رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثاني والستون62 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثاني والستون62 بقلم عاشقة القلم
لم تكن شقة دنيز ومدحت، في تلك الليلة، تشبه شقة عروسين يخطوان أولى خطواتهما في حياة مشتركة.
كان الصمت أثقل من أن يُحتمل، والهواء نفسه بدا مشبعًا بشيء غامض لا يشبه الفرح الذي يفترض أن يملأ المكان بعد ليلة الزفاف.
ما إن أُغلق باب الشقة خلفهما، حتى أسرعت دنيز إلى الداخل دون أن تلتفت إلى مدحت، ثم اتجهت مباشرة إلى غرفة النوم.
خلعت حذاءها، وجلست على طرف السرير، قبل أن تتظاهر بالإرهاق وهي تضع يدها على جبينها.
قالت بصوت خافت:
دنيز: أشعر بتعب شديد... أريد أن أرتاح قليلًا.
نظر إليها مدحت باستغراب.
كان يتوقع أن تكون تلك الليلة بداية جديدة، لكنه منذ اللحظة الأولى شعر أن دنيز تتعامل معها وكأنه عبء تحاول التخلص منه.
اقترب من باب الغرفة وقال:
مدحت: دنيز، هل أنتِ بخير؟.
دنيز: نعم... فقط أحتاج إلى بعض الراحة.
مدحت مد يده نحو مقبض الباب ليغلقه خلفه، إلا أن صوتها أوقفه.
دنيز: أرجوك، لا تدخل اريد ان ابقى لوحدي.
توقف للحظة، ثم قال بهدوء حاول أن يحافظ عليه:
مدحت: دنيز... أنا زوجك، وهذه ليلة زفافنا.
خفضت عينيها، ثم قالت بعد لحظة تردد مصطنع:
دنيز: أعلم، لكنني... في أيام دورتي، وأشعر بآلام شديدة، أريد أن أبقى وحدي الليلة.
ظل مدحت ينظر إليها طويلًا.
كان يستطيع أن يجادلها، لكنه لم يفعل.
تنفس بعمق، ثم قال:
مدحت: حسنًا، لن أضغط عليكِ.
دخل الغرفة للحظات، أخذ بعض ملابسه، ثم خرج دون كلمة أخرى.
أغلق الباب خلفه بهدوء، وبقيت دنيز وحدها.
وما إن سمعت خطواته تبتعد، حتى تغيرت ملامحها.
لم يكن المرض هو ما يؤلمها.
كان الخوف.
الخوف من الرجل الذي تزوجته، ومن الأسرار التي جمعها عنها، ومن اليوم الذي قد يقرر فيه مدحت أن يفتح فمه ويكشف كل شيء.
مر يوم...
ثم آخر...
ثم مضى أسبوع كامل.
وظل الوضع على حاله.
دنيز تتعمد الابتعاد عنه، تتحاشى الجلوس معه، تختلق الأعذار كلما حاول الحديث إليها، وتقضي معظم وقتها داخل الغرفة.
أما مدحت، فقد ظل صامتًا في البداية.
احترم رغبتها.
أعطاها المساحة التي طلبتها.
لكنه مع مرور الأيام بدأ يدرك أن الأمر لم يعد مجرد رغبة في الراحة.
كانت تتجاهله عمدًا.
وكأن زواجهما بالنسبة إليها قيد تحاول التخلص منه.
وفي إحدى الليالي، بلغ صبره منتهاه.
كان يجلس وحده في غرفة المعيشة، يحدق في الفراغ، بينما تتردد في رأسه كل المواقف التي حدثت خلال الأسبوع الماضي.
نهض أخيرًا.
اتجه إلى غرفة النوم، وطرق الباب مرة.
لم تجبه.
طرق مرة ثانية.
ظل الصمت سيد المكان.
فتح الباب ودخل.
رفعت دنيز رأسها مذعورة.
دنيز: ماذا تريد؟.
توقف أمامها، وكانت ملامحه هذه المرة مختلفة تمامًا.
لم يعد الرجل الهادئ الذي كان يتغاضى عن تصرفاتها.
قال بصوت منخفض لكنه حازم:
مدحت: أريد أن أفهم إلى متى ستستمرين في هذه اللعبة.
أشاحت بوجهها.
دنيز: لا أعرف عمّا تتحدث.
ابتسم بسخرية باردة.
مدحت: بل تعرفين جيدًا.
ثم اقترب خطوة، وقال:
مدحت: منذ ليلة زفافنا وأنتِ تتهربين مني ، احترمت رغبتك، وانتظرت، ولم أضغط عليكِ. لكن أسبوعًا كاملًا وأنتِ تتعاملين معي وكأنني شخص غريب في هذا البيت.
رفعت عينيها إليه وقالت:
دنيز: قلت لك إنني متعبة.
مدحت: وأنا صدقتك في البداية.
صمت لحظة، ثم تابع:
مدحت: لكنني لم أعد أصدقك وقد نفذ صبري من معاملتك لي.
ارتبكت دنيز، وحاولت أن تخفي اضطرابها.
دنيز: ماذا تريد مني؟.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
مدحت: أريدك أن تتوقفي عن التظاهر.
اتسعت عيناها.
تابع:
مدحت: أنا أعرف ما يدور في رأسك يا دنيز، وأعرف لماذا تتصرفين بهذه الطريقة، أنتِ لا ترفضينني لأنك مريضة، ولا لأنك تحتاجين إلى الراحة... أنتِ تخافين.
ساد الصمت.
تجمدت ملامحها.
اقترب منها قليلًا، ثم قال بنبرة أكثر قسوة:
مدحت: تخافين من أن ينتهي هذا الزواج بالطريقة التي بدأ بها... وتخافين من أن ينكشف كل شيء.
ابتلعت دنيز ريقها.
دنيز: لا أفهم ما تقصده.
مدحت: لا داعي للكذب معي.
كانت عيناه ثابتتين عليها.
مدحت: أنا أعرف حقيقتك أكثر مما تظنين.
ارتجفت أصابعها.
ثم قال الكلمات التي كانت تخشاها منذ اللحظة التي دخلت فيها هذه الشقة:
مدحت: وكما لايخفى عليك، فانا أعرف مؤامراتك القديمة... وما فعلته بديلان ومراد، وكل الأكاذيب التي شاركتِك فيها، وكل ما أخفيته عن باران.
شهقت دنيز، ونهضت من مكانها.
دنيز: اصمت!.
ابتسم مدحت بمرارة.
مدحت: لماذا؟ أتخشين أن يسمعنا أحد؟.
ثم اقترب منها وقال:
مدحت: أنا لا أريد فضيحة، دنيز، ولو أردت كشفك لفعلت ذلك منذ زمن.
دنيز: إذن ماذا تريد؟.
أجابها بلا تردد:
مدحت: أريد أن تعرفي أنني زوجك الآن، وأن هذا الزواج لن يكون مجرد اسم على ورق، إن أردتِ أن نكمل، فعليكِ أن تتوقفي عن الهروب مني ومن هذا الواقع.
صمت قليلًا، ثم أضاف:
مدحت: أما إذا قررتِ الاستمرار في معاملتي كغريب، فسأضطر إلى قول الحقيقة أمام الجميع.
ارتعشت شفتاها.
دنيز: أمام من؟.
قال ببرود:
مدحت: أمام ديلان... وأمام باران... وأمام العائلة كلها.
كان وقع الاسمين عليها كضربة موجعة.
عرف مدحت أنه أصاب موضع خوفها الحقيقي.
تابع:
مدحت: لا أريد أن أستخدم أسرارك ضدك، لكن لا تجبريني على ذلك.
جلست دنيز على حافة السرير، وقد بدا عليها الإنهاك.
كانت تعلم أنه يملك ما يكفي لإسقاط الصورة التي بنتها أمام الجميع.
ولأول مرة منذ زواجهما، شعرت بأنها فقدت السيطرة.
أما مدحت، فوقف أمامها لحظات، ثم قال بلهجة قاطعة:
مدحت: من هذه الليلة، سيكون لهذا الزواج قواعد واضحة، لن أسمح لكِ بأن تتجاهليني متى شئتِ، ولن أسمح لكِ بأن تلعبي معي لعبة الهروب والصمت، إن كان بيننا خلاف، سنتحدث عنه. وإن كان لديكِ خوف، فستواجهينه، واول شيء من الليلة لن يكون زواجنا على ورق.
ثم استدار وغادر الغرفة.
بقيت دنيز وحدها.
وضعت يدها على صدرها، تحاول تهدئة أنفاسها المتسارعة.
لم تكن خائفة من مدحت وحده...
بل من الحقيقة التي بدأت تقترب منها ببطء.
فهي، للمرة الأولى، أدركت أن الرجل الذي ظنت أنها تستطيع التحكم به قد أصبح يحمل بين يديه أسرارًا قادرة على تدمير كل شيء بنته طوال السنوات الماضية.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد زواج دنيز ومدحت زواجًا على ورق...
بل أصبح اتفاقًا صامتًا بين شخصين، يعرف كل منهما أن الآخر يملك سلاحًا قادرًا على إسقاطه، وقد الزمها مدحت ليأخذ كامل حقوقه الشرعية منها.
من جهة اخرى كانت امينة ام ديلان قد رفعت قضية طلاق على كاظم، والمحامي الذي ترافع في قضية ديلان هو من وكلته في قضيتها، وقد ساندتها إبنتها وزوجها، وبعد جلستين انصفتها المحكمة وحكمت لها بالطلاق منه واخذت حضانة اولادها منه، حتى هم لايهتموا ولم يشعروا بغيابه، فقد إعتادوا عدم حظره ووبقائه معهم عندما ماموا بحاجته، لءلك لم يهتموا لأمره، ثم بمساعدة باران باعت شقتها بذلك الحي، لتشتري شقة قريبة من حي إبنتنا ديلان، حتى تكون قريبة من إبنتها، وحتى اولادها يكونون قريبين من اختهم ديلان التي كانت تحبهم، ولم تحملهم ذنب والدهم، وكذلك أيضا لتبتعد عن ذلك البيت وذكرياته السيئة، التي كانت تذكرها بسلبيتها مع إبنتها، وتكون قريبة من زوج إبنتها كعزوة وحماية لانها سيدة وحيدة مع طفلين، فعائلة باران هم من وجدوا لها السكن وكلبوا ان تنتقل للبيت الجديد حتى تكون قريبة منهم وقريبة من إبنتها.

بعد مرور ثلاثة أشهر على زفاف باران وديلان، بدت الأيام وكأنها قد قررت أخيرًا أن تمنحهما ما حُرما منه طويلًا؛ ثلاثة أشهر كاملة انقضت منذ ذلك اليوم الذي جمع قلبيهما تحت سقف واحد، وتحوّلت حياتهما إلى حكاية من السكينة والمودة، حتى غدت السعادة رفيقة تفاصيلهما الصغيرة قبل الكبيرة.
كانت ديلان تعيش أيامًا لم تكن تجرؤ، في أشد لحظات ألمها، على أن تحلم بمثلها.
كل صباح تستيقظ فيه إلى جوار باران، كانت تشعر بشيء يشبه المعجزة يتسلل إلى قلبها من جديد، كانت تتأمل حياتها أحيانًا في صمت، فتتذكر كل ما مرت به؛ فقدان والدها، قسوة الأيام، رحيل مراد، الظلم الذي حاصرها، والليالي التي نامت فيها وقلبها مثقل بالخوف والوحدة... ثم تنظر إلى حاضرها، فتجد نفسها إلى جوار الرجل الذي اختاره الله لها بعد كل ذلك الصبر.
كانت تقول في سرها إن الله لم ينسَ دموعها يومًا، وإن كل لحظة انكسار عاشتها كانت تمهّد لها الطريق نحو هذا الجبر.
فباران لم يكن بالنسبة إليها مجرد زوج.
كان حبيبًا طال انتظاره، وصديقًا تستطيع أن تبوح له بما تخفيه عن الجميع، وسندًا تستند إليه حين تتعب، وأمانًا طالما بحثت عنه في هذه الحياة.
وكان يكفيها أحيانًا أن تشعر بوجوده إلى جوارها حتى يهدأ شيء عميق في داخلها.
أما باران، فكان يعيش سعادته بطريقته الخاصة.
كلما نظر إلى ديلان، شعر أن الله قد استجاب لدعاء ظل يحمله في قلبه سنوات طويلة.
لطالما بحث عنها، وطال انتظاره للحظة التي يلتقيها فيها من جديد، وحين ظن أن الأمل قد ضاع، أعادها القدر إلى طريقه بصورة لم يكن يتخيلها.
والآن أصبحت أمامه.
زوجته.
حبيبته.
المرأة التي طالما اشتاق إليها، والتي أخفى لها في قلبه كل ذلك الحب طوال السنوات الماضية.
كان يشعر أحيانًا أن ثلاثة أشهر ليست كافية ليصدق أنه يعيش الحلم الذي ظل يطارده طويلًا.
كان يتأملها وهي تتحدث أو تبتسم، فيجد نفسه يبتسم دون أن يشعر، وكأن مجرد وجودها أمامه كان كفيلًا بأن يملأ قلبه بالامتنان.
وكان يردد في داخله:
الحمد لله... لقد وجدتها أخيرًا.
ولم يكن يكتفي بأن يحبها في صمت، بل كان يغمرها باهتمامه وحنانه، وكأنه يريد أن يعوضها عن كل لحظة شعرت فيها أنها وحيدة، وأن يمحو من قلبها آثار كل ما تسبب لها في الألم.
أما في بيت عزت وعائشة، فقد كانت السعادة لا تقل حضورًا.
كان عزت يراقب ابنه وزوجته من بعيد، وكلما رأى الراحة التي استقرت في ملامحهما، شعر بأن شيئًا ثقيلًا كان يجثم فوق صدره قد زال أخيرًا.
في البداية، كان قد راوده الشك.
بل إنه في بعض اللحظات تساءل في داخله إن كان قد أخطأ حين جمع بين باران وديلان، خصوصًا بعد كل ما عرفه عن الماضي وما مر به الاثنان.
لكن الأيام أثبتت له شيئًا آخر.
فما إن رأى باران كيف ينظر إلى ديلان، وكيف أصبحت ديلان أكثر هدوءًا وطمأنينة، حتى أدرك أن بعض الأقدار لا نفهم حكمتها إلا بعد أن نعيش نهاياتها.
وكانت عائشة تشاركه الشعور نفسه.
كانت تراقب ديلان وهي تتحرك في البيت، وتبتسم كلما رأت أثر السعادة على وجهها، وكأنها ابنة لها وليست مجرد زوجة ابنها.
وفي إحدى المرات، جلست عائشة إلى جوار عزت، وظلت تنظر نحو باران وديلان اللذين كانا يتحدثان في الجهة الأخرى من المنزل.
ابتسمت وقالت بهدوء:
عائشة: انظر إليهما... من كان يصدق أن الأمور ستؤول إلى هذا؟
ابتسم عزت، وأجابها:
عزت: ربما نحن من لم نفهم حكمة الله منذ البداية.
تنهدت عائشة وهي تتابع ديلان بعينين ممتلئتين بالحنان.
عائشة: المهم أنهما سعيدان الآن.
عزت: وهذا كل ما أريده.
ثم سكت قليلًا، قبل أن يرفع يديه بالدعاء:
عزت: أسأل الله ألا يريهما في حياتهما إلا الخير.
أمنت عائشة على دعائه، ثم ابتسمت وهي تقول:
عائشة: وأن يرزقهما ذرية صالحة تملأ هذا البيت ضحكًا وحياة.
ابتسم عزت بدوره وقال.
عزت: آمين يا رب.
لكن ما لم تكن عائشة تعرفه، وما لم يخبرها به عزت، هو السر الذي ظل يحتفظ به في قلبه منذ أن أخبره ابنه بحقيقة ديلان.
لم يخبرها أن ديلان لم تكن مجرد زوجة أخيه الراحل التي عاد باران ليقف إلى جانبها...
بل كانت المرأة التي أحبها باران قبل سنوات، والتي ظل يبحث عنها دون أن يعرف أنها أصبحت قريبة منه إلى ذلك الحد.
كما لم يخبرها بكل تفاصيل قصة مراد وديلان، ولا بما كان ابنه قد اكتشفه عن حقيقة مشاعره تجاهها.
كان يرى أن بعض الأسرار لا حاجة إلى كشفها ما دامت الحقيقة الأهم قد ظهرت أمام عينيه الآن:
باران وديلان يحبان بعضهما، وقد وجدا أخيرًا السكينة التي حُرما منها طويلًا.
وفي كل ليلة، حين يخلد الجميع إلى النوم، كان عزت وعائشة يرفعان أيديهما بالدعاء لهما.
يدعوان الله أن يحفظ ذلك البيت من كل شر، وأن يبارك في زواجهما، وأن يبعد عنهما كل من يحمل لهما السوء، وأن يرزقهما ذرية صالحة تكون امتدادًا لذلك الحب الذي جمع بين قلبيهما بعد رحلة طويلة من الألم والانتظار.
وهكذا مضت الأشهر الثلاثة الأولى من زواجهما...
هادئة، دافئة، مليئة بالضحكات والامتنان.
وكأن الحياة، بعد أن أخذت منهما الكثير، قررت أخيرًا أن تمنحهما فرصة ليتذوقا طعم السعادة التي ظنا يومًا أنها لن تكون من نصيبهما.

في أحد الأيام، كانت ديلان في شقة والدي زوجها، تساعد عائشة في أعمال المنزل منذ ساعات الصباح الأولى.
كانت تتحرك بين المطبخ وغرف المنزل بخفة، تحمل هذا وتضع ذاك، وتصرّ على أن تنهي كل ما بدأته رغم أن عائشة كانت تطلب منها بين الحين والآخر أن تجلس قليلًا وتلتقط أنفاسها.
لكن ديلان، بطبيعتها التي اعتادت أن تبذل جهدها من أجل من تحب، كانت تبتسم كلما سمعت نصيحتها وتجيبها بأنها بخير.
وبينما كانت تحمل بعض الأغراض، شعرت فجأة بدوار شديد باغتها دون مقدمات.
توقفت في مكانها.
للحظة، شعرت وكأن الأرض من تحت قدميها قد بدأت تميد بها، وأن الجدران من حولها تدور ببطء.
اضطربت أنفاسها، وترنحت خطواتها، ومدّت يدها بسرعة نحو أقرب كرسى، وأمسكت بمقبضه بكل قوتها، محاولة أن تستعيد توازنها قبل أن تسقط.
انتبهت عائشة إلى حركتها، فأسرعت نحوها بقلق.
عائشة: ديلان! ماذا بكِ؟.
رفعت ديلان رأسها بصعوبة، وحاولت أن تطمئنها بابتسامة صغيرة.
ديلان: لا شيء يا أمي... فقط شعرت بدوار مفاجئ، وكأن الأرض اهتزت من تحتي للحظة.
أمسكت عائشة بذراعها، وأجلستها برفق.
عائشة: دوار؟ وأنتِ منذ الصباح لا تتوقفين عن العمل!.
ثم نظرت إليها بعتاب أمومي واضح:
عائشة: ألم أقل لكِ أن ترتاحي؟. منذ أن جئتِ وأنتِ تتحركين في أرجاء المنزل وكأنك في سباق مع الوقت!.
ابتسمت ديلان بحرج.
ديلان: لم يبقَ إلا أن أعدّ الغداء، وبعدها سأرتاح، أعدكِ.
هزت عائشة رأسها، لكنها لم تجادلها أكثر.
عائشة: حسنًا، ولكن لا تتعبي نفسك.
نهضت ديلان واتجهت إلى المطبخ، وأخذت تخرج ما تحتاج إليه لإعداد الطعام.
لكنها لم تكد تضع أول شيء أمامها حتى انقبضت معدتها فجأة.
تجمدت في مكانها.
وضعت يدها على بطنها، وشعرت بغثيان قوي اجتاحها دفعة واحدة.
ثم أسرعت نحو الحمام.
وما إن سمعت عائشة صوتها حتى تركت ما بيدها وتوجهت خلفها.
وقفت عند الباب بقلق، تنتظر حتى هدأت ديلان قليلًا، ثم ساعدتها على النهوض.
لكن عيني عائشة كانتا قد تغيرتا.
كانت تنظر إلى ديلان بنظرة مختلفة، وكأن فكرة ما خطرت في ذهنها فجأة.
الدوار...
الغثيان...
التعب...
وضعت عائشة يدها على ذراعها وقالت بحنان:
عائشة: تعالي معي.
ديلان: إلى أين؟.
عائشة: إلى غرفتك.
ديلان: لكن الغداء...
قاطعتها عائشة بحزم لطيف:
عائشة: لا غداء ولا عمل الآن. ستستلقين وترتاحين، وأنا سأستدعي الطبيبة.
حدقت ديلان فيها باستغراب، لكنها لم تجد في ملامحها مجالًا للاعتراض.
ساعدتها عائشة على الوصول إلى الغرفة، ثم جعلتها تستلقي، وغطتها جيدًا.
وبعد وقت قصير، حضرت الطبيبة.
دخلت الغرفة، ألقت التحية، ثم جلست إلى جوار ديلان وبدأت تسألها عن حالتها.
كم مضى على شعورها بالتعب؟،
هل يتكرر الدوار؟،
هل تشعر بالغثيان صباحًا؟،
هل تغيرت شهيتها؟،
أجابت ديلان عن أسئلتها، وهي لا تزال غير قادرة على فهم سبب كل هذا الاهتمام.
بعد ذلك أجرت الطبيبة الفحص اللازم، ثم خرجت من الغرفة.
كانت عائشة تنتظرها في الخارج وقلبها يخفق بقلق.
ما إن أغلقت الطبيبة الباب خلفها حتى اقتربت منها عائشة بسرعة.
عائشة: طمئنيني يا دكتورة... ماذا بها؟.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة هادئة، ثم قالت:
الطبيبة: لا تقلقي، ديلان بخير.
