رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الرابع والستون64 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الرابع والستون64 بقلم عاشقة القلم
✍️ظلّ باران واقفًا في الغرفة، والكيس بين أصابعه، بينما كانت ديلان تحدق فيه بقلق لم تستطع إخفاءه.
لم يكن الشيء الذي وجده داخل حقيبة دنيز هو ما أثار خوفه وحده، بل ذلك الإحساس الذي باغته في اللحظة نفسها...
إحساس بأن الماضي الذي ظنّ أنه دُفن إلى الأبد، لم يكن قد انتهى.
رفع باران عينيه نحو ديلان وقال بصوت خافت:
باران: لا تقولي شيئًا لأحد الآن.
اتسعت عيناها، اعطها الهاتف وفقط.
ديلان: لماذا؟.
باران: لأنني أريد أن أعرف الحقيقة أولًا.
ثم أخفى الكيس في مكان داخل حقيبتها، وأعاد ترتيب الأمر بحيث لا يلاحظ أحد ما حدث، ووضعها على الاريكة كما كانت.
لكن الأمر لم يكن سهلًا.
نزلت ديلان قبله بالهاتف لدنيز، التي إستلمت منها الهاتف وأتصلت فورا بمدحت، ثم بعد ذلك خرجت لتجلس بغرفة المعيشة وسط عائلتها.
بقي باران بالغرفة يفكر في هذه المعضلة الخطيرة، هل إبنة عمه تروج المخدرات، لكن هذه الفكرة لم يستصغها عقله، عندها خطرت على ذهنه فرضية اخرى، هل مدحت زوجها هو من ارغمها لتكون شريكته، فهما كانا شريكان من قبل، وهما يتآمران على ديلان والراحل اخاه مراد، ثم قرر ان ينزل لشقة عمه ويستدرج دنيز ليواجها بما عرفه، حتى تعترف بكل شيء ويعرف الحقيقة كاملة، فمنذ اللحظة التي خرج فيها من الغرفة، وهو يرسم السيناريوهات لما ستقوله دنيز.
كانت دنيز جالسة بين النساء في غرفة المعيشة داخل شقة والديها، وابتسامة باهتة مرسومة على وجهها، بينما الجميع يهنئها بحملها.
لكن باران لاحظ شيئًا لم يلاحظه الآخرون.
كلما التقت عيناها بعينيه، كانت ترتبك.
كانت تخفض بصرها سريعًا.
وكأنها تعرف أن شيئًا ما قد انكشف.( دنيز بعد ان طلبت من ديلان إحظار الهاتف تذكرت ما كان في حقيبتها، واكيد ستجده ديلان وربما باران كان معها وعرف تلك المادة مأكد).
انتظر باران حتى انشغل الجميع بالحديث، ثم اقترب منها بهدوء.
باران: دنيز.
رفعت رأسها.
دنيز: نعم؟.
باران: أريد أن أتحدث معكِ قليلًا.
تجمدت ملامحها.
دنيز: الآن؟.
باران: الآن أن إتبعيني لشقتي بالاعلى.
خرج باران وديلان وصعدا لشقتهم، نهضت خلفه بخطوات مترددة، حتى ابتعدا عن بقية أفراد العائلة، وقفت عندها دنيز، وتحججت بانها نسيت حقيبتها بشقة باران وستجلبها، وصعدت ورائهم.
وما إن أُغلق الباب خلفهم في شقة باران حتى تغيرت ملامح باران.
لم يعد ذلك الرجل الهادئ الذي كان يشاركها فرحتها قبل دقائق.
كان أمامها رجل يريد إجابة.
وضع يديه أمام صدره، ثم قال:
باران: ما الذي كان داخل حقيبتك؟.
شحبت دنيز في لحظة.
دنيز: لا أعرف عمّا تتحدث.
حدق فيها باران طويلًا.
باران: لا تكذبي عليّ يا دنيز.
ارتجفت شفتاها.
دنيز: أنا... لم...
ديلان: وجدناه، رمت بها ديلان امام دنيز مقاطعة كلامها.
لم تكمل دنيز كلامها.
كانت الكلمة وحدها كافية.
انخفض رأسها، وكأنها فقدت فجأة القدرة على النطق.
قال باران:
باران: وجدته ديلان صدفة وهي تبحث عن هاتفك، وأنا رأيته بنفسي.
ثم اقترب خطوة وقال.
باران: أريد أن أعرف كيف وصل إلى حقيبتك.
وضعت دنيز يدها على بطنها دون وعي.
كانت تلك الحركة المرتبكة كافية لأن يدرك باران أن وراء صمت دنيز وخوفها أمرًا أكبر بكثير مما كان يظن.
حدّق فيها لثوانٍ، وكأنه يمنحها فرصة أخيرة للاعتراف من تلقاء نفسها، ثم سألها مباشرة، دون مواربة:
باران: هل أنتِ متورطة في شيء يا دنيز؟.
هزّت رأسها سريعًا، وكأن السؤال أصابها في موضع حساس، وأجابت على الفور:
دنيز: لا!.
لم يقتنع باران بإجابتها، بل ازدادت نظرته ثباتًا وهو يقول:
باران: إذن أخبريني بالحقيقة.
خفضت دنيز عينيها، وتلعثمت قبل أن تهمس:
دنيز: لا أستطيع.
انعقد حاجبا باران، واقترب منها خطوة، ثم سألها بنبرة أكثر جدية:
باران: لماذا؟ ممَّن تخافين؟.
لم تجبه.
لكن عينيها المرتجفتين كانتا أبلغ من أي كلمات.
راقبها باران بصمت، ثم قال ببطء، وكأنه يختبر رد فعلها:
باران: من أجبرك؟... مدحت؟.
رفعت دنيز رأسها بسرعة، وكأن الاسم أخافها أكثر مما طمأنها، ثم سارعت إلى النفي:
دنيز: لا! ليس مدحت... هو يحبني ويعاملني جيدًا.
وما إن أنهت جملتها حتى تبدلت ملامح باران، وفقد آخر ذرة من صبره.
باران: إذا لم يكن مدحت هو من أجبرك على هذا، كما فعلتما من قبل، فمن إذن؟!.
شهقت دنيز، واتسعت عيناها.
أما باران، فظل يحدق فيها بنظرة حادة، نظرة رجل بدأ يربط خيوطًا متفرقة ظلت مختبئة طويلًا خلف الأكاذيب.
وفجأة أدركت دنيز ما الذي قصده بكلماته.
"كما فعلتما من قبل..."
هل اكتشف باران اتفاقها القديم مع مدحت؟.
تسارعت أنفاسها، بينما ظل هو يراقب كل حركة في وجهها، كأنه يقرأ إجاباتها قبل أن تنطق بها.
ثم قال بصوت أكثر هدوءًا، لكنه كان أشد وقعًا:
باران: إذا لم يكن مدحت هو من يبيع هذه السموم ويجرك معه... فمن إذن؟.
ساد الصمت.
صمت ثقيل خانق، لم يكن يسمع فيه سوى أنفاس دنيز المضطربة.
تأملها باران لوهلة، ثم أدار وجهه قليلًا وكأنه يعيد ترتيب الاحتمالات في ذهنه، أسماء كثيرة مرت في رأسه، لكنه لم يجد بينهم شخصًا يملك القدرة على تهديد دنيز وإجبارها على تنفيذ ما لا تريده... حتى ظهر اسم واحد بوضوح.
عاد بنظره إليها، وقال ببطء:
باران: طارق؟.
تجمدت دنيز في مكانها.
جحظت عيناها، وانحبس الهواء في صدرها، وكأن مجرد سماع الاسم قد أسقط عنها آخر قناع كانت تحاول التمسك به.
أما باران، فلم يقل شيئًا.
لم يحتج إلى ذلك.
فقد كانت الصدمة التي ارتسمت على وجهها، والارتباك الذي فضحته عيناها، والإجابة التي عجز لسانها عن نفيها... كلها كانت كافية.
لقد أصاب الهدف.
وبعد لحظات من الصمت، خرج صوت دنيز مرتجفًا:
دنيز: كيف... كيف عرفت؟.
ثبت باران عينيه عليها، وقال ببرود حاسم:
باران: إذن هو.
عندها انهارت مقاومتها.
انهمرت دموع دنيز بغزارة، وأخفضت رأسها وهي تحاول أن تخفي وجهها بكفيها، ثم خرج صوتها مكسورًا بين شهقاتها:
دنيز: أنا... لم أكن أريد هذا...
تراجع باران خطوة إلى الخلف، لكنه لم يبعد عينيه عنها.
كان الغضب يشتعل في داخله، إلا أن شيئًا آخر بدأ يتشكل خلفه؛ شعور ثقيل بأن ما حدث لم يكن مجرد تصرف طائش من دنيز، وأن وراءها خيطًا يقوده إلى شيء أقدم وأخطر... شيء ربما يرتبط بكل ما حدث في الماضي، وبالأخص بما حدث لمراد وديلان.
قال باران بصوت منخفض، لكنه كان يحمل هذه المرة وعدًا واضحًا بأنه لن يترك الحقيقة تختبئ أكثر:
باران: إذن أخبريني يا دنيز... ماذا فعل بك طارق؟، ثم واصل وقال مؤكدا...
باران: ابدئي من البداية.
وضعت دنيز يدها على وجهها، وحاولت أن تمنع بكاءها، لكن الخوف الذي حملته في صدرها طوال تلك الفترة كان أكبر من قدرتها على الاحتمال.
قالت بصوت متقطع:
دنيز: طارق أجبرني.
باران: على ماذا؟.
دنيز: في البداية... اكتشفت شيئًا لم يكن ينبغي لي أن أراه.
ثم بدأت تحكي.
أخبرته عن ذلك اليوم الذي وجدت فيه الصندوق مخبأً في غرفة طارق، وعن اللحظة التي أمسك بها بعدما اكتشف أنها رأت ما بداخله.
أخبرته عن تهديداته، وعن خوفها من أن يؤذيها أو يورطها في شيء لا علاقة لها به.
ثم قالت:
دنيز: منذ ذلك اليوم، وهو يجبرني على تنفيذ أوامره... وإذا رفضت، يهددني.
ساد الصمت.
كان باران يستمع دون أن يقاطعها.
لكن شيئًا في داخله كان يتجمع ببطء.
خوف دنيز.
طارق.
مدحت.
والماضي.
كلها خيوط بدأت تتقاطع أمامه.
سألها:
باران: وهل كان مدحت يعرف؟.
هزت رأسها بسرعة.
دنيز: لا... على الأقل ليس بهذا الأمر.
باران: هل أنتِ متأكدة؟.
دنيز: نعم.
ثم أضافت وهي تبكي:
دنيز: مدحت لم يكن يعلم أنني أروج هذا الشيء، أنا كنت أخفي عنه كل شيء لأنني كنت أخاف أن يصل طارق إليه.
ظل باران صامتًا.
ثم سأل:
باران: ولماذا لم تخبري أحدًا؟.
ضحكت دنيز ضحكة قصيرة موجوعة.
دنيز: لأنني كنت خائفة.
خفضت رأسها.
