
رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل الرابع والعشرون24 بقلم اسماعيل موسي
عاد نوح بها إلى القصر من الطريق نفسه الذي جاء منه، وكانت تقى تسير إلى جواره بخطوات بطيئة، كأن قدميها لم تعودا تعرفان إلى أين ينبغي أن تتجها، أما هو فلم يسألها شيئًا، ولم يحاول أن ينتزع منها تفسيرًا وهي في تلك الحال، كان يكتفي من حين إلى آخر بأن ينظر إليها ليتأكد أنها لا تتعثر، ثم يعود ببصره إلى الطريق الممتد أمامهما، حتى وصلا إلى القصر
وحين دخلا، لم يزد نوح على أن قال لها بهدوء إن عليها أن تذهب إلى غرفتها وتستريح، وإن بينهما حديثًا طويلًا لا يصلح أن يُقال في آخر الليل، وأن الصباح سيكون أهدأ لسماع كل شيء وفهمه، ثم ترك لها الطريق ومضى إلى غرفته، بينما وقفت تقى لحظة في مكانها، تنظر إلى ظهره وهو يبتعد، وقد شعرت أن شيئًا ثقيلاً انزاح عن صدرها لمجرد أنها عادت إلى المكان الذي تعرفه
نامت ساعات قليلة، ثم استيقظت قبل أن يكتمل الصباح، وارتدت ثيابها وجلست لبعض الوقت على طرف فراشها، تستعيد ما حدث منذ خرجت من القصر، وكلما وصلت بذاكرتها إلى اللحظة التي أمسك فيها محروس بها، عادت إليها تلك الرجفة القديمة، فتنظر إلى يديها وكأنها تتأكد أنه لم يعد هناك من يقبض عليهما
وحين ارتفعت الشمس قليلًا، صعدت إلى الشرفة التي اعتاد نوح أن يجلس فيها، فوجدته واقفًا عند السور الحجري، يطالع الحقول الممتدة أمام القصر، وقد بدا الصباح من حوله ساكنًا على نحو غريب، كانت الأرض لا تزال تحتفظ برطوبة الليل، وكانت أطراف النباتات تلمع ببقايا الندى، فيما راحت الطيور تنتقل بين الأشجار في حركات سريعة لا تستقر على غصن طويلًا
التفت نوح عندما شعر بوجودها، ولم يسألها لماذا جاءت، فقد كان ينتظرها
وقفت تقى على مسافة منه، وظلت لحظات تبحث عن الكلمات التي لا تستطيع قولها، ثم بدأت يداها تتحركان ببطء، تشير إلى محروس، ثم إلى نفسها، ثم أخذت تهز رأسها نافية، وتعيد الإشارة مرة أخرى، وكأنها تخشى أن يضيع المعنى إذا توقفت
ظل نوح يتابع حركاتها دون مقاطعة
كانت تقول له إنها لم تهرب من القصر لأنها أرادت الهرب، وإنها لم تخرج بحثًا عن مكان آخر، وإن محروس لحق بها وحاول أن يمسك بها، وأنها لم تجد أمامها سوى الفرار، فركضت حتى ابتعدت، ولم تعرف إلى أين تأخذها قدماها
وحين انتهت، بقيت يداها معلقتين أمام صدرها لحظة، ثم هبطتا ببطء، وبقيت عيناها على وجه نوح، تنتظران منه أن يصدقها
لم يتغير وجهه كثيرًا، لكنه أدار نظره نحو الحقول
كان عقله قد بدأ يعمل منذ اللحظة التي رآها فيها من شرفته في الليلة السابقة، ولم يكن ما سمعه الآن إلا قطعة أخرى من صورة لم تكتمل بعد، فقد كان هناك شيء في الحكاية لا يستقيم، شيء صغير ربما لا يراه رجل اعتاد أن يصدق أول رواية تصل إلى أذنه، لكنه كان يعرف أن الحكايات التي تتفق أكثر مما ينبغي غالبًا ما تخفي وراءها يدًا واحدة
لم يسألها عن الذهب
ولم يخبرها بما قيل عنه
ترك الأمر كله جانبًا، وكأن ذكره في هذه اللحظة لن يؤدي إلا إلى زيادة ما تحمله فوق طاقتها، أما ذهنه فقد مضى في طريق آخر، يقارن بين ما عرفه عنها منذ عادت إلى القصر، وما سمعه من رجال العزبة، وما رآه بعينيه في الليلة التي وجدها فيها وحيدة بين الحقول، ثم ما حدث بعد ذلك