تنفست عائشة براحة، لكنها بقيت تنظر إليها بترقب.
فأكملت الطبيبة:
الطبيبة: بل أظن أن لديكم سببًا جميلًا جدًا للاطمئنان.
اتسعت عينا عائشة.
عائشة: ماذا تقصدين؟.
ابتسمت الطبيبة وقالت:
الطبيبة: ديلان حامل.
تجمدت عائشة للحظة.
وكأن الكلمات احتاجت إلى ثوانٍ حتى تصل إلى قلبها.
عائشة: حامل...؟.
الطبيبة: نعم، الحمل في بدايته، وقد أتمت تقريبًا أربعة أسابيع.
وضعت عائشة يدها على فمها، وامتلأت عيناها بالدموع.
الحمد لله...
كم مرة رفعت يديها في صلاتها وسألت الله أن يرزق ابنها الذرية الصالحة؟،
وكم مرة تمنت أن ترى طفلًا صغيرًا يملأ هذا البيت ضحكًا وحياة؟،
ها هو دعاؤها يتحقق أمامها.
قالت بصوت مرتجف من شدة الفرح:
عائشة: الحمد لله... الحمد لله الذي أكرمني بهذه النعمة.
ابتسمت الطبيبة، ثم أضافت:
الطبيبة: لكن أريدها أن تأتي إلى العيادة لإجراء فحص شامل والتأكد من صحتها وسلامة الحمل، خصوصًا أنها تبدو مرهقة. عليها أن ترتاح أكثر، وألا تبذل مجهودًا زائدًا.
هزت عائشة رأسها بسرعة.
عائشة: بالتأكيد، سأعتني بها بنفسي.
ثم لم تستطع الانتظار أكثر.
بمجرد ان غادرت الطبيبة، دخلت الغرفة، وكانت ديلان مستلقية تراقب وجهها بقلق.
ما إن رأت دموع عائشة حتى جلست على الفور.
ديلان  أمي... ماذا قالت الطبيبة؟.
اقتربت عائشة منها، وجلست إلى جوارها، وأمسكت يديها بين كفيها.
ابتسمت رغم دموعها.
عائشة: قالت إن عليكِ أن تعتني بنفسك أكثر من الآن فصاعدًا.
ازدادت حيرة ديلان.
ديلان: لماذا؟.
وضعت عائشة يدها برفق على بطن ديلان، وقالت:
عائشة: لأن هناك روحًا صغيرة بدأت تنمو هنا.
اتسعت عينا ديلان.
لم تستوعب الكلمات في البداية.
ثم همست:
ديلان: ماذا...؟.
ابتسمت عائشة والدموع تنساب على خديها.
عائشة: أنتِ حامل يا ابنتي.
شهقت ديلان، ووضعت يدها على فمها.
ديلان: حامل...؟.
أومأت عائشة وقالت.
عائشة: أربعة أسابيع تقريبًا.
ظلت ديلان صامتة للحظات.
ثم بدأت دموعها تنهمر بلا شعور.
وضعت يدها فوق بطنها، رغم أنها لم تكن تستطيع بعد أن تشعر بأي شيء.
لكنها شعرت فجأة بأن داخلها سرًا صغيرًا، سرًا سيغير حياتها وحياة باران إلى الأبد.
ابتسمت وسط دموعها.
ديلان: سأصبح... أمًا؟.
احتضنتها عائشة بقوة.
عائشة: نعم يا ابنتي... وستكونين أجمل أم.
دفنت ديلان وجهها في كتفها، وبكت.
لم تكن دموع حزن،
كانت دموع امتنان،
تذكرت كل ما مرت به، وكل المرات التي ظنت فيها أن الحياة لن تمنحها فرصة أخرى للفرح.
وها هي اليوم تحمل في رحمها أول ثمرة للحب الذي جمعها بباران.
رفعت رأسها ومسحت دموعها، ثم قالت بحماس طفولي:
ديلان: أريد أن أخبر باران بنفسي عندما يعود من العمل.
ابتسمت عائشة وقالت.
عائشة: إذن لا تخبريه الآن.
نظرت إليها ديلان باستغراب.
ديلان: لماذا؟.
قالت عائشة:
عائشة: لأن غدًا يوم مميز.
ديلان: غدًا؟.
عائشة: نعم... عيد ميلاد باران.
ثم ابتسمت بمكر لطيف.
عائشة: ما رأيك أن تجعلي خبر حملك أجمل هدية تقدمينها له؟.
اتسعت ابتسامة ديلان، وبدأت تتخيل وجه باران حين يسمع الخبر.
لكنها سرعان ما قالت:
ديلان: انتظري... عيد ميلاده غدًا؟.
عائشة: نعم.
صمتت ديلان لحظة، ثم قالت بدهشة:
ديلان: إنه يوم ميلادي أنا أيضًا.
توقفت عائشة، ثم انفجرت ضاحكة من شدة فرحتها.
عائشة: حقًا؟.
أومأت ديلان وهي تضحك وسط دموعها.
ديلان: نعم... غدًا عيد ميلادنا معًا.
أمسكت عائشة يديها بحماس، وقالت:
عائشة: إذن لم يعد الأمر عيد ميلادكما وحدكما.
ثم وضعت يدها برفق فوق بطن ديلان.
عائشة: سيكون أجمل عيد ميلاد في حياتكما... لأن ثمرة حبكما ستكون بينكما هذا العام.
نظرت ديلان إلى بطنها، وابتسامتها تكبر شيئًا فشيئًا.
تخيلت باران وهو يسمع الخبر.
تخيلت عينيه، وارتباكه، وفرحته، وربما تلك الابتسامة التي لطالما أسرت قلبها.
وضعت يدها على بطنها وهمست:
ديلان: سيحبك كثيرًا... أباك ينتظرك دون أن يعرف أنك قادم.
احتضنتها عائشة من جديد، ورفعت عينيها إلى السماء في امتنان.
عائشة: الحمد لله الذي أتم نعمته علينا.
وفي تلك اللحظة، لم تكن أيٌّ منهما تعلم أن الغد لن يكون مجرد يوم ميلاد...
بل سيكون يومًا سيحفظه باران وديلان في قلبيهما ما بقيا على قيد الحياة.
يومًا سيكتشف فيه باران أن أجمل أمنياته لم تعد مجرد امرأة ظل يبحث عنها طويلًا...
بل أصبحت له عائلة صغيرة تنبض بالحياة، بدأت قصتها من حب طال انتظاره.

في صباح اليوم التالي، استيقظت ديلان وقلبها يخفق بحماس لم تعرفه من قبل.
كان اليوم مختلفًا.
فاليوم لم يكن مجرد يوم ميلاد باران، بل كان اليوم الذي قررت أن تمنحه فيه أجمل هدية يمكن أن تصله.
خبر حملها.
ومنذ أن غادر باران المنزل متوجهًا إلى عمله، بدأت ديلان تستعد بهدوء، تساعدها عائشة في بعض التفاصيل، بينما كانت تحاول أن تخفي فرحتها التي كانت تفضحها ابتسامتها في كل مرة تضع فيها يدها على بطنها.
أما عائشة، فقد كانت قد أخبرت باران في اليوم السابق أن غدًا يصادف عيد ميلاد ديلان أيضًا.
عندما سمع ذلك، اتسعت عيناه بدهشة، وقال:
باران: عيد ميلاد ديلان غدًا؟.
ثم ضحك بسعادة.
باران: لكنه يوم ميلادي أنا أيضًا!.
ابتسمت عائشة، ولم تخبره بالسر الذي اتفقت عليه مع ديلان.
تركته يظن أن المفاجأة الوحيدة التي تنتظره هي احتفال صغير بعيد ميلاد زوجته.
أما الحقيقة...
فكانت أجمل بكثير.
حل المساء أخيرًا.
وكانت ديلان قد انتهت من تجهيز كل شيء.
ارتدت فستانًا أنيقًا انساب برقة على قوامها، وتركت شعرها مرتبًا بعناية، واكتفت بلمسات بسيطة من الزينة زادت ملامحها إشراقًا.
وقفت أمام المرآة للحظات.
نظرت إلى انعكاسها، ثم وضعت يدها على بطنها بابتسامة خجولة.
ديلان: هل أنت مستعد لمفاجأة أبيك؟.
ابتسمت لنفسها، ثم أطفأت الأنوار.
جلست تنتظر.
ومرت دقائق بدت لها أطول من المعتاد.
حتى سمعت أخيرًا صوت المفتاح يدور في الباب.
تسارعت ضربات قلبها.
دخل باران إلى الشقة، وأغلق الباب خلفه.
كان الظلام يملأ المكان.
توقف في منتصف المدخل، ثم عبس باستغراب.
باران: ديلان؟.
لم يجبه أحد.
رفع يده يتحسس مفتاح الإضاءة.
باران: هل انقطعت الكهرباء؟.
تقدم عدة خطوات إلى داخل البهو.
وفي اللحظة التي بلغ فيها منتصفه...
أضاءت ديلان الأنوار فجأة.
ديلان: مفاجأة!.
تجمد باران في مكانه.
اتسعت عيناه وهو يحدق فيها.
لم تكن المفاجأة فيما أعدته فقط، بل في هيئتها التي خطفت أنفاسه للحظة.
كانت تقف أمامه بفستانها الأنيق وابتسامتها المشرقة، وعيناها تلمعان بسعادة واضحة.
ظل ينظر إليها دون أن يتكلم.
ضحكت ديلان بخجل:
ديلان: لماذا تنظر إليّ هكذا؟.
ابتسم أخيرًا وقال:
باران: لأنني لم أجد الكلمات المناسبة بعد.
اقتربت منه وتعلقت برقبته، لتطبع قبلة على وجنته، وأمسكت بيده قائلة.
ديلان: تعال معي.
سحبته معها إلى غرفة الجلوس.
هناك، كانت البالونات تملأ المكان، وعلى الطاولة في المنتصف وُضعت كعكة جميلة تتوسطها شموع بعدد سنوات عمره.
توقف باران من جديد.
مانت ديلان تغني اغنية عيد الميلاد وتصفق بيديها.
ثم التفت إليها بدهشة وقال.
باران: كل هذا من أجلي؟.
ابتسمت.
ديلان: بالطبع.
اقترب من الطاولة، ثم عاد بنظره إليها.
باران: لقد فاجأتِني حقًا، لكن من اين علمت ان اليوم عيد ميلاد.
بأبتسامة زينت ثغرها قالت..
ديلان: أمي عائشة هي من اخبرتني.
عندها تحدث باران بابتسامة مشاكسة:
باران: لكن يبدو أنها نسيتِ أنني أنا أيضًا كنت أستعد لمفاجأتك.
رفعت حاجبيها بدهشة.
ديلان: لي؟.
باران: نعم، لكِ أنتِ فقد اخبرتني امي يوم أمس، ان اليوم هو عيد ميلادك.
ثم وضع حقيبتها التي مان مازال يحملها بيده، وبالقرب منه ووضعها على أقرب كرسي، قبل أن يقترب منها ويفتح ذراعيه.
لم تتردد ديلان.
ارتمت بين ذراعيه.
احتضنها باران بقوة، وكأنه لم يرها منذ سنوات لا منذ ساعات.
ثم حملها بين ذراعيه وأخذ يدور بها وسط الغرفة، وهو يغني لها بدوره اغنية الميلاد.
ضحكت ديلان وهي تتشبث به.
ديلان: باران! توقف!.
لكنه لم يتوقف إلا بعد أن سمع نبرة مختلفة في صوتها.
ديلان: أنزلني... أشعر بالدوار.
توقف فورًا وأنزلها برفق.
أمسك كتفيها، ونظر إلى وجهها بقلق.
ديلان: هل أنت بخير؟.
وضعت يدها على رأسها للحظة، تنهدت بعمق وقالت.
ديلان: نعم، لا تقلق.
ظل يراقبها للحظات، ثم اطمأن عندما رأى ابتسامتها تعود إلى وجهها.
اقترب منها أكثر، وكان على وشك أن يطبع قبلة حانية على شفتيها، لكنها وضعت إصبعها أمامه وقالت بنبرة غامضة:
ديلان: انتظر...
وإىتدت خطوة للوراء.
توقف نظر لها بدهشة ثم قال.
باران: مابك يا ديلان، لماذا اتوقف؟.
نظرت حولها، ثم قالت بصوت خافت:
ديلان هناك شخص يراقبنا.
تجمد باران.
نظر يمينًا ويسارًا بسرعة.
باران: ماذا؟ أين؟.
ضحكت ديلان، وأشارت بيدها إلى بطنها.
ديلان: هنا.
توقف باران.
حدق فيها.
ثم نظر إلى بطنها.
ثم عاد ينظر إلى وجهها.
باران: ماذا تقصدين؟.
ابتسمت، ووضعت يدها على بطنها بحنان.
ديلان: أقصد أن من يراقبنا الآن... موجود هنا.
بقي باران صامتًا لثوانٍ.
وكأن عقله احتاج إلى لحظة حتى يجمع الكلمات.
ثم اتسعت عيناه فجأة.
باران: ديلان...
اقترب منها خطوة.
باران: أنتِ...
ابتسمت وعيناها تلمعان بالدموع، ثم اومأت براسها.
ديلان: نعم.
خرجت الكلمة من بين شفتيها هامسة:
ديلان: أنا حامل.
ظل باران ينظر إليها وكأن العالم توقف من حوله.
ثم قال بصوت مرتجف:
باران: أنتِ حامل؟.
أومأت.
ديلان: نعم... لقد أخبرتنا الطبيبة بالأمس، حامل في أربعة أسابيع تقريبًا.
لم تعرف كيف استطاعت أن تشرح أكثر، لأن باران لم يمنحها فرصة.
اقترب منها واحتضنها بقوة، وقد انكسرت كل محاولاته للحفاظ على تماسكه.
أغمض عينيه، وضمها إليه وهو يهمس:
باران: الحمد لله...
ثم ابتعد عنها قليلًا، ونظر إلى وجهها وكأنها منحته الدنيا بأكملها.
باران: ديلان... لقد جعلتِ هذا اليوم أجمل يوم في حياتي.
ابتسمت وسط دموعها.
لكن فرحته غلبته من جديد، فحملها بين ذراعيه وأخذ يدور بها وهو يضحك.
انطلقت ضحكتها معه.
ديلان باران! أنزلني!...
لكنه توقف فجأة عندما سمعها تصرخ:
ديلان: حقًا هذه المرة أشعر بالدوار!.
أنزلها بسرعة، وأمسك بها حتى استقرت قدماها على الأرض.
ثم تنفس براحة.
باران: حسنًا، لن أفعلها مرة أخرى، بل سأحملك برفق بين يدي.
نظرت إليه وضحكت، ثم قالت بدلال.
ديلان: هذا أفضل.
انحنى باران قليلًا أمامها، ثم وضع يده برفق على بطنها.
كانت ابتسامته مختلفة هذه المرة.
ابتسامة رجل بدأ يستوعب أن هناك حياة صغيرة بدأت تتشكل بينه وبين المرأة التي أحبها.
ثم قال بلهجة مازحة وهو يخاطب بطنها:
باران: وأنت... سواء كنت ولدًا أم بنتًا، أريد منك أن تغلق عينيك، وتدير ظهرك عندما اقترب من والدتك، هل فهمت.
ضحكت ديلان.
نظر باران إلى بطنها وقال:
باران: لأنني أريد أن أقبّل زوجتي براحتي، ولن أسمح لك بمراقبتنا!.
انطلقت ضحكة ديلان في أرجاء المكان، ضحكة صافية رنانة ملأت الشقة دفئًا.
فضحك باران بدوره، ثم رفع عينيه إليها.
وفي اللحظة التالية، جذبها إليه برفق، وضمها إلى صدره طويلًا، ثم طبع قبلة حانية على شفتيها، قبلة حملت في هدوئها كل الحب والامتنان والفرح الذي عجز عن التعبير عنه بالكلمات.
وعندما ابتعد عنها قليلًا، ظل يحدق في عينيها.
باران: شكرًا.
ابتسمت ديلان باستغراب.
ديلان: على ماذا؟.
أمسك يدها ووضعها فوق قلبه.
باران: لأنك منحتني أكثر مما حلمت به يومًا.
ثم وضع يده فوق يدها على بطنها، وقال هامسًا:
باران: أنتِ وهذا الصغير... أجمل هدية أرسلها الله إليّ.
ابتسمت ديلان، وأسندت رأسها إلى صدره.
وفي تلك اللحظة، لم يعد باران يرى أمامه مجرد كعكة وشموع واحتفال بعيد ميلاد.
لقد أصبح ذلك اليوم بداية عيد جديد في قلبه...
عيدًا لن ينساه ما حيِي، لأنه في اليوم الذي احتفل فيه بميلاده، عرف أن ثمرة حبه ستأتي إلى الدنيا لتمنح حياته ميلادًا آخر.

.......✍️بعد أن هدأت ضحكاتهما قليلًا، جلس باران وديلان إلى مائدة العشاء، وما زالت السعادة ترفرف حولهما كأنها شيء محسوس يمكن الإمساك به.
كانت ديلان تراقبه بين الحين والآخر، ولا تزال غير قادرة على استيعاب مقدار الفرح الذي ظهر في عينيه منذ أخبرته بحملها.
أما باران، فكان بين لحظة وأخرى ينظر إلى بطنها، ثم يعود بعينيه إليها، وكأن الخبر ما زال جديدًا عليه، وكأنه يخشى أن يستيقظ من هذا الحلم الجميل فيكتشف أنه لم يكن سوى أمنية.
تناولا عشاءهما وسط حديث خفيف وضحكات متقطعة، ثم نهضا ليقطعا قالب الحلوى الذي أعدته ديلان خصيصًا لهذه المناسبة.
أشعل باران الشموع، وخفتت أضواء الغرفة قليلًا، بينما وقفت ديلان أمامه تبتسم.
صفق لها وهو يردد:
باران: عيد ميلاد سعيد، زوجتي الجميلة.
ضحكت وقالت:
ديلان: وعيد ميلاد سعيد لك أيضًا يا حبيبي.
ثم أغمضا أعينهما لحظات، وكل واحد منهما يحمل أمنية في قلبه.
وحين أطفآ الشموع معًا، صفقت ديلان بسعادة، ثم شرعا في تقطيع الكعكة.
وبعد أن تناولا منها بعض القطع، جلس باران لحظات وهو يتأملها بصمت، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة.
انتبهت ديلان إلى ذلك.
ديلان: ماذا هناك؟.
باران: لا شيء.
نهض من مكانه، واتجه نحو حقيبته التي كان قد وضعها على أحد المقاعد.
أخرج منها علبة صغيرة مغلفة بعناية، وقد زينها بطريقة أنيقة، ثم عاد إليها.
مدها نحوها قائلًا:
باران: وهذه هديتي لكِ.
اتسعت عينا ديلان بدهشة.
ديلان: لي أنا؟.
باران: ومن غيرك؟.
أخذتها منه بابتسامة، وراحت تفك الغلاف ببطء، بينما كان باران يراقب تعابير وجهها بشيء من الترقب.
وحين فتحت العلبة، وجدت ظرفًا أبيض أنيقًا.
نظرت إليه باستغراب، ثم رفعت عينيها إليه.
ديلان: رسالة؟.
ابتسم.
باران: افتحيها.
سحبت ديلان الظرف بيد مرتجفة، وما إن أخرجت ما بداخله حتى تجمدت في مكانها.
لم تستطع الكلام.
اتسعت عيناها، وشهقت شهقة خافتة، وكأنها رأت شبحًا من الماضي يقف أمامها.
كانت تلك الرسالة.
الرسالة التي احتفظت بها سنوات طويلة.
الرسالة التي كتبها لها باران في أيام الجامعة، والتي ظلت تخبئها بين أغراضها وكأنها تخشى أن يضيع آخر خيط يربطها بذلك الرجل المجهول الذي ظل حاضرًا في ذاكرتها.
مررت أصابعها فوق الورقة، ثم همست:
ديلان: هذه...
لم تستطع إكمال جملتها.
اقترب باران منها.
باران: نعم... إنها رسالتي.
رفعت عينيها إليه، وامتلأتا بالدموع.
ديلان: أين وجدتها؟.
ساد الصمت لحظة.
ثم أجابها باران بهدوء:
باران: دنيز.
تجمدت ملامحها.
ديلان: دنيز؟.
أومأ.
باران: أعطتني إياها يوم عرفت حقيقتك... يوم اكتشفت أنك أنتِ الفتاة التي كنت أبحث عنها طوال تلك السنوات.
ارتجفت شفتا ديلان.
ديلان: إذن... كانت الرسالة معها طوال هذا الوقت؟.
باران: نعم.
خفضت عينيها إلى الورقة، وسقطت دمعة ساخنة فوقها.
ديلان: كنت أظنها صديقتي...
خرج صوتها مكسورًا.
ديلان: كنت أظن أنها شخص أثق به، ولم يخطر ببالي يومًا أنها كانت تستغل طيبتي وتستخدم أسراري ضدي.
صمتت برهة وكأنها تستوعب الموقع، ثم قالت:
ديلان: ولم أكتشف حقيقتها إلا مؤخرًا...
تنهدت، وأضافت:
ديلان: الحمد لله أن الرسالة وقعت في يدك أنت، ولم تصل إلى مراد.
نظر إليها باران بصمت.
فأكملت:
ديلان: لو أعطتها لمراد... لكانت تسببت في كارثة، كانت ستزيد شكوكه، وربما كانت ستقلب كل شيء رأسًا على عقب.
ثم رفعت عينيها إلى السماء وهمست:
ديلان: سامحها الله.
مد باران يده وأمسك يدها.
باران: ربما لو وصلت إليه، لكانت قامت قيامة البيت فعلًا، ولكان الماضي أخذ منحى آخر تمامًا.
ثم شد على أصابعها بحنان.
باران: لكن عناية الله كانت أسبق من كل مخططاتهم يا ديلان.
نظرت إليه.
ديلان: كيف؟.
ابتسم ابتسامة هادئة.
ديلان: لأن الرسالة، بدلًا من أن تصل إلى مراد، وقعت في يدي أنا.
صمت قليلًا، ثم قال:
باران: وكأن الله كان يحفظ سرنا حتى يحين الوقت الذي يجب أن تظهر فيه الحقيقة.
ظلت ديلان تحدق فيه، وقد غمر قلبها إحساس عميق بالامتنان.
ثم قالت:
ديلان: ما أغرب ما يفعله القدر بنا...
ابتسم باران.
باران: وأجمله أحيانًا.
ظل الاثنان صامتين لحظات، حتى نهضت ديلان فجأة.
ديلان: انتظر هنا.
نظر إليها باستغراب.
باران: إلى أين؟.
ابتسمت ديلان وقالت.
ديلان: دوري أنا الآن.
ثم اتجهت إلى غرفة النوم.
بقي باران في مكانه، ينتظر بفضول، حتى عادت بعد دقائق وهي تحمل هدية مغلفة بعناية.
تقدمت منه ومدتها إليه.
ديلان: عيد ميلاد سعيد.
رفع حاجبه.
باران: هذا لي؟.
ضحكت.
ديلان: افتحها.
أخذها منها، وبدأ يفك الغلاف.
وما إن ظهر ما بداخله حتى تجمدت ملامحه.
كان كراسًا قديمًا.
كراسًا يعرفه جيدًا.
بقي ينظر إليه غير مصدق، ثم رفع عينيه إليها.
باران: هذا...
أومأت ديلان.
ديلان: نعم.
فتح باران الكراس بيد مرتجفة.
صفحات تلو الأخرى...
رسوماتها.
ملامحها.
تفاصيل وجهها التي حفظها من الذاكرة.
كل تلك الرسومات التي رسمها يومًا للفتاة التي أحبها ولم يعرف أين اختفت.
الفتاة التي ظل يبحث عنها سنوات.
قال بصوت خافت:
باران: ظننته ضاع إلى الأبد...
ابتسمت ديلان، وقد اغرورقت عيناها بالدموع.
ديلان: لم يضع.
ثم جلست إلى جواره.
ديلان: وجدته في الورشة، عندما كنت أختبئ هناك في الأيام التي طردني فيها مراد... رحمه الله... من الشقة.
توقفت لحظة، ثم تابعت:
ديلان: رأيت الرسومات، وعرفت فورًا أنها تخصك.
مرر باران يده فوق إحدى الصفحات.
باران: ولماذا أخذتيه؟.
خفضت ديلان عينيها.
ديلان: خفت.
باران: ممَّ؟.
ديلان: خفت أن يقع في أيدي شخص آخر... أن يرى الرسومات ويفهم كل شيء، ويعرف أنك كنت تبحث عني، وأنني أنا الفتاة التي كنت تحبها.
ثم ابتسمت بحزن.
ديلان: لذلك أخفيته.
رفعت عينيها إليه.
ديلان: أردت أن أحميك... وأحمي نفسي... وألا ينكشف سرنا قبل أن يأتي الوقت المناسب.
ظل باران يقلب صفحات الكراس بصمت.
ثم أغلقه برفق، ووضعه جانبًا.
وأمسك يد ديلان.
نظر إلى عينيها طويلًا، وقال:
باران: أرأيتِ يا ديلان؟.
ابتسمت بحيرة.
ديلان: ماذا؟.
ضم يدها بين كفيه.
باران: عناية الله بنا.
سكت لحظة، وكأن الكلمات كانت تخرج من أعماق قلبه.
باران: لقد حفظ سرنا، وحفظنا لبعضنا بعضًا، رغم كل الطرق التي كان يمكن أن تكشفنا فيها الحقيقة.
ثم أشار إلى الرسالة والكراس.
باران: هذه الرسالة كان يمكن أن تقع في يد مراد... لكنها وصلت إليّ.
باران: وهذا الكراس كان يمكن أن يجده أي شخص... لكنه بقي مخبأً حتى وصلت أنا إليك.
ابتسمت ديلان والدموع تلمع في عينيها.
تابع باران:
باران: وكأن الله كان يؤجل كل شيء إلى اللحظة التي أرادها هو.
ثم نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحب.
باران: وها هي اللحظة قد جاءت.
أمسك يدها ووضعها فوق قلبه.
باران: اليوم أنتِ معي... زوجتي، في بيتي، وبين ذراعي.
ثم انتقلت عيناه إلى بطنها، وارتسمت على وجهه ابتسامة لا تشبه أي ابتسامة عرفتها ديلان منه من قبل.
باران: وتحملين قطعة مني بين أحشائك.
ارتجف قلبها.
قال بصوت خافت:
باران: هذا هو الشيء الذي حلمت به منذ اليوم الذي رأيتك فيه أول مرة.
اقتربت منه ديلان، وأسندت رأسها إلى كتفه.
ديلان: وأنا أيضًا كنت أحلم بيوم كهذا، وإن كنت لا أعرف أن حلمي كان أنت.
ابتسم باران، وضمها إليه.
أما ديلان، فرفعت رأسها وقالت:
ديلان: أنت هدية ثمينة من الله أنعم بها عليّ.
ثم وضعت يدها على بطنها.
ديلان: وكل ما مررت به... كل الألم، وكل الخوف، وكل الدموع... أشعر الآن أنه كان يستحق حتى أصل إلى هذه اللحظة.
نظر إليها باران بحنان.
فأكملت، وصوتها يرتجف من شدة التأثر:
ديلان: لأنني الآن أعيش معك هذه السعادة... وأحمل قطعة مني ومنك في داخلي.
ابتسمت من بين دموعها.
ديلان: وهذه أعظم هدية يمكن أن يمنحني الله إياها.
ضمها باران إلى صدره طويلًا.
وخلفهما، بقيت الشمعة الأخيرة من كعكة الميلاد مشتعلة.
شمعة صغيرة تضيء الغرفة، بينما أمامهما استقرت رسالتان من الماضي...
واحدة أعادها القدر إلى صاحبها بعد أشهر من الضياع، وأخرى احتفظت بسر حب لم يكن قد حان موعد ظهوره.
أما الآن، فلم يعد الماضي يخيفهما.
فقد صار الماضي دليلًا على شيء واحد:
أن بعض الأسرار لا تضيع...
بل يحفظها الله حتى يأتي الوقت الذي تصبح فيه الحقيقة أجمل من كل الخوف الذي سبقها.

في شقّة إبراهيم، كانت أجواء العائلة قد بدأت تستعيد شيئًا من هدوئها بعد الأشهر الطويلة التي مرّوا بها، وكأن الحياة، رغم كل ما حملته من فقدٍ وألم، كانت تحاول أن تمنحهم بين حين وآخر فرصة صغيرة للفرح.
كان روني قد أنهى دراسته الجامعية بنجاح، وحصل على شهادته في التجارة، ثم التحق بشركة كاران، زوج هازان، تنفيذًا للوعد الذي قطعه له الأخير منذ فترة، فبدأ أولى خطواته العملية بحماسٍ كبير، وكأنّه يفتح لنفسه بابًا جديدًا نحو المستقبل.
وفي إحدى الأمسيات، اجتمعت الأسرة حول مائدة العشاء.
كانت صفية تضع آخر الأطباق أمامهم، بينما كان إبراهيم يتبادل الحديث مع ابنه بين حين وآخر، حتى رفع روني رأسه فجأة، وبدا على ملامحه شيء من التردد، وكأنه يبحث عن اللحظة المناسبة ليقول ما يدور في ذهنه.
توقف عن تناول طعامه، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
روني: بما أن دنيز تزوجت، وبقيتُ أنا العازب الوحيد في العائلة... أريد أن أتزوج أنا أيضًا.
رفع إبراهيم حاجبيه، ثم نظر إلى ابنه باهتمام، قبل أن تلوح على وجهه ابتسامة أبوية مازحة.
إبراهيم: حسنًا... وهل اخترت العروس بالفعل، أم تريد من والدتك أن تبحث لك عن واحدة؟.
انفجر روني ضاحكًا، وقد بدا الارتياح على وجهه بعدما قال ما كان يخفيه.
روني: لا يا أبي... أنا أحب زميلة كانت تدرس معي في الجامعة.
توقفت صفية عن تناول الطعام، ورفعت عينيها إليه باهتمام واضح، وكأن هذه الجملة كانت أهم خبر سمعته منذ مدة.
صفية: حقًا؟، إذن أخبرنا من تكون؟، وأين تسكن؟، حتى نحدد موعدًا مع أهلها ونذهب إليهم.
هزّ إبراهيم رأسه موافقًا، وقال بحزم الأب الذي يرى ابنه يكبر أمام عينيه:
إبراهيم: أجل، أخبرنا بكل شيء. سأحدث عمك عزت، ونذهب إليه ونطلبها لك بالطريقة التي تليق بك وبها، ووفق العادات والأصول.
ثم أضاف بعد لحظة، وقد تذكر وعدًا قديمًا قطعه لأخيه:
إبراهيم: وسأتحدث معه أيضًا بشأن الشقة، لقد وعدني منذ فترة بأن يمنحني شقة مراد السابقة لتتزوج فيها.
لمعت عينا روني بسعادة.
فقد كان الأمر بالنسبة إليه أكثر من مجرد زواج؛ كان بداية حياة جديدة، بيتًا سيصنع فيه ذكرياته الخاصة بعيدًا عن حياة والديه.
روني: هذا سيكون رائعًا يا أبي... لكن لدي طلب واحد.
نظر إليه إبراهيم باستغراب.
إبراهيم: ماذا تريد؟.
ابتسم روني وقال:
روني: أريد الشقة فارغة تمامًا، أريد أن أطلب من باران أن يعيد تصميمها ويغير ديكورها بالكامل، حتى تصبح مناسبة لي ولزوجتي، ونختار كل شيء بأنفسنا.
ابتسم إبراهيم وأومأ برأسه.
إبراهيم: لك ما تريد.
وفي اليوم التالي، لم ينتظر إبراهيم طويلًا، فما إن سنحت له الفرصة حتى تحدث إلى شقيقه عزت، وأخبره برغبة روني في الزواج، ثم ذكّره بوعده القديم بشأن الشقة.
استمع عزت إليه بهدوء، ثم ابتسم مطمئنًا إياه:
عزت: لا تقلق يا إبراهيم، أنا عند وعدي، شقة مراد أصبحت من حق روني، وليبدأ حياته فيها كما يشاء.
تنفس إبراهيم براحة، وشكره، ثم أخبره برغبة ابنه في إخلاء الشقة وإعادة تجديدها.
وهكذا، لم تمضِ أيام قليلة حتى بدأوا بالفعل بإخراج الأثاث القديم.
كان أثاث مراد لا يزال يحمل شيئًا من حضوره الصامت، رغم مرور الوقت.
كانت معظم القطع جديدة، وبعضها ارتبط بذكريات لم يعد أحد يرغب في استعادتها، وكانت العائلة قد قررت منذ مدة التبرع بمعظم الأثاث لإحدى الجمعيات الخيرية، لتوزعه على الأسر التي تحتاج إليه، بدل أن يبقى حبيس الشقة.
كان باران يساعدهم في إخراج ما تبقى من الأغراض، فقد أراد روني أن تكون الشقة خالية تمامًا قبل أن يبدأ في اختيار التصميم الجديد.
دخل باران إحدى الغرف، وبدأ يفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر، يبحث عن الأشياء الصغيرة التي ربما تكون قد بقيت في الداخل.
كان يخرج شيئًا ثم يضعه جانبًا، حتى مد يده إلى أحد الأدراج القديمة.
توقفت أصابعه فجأة.
كان هناك شيء مستقر في عمق الدرج، وقد غطاه الغبار.
أخرجه ببطء.
هاتف محمول.
ظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة، قبل أن تتغير ملامح وجهه تمامًا.
لم يكن هاتفًا عاديًا بالنسبة إليه.
كان هاتف مراد.
ثبتت عيناه عليه، وشعر بشيء بارد ينساب في صدره، كأن السنوات تراجعت فجأة، وكأن الماضي الذي ظن الجميع أنه دُفن بما يكفي، قرر أن يفتح عينيه من جديد.
مرر إبهامه على سطح الهاتف الذي غطاه الغبار، ثم تذكر فجأة أن ديلان كانت قد تسلمته من إدارة المستشفى بعد وفاة مراد.
كانت قد احتفظت به بين أشيائها، ثم جاءت الأيام العاصفة التي تلت وفاته، وما رافقها من صدمات وأحداث، فغاب الهاتف عن ذاكرتها تمامًا.
وربما، في خضم الألم، لم تكن ديلان قادرة حتى على التفكير في الأشياء الصغيرة.
أما الآن، فقد عاد الهاتف إلى الظهور، في المكان نفسه الذي عاش فيه مراد آخر أيامه، وكأنه يحمل في داخله شيئًا لم يُكشف بعد.
ظل باران قابضًا عليه، بينما أخذت ذاكرته تستدعي وجه أخيه، صوته، ضحكته، ثم الأيام الأخيرة التي سبقت موته... وكل ما أعقب ذلك من ألمٍ وفقدٍ وسوء فهمٍ وندم.
مرر يده على الهاتف مرة أخرى، وهمس بصوت خافت بالكاد سُمع:
باران: مراد...
كانت كلمة واحدة، لكنها حملت في نبرتها سنوات كاملة من الاشتياق والعتاب والحزن.
اقترب روني منه، ولاحظ شروده، فسأله:
روني: ما الذي وجدته يا باران؟.
رفع باران عينيه إليه، ثم نظر إلى الهاتف في يده.
باران: هاتف مراد.
ساد الصمت للحظات.
حتى روني لم يعرف ماذا يقول.
كان اسم مراد وحده كفيلًا بأن يثقل الهواء من حولهم.
أما باران، فظل ينظر إلى الهاتف، وشعور غريب يتسلل إلى قلبه.
لم يكن يعرف لماذا شعر، في تلك اللحظة تحديدًا، أن العثور على هذا الهاتف لم يكن مجرد مصادفة.
وكأن الماضي، الذي حاول الجميع أن يتركوه خلفهم، لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد.
قبض باران على الهاتف، ثم قال بهدوء:
باران: سأحتفظ به.
ولم يكن يعلم أن هذا الجهاز الصغير، الذي ظنه مجرد أثر من آثار أخيه الراحل، قد يحمل بين طياته شيئًا قادرًا على إعادة فتح أبواب أُغلقت منذ زمن... وربما كشف حقيقة لم يكن أحد مستعدًا لمواجهتها.

تعليقات



<>