخفة، وقالت بعناد طفولي:

ديلان: لا، لن أنام.

ضمها باران إليه أكثر، وقال متحديًا إياها:

باران: حقًا؟ حسنًا، لنرَ إلى متى ستتمكنين من المقاومة.

ومرت برهة، حتى بدأت ديلان تستكين بين ذراعيه شيئًا فشيئًا، فسكن جسدها، وأصبح تنفسها أكثر هدوءًا.

ظن باران أنها غفت أخيرًا، فمال نحوها ليقبلها من شفتيها، لكنه ما إن اقترب حتى سمع صوتها وهي تقول وعيناها مغمضتان:

ديلان: أنا ما زلت مستيقظة، بالمناسبة.

انفجر باران ضاحكًا، ثم ضمها إليه بحب وقال:

باران: يا لكِ من مخادعة!.

وبقي محتضنًا لها حتى غلبهما النعاس، فاستسلما للنوم، وقد هدأت أرواحهما أخيرًا في ذلك الحضن الذي صار لكليهما موطنًا للأمان.

ومضى أسبوع آخر، تبدلت خلاله حال ديلان بصورة ملحوظة.

استعادت عافيتها شيئًا فشيئًا، حتى جاء اليوم الذي نزعت فيه الجبس عن يدها اليمنى، وأصبحت قادرة على استخدامها من جديد.

وكان واضحًا أن العناية التي أحاطها بها باران طوال تلك الأيام قد تركت أثرها؛ فقد كان يتابع طعامها ودواءها وراحتها، ولا يسمح لها بأن ترهق نفسها، وكأنه جعل من تعافيها مهمته الأولى.

أما باران، فبعد أن اطمأن إلى تحسن حالتها، بدأ يعود تدريجيًا إلى الشركة، واستأنف عمله كالمعتاد.

ومع ذلك، لم يعد ذلك الرجل الذي كان يترك العمل خلفه حينًا ويعود إليه حينًا آخر بلا اكتراث.

فمنذ أن أصبحت ديلان جزءًا من حياته، صار يحمل معه في كل مكان قلبًا آخر يخشى عليه، وامرأة واحدة لا يريد أن يرى في عينيها ألمًا من جديد.

مر اسبوعين حيث بدأت ديلان تتعافى تماما.

في أحد الأيام، عاد باران من عمله مع نهاية النهار، ودلف إلى الشقة بخطوات أنهكها تعب يوم طويل.

وما إن أغلق الباب خلفه حتى لمح ديلان تتجه نحوه بلهفة، وكأنها كانت تنتظر عودته منذ ساعات.

لم يمنحها فرصة للكلام، بل فتح ذراعيه لها وضمها إلى صدره، فتعلقت ديلان بعنقه، واستنشق عبيرها بشوق واضح، ثم قال بصوت غمره الحنين:

باران: اشتقت إليكِ... اشتقت إليكِ كثيرًا يا دودو.

بادلتْه ديلان عناقه المشتاق، وشعرت بأن التعب الذي كان يسكن جسدها يتراجع لمجرد أن عاد إليها الأمان الذي ألفته في حضوره.

ابتعدت عنه قليلًا، وقالت بابتسامة دافئة:

ديلان: حبيبي... حمدًا لله على سلامتك.

تأملها باران بحنان، ثم أمسك يدها، وقال وهو يتفقدها بعينيه:

باران: كيف حالكِ اليوم؟، هل يدكِ بخير؟.

ابتسمت ديلان، وحاولت أن تبدد قلقه بنبرة مرحة:

ديلان: أنا بخير، وقد أعددت لك السمك أيضًا.

ما إن سمع باران كلمة السمك حتى تبدلت ملامحه، وقال متذمرًا:

باران:لماذا السمك تحديدًا؟! ألا تعلمين أنني أعاني عقدة منه؟.

ضحكت ديلان، ثم أحاطت عنقه بذراعيها وقالت بحنان:

ديلان: لا تخف يا حبيبي... أنا معك، سأُنظفه لك، وسأطعِمك إياه بيدي.

نظر إليها باران لحظات، ثم ابتسم رغمًا عنه.

باران: وهل أستطيع أن أرفض أمام هذا الكلام وهذا العرض؟.

جلسا إلى مائدة الطعام، وكما وعدته ديلان، أخذت تنظف له السمك وتزيل عنه ما يزعجه، ثم تضع اللقمة أمامه بعناية.

كان باران يشعر بسعادة غامرة،

لم يكن مذاق الطعام هو ما أسعده، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي صارت تجمعهما؛ زوجة تنتظره عند عودته، وطعام أعدته من أجله، ويد تمتد إليه بحنان وكأنها تقول له دون كلمات: لقد عدت إلى بيتك.

وكان يراقبها بين الحين والآخر، وقد شعر بأن حياته التي ظن يومًا أنها ستظل أسيرة الماضي، بدأت تمنحه فرصة أخرى.

وبعد أن فرغا من الطعام، انتقلا إلى غرفة المعيشة، وجلسا متجاورين يشاهدان التلفاز.

كانت ديلان مسترخية إلى جواره، بينما كان باران يتابع الشاشة بين حين وآخر، حتى وقعت عيناه فجأة على بقعة حمراء أسفل عنقها.

تغيرت ملامحه، ومد يده إليها برفق، ثم سألها بقلق:

باران: ما هذه يا ديلان؟.

نظرت إلى الموضع الذي أشار إليه، وقالت بخفوت:

ديلان: لقد سقطت قطرة من الزيت الساخن عليّ، بسبب عين السمك ولسعتني.

قطب باران حاجبيه باستياء:

باران: ولماذا لم تضعي عليها مرهمًا؟.

هزت رأسها وقالت ببساطة:

ديلان: لا أعرف أين وضعته... بحثت عن مرهم للحروق، لكنني لم أجده.

نهض باران من مكانه دون كلمة أخرى، واتجه إلى الغرفة التي كان يقيم فيها بعد زواجهما.

وبعد ثوانٍ عاد وهو يحمل أنبوب المرهم في يده.

جلس إلى جوارها، ثم وضع قليلًا من المرهم على أطراف أصابعه، وراح يدهن موضع الاحمرار برفق شديد، متجنبًا أن يؤلمها.

أغمضت ديلان عينيها، وخفق قلبها بعنف.

لم تكن اللمسة مؤلمة، لكن قربه منها، وحرصه عليها، وطريقته الهادئة في الاعتناء بها، كلها أشياء كانت كفيلة بإرباك قلبها.

وبعد أن انتهى، رفع عينيه إليها، وقال بابتسامة تحمل ذكرى قديمة:

باران: أتذكرين؟.

فتحت ديلان عينيها، ونظرت إليه بسعادة، وسرعان ما ارتسمت على شفتيها ابتسامة حنين:

ديلان: طبعًا أتذكر... عندما وضعت لي المرهم على يدي بعدما أحرقتها صينية الفرن.

ابتسم باران، وأخذ يدها بين كفيه، ثم قبّلها بحنان.

كانت لحظة صغيرة، لكنها حملت في داخلهما ذاكرة كاملة؛ أيامًا مضت، ومواقف ظلت عالقة في القلب رغم كل ما حدث بعد ذلك.

رفع باران عينيه إليها، فتلاقت نظراتهما.

ولم تحتج تلك النظرات إلى كلمات.

كان في عينيه شوق طويل، وفي عينيها ارتباك وحب وخوف من أن يبدد شيء ما تلك اللحظة.

مال إليها باران، وقبّل عنقها برفق إلى جوار موضع الاحمرار، ثم عاد بنظره إلى عينيها.

تلاقت عيناهما من جديد، وكأن كل واحد منهما كان يبحث في عيني الآخر عن إجابة لسؤال لم يجرؤ على طرحه.

ثم اقترب منها وقبّل شفتيها قبلة قصيرة غلب عليها الشوق والحنان.

شهقت ديلان بخفوت، وارتجفت أوصالها، ثم استكانت بين ذراعيه.

وتعانقا طويلًا، وقد غلبت مشاعرهما ترددهما، حتى بدا للحظات أن كل ما حولهما قد اختفى، ولم يبقَ سوى قلبين يحاولان أن يتناسيا ما أثقل كاهلهما من ذكريات، إنحنى مرة أخرى وقبلها من شفتيها، حيث

تحولت القبلة لا إراديا إلى تبادل حميم للقبلات والعناق الملتهب، نهض باران عن الاريكة ومن ثم انحنى حاملا اياها الى حجرتهم الخاصة، وضعها برفق على الفراش ومن ثم انهال عليها بقبلاتة الملتهبة، وبغتة نهض عنها وابتعد، واصبح الصمت سيد الموقف.

ثم قال بصوت متهدج:

باران: أنا آسف... لا أستطيع... لا أستطيع.

لم ينتظر ردها، بل استدار وغادر الغرفة متجهًا إلى الغرفة الأخرى.

بقيت ديلان وحدها على الفراش.

ظلت تحدق في الفراغ، عاجزة عن فهم ما حدث تمامًا، ثم ترقرقت العبرات في عينيها،

لم تلحق به، ولم تنادِه.

اكتفت بالصمت، بينما كانت الكلمات تتردد في أعماقها:

لماذا كلما اقتربنا خطوة، أعاد الماضي بيننا المسافة؟.

وفي الجهة الأخرى، جلس باران وحده، وقد وضع كفيه على وجهه.

كان يحبها... وهذا ما لم يعد يستطيع إنكاره.

لكن الماضي كان لا يزال يقف بينهما كجدار عالٍ، كلما حاول الاقتراب منها شعر أنه يصطدم به من جديد.

أما ديلان، فكانت تتمنى لو استطاعت أن تقول له إن الماضي قد انتهى، وإن ما بينهما الآن يستحق أن يُعاش.

وترددت في قلبها أمنية صامتة:

دع آلامنا وذكرياتنا الجميلة تنجلي،

ودع الحياة بيننا تزدهر، وتضمّنا من جديد.

اترك الماضي حيث ينتمي،

وانصت إلى ما يقوله قلبك المخملي.

وهيا بنا نسعى معًا إلى هدم جدران ماضينا،

لعلنا نجد خلفها الطريق الذي يقودنا إلى بعضنا من جديد.
تعليقات



<>