رواية خادمتي الصامته الفصل الخامس والعشرون25 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل الخامس والعشرون25 بقلم اسماعيل موسي
 أخذت الهمسات طريقها إلى القصر، ولم تدخل من بابه الكبير، بل تسللت من الأبواب الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، كما يتسلل الدخان من شق في جدار قديم، وكانت مريم أول من حملها إلى نوح باشا، فوجدته ذات صباح في الإيوان حين كانت الشمس لا تزال واهنة فوق الحقول، والندى عالقًا بأطراف الأشجار، والريح تمر بين الأغصان فتوقظ أوراقها واحدة بعد أخرى، فاقتربت منه بحذر وأخذت تحدثه عن الكلام الذي يدور بين أهل العزبة، وعن رجال صاروا يذكرون تقى بما لا يليق، ويلمحون إلى شرفها وإلى بقائها في القصر وإلى علاقتها بالباشا، وكانت تنتقي كلماتها بعناية، فلا تقول شيئًا صريحًا يمكن أن يؤخذ عليها، وإنما تترك الجملة ناقصة وتدع الخيال يكملها
ظل نوح يستمع إليها دون أن يقاطعها، وكانت عيناه تتجهان بين حين وآخر إلى الحقول الممتدة خلف الإيوان، حيث كانت الريح تدفع الزرع في موجات متتابعة، فينحني الأخضر كله ناحية واحدة ثم يستقيم، كأن الأرض تتنفس تحت ذلك الصباح الثقيل، وقالت مريم إن الكلام أصبح كثيرًا، وإن بعض الرجال صاروا يتساءلون كيف يسمح الباشا بهذا الأمر، وإن اسم تقى أصبح على ألسنة الناس، ثم خفضت صوتها وهي تقول إن هناك من يتحدث عن شرفها وكأن العزبة كلها صارت تعرف ما لا يعرفه هو
رفع نوح عينيه إليها، وظل ساكنًا لحظة، ثم طلب منها أن تتركه، فانحنت وانصرفت، وبقي هو وحده في الإيوان، بينما كانت الشمس ترتفع ببطء وتدفع ضوءها بين أغصان الأشجار، فتتحول بقع الظل على الأرض إلى مساحات تتحرك بلا استقرار، مثل أفكار لم تجد مكانًا تستقر فيه، ولم يكن ما يزعجه أن الناس يتحدثون، فالناس يتحدثون دائمًا، وإنما كان يزعجه أن الصمت قد يترك الكلام ينمو حتى يصبح في نظر الجميع حقيقة
ظل جالسًا وقتًا طويلًا، يفكر في تقى وفي تلك العزبة التي يعرف أهلها وأرضها وممراتها، وفي رجال اعتادوا أن ينظروا إلى كل شيء من خلال ميزان القوة، ثم نهض فجأة وكأن فكرة استقرت في رأسه، واتجه إلى حيث كانت تقى تعمل، وحين وجدها طلب منها أن تحمل الدفاتر وتأتي معه
خرج نوح من القصر، وكانت تقى تسير خلفه حاملة الدفاتر إلى صدرها، وكلما ابتعدا عن البناء الأبيض أخذت رائحة التراب تزداد وضوحًا، وكانت الأرض قد جفت في مواضع وبقيت رطبة في مواضع أخرى، فتلتصق ذراتها بحواف النعال ثم تسقط مع الخطوات، بينما كانت أسراب صغيرة من الطيور تنتقل بين الأشجار والحقول، تهبط لحظة ثم ترتفع دفعة واحدة حين يقترب منهما أحد العمال
لم يقل نوح شيئًا لتقى في البداية، وإنما مضى بين الأرض المزروعة حتى بلغ أول مجموعة من الفلاحين، فتوقف وسأل عن حال الزرع وعن الماء وعن الأعمال التي تمت، ثم أخذ يعطي تعليماته واحدة بعد أخرى، وكانت تقى تقف خلفه، تفتح الدفتر كلما توقف، وتكتب ما يقول بخط واضح ثابت، وحين تحرك إلى موضع آخر أغلقت الدفتر وسارت وراءه
كان الصباح قد بدأ يزداد دفئًا، وقطرات الندى التي بقيت في الظلال كانت تلمع للحظات ثم تختفي، بينما كانت رائحة النباتات الرطبة تختلط برائحة التراب، وفي كل مرة كان نوح يتوقف فيها كانت تقى تفتح دفاتر الحساب وتسجل الأسماء والأرقام والمواعيد، حتى صار القلم في يدها جزءًا من حركة المكان مثل صوت الساقية أو احتكاك أوراق الزرع بعضها ببعض
وبعد قليل طلب منها أن تراجع أحد الدفاتر، فجلست على حافة منخفضة من الأرض وفتحته أمامها، راحت تقرأ الحسابات وتراجع الأرقام، ثم رفعت رأسها وأخبرته بما وجدته، فصمت نوح لحظة وأعاد النظر في الصفحة، بينما كان أحد الفلاحين القريبين قد توقف عن عمله وظل ينظر إليها
انتقلت النظرات بين الرجال كما تنتقل الريح بين السنابل، في حركة لا يراها أحد لكنها تصل إلى الجميع، فقد عرفوا تقى سنوات طويلة وهي تمر بينهم في صمت، تحمل ما يطلب منها حمله، وتنحني أمام من هو أعلى منها، ولم يخطر ببال أحد أن تلك الفتاة التي حسبوها خادمة لا أكثر تعرف القراءة والكتابة والحساب، وأنها تستطيع أن تمسك دفترًا مليئًا بالأرقام ولا تضيع بين صفحاته
كانت تقى لا ترفع عينيها عن الورق، تحرك القلم بثبات، وكلما انتهت من سطر انتقلت إلى الذي يليه، وكان صوت احتكاك القلم بالصفحة خافتًا إلى درجة أن الرجل الواقف قريبًا منها كان يضطر إلى الإصغاء كي يسمعه، ومع ذلك بدا له ما تفعله شيئًا بعيدًا عن عالمه، كأنها تفتح بابًا لا يعرف أين يؤدي
قال نوح لها أن تسجل ما اتفق عليه مع أحد المستأجرين، فكتبت، ثم طلب منها أن تراجع حسابًا آخر، فراجعت، وكل ذلك أمام أعين الرجال، دون أن يتغير في وجهه شيء، وكأن وجودها إلى جواره تحمل الدفاتر وتكتب له أمر عادي لا يستحق التعليق
ومضيا في الأرض، وكانت الذرة قد ارتفعت في بعض الجهات حتى صار المرور بينها أشبه بالسير في ممر أخضر ضيق، تتقابل فيه الأوراق من الجانبين وتحتك بالثياب، فتترك على الجلد أثرًا باردًا، وكانت الشمس تتسرب من بينها في خيوط متقطعة، تظهر على التراب ثم تختفي مع حركة الأغصان، وفي البعيد كانت الساقية تدور ببطء، يصعد معها صوت الماء ثم يهبط، كأنه إيقاع قديم تعرفه الأرض أكثر مما يعرفه أهلها
توقف نوح عند أحد المزارعين المستأجرين، وسأله عن موعد الري، ثم تحدث معه في أمر الأرض وما يحتاج إليه العمل، وكانت تقى خلفه تسجل كل كلمة، حتى إذا انتهى التفت إليها وقال أن تقرأ ما كتبته، ففتحت الدفتر وراحت تقرأ، فرفع الرجل عينيه إليها وظل ينظر في صمت
لم يعد في نظرته شيء من ذلك الفضول الذي يرافق الكلام المشين، وإنما حل مكانه شيء آخر، دهشة ممزوجة بإعجاب، وكأن الحقيقة وقفت أمامه فجأة وأجبرته على أن يعيد ترتيب صورة قديمة ظل يحملها عنها
واصل نوح طريقه، وتبعته تقى، ومع كل أرض دخلاها كان الأمر يتكرر، فلاح يرفع رأسه من محراثه، وآخر يترك ما في يده للحظة، وثالث يتابعها وهي تكتب، ولم يكن أحد بحاجة إلى أن يقول شيئًا، فقد بدأت الصورة الجديدة تنتشر بينهم من غير كلمة واحدة، صورة فتاة تسير خلف الباشا، تحمل دفاتره، وتقرأ ما فيها، وتعرف الحساب، ويطلب منها أن تسجل أعمال أرضه ومستأجريه
وكانت الشمس قد بدأت تميل إلى الغرب حين عادا من الأراضي البعيدة، فامتدت الظلال فوق الحقول، وطال ظل الأشجار على التراب، وتحول الأخضر إلى لون أعمق تحت ضوء العصر، بينما أخذت أسراب الطيور تعود إلى الأشجار التي غادرتها في الصباح، وكان الهواء ألطف مما كان عليه عند الظهيرة، يمر فوق الزرع فيحركه ببطء ويترك خلفه ذلك الصوت المتصل الذي يشبه همسًا بعيدًا لا يمكن الإمساك به
كانت تقى لا تزال تحمل الدفاتر إلى صدرها، وقد بدت خطواتها أكثر ثباتًا من الصباح، أما الرجال الذين مر بهما نوح فلم يعودوا ينظرون إليها بالطريقة نفسها، فقد انكسرت الحكاية التي نسجتها الهمسات أمام مشهد بسيط رأوه بأعينهم، ولم تعد الكلمات التي طاردت تقى تجد مكانًا ثابتًا تستقر فيه
وحين اقتربا من القصر، كانت الشمس تلامس أطراف الأشجار، والسماء فوق الحقول تتدرج ببطء من زرقة النهار إلى ألوان المساء، وكان القصر الأبيض يظهر من بعيد بين الخضرة ساكنًا، كأنه يعرف كل ما يدور حوله ولا يتدخل فيه، ومشت تقى خلف نوح والدفاتر بين يديها، بينما بقيت في العزبة عيون كثيرة تتابعها، لا بنظرة الاتهام القديمة، وإنما بدهشة من اكتشفوا أن الإنسان قد يخفي في صمته عالمًا كاملًا لا يراه أحد
وفي ذلك المساء خفتت الهمسات التي ظلت تطاردها أيامًا، ثم تراجعت أكثر في الأيام التالية، لا لأن أحدًا خرج ليعلن براءتها، ولا لأن محروس تراجع عن كلامه، وإنما لأن أهل العزبة رأوا شيئًا بأعينهم، ورأوا الباشا نفسه يعتمد عليها أمامهم، وكانت تلك الحقيقة الصغيرة أقوى من حكاية قيلت في الظلام، وأبقى من كلام يستطيع أي رجل أن يطلقه من وراء ظهرها

حين عادا إلى القصر، لم يطلب نوح من تقى أن تضع الدفاتر في مكانها كما اعتادت، بل أشار إليها أن تبقى، ثم وضع أمامها أحد الدفاتر القديمة، وقلب بعض صفحاته ببطء، وقال لها إن كانت قادرة على مراجعة ما فيه فعليها أن تفعل، وأن تراجع الحسابات بنفسها، وإذا وجدت خطأ فعليها أن تضع عليه علامة وتعود إليه مرة أخرى، ثم رفع عينيه إليها وأضاف أن العمل الذي ستتولاه لن يكون أمرًا عابرًا، وأن عليه أن يعرف أنها قادرة على حمل المسؤولية التي سيلقيها على عاتقها
نظرت تقى إلى الدفتر، ثم إلى نوح، وكأنها لم تفهم لماذا اختارها لهذا الأمر، فأشار إليها أن تبدأ، ولم يزد على ذلك
لم يشرح لها متى عرف أنها تقرأ وتكتب، ولم يسألها كيف تعلمت، ولم يجعل الأمر يبدو اكتشافًا استثنائيًا، بل تصرف وكأن معرفتها بالقراءة والحساب أمر طبيعي لا يستحق السؤال، وكأن الدفاتر التي وضعها أمامها ليست أكثر من عمل آخر من أعمال القصر.

جلست تقى إلى الطاولة، وفتحت الدفتر، وبدأت تراجع الصفحات واحدة تلو الأخرى، وكانت الأرقام متتابعة بين أسماء المزارعين وأسماء الأراضي ومقادير الغلال، فتتوقف أحيانًا عند رقم، تعود إلى السطر السابق، ثم تواصل الحساب بعناية، وبعد وقت قصير رفعت رأسها وأشارت إلى موضع في إحدى الصفحات.

اقترب نوح منها، فنظرت إلى الرقم ثم إلى السطر الذي يسبقه، وأشارت إلى أنها وجدت خطأ في الحساب
أخذ نوح الدفتر منها، راجع ما أشارت إليه، ثم رفع عينيه إليها لحظة، وقال لها أن تتابع
لم تكن في نبرته دهشة، ولم يمنحها ذلك الإطراء الذي قد يجعلها تشعر أنها قامت بشيء خارق، لكنه كان يراقبها بعين رجل يتأكد من شيء اتخذه في داخله قرارًا بشأنه منذ وقت
أما القرار نفسه فلم يخرج من رأسه بعد
كان نوح يعرف أن العزبة لا تحتاج إلى مزيد من الكلام، وإنما تحتاج إلى شيء يقطع الطريق على الكلام كله، وكان يعلم أن أفضل رد على ما يدور في الخفاء ليس أن يواجه كل لسان على حدة، بل أن يغير الصورة التي ينظر بها أهل العزبة إلى تقى، وأن يضعها في موضع لا يستطيع أحد أن يطعن فيه دون أن يطعن في اختياره هو
ولذلك كان يريد منها أن تثبت له، قبل أن يثبتها أمام الآخرين، أنها على قدر المسؤولية.

تركها تعمل، ومضى إلى ناحية أخرى من القصر، بينما بقيت تقى منحنية فوق الدفاتر، والقلم يتحرك بين أصابعها بهدوء، وكانت كل صفحة تفتح أمامها كأنها باب جديد إلى حياة لم تكن تعرف أنها قادرة على دخولها
وفي الطرف الآخر من العزبة، كان محروس يجلس داخل عشته وقد وصلته الأخبار
لم يكن الخبر في حد ذاته هو الذي أفزعه، وإنما التفاصيل التي جاءت معه
تقى تخرج مع نوح باشا إلى الحقول، وترافقه في المرور على المزارعين، وتحمل دفاتره، ثم تقرأ وتكتب أمام الرجال، وتراجع الحسابات، والباشا يعتمد عليها في عمله
ظل محروس ساكنًا في مكانه، وكأن الكلام لم يجد طريقه إلى عقله في البداية
كان لا يعرف أن تقى تعرف القراءة والكتابة والحساب، ولم يخطر بباله يومًا أن تلك الفتاة التي اعتاد أن يراها صامتة ومنحنية فوق أعمال القصر تخفي في رأسها شيئًا لم ينتبه إليه أحد
ضرب كفه على ركبته، ثم نهض ومشى داخل العشة الضيقة، وعاد وجلس، ثم نهض مرة أخرى،لقد انقلبت خطته عليه
كان يريد أن يجعل تقى موضع شبهة، فإذا بها تخرج من الشبهة أكثر قوة، وكان يريد أن يجعل كلام العزبة يلتف حولها، فإذا بنوح يضعها في موضع يجعل الناس ينظرون إليها باحترام، وكان يظن أن هروبها سيبعدها عن القصر، فإذا بها تعود وتصبح أقرب إلى الباشا مما كانت عليه قبل ذلك
لكن ما أخافه أكثر من كل شيء كان صمت نوح
لم يستدعِه،لم يطلب منه تفسيرًا
لم يسأله عما حدث لتقى، ولم يواجهه بما فعله، ولم يرسل إليه أحدًا يحمل رسالة تهديد أو عتاب
وهذا الصمت كان أثقل على محروس من أي غضب
فهو يعرف نوح باشا، ويعرف أن الرجل إذا غضب لا يحتاج إلى رفع صوته، وأن أخطر ما يمكن أن يفعله به هو أن يظل هادئًا حتى يفهم كل شيء قبل أن يتكلم
جلس محروس قرب باب عشته، وأخذ ينظر إلى الطريق المؤدي إلى القصر، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، فتطول ظلال الأشجار فوق الأرض، وتتحول الحقول إلى مساحات من الضوء والظل، بينما ظل هو يحدق في الطريق كأنه ينتظر أن يظهر فيه رجل من رجال الباشا، لكن الطريق بقي خاليًا
وهذا هو الذي زاد خوفه
لم يكن يعرف ما الذي يفكر فيه نوح، ولم يكن يعرف إن كان قد عرف كل شيء، ولا لماذا لم يستدعه، ولا لماذا تركه حتى الآن
ثم جاءت الفكرة الأكثر إزعاجًا إلى رأسه، أن نوح ربما لم يعد يحتاج إلى سؤاله أصلًا
فلو كان الباشا قد قرر أن يحاسبه، فقد لا تكون المحاسبة على عجل، وربما كان ما يجري داخل القصر الآن جزءًا من أمر أكبر لا يستطيع محروس أن يراه.

وفي تلك اللحظة، فهم محروس للمرة الأولى أن تقى لم تعد تلك الفتاة التي يمكن دفعها إلى زاوية ثم تركها هناك، وأن الرجل الذي يقف خلفها لم يكن غافلًا كما ظن
أما في القصر، فكانت تقى لا تزال أمام الدفاتر، تقلب الصفحات وتراجع الأرقام في هدوء، بينما كان نوح يقف بعيدًا عنها، يراقبها للحظات ثم يعود إلى أفكاره
وكان القرار الذي لم يخبرها به بعد يكبر في داخله، قرارًا إذا خرج إلى العزبة فلن تبقى أشياء كثيرة في أماكنها القديمة
تعليقات



<>