دنيز: كنت أقول لنفسي في كل مرة إنني سأخبر أحدًا... ثم أتراجع، كنت أخشى أن يفعل بي شيئًا، أو أن يشي بي للشرطة اثناء ترويجي، أو أن يصدق الناس أنني شريكته.
نظر باران إليها طويلًا.
ثم قال:
باران: وماذا حدث اليوم؟، لماذا هذه السموم معك؟، كيف جلبتها إلى هنا؟.
رفعت دنيز عينيها إليه.
دنيز: أمرني أن أوزعها هنا في من منطقة قريبة.
باران: لكنك لم تفعلي.
هزت رأسها.
دنيز: لم أستطع خفت لان تلك المنطقة تتواجد بها الشرطة كثيرا.
أغمض باران عينيه لحظة.
ثم سألها:
باران: ولهذا أحضرتِ الكيس إلى هنا؟.
دينيز: نعم.
باران: لماذا؟.
دنيز: كنت سأحتفظ به حتى أجد طريقة للتخلص من الأمر كله... لكنني لم أكن أعرف ماذا أفعل.
ثم انفجرت بالبكاء.
دنيز: أنا خائفة يا باران.
ثم وضعت يدها على بطنها.
دنيز: عندما عرفت أنني حامل... شعرت أن حياتي لم تعد ملكي وحدي، لم أعد أستطيع أن أخاطر بحياتي بعد اليوم.
قال بهدوء:
باران: كان عليكِ أن تخبري أحدًا منذ البداية.
دنيز: أعلم، لكنني لم اعرف ماذا افعل فقد هددني، بمدحت وحتى بكم ايضا.
باران: لقد أخفيتِ أمرًا خطيرًا يادنيز.
دنيز: أعلم... لم استطع ان اقف في وجهه.
ثم رفعت عينيها إليه.
دنيز: لم أكن أملك الشجاعة.
صمت باران.
كان يفكر.
لم يكن ما سمعه مجرد قصة جديدة.
بل كان شيئًا أعاد ترتيب أحداث قديمة في رأسه.
تذكر الهاتف الذي وجده في شقة مراد.
تذكر الرسائل القديمة.
الصور التي أُرسلت إلى مراد عن ديلان.
الرقم المجهول.
ثم اكتشافه أن الرقم كان مرتبطًا بمدحت.
وتذكر كيف كان مدحت حاضرًا في أكثر من موضع حول الأحداث التي سبقت انهيار حياة ديلان.
ثم تذكر دنيز.
كلماتها القديمة.
محاولاتها لتشويه صورة ديلان أمام مراد.
وتذكر آخر لحظات مراد...
وجهه الشاحب.
أنفاسه المتقطعة.
والكلمة التي خرجت من بين شفتيه قبل أن يفقد حياته:
"دنيز..."
فتح باران عينيه ببطء.
لقد ظن طويلًا أن الأمر مجرد سلسلة من المصادفات.
لكنه الآن لم يعد قادرًا على رؤية الأمر بالطريقة نفسها.
قال بصوت خافت:
باران: إذن كل هذا يخرج من طارق...
ثم رفع عينيه إليها.
باران: هل كان مدحت يعرف بهذا الامر؟ ها يعلم بان طارق متورط بهذا؟.
ترددت دنيز.
دنيز: لا مدحت لايعلم بما هو متورط اخاه، وانا خفت ولم اخبره بانه سحبني معه ويهددني.
باران: منذ متى؟.
دنيز: بعد حوالي شهرين من زواجي بمدحت.
عاد باران إلى الصمت.
مدحت لا يعرف بالأعمال المشبوهة التي يقوم بها أخاه طارق  .
لأول مرة لان شيء في نظراته.
لكنه لم ينسَ ما كان أمامه، لم ينسى مافعله مدحت مع دنيز من قبل، فقد ارتبط اسم مدحت  بالرقم الذي قاد إلى الرسائل التي استُخدمت ضد ديلان.
دنيز كانت قد كذبت في الماضي بشأن ديلان.
ومراد، قبل موته، نطق باسم دنيز.
كل شيء كان يتجمع.
لكن شيئًا واحدًا ظل يؤلمه أكثر من غيره.
ديلان.
المرأة التي أحبها.
المرأة التي تحملت ظلم مراد، ثم حملت بعد وفاته ذنبًا لم ترتكبه.
المرأة التي تعرضت للتشويه والاتهامات، بينما كان أشخاص آخرون ينسجون الخيوط من خلف الستار.
رفع باران يده إلى جبينه.
وقال وكأنه يحدث نفسه:
باران: طوال هذه السنوات... كنا نبحث عن الحقيقة في المكان الخطأ.
نظرت إليه دنيز بخوف.
دنيز: ماذا تقصد؟.
رفع عينيه إليها.
باران: أقصد أن ما حدث لك لم يكن مجرد سوء فهم، بل مرتبط بديلان.
ارتعشت.
دنيز: هل تقصد...
باران: نعم.
توقف للحظة.
ثم قال:
باران: أعتقد أن ما حدث لك، مرتبط بما حدث بين مراد وديلان، وان ذلك كان جزءًا من شيء أكبر.
شهقت دنيز.
دنيز: باران، أنا لم أكن أريد أن يحدث ذلك...
باران: هل كنتِ تعرفين شيئًا؟.
سكتت.
باران: دنيز هل طارق يعلم بموضع مراد وديلان وهددك به.
أغمضت عينيها، ثم قالت:
دنيز: ساخبرك الحقيقة كاملة ياباران، لكن ارجوك ساعدني لا اريد ان ادخل السجن، فقد ندمت على ما فعلته بديلان، ارجوك يا باران، صدقني واقسم لك إن ساعدتني فلن تطأ قدمي هذا البيت ولن اسبب المشاكل لاي أحد.
عندها قالت لها ديلان...
ديلان: كنت اعلم ان لك يدا في ماحدث لي، خصوصا بعد ان بحثت عن الرسالة التي اخبرتك عنها ولم اجدها، ثم بعد ما حدث تاكدت من إحساسي.
سكتت برهة ثم رفعت رأسها وقالت..
ديلان: انا سامحتك قبل ان اتأكد انك متورطة بهذا، حتى استطيع ان أعيشر لانني لن استطيع مواصلة حياتي وانا احمل في قلبي كره او حقد، فهذا يثقل قلبي انا اولا، لذلك لاتخافي فمهما كانت افعالك معي سيئة، فانا لست بتلك القسوة لازج بك فالسجن، وإن كان ليس من اجلك، فمن أجل نفسي اولا، ومن أجل هذه العائلة التي إحتوتني، وضمتني، وساندتني في اصعب اوقاتي، لذلك لا تقلقي لكن اريد ان اتاكد من صاحب الخطة وكيف تواصلتم ومن كان يملئ راس مراد بتلك السموم.
حولت دنيز انظارها نحو باران، الذي قال هو الآخر بدوره...
باران: لاتقلقي يادنيز، مهما كنت غاضبا منك بسبب مافعلتيه سابقا، لكن لن افعل ذلك بك فانا سأؤذي نفسي اولا، وعائلتي قبل ان اؤذيكي انت، لكن اريد ان اعرف كل شيئا، ومن رسم تلك الخطة، وكيف نفذتموها انت ومدحت ضد ديلان، وهل كان لطارق أيضا دورا بها.
طاطأت دنيز رأسها، ثم سحبت بعض الهواء، ثم رفعت رأسها وقد بدى ذلك الانكسار واضح في عينيها وقالت...
دنيز: كنت أيريد أن أجعل مراد يكره ديلان... لكنني لم أكن أتخيل أن الأمور ستصل إلى هذه الدرجة، لم اتخيل ان يموت مراد.
تجمد باران.
باران: ماذا قلتِ؟.
رفعت عينيها إليه والدموع تغرقهما.
دنيز: بعد ان علمت ان مراد قد خطب فتاة غيري، إسودت الدنيا في عيني، ولم استسغ ذلك الامر، فكيف مراد يتركني انا إبنة عمه، التي تحبه وتربت معه وكبرت امامه، ويتزوح بفتاة غريبة، عندها لمعت برأسي فكرة، وهي يجب ان اعرف من تكون تلك الفتاة، وما المميز بها لتلفت نظر مراد، كيف رآها هي ولم ياراني أنا، فبحثت عن عنوان بيتها ووجدته، ثم زرت الحي التي تسكن به، وبينما كنت ابحث عن اي شخص لاسأله عن ديلان، حي استطيع ان آخذ منه ما أريد، إلتقيت بحنيفة التي هي حماتي الان، وبعد حديث قصير دار بيننا، اخبرتني ان ديلان سيئة وذات اخلاق منحطة، وان إبنها اراد الزواج بها، وهي رفضت ذلك نظرا لسمعتها السيئة، وانها دائما ما تلفق التهم لزوج امها، الذي رباها منذ الصغر، وانها تخفي كل ذلك تحت حجابها وقناع البراءة الذي ترتديه، عندها تحركت بداخلي نار الغيرة والحقد، فكيف لمراد يفضل فتاة بتلك المواصفاة علي انا، إبنة عمه التي يعرفها ويعرف اخلاقها جيدا، وبعد حفل الخطوبة إتصلت بحنيفة فقد اعطتني رقم هاتفه في ذلك اليوم، وطلبت منها إن كانت لديها ادلة على كلامها، حتى افضحها امام مراد، فقالت انها لا توجد لكن يمكن لابنها ان يساعدني، عندها أعطتني رقم إبنها وإتصلت به.
شعر باران بأن قلبه انقبض.
أخرج باران هاتف مراد، وفتح بعض الصور التي وجدها في هاتف مراد.
ثم وضع الهاتف أمامها.
باران: وهذه.
نظرت دنيز إلى الشاشة.
وبمجرد أن رأت الصور، اتسعت عيناها.
باران: هذه الصور من كان يرسلها؟.
هزت رأسها بيأس وقالت.
دنيز: لا أعرف كيف تحصل عليها، لكنه هو من ارسلها لمراد، فقد كنت أتصلت به، بخاصية مجهول الهوية، بعثت له برسالة نصية وفيها اخبرته إن كان يريد معرفة الحقيقة، ان يتصل بهذا الرقم وتكفل مدحت بالباقي.
وهنا اكتملت أمامه حلقة أخرى.
مدحت لم يكن مجرد اسم ظهر مصادفة في الهاتف.
ودنيز لم تكن مجرد امرأة كذبت ذات يوم.
وطارق لم يظهر فجأة في حياتهم.
هنا لمعت فكرة برأس باران، من جمع تلك الصور لابد انه طارق، فحسب ما قالته دنيز عن مدحت، إستبعد ان يكون هو الفاعل الذي جمع الصور.
وكان هناك شيء يجمعهم، 
شيء بدأ قبل سنوات،
شيء ترك وراءه جروحًا لم تلتئم.
فتح باران عينيه وقال:
باران: هل كانت حنيفة تعرف بكل ما فعلتموه؟.
ارتجفت دنيز.
لم تجب.
فهم باران.
باران: ماذا كان هدفكم؟.
دنيز: لم يكن هناك سوى هدف واحد... في البداية أردنا فقط أن يبتعد مراد عنها، وأن يصدق أنها ليست كما يظن.
باران: ثم؟.
خفضت عينيها.
دنيز: ثم خرج الأمر عن السيطرة.
توقف باران عن التنفس لثوانٍ.
باران: ماذا تعنين؟.
دنيز: عندما بدأ مراد يحقق في بعض الأمور، أصبح الجميع خائفًا من أن يعرف الحقيقة.
باران: أي حقيقة؟.
لم تجب.
رفع باران صوته لأول مرة:
باران:أي حقيقة يا دنيز؟.
ارتجفت.
دنيز: الحقيقة المتعلقة بمدحت، فقد بدأ يهددني بكشف امري أءا خرج إسمه للعلن، واصبح يتجنبني ولا يرد على إتصالاتي.
صمت باران.
باران: ماذا كان مراد قد اكتشف؟.
دنيز: لا أعرف كل شيء.
باران: لكنك تعرفين شيئًا.
أغمضت عينيها.
دنيز: كان يشك بي، فقد تبعني في احد الايام، اليوم الذي طرد مراد ديلان فيه للخارج، بعد ان علم مدحت بذلك، إتصل بي وهددني، وقال إن حدث شيء لديلان سيخبر مراد بكل شيء فعلته، فاظطررت للخروج لمقابلته، ولم اكن اعلم ان مراد يراقبني..
تجمد باران، الآن أصبح أمامه شيء أكبر من مجرد قضية قديمة تخص مراد وديلان.
هناك طارق.
وهناك مدحت.
وهناك حنيفة.
وهناك دنيز التي اعترفت بأنها شاركت في إشعال الشكوك.
لكن ما كان يثير قلقه أكثر هو السؤال الذي لم يجد له جوابًا بعد:
ماذا كان مراد قد اكتشف قبل موته؟،
وما الذي جعله ينطق باسم دنيز في لحظاته الأخيرة؟،
نظر باران إلى دنيز وقال:
باران: آخر سؤال.
رفعت عينيها إليه، فاكمل قائلا.
باران: عندما كان مراد على وشك الموت... هل تعرفين لماذا قال اسمك؟.
ارتجفت دنيز بعنف.
وانحبس صوتها في حلقها.
كانت هذه أول مرة منذ بداية حديثهما لا تستطيع فيها حتى أن تحاول الإجابة.
لاحظ باران ذلك.
فتغيرت ملامحه.
باران: أنتِ تعرفين.
هزت رأسها بسرعة.
دنيز: لا...
باران: دنيز.
سقطت دمعة على خدها.
ثم همست:
دنيز: مراد... كان قد عرف شيئًا.
توقف قلب باران تقريبًا.
باران: ماذا عرف؟.
رفعت دنيز عينيها إليه، وكان الخوف فيهما أعمق من كل ما سبق.
دنيز: عرف أنني كذبت عليه، وانني متورطة في تشويه سمعة ديلان.
ثم سكتت لحظة، وأضافت:
دنيز: لكنه لم يكن يعرف كل شيء.
اقترب باران منها.
باران: وما الشيء الذي لم يكن يعرفه؟.
أغمضت عينيها.
دنيز: أن هناك أشخاصًا آخرين كانوا خلفي، في حبك تلك القصة الملفقة لديلان.
باران: وماذا حدث بعد ذلك؟، وهل كان طارق على علم بذلك؟.
دنيز: لا أعرف، لكن مراد سمع كلامنا انا ومدحت، فخرج ليواجهنا بما سمع، مما اظطر مدحت للهرب، فطارده مراد ليمسك به، واستغليت انا الفرصة وهربت، لكن مدحت استطاع ان يفلت من مراد، الذي إظطر للعودة للمكان الذي كنت به، لكن عندما لم يجدني، علم انني هربت وانني عائدة للبيت، فاسرع لسيارته ليلحق بي ثم وقع ذلك الحادث.
لم يكن باران بحاجة إلى أكثر من ذلك.
قال بصوت أثقل:
باران: إذن لم تكن ديلان تتوهم، عندما شكت ان هناك من زرع تلك الاوهام برأس مراد، وان لك يد بذلك.
ثم ابتعد خطوتين، وكأن صدره لم يعد يتسع لكل ما اكتشفه.
تذكر كيف كانت ديلان تبكي حين تحدثت له عن مراد.
كيف كانت تتساءل لماذا لم يثق بها.
كيف حملت نفسها مسؤولية أشياء لم تفعلها،
كيف كانت تنظر إلى نفسها وكأنها السبب في كل ما حدث،
بينما الحقيقة...
كانت تُسرق منها قطعة بعد أخرى.
بقي باران صامتًا.
أما دنيز، فكانت تعرف أن اللحظة التي حاولت طوال سنوات الهروب منها قد وصلت أخيرًا.
وأن السر الذي دفنته مع خوفها، والذي ظنت أنه سيموت معها...
بدأ الآن بالخروج إلى النور.
لكنها لم تكن تعلم أن اعترافها هذا لن يفتح باب الحقيقة فقط...
بل سيقود باران إلى آخر خيط في قضية مراد، وربما إلى الشخص الذي حرّك الجميع من خلف الستار.
عاد باران بنظره إلى دنيز.
باران: سأساعدكِ في الخروج من هذا، لكن بشرط.
رفعت عينيها.
دنيز: ماذا؟.
باران: أن تقولي الحقيقة كاملة للشرطة.
ارتجفت دنيز.
دنيز: هل تريد مني ان اقول كلها؟.
صاح بها باران...
باران:نعم كلها، ساتصل بصديق لي ضابط في الشرطة الان وستقولين له كل شيء، من اليوم الذي وجدت فيه ذلك الكيس حتى اليوم.
ثم أضاف بحزم:
باران: لأن هذه المرة لن أسمح لأحد أن يجعل ديلان تدفع ثمن جريمة لم ترتكبها، وهذا سيجعلك تكفرين عن كل مافعلته لها.
وضعت دنيز يدها على فمها، وانهمرت دموعها بصمت.
وفي الأسفل، كانت أصوات الضحكات والتهاني لا تزال تتردد احتفالًا بحملها ومنصب باران الجديد.
لكن خلف باب الشقة، كان الماضي قد عاد من جديد.
ولم يعد باران ينظر إلى ما حدث قديمًا باعتباره صفحات انتهت.
لقد أدرك أن تلك الصفحات كانت تخفي خلفها قصة أخرى...
قصة لم تُكشف فصولها كاملة بعد.
وكان عليه الآن أن يعرف:
من بدأ كل شيء؟،
من حرّك الخيوط؟،
والأهم...
هل كان موت مراد مجرد نهاية مأساوية لسوء فهم؟،
أم أن وراء موته حقيقة أخطر بكثير مما تخيل الجميع؟.

ظلّ باران واقفًا أمام دنيز للحظات، يراقب اضطرابها بصمت.
كان يعلم أن الضغط عليها بعنف لن يجعله يصل إلى الحقيقة، وأنها في وضع نفسي هش، خصوصًا بعد اكتشاف حملها، لكنه كان يعلم أيضًا أن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الأسرار، خصوصا في هذا الامر الذي يتعلق بالاتجار بالممنوعات.
قال بهدوء:
باران: اجلسي سأتحدثت مع صديق لي ظابط في الشرطة، وأريد ان أعرف منك كل شيء.
إخرج هاتفه واتصل بالظابط ثم اغلق الإتصال.
جلست دنيز على طرف المقعد، بينما بقي باران واقفًا أمامها.
ثم قال:
باران: دنيز لا تخافي، لن أصرخ عليكِ، ولن أهددكِ، لكنني أريد منكِ أن تجيبي عن كل سؤال بصدق.
أومأت بصمت.
باران: وأي شيء تعرفينه عن طارق أو حنيفة، مهما بدا لكِ صغيرًا أو غير مهم، ستخبرينني به.
ابتلعت دنيز ريقها.
دنيز: حسنًا.
باران: سأسجل الان كل كلامك وسارسله له، فقد طلب مني حظورك لمركز الشرطة، لكنني اخبرته بضروفك، وانك حامل فطلب مني اسجل كلامك لارسله له، حتى يتخذ الإجراءات المناسبة...
بعد برهة اخرج باران هاتفه، فتحه وبدأ يسأل دينيز ويسجل كل كلامها .
عندها سألها وقال..
باران: متى عرفتِ أن طارق متورط بهذا بالأمر؟.
خفضت عينيها.
دنيز: لم أعرف في البداية.
باران: إذن متى بدأتِ تشكين؟.
صمتت قليلًا قبل أن تقول:
دنيز: بعد زواجي من أخيه، واكتشفته صدفة اثناء تنضيفي لغرفته.
تجمدت ملامح باران، لكنه واصل اسئلته...
باران: ماذا لاحظتِ؟، او بالاحرى ماذا وجدت؟.
دنيز: كنت انظف غرفته، فعثرت على صندوق مخبئ بعناية تحت سريره، يوجد به مسدس وكذلك كيس به تلك الممنوعات .
باران: وهل هناك اشياء اخرى إكتشفتيه لاحقا، او تصرفات لاحظتها عليه..
دنيز: كان أحيانًا يتلقى مكالمات ثم يخرج من الشقة حتى لا يسمعه أحد، وإذا سأله اخاه عمن يتصل، كان يقول إن الأمر متعلق بالعمل.
باران: هل رأيتِ طارق يتواصل مع احد؟.
ترددت ثم قالت...
دنيز: نعم.
باران: أكثر من مرة؟.
أومأت.
دنيز: نعم.
باران: وأين؟.
دنيز: في البداية لم أكن أعرف، كنت أظن أنهما يعرفان بعضهما فقط... لكن بعد أن بدأ طارق يهددني، أصبحت ألاحظ أشياء لم أكن أنتبه إليها من قبل.
اقترب باران قليلًا وقال...
باران: مثل ماذا؟.
قالت:
دنيز: في إحدى المرات، عندما دخل طارق إلى البيت، رأيته يتحدث مع شخص في الخارج، بينما كنت عائدة من السوق، وما إن اقتربت منهما حتى توقفا عن الكلام.
باران: و هل سألك طارق بعد ذلك؟.
دنيز: لا.
باران: هل أخبرتِ مدحت بما كان يفعله بكِ؟.
هزت رأسها وقالت.
دنيز: لا.
باران: لماذا؟.
أجابت بصوت ضعيف:
دنيز: كنت أخاف أن يكون مدحت جزءًا من اللعبة، وكذلك لانه هددني انه سيبلغ عني انني انا من اروج لتلك الممنوعات، وإذا اخبرت اي شخص من عائلتي هددني انه سيقتلني ويقتل عاىلتي أيضا.
ساد الصمت.
قال باران:
باران: وهل ما زلتِ تعتقدين أنه قادر لفعل ذلك؟.
رفعت دنيز عينيها إليه.
دنيز: لا أعرف.
باران: دنيز.
تنهدت.
دنيز: لا أعرف إن كان مدحت يعرف أي شيء، لكنني متأكدة أنه إن كان يعرف أشياء عن طارق، كان سيخبرني بها، لكنني اظن ان كارق جاد في تهديده لي.
ظل باران يحدق فيها.
ثم انتقل إلى السؤال الذي كان ينتظره منذ البداية.
باران: والآن أخبريني عن حنيفة.
تغير وجه دنيز فورًا.
لاحظ باران ذلك.
باران: لماذا ارتبكتِ؟.
دنيز: لم أرتبك، لكنني اظن انها لاتعلم ماذا يفعله طارق.
باران: ولما انت متأكدة من ذلك.
خفضت رأسها.
دنيز: لا اعلم لكن حسب ما رأيته طيلة هذه المدة، انا لا احد يعلم بتلك الاعمال المشبوهة التي يقوم بها طارق.

ما إن انتهى باران من تسجيل اعترافات دنيز حتى بقي للحظات صامتًا، والهاتف لا يزال بين أصابعه.
كان يستعيد في ذهنه كل كلمة قالتها...
كيف دخلت دنيز غرفة طارق مصادفة، وكيف وجدت ما لم يكن ينبغي لها أن تراه، وكيف تحولت تلك اللحظة إلى بداية كابوس لم تستطع الخلاص منه. فقد أجبرها طارق، بعدما اكتشف وجودها، على أن تعمل معه في ترويج تلك المواد الممنوعة، مهددًا إياها بعواقب وخيمة إن فكرت في رفض أوامره أو كشف سره.
ولهذا، عندما وجد باران تلك الممنوعات في حقيبة دنيز، وواجهها بها، لم تجد أمامها سبيلًا آخر سوى الاعتراف بكل شيء.
ضغط باران على زر الإرسال، وبعث التسجيل إلى صديقه الضابط أوكان، ثم ظل ينتظر.
لم تمضِ دقائق حتى رن هاتفه.
نظر إلى اسم المتصل، ثم أجاب:
باران: نعم، أوكان؟.
جاءه صوت صديقه جادًا هذه المرة:
اوكان: استمعت إلى التسجيل كاملًا.
ساد صمت قصير، قبل أن يتابع:
اوكان: ما قالته دنيز مهم جدًا، خصوصًا ما يتعلق بطارق والممنوعات، غدًا سأباشر الإجراءات القانونية اللازمة، وسنستخرج أمرًا بضبط وتفتيش منزل والدته، وسنبحث عن أي دليل يمكن أن يربطه بما ورد في الاعتراف.
تنفس باران بعمق، لكنه لم يشعر بالراحة الكاملة.
باران: وهل يمكن القبض عليه بمجرد ما لدينا؟.
اوكان: إذا عثرنا على أدلة تدعم أقوالها في غرفته، فسيكون الأمر مختلفًا وسيقبض عليه،  لكن علينا أن نتحرك وفق القانون.
خفض باران عينيه للحظة.
باران: تحرك بسرعة يا أوكان ارجوك... أنا لا أثق بهذا الرجل.
اوكان: وأنا أيضًا لن أستهين به، فاولائك الرجال من نوعية طارق، ليسوا ساذجين وربما يكون قد اخذ إحتياطاته، لكن عليك أن تكون حذرًا، وإذا لاحظت أي تحرك مريب فأبلغني فورًا.
انتهت المكالمة، وبقي باران واقفًا مكانه، وقد أدرك أن الأمور دخلت مرحلة جديدة تمامًا.
لم يعد طارق مجرد اسم من الماضي...
بل أصبح خطرًا حقيقيًا يقترب من الجميع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تلك الأثناء، كانت ديلان تساعد دنيز على العودة إلى شقة والديها.
كانت دنيز بالكاد تستطيع الوقوف على قدميها.
لقد أنهكها الاعتراف.
وكأن الأشهر التي قضتها وهي تخفي خوفها، وندمها، وابتزاز طارق لها، قد انهارت دفعة واحدة فوق رأسها، خصوصا بعد معرفتها بحملها، فحسب الطبيبة فدنيز انهت شهرها الثاني من الحمل، وقد بدأت تستسعر الخطر الذي يحاوطها، ويحاوط هذا الطفل قبل مجيئه للدنيا.
كانت تمشي إلى جوار ديلان بخطوات متعثرة، وعيناها غارقتان في الدموع.
جلست ما إن دخلتا الغرفة، وأسندت ظهرها إلى ظهر السرير، بغرفتها السابقة، ثم غطت وجهها بكفيها.
دنيز: ماذا فعلتُ بنفسي؟.
خرج صوتها مخنوقًا.
نظرت إليها ديلان بحزن.
كانت لا تزال تحمل في قلبها ألمًا كبيرًا بسبب كل ما حدث، لكن رؤية دنيز منهارة أمامها جعلتها تدرك أن الخوف الذي عاشته هذه المرأة كان حقيقيًا أيضًا.
اقتربت منها وقالت بهدوء:
ديلان: لقد قلتِ الحقيقة أخيرًا يا دنيز.
رفعت دنيز عينيها إليها، وقد سالت دموعها على خديها.
دنيز: كنت خائفة... كان يهددني، عندما وجدني في غرفته ورأيت ما كان يخفيه، لم يسمح لي بالمغادرة وكأنني لم أر شيئًا، أجبرني على مساعدته... وكلما حاولت التراجع كان يذكرني بما يستطيع فعله بي.
صمتت ديلان للحظات، ثم قالت:
ديلان: لكن الآن أصبح الأمر مكشوفًا.
هزت دنيز رأسها، إلا أن الخوف لم يغادر عينيها.
دنيز: لا أعرف ما الذي سيفعله عندما يعلم أنني تكلمت وبلغت عنه.
لم تجب ديلان.
فهي نفسها لم تعرف ماذا يمكن لرجل مثل طارق أن يفعل حين يشعر بأن سره أصبح مهددًا.
مدت دنيز يدها وامسكت بيد ديلان وقالت..
دنيز: ارجوكم لا تتركوني وحدي، فانا خائفة ولا اعلم ما الذي سيفعله طارق إن علم بالامر .
ربتت ديلان على يدها وقالت...
ديلان: لاتقلقي فباران لن يترك هذا الامر، فهو يمس بسمعة العائلة ايضا.
ثم خرجت وتركت دنيز لتغرق في بحور افكارها التي كانت موجاته تحاوطها من كل جانب، ولاتدري كيف ستنجح وتخرج سالمة من هذه المعضلة العويصة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي صباح اليوم التالي، كان أوكان قد تمكن من استصدار أمر قانوني بضبط وتفتيش منزل والدة طارق.
تحركت قوة من الشرطة نحو المنزل، بينما كان طارق قد غادر المكان في وقت مبكر، دون أن تعرف والدته إلى أين ذهب.
توقفت سيارات الشرطة أمام المنزل.
وما إن رأت حنيفة رجال الشرطة يتقدمون نحو الباب حتى عقدت حاجبيها باستغراب.
طرقات قوية هزت سكون الصباح.
فتحت الباب، فإذا بأحد الضباط يبرز لها الأمر الرسمي.
اوكان: هل هذا منزل طارق سرتاش، لدينا إذن بتفتيش المنزل.
اتسعت عيناها.
حنيفة: تفتيش؟! لماذا؟ ماذا حدث؟.
لكن الضابط لم يدخل في تفاصيل التحقيق.
بدأ رجال الشرطة بتفتيش المنزل بدقة، غرفة تلو الأخرى، بينما وقفت حنيفة تتابعهم بقلق وحيرة.
حنيفة: لكنني لا أفهم... ما الذي تبحثون عنه؟.
لم يجبها أحد بإجابة واضحة.
كانت تراقبهم وهم يفتحون الخزائن ويفتشون الأماكن المختلفة، وكلما مر الوقت ازداد ارتباكها.
لكن...
لم يجدوا شيئًا.
لا مواد ممنوعة.
لا حقائب مشبوهة.
ولا دليلًا مباشرًا يمكن أن يقودهم إلى طارق.
وفي النهاية، غادر رجال الشرطة المنزل كما دخلوا، دون أن يعثروا على ما كانوا يبحثون عنه.
وقفت حنيفة عند الباب تراقبهم وهم يبتعدون، ثم أغلقت الباب ببطء.
كان السؤال الوحيد الذي يدور في رأسها:
لماذا فتشوا منزلها؟ وما الذي فعله طارق؟، فقد كانت غرفته اكثر مكان مبعثر بعد مغادرتهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما طارق، فكان قد أدرك قبل ذلك أن شيئًا ما ليس على ما يرام.
فبعد أن تلقى اتصالًا من أولئك الذين يتعامل معهم، يخبرونه بغضب أن البضاعة لم تصل إليهم، بدأ الشك يتسلل إلى نفسه.
كانت الشحنة قد اختفت.
ودنيز...
كانت قد إختفت أيضا، فلم تعد أمس لبيتها.
ثم تذكر ترددها، خوفها، صمتها، ونظراتها المرتبكة في الأيام الأخيرة، كلها بدأت تتجمع في ذهنه كقطع أحجية واحدة.
لم يكن غبيًا إلى درجة أن يتجاهل ذلك.
وفي تلك الليلة، تحرك بحذر.
أخرج كل ما يمكن أن يربطه بتلك المواد من المكان الذي كان يخفيها فيه، ونقلها بعيدًا عن منزل والدته، وأخفاها في شقة اخرى بعيدة، معتقدًا أن نقلها إلى مكان آخر سيجعل الوصول إليها أكثر صعوبة.
ثم ابتعد عن المنزل.
وفي الصباح، بقي في مكان بعيد عن الحي، يراقب منزل والدته من مسافة آمنة.
كان ينتظر...
حتى رأى ما جعله يتوقف عن التنفس للحظات.
سيارات الشرطة.
ورجال الشرطة وهم يدخلون منزل والدته.
ثبت نظره عليهم، وشعر ببرودة تسري في أطرافه.
لم يحتج إلى أحد ليخبره بالحقيقة.
لقد فهم.
دنيز.
دنيز هي التي تكلمت، دنيز هي التي وست به.
ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة، لكنها لم تحمل أي فرح.
بل كانت ابتسامة رجل شعر بأن خيانته قد انكشفت.
طارق: إذن... تكلمتِ.
قالها بصوت خافت، وعيناه لا تفارقان المنزل.
اشتد الغضب في داخله، وتوتر فكه بشدة.
لقد وثق بأنها ستظل خائفة منه.
ووثق بأنها لن تجرؤ على فتح فمها.
لكنه أخطأ.
لقد تكلمت.
رفع عينيه نحو المنزل مرة أخيرة، ثم استدار مبتعدًا عن الحي.
كان يعلم أن الشرطة لم تجد شيئًا.
وهذا منحه بعض الوقت.
لكن شيئًا واحدًا لم يستطع التخلص منه...
الغضب.
غضب أعمى تجاه دنيز.
وبينما كان يبتعد، قبض يده بقوة وقال من بين أسنانه:
طارق: لن أفعل شيئًا الآن...
توقف للحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة قاتمة.
طارق: لكن لا تظني أنني نسيت ما فعلتِه.
واصل سيره، وصوته يخرج كهمس مشحون بالوعيد:
طارق: ستدفعين ثمن خيانتك يا دنيز... وسألقنك درسًا لن تنسيه.
ثم اختفى بين الشوارع، تاركًا خلفه حيًا لا يعرف أن الخطر الذي ظن الجميع أنهم اقتربوا من القضاء عليه...
قد بدأ لتوه في البحث عن طريق جديد للانتقام.

تعليقات



<>