كان نوح يملك عقلًا شديد الانتباه، لكنه لم يكن دائمًا يعيش به، فقد ترك جزءًا من نفسه منذ سنوات في باريس، في تلك الليالي الطويلة التي كان يعود فيها وحده إلى غرفته بعد أن تضج المقاهي من حوله بالأصوات والضحكات، وفي الشوارع التي كانت تمتد تحت مصابيح الغاز كأنها لا تنتهي، وفي الشتاءات التي كان المطر فيها يطرق زجاج النوافذ طوال الليل، حتى أصبح للماضي هناك رائحة ووجه وأصوات لا تزول
ربما لهذا كان يرى في بعض الأشياء أكثر مما ينبغي
عاد ببصره إليها وقال بهدوء إن ما فعلته لم يكن ذنبًا يستوجب منها أن تختفي عن العالم، وإنها لو كانت قد خافت من محروس، فقد كان يكفي أن تأتي إليه، أو أن تطلب منه أن يحميها، فالقصر لم يكن مكانًا ينبغي أن تهرب منه، ولا كان عليها أن تحمل خوفها وحدها
اقترب منها خطوة، ثم قال بصوت هادئ لا يحمل لومًا إن عليها أن تتذكر شيئًا واحدًا، أنها ليست مضطرة إلى الهرب من كل خطر تصادفه في طريقها، وأنها إن وجدت نفسها مرة أخرى أمام أمر يجعلها تخاف، فعليها أن تأتي إليه أولًا
ثم نظر إليها طويلًا وأضاف أن القصر أقرب إليها من الأماكن التي تهرب إليها، وأنه إذا اضطرتها الأيام إلى الفرار مرة أخرى، فلا تذهب بعيدًا عنه
توقفت تقى تنظر إليه، ولم تتحرك
كان في كلامه شيء بسيط، لكنه وصل إليها على نحو لم تكن تتوقعه، كأن الرجل الذي وقفت أمامه لم يكن يطلب منها أن تكون أقوى مما تستطيع، وإنما كان يقول لها للمرة الأولى إن هناك مكانًا يمكنها أن تعود إليه حين تضيق بها الدنيا
خفضت عينيها، وتحركت أصابعها قليلًا فوق طرف ثوبها، ثم رفعت رأسها نحوه
ولم تقل شيئًا
لكن نوح فهم أن صمتها هذه المرة لم يكن عجزًا عن الكلام، بل كان جوابًا يكفيه.
بعد أن انقضى الصباح، لم يكن خبر عودة تقى إلى القصر قد احتاج إلى أكثر من ساعة حتى خرج من أسوار المكان وتسرب إلى العزبة، فالأخبار في القرى لا تمشي في الطرقات، وإنما تنتقل من فم إلى فم، وتكبر كلما ابتعدت عن مصدرها، وكان أول من حمل الخبر إلى محروس مريم، حين وجدته في ناحية من الدوار يتابع بعض الرجال وهم ينقلون الغلال، فاقتربت منه دون أن تلفت الانتباه وقالت له إن تقى عادت إلى القصر مرة أخرى، وإنها شوهدت هذا الصباح وهي تصعد إلى شرفة نوح باشا
رفع محروس عينيه إليها، وبقي لحظة صامتًا، ثم سألها عما إذا كانت متأكدة، فأجابته بأنها رأتها بنفسها، وأنها خرجت من ناحية غرفتها في الصباح واتجهت إلى الشرفة، وأنها بقيت هناك وقتًا ليس بالقليل
لم يقل محروس شيئًا، لكنه أحس أن ما بناه في الأيام الماضية بدأ ينهار أمامه حجرًا بعد حجر، فقد ظن أن هروب تقى سيجعل عودتها إلى القصر مستحيلة، وأن ما ألصقه بها من كلام سيبقى عالقًا بها حتى لو لم يجد دليلًا عليه، فإذا بها تعود، والأخطر من ذلك أنها عادت إلى نوح نفسه، الرجل الوحيد الذي لم يستطع محروس أن يعرف ما يدور في رأسه
كان عليه أن يجد طريقًا آخر
ولم يكن محروس يملك قوة تواجه نوح باشا، لكنه كان يملك شيئًا آخر يعرف كيف يستعمله، الكلام
خرج من الدوار في ذلك اليوم، ومضى بين الرجال الذين كانوا يعملون في الحقول وعلى أطراف العزبة، ولم يكن يتحدث عن تقى مباشرة، ولا عن نوح، ولم يكن يذكر اسمًا يمكن أن يُحسب عليه، بل كان يترك الكلمات تسقط من فمه كما تسقط الحجارة الصغيرة في الماء، ثم ينتظر الدوائر التي تصنعها
وقف بين عدد من الفلاحين يتحدثون في أمور الأرض والمحصول، ثم قال بصوت بدا عابرًا، لكنه كان مرتفعًا بما يكفي لكي تسمعه الآذان القريبة، هي البلد ما بقاش فيها رجالة ولا إيه؟
التفت إليه رجل وسأله عما يقصد، فابتسم محروس ابتسامة غامضