رواية خادمتي الصامته الفصل الثامن عشر18 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته الفصل الثامن عشر18 بقلم اسماعيل موسي
كان الليل قد ابتلع آخر ما بقي من الطريق، ولم يعد نوح يرى من الحقول سوى ما تسمح به دائرة الضوء المرتجفة حول قنديله.
وكانت الريح قد هدأت قليلًا بعد عنفها الأول، لكنها لم تتوقف، بل ظلت تمر بين الأشجار الطويلة وتخرج من بين سيقان الذرة بصوت خافت، كأن الأرض نفسها ما تزال ترتجف مما فعلته العاصفة.

كلما تقدم نوح ابتعد القصر خلفه، وصار ضوؤه البعيد مجرد بقعة دافئة معلقة في الظلام، بينما كان المطر يواصل هطوله في قطرات متباعدة، تسقط من الأغصان فوق رأسه وكتفيه، وتتناثر فوق صفحة الماء الصغيرة التي تجمعت بين الحقول، وكان الطين يثقل خطواته، فيغوص حذاؤه أحيانًا في الأرض الرخوة قبل أن ينتزعه منها ويواصل سيره
وحين اقترب من الشجرة التي رآها من شرفته، رفع القنديل قليلًا،فتوقفت خطواته،كانت تقى هناك
لم تكن جالسة كما تخيلها من بعيد، بل كانت منكمشة عند جذع الشجرة كأنها تحاول أن تصير أصغر من أن تراها الريح، وقد التصقت ثيابها المبتلة بجسدها، وانساب الماء من شعرها فوق وجهها وعنقها، وكانت ترتجف من البرد ارتجافًا لم تستطع أن تخفيه مهما ضمت ذراعيها حول نفسها
لكن ذراعيها لم تكونا تحيطان بجسدها وحده
كان بينهما هر صغير،قط رمادي ضئيل، لا يكاد يكون قد تجاوز أسابيعه الأولى، وقد التصق بصدرها يبحث عن شيء من الدفء، وكان هو الآخر مبللًا بالمطر، يرتعش داخل حضنها ويخفي رأسه الصغير بين ذراعيها،خفض نوح القنديل قليلًا وظل ينظر إليها.

لم تنتبه إليه تقى في البداية
كانت تحدق أمامها في الفراغ، وقد بدا وجهها شاحبًا تحت ضوء القمر الذي خرج للحظة من بين السحب، ثم اختفى من جديد، وكان جسدها يرتجف كلما مرت الريح، ومع ذلك كانت تحاول أن تغطي الهر الصغير بطرف ثوبها المبتل
اقترب نوح خطوة أخرى
هذه المرة سمعت صوت قدميه فوق الأرض المشبعة بالماء
رفعت تقى رأسها فجأة
رأت أولًا ضوء القنديل يتحرك بين الظلام، ثم ظهر خلفه ظل رجل يقترب، فتجمدت في مكانها، وشدت ذراعيها حول الهر الصغير بغريزة خائفة، قبل أن تتسع عيناها حين تعرفت إلى الرجل الذي يقف أمامها، نوح باشا ؟
بقيت تنظر إليه كأنها لم تصدق ما تراه
كانت قد جلست ساعات تحت شرفته، وانتظرت أن يخرج، ثم رأته بالفعل، ورأته يختفي داخل القصر حين اشتد المطر، فظنت أن الأمر انتهى عند ذلك الحد، وأنها ستبقى وحدها حتى يأخذها الليل إلى حيث يريد،أما الآن، فقد كان يقف أمامها، في يده قنديل
وعلى كتفيه معطف يقيه برد الليل
نظر نوح إليها طويلًا، ثم ألقى ببصره على الهر الصغير الذي ترتجف تقى من أجله كما ترتجف من البرد
وقال بصوت خافت، إنتي قاعدة هنا من إمتى؟
لم تستطع تقى أن تجيب
حركت شفتيها قليلًا، ثم أشارت بيدها، لكنها سرعان ما عادت تضم الهر إلى صدرها،تابع نوح النظر إليها، وكانت عيناه تمران فوق شعرها المبتل وثيابها التي أثقلها الماء ويديها المرتجفتين، ثم قال، إنتي عاقلة يا تقى؟
رن اسمها في أذنها
تقى، لم يقل فتاة، ولم يسألها من تكون
لقد عرفها
خفضت عينيها للحظة، وشعرت بشيء يضيق في صدرها، لكن الدموع لم تنزل، كأن ما مر بها في الأيام الماضية قد أخذ منها حتى القدرة على البكاء
جلس نوح على مسافة منها، ووضع القنديل فوق قطعة مرتفعة من الأرض حتى لا يصل إليه الماء، ثم قال وهو ينظر إلى الهر الصغير، وده كمان جاي يقضي الليل معاكي؟
نظرت تقى إلى الحيوان الصغير
كان يرتجف بين يديها، وقد أصدر صوتًا ضعيفًا بالكاد سمع وسط الريح
أشارت تقى إلى نفسها، ثم إلى الهر، وبعدها مدت يدها ناحية الحقول، وكأنها تحاول أن تشرح له أنها وجدته وحيدًا
فهم نوح دون أن يحتاج إلى مزيد من الإشارات
ظل صامتًا لحظة
كانت فتاة بالكاد تستطيع أن تحمي نفسها من المطر والبرد، ومع ذلك وجدت بين ذراعيها مكانًا لمخلوق أصغر منها وأضعف
نظر نوح إلى تقى مرة أخرى، ثم قال بهدوء، إنتي بتترعشي
هزت رأسها كأنها تنكر الأمر
لكن جسدها فضحها في اللحظة نفسها، إذ مرت نوبة برد جديدة فوقها، فاهتز كتفاها واصطكت أسنانها رغم محاولتها أن تخفي ذلك،تنهد نوح،مد يده إلى معطفه، ثم نزعه عن كتفيه،رفعت تقى عينيها إليه بسرعة،قال وهو يمده نحوها، خديه،هزت رأسها رافضة
نظر إليها وقال، متعمليش فيها عنيدة دلوقتي
ظلت مكانها
فقال هذه المرة بنبرة أكثر هدوءًا، تقى، خديه
ترددت لحظة، ثم مدت يدًا مرتجفة، لكنها لم تترك الهر من ذراعها الأخرى، فأخذ نوح المعطف ولفه حول كتفيها بنفسه، ثم أبعد يده سريعًا، وكأنه أراد أن يمنحها الدفء دون أن يثقل عليها بقربه
اختفت تقى داخل المعطف الواسع، وضمته حولها، ثم فتحت طرفه قليلًا وأدخلت الهر الصغير معها
نظر نوح إلى ما فعلته
ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة لم تدم طويلًا
وفي تلك اللحظة مر ضوء القمر مرة أخرى بين الغيوم، وانسكب فوق الحقول المبتلة، فبدت قطرات الماء فوق أوراق الزرع كأن الأرض قد تناثرت عليها حبات صغيرة من الفضة، بينما ارتفعت رائحة الطين بعد المطر، عميقة ودافئة، تحمل في داخلها شيئًا من الحياة رغم برد الليل
نظر نوح إلى الحقول ثم عاد إليها
كانت تقى لا تزال تحتضن الهر الصغير داخل معطفه، ووجهها شاحبًا من البرد والتعب، لكنها بدت للمرة الأولى منذ رآها في ذلك المساء أقل وحدة،مد نوح يده إلى القنديل ونهض
ثم نظر إليها وقال، يلا، رفعت تقى عينيها نحوه
وأشار برأسه ناحية القصر البعيد،وقال، مش هتفضلي قاعدة هنا لحد الصبح. 

نظرت تقى إلى نوح لحظة، ثم إلى القصر البعيد الذي لم يعد يظهر في ظلمة الليل إلا ككتلة ساكنة تتخللها أضواء قليلة، وكان الطريق إليه ممتدًا عبر الحقول التي أرهقها المطر، وقد تحولت أرضها إلى طين ثقيل يحتفظ بآثار الماء تحت ضوء القمر المتقطع،حاولت أن تنهض
وضعت يدًا على جذع الشجرة، وأبقت الأخرى حول الهر الصغير داخل المعطف، ثم دفعت جسدها ببطء بعيدًا عن الأرض، لكن ساقيها لم تستجيبا لها كما أرادت، فقد أخذ البرد من جسدها قوته، وأخذت ساعات المطر الطويلة ما بقي فيها من احتمال، وقفت للحظة
كانت لحظة قصيرة، بدت فيها كأنها نجحت في الانتصار على ذلك الضعف الذي ظل يطاردها طوال الليل
ثم ارتجفت ركبتاها
حاولت أن تثبت نفسها، ومدت يدها تبحث عن جذع الشجرة من جديد، لكن قدمها انزلقت فوق الطين المبتل، وسقط جسدها إلى الأمام،غاصت ركبتاها في الوحل
واندفعت يدها إلى الأرض قبل أن يسقط وجهها، فتناثر الطين على أصابعها وعلى طرف ثوبها، وارتفع الهر الصغير داخل المعطف مذعورًا، فأحاطته بذراعيها في اللحظة نفسها، وكأن خوفها عليه كان أقوى من خوفها على نفسها،تقدم نوح خطوة
لكنه توقف،ظل ينظر إليها
كانت تقى جاثية وسط الوحل، وقد التصق شعرها المبتل بجانب وجهها، وتناثرت قطرات المطر فوق جبينها، بينما كانت تحاول أن تستجمع ما بقي لها من قوة كي تنهض مرة أخرى
بدت هشة على نحو لم يره فيها من قبل
لم تكن تلك الفتاة الصامتة التي كانت تتحرك في أرجاء القصر بخفة، تحمل ما يطلب منها ثم تعود إلى عملها دون أن تنتظر كلمة، ولم تكن الفتاة التي استطاعت أن تقف أمام العمدة وترفضه رغم ما يملكه من سلطة
كانت الآن مجرد جسد صغير أنهكه البرد، وفتاة وحيدة غلبها الليل والطريق والمطر،شيء في صدر نوح انقبض
لم يكن يعرف إن كان ذلك حزنًا أم شعورًا بالذنب، لكنه عرف أنه لم يعد يستطيع أن يقف بعيدًا وينظر إليها وهي تحاول النهوض وحدها،انحنى نحوها،رفعت تقى وجهها إليه
كانت عيناها ممتلئتين بالإرهاق، وفيهما ذلك الصمت العميق الذي لم تكن الكلمات تستطيع أن تصل إليه
قال نوح بصوت هادئ، لا تحاولي،هزت رأسها، وأرادت أن تنهض،لكن نوح لم ينتظر محاولة أخرى،مد ذراعيه وحملها من الأرض،في اللحظة التي ارتفع فيها جسدها بين ذراعيه شعر كم كانت خفيفة، خفيفة على نحو أزعجه
كأن التعب قد أخذ منها أكثر مما ينبغي، وكأن الأيام الأخيرة لم تترك في جسدها إلا ما يكفي ليبقيها واقفة أمام الناس، ثم انهار كل شيء حين بقيت وحدها
استقرت تقى بين ذراعيه هشة وضعيفة ومرتجفة، وضمّت المعطف حول نفسها أكثر، بينما بقي الهر الصغير محتميًا في ثناياه، ولم تحاول مقاومته،ربما لأنها لم تعد تملك القوة
وربما لأنها للمرة الأولى منذ وقت طويل لم تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن مكانها في العالم
التقط نوح القنديل بيده، ثم استدار نحو القصر
كانت الطريق أصعب مما بدت من الشرفة
الوحل يلتصق بقدميه، والماء يتجمع في المنخفضات الصغيرة، وكل خطوة تحتاج إلى أن يختبر الأرض قبل أن يضع قدمه عليها، لكن نوح مضى دون أن يتوقف
كانت الريح تمر فوق الحقول من جديد، أخف مما كانت، لكنها لا تزال باردة، فتحرك أطراف معطفه وتدفع قطرات الماء عن الأغصان، فتسقط فوق كتفيه،وفي ذراعيه كانت تقى ترتجف
شعر نوح بذلك،فضمها إلى صدره أكثر، وحاول أن يحميها بجسده من جهة الريح،لم تكن تقول شيئًا
وكانت رأسها قد استقرت بصمت قرب كتفه، بينما بقيت عيناها نصف مفتوحتين، تراقبان الضوء الصغير الذي يهتز أمامهما مع كل خطوة
مرت الأشجار إلى جوارهما كظلال طويلة، وكانت مياه المطر تتلألأ في الحفر الصغيرة كلما ظهر القمر بين السحب، ثم يعود الظلام فيبتلع الطريق من جديد،ومع كل خطوة كان القصر يقترب،في البداية لم يكن أكثر من ظل بعيد
ثم بدأت نوافذه تظهر واحدة بعد الأخرى
وبدا الضوء خلف زجاجها دافئًا وسط ذلك الليل البارد
رفعت تقى عينيها نحو القصر،كانت تعرف ذلك المكان
عرفت شرفته،وعرفت الأشجار التي تحيط به
وعرفت الطريق الذي كانت تسلكه كل صباح وهي تأتي إلى عملها، لكنها لم تعد تعود إليه كما خرجت منه
في تلك الليلة كانت بين ذراعي الرجل الذي ظنت أنه لن يعرف أنها بقيت طوال الوقت تحت شرفته
مضى نوح عبر الوحل حاملًا إياها، بينما كانت الحقول من حولهما تستعيد هدوءها ببطء بعد العاصفة، وبدأ المطر يتحول إلى قطرات متفرقة تسقط من السماء ومن أطراف الأشجار،وفوقهما ظهر القمر مرة أخرى، هذه المرة بقي قليلًا
فأضاء الطريق أمامهما
وكأن الليل، بعد أن ترك تقى وحيدة طويلًا بين المطر والريح، بدأ أخيرًا يفتح أمامها طريقًا آخر.

وصل نوح باشا إلى القصر وقد أثقل المطر معطفه، وكانت تقى بين ذراعيه خفيفة على نحو أوجعه، كأن الجسد الذي حملته لم يعد يحتفظ إلا بقدر يسير من الحياة، وكانت رأسها مستندة إلى كتفه، وشعرها المبتل يلتصق بوجهها وعنقها، بينما ارتجافها لا يتوقف، ارتجافًا صغيرًا متصلًا، كأن البرد لم يعد يأتيها من المطر وحده، بل من مكان أعمق لا تصل إليه النار.

حين دخل بها إلى البهو، انطفأت أصوات الليل خلف الباب الكبير، لكن دفء القصر لم يكن قادرًا على أن يمحو ما حملته معها من الخارج، فقد تركت قدما نوح آثارًا من الوحل والماء فوق الأرض، وتساقطت قطرات المطر من أطراف ثوبه، فيما كانت تقى تضم ذراعيها إلى صدرها حتى وهي بين ذراعيه، وكأنها ما زالت تحاول حماية ذلك الهر الصغير الذي تركته خلفها في الحقول، أو ربما كانت تحمي نفسها من شيء لم يعد له اسم
صعد بها الدرج ببطء، وكانت ألسنة الضوء الصادرة عن المصابيح الزيتية ترتجف فوق الجدران كلما تحرك الهواء في الممرات. 
وصل إلى الغرفة القريبة من الحمام، ثم دفع الباب بقدمه ودخل
كانت تقى قد بدأت تستعيد شيئًا من وعيها، ففتحت عينيها ببطء، ولم تعرف في البداية أين هي، راحت تنظر حولها في اضطراب، إلى السقف المرتفع والجدران النظيفة والضوء الهادئ، ثم إلى وجه نوح
وحين حاولت أن تتحرك، خانتها قوتها مرة أخرى
قال لها بصوت خافت، لا تحاولي الوقوف الآن
لم تكن كلماته أمرًا هذه المرة، بل جاءت هادئة كأنها تخشى أن تجرح ما بقي فيها
حملها حتى وصل إلى باب الحمام، ثم أنزلها ببطء على مقعد قريب، وكانت أصابعها شاحبة من شدة البرد، ويداها لا تزالان ترتجفان فوق حجرها،توقف نوح لحظة ينظر إليها
كان يستطيع أن يرى ما فعله بها المطر، لكنه كان يرى وراء ذلك أشياء أخرى لم يصنعها المطر، إرهاق الأيام الطويلة، والخوف الذي ترك ظله في عينيها، والانكسار الصامت الذي لا يختفي حتى حين يتوقف الإنسان عن البكاء
قال، ستجدين الماء الدافئ هنا، اغتسلي وبدلي ثيابك
رفعت تقى عينيها إليه
بدت نظرتها حائرة، كأنها لم تعد تعرف ماذا تفعل حين يطلب منها أحد شيئًا لا يحمل في داخله تهديدًا
أشار نوح إلى الداخل، ثم قال، لا تخافي، لن يدخل عليك أحد
بقيت تنظر إليه لحظات، ثم حاولت أن تنهض
نهضت هذه المرة ببطء شديد، مستندة إلى الجدار، وكانت ساقاها لا تزالان ضعيفتين بعد ساعات طويلة قضتها في البرد والمطر، وحين استقرت على قدميها، توقفت للحظة كأنها تخشى أن تعود الأرض فتنهار تحتها
مد نوح يده غريزيًا ليعينها، ثم توقف قبل أن يلمسها
كان قد أدرك أن بعض الجراح لا تظهر على الجسد، وأن اليد التي تمتد لمساعدة إنسان قد تصبح مصدر خوف له إذا جاءته بعد أيام لم تمتد إليه فيها إلا أيدي القسوة
تراجع خطوة إلى الخلف،وقال، خذي وقتك
دخلت تقى إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها
وظل نوح واقفًا في مكانه
كان يسمع في الخارج صوت المطر وهو يضرب زجاج النوافذ، وقد خفتت العاصفة قليلًا، لكن الريح لم تكن قد هدأت تمامًا، وكانت تمر حول القصر كأنها تبحث عن منفذ تدخل منه، فيما ظل الضوء المرتجف يرسم ظلالًا طويلة فوق أرض الممر
خفض نوح رأسه
لم يكن يعرف لماذا أثقل قلبه ذلك المشهد إلى هذا الحد
رآها أول مرة فتاة تعمل في قصره بصمت، تحمل أوامر الآخرين فوق كتفيها كما لو أنها ولدت لتفعل ذلك، ثم اختفت من حياته فجأة، وقيل له إنها اختارت بيتًا آخر، فحاول أن يقنع نفسه بأن الأمر لا يعنيه
ثم ظهرت أمامه الحقيقة على هيئة طفلة صغيرة تبكي من أجل أختها
وبعدها رأى تقى خارجة من الحجز، لا تحمل شيئًا سوى الصمت،ثم رآها اليوم في الحقول
وحيدة، مبتلة،تحتضن هرًا صغيرًا كما لو أن ذلك المخلوق الضئيل هو آخر شيء في العالم يحتاج إليها
أغلق عينيه للحظة،وشعر بأسى لم يعتده
لم يكن أسى الرجل على خادمة تركت العمل في قصره، ولا شفقة عابرة على فتاة أنهكها الفقر، كان شعورًا أكثر إيلامًا، كأنه أدرك متأخرًا أن الإنسان قد يسير إلى جوار مأساة كاملة دون أن يعرف أنها تحدث أمام عينيه.

فتح عينيه واتجه نحو النافذة
كانت الحقول في الخارج غارقة في الظلام، والمطر يلمع فوقها كلما خرج القمر من خلف السحب للحظات قصيرة، ثم يعود فيختفي، وكانت الأرض التي وجد تقى جالسة فوقها منذ ساعات قد ابتلعت آثارها، كأن شيئًا لم يكن هناك
لكن نوح كان يعرف أنها كانت هناك
وأنها لم تجد مكانًا تلجأ إليه سوى الأرض
في تلك اللحظة شعر أن القصر الكبير الذي عاش فيه سنوات بدا له أكثر اتساعًا من اللازم، وأكثر برودة مما ينبغي، وأن فتاة واحدة جلست تحت المطر خارجه كانت قادرة على أن تجعل كل ذلك الاتساع يبدو بلا معنى
وبقي واقفًا قرب النافذة، بينما كان ينتظر خروج تقى من الحمام، وقد استقر في قلبه شعور ثقيل لم يستطع أن يمنحه اسمًا، إلا أنه كان يعرف شيئًا واحدًا
أنه لن يسمح لها بأن تعود إلى ذلك الظلام وحدها مرة أخرى.
تعليقات



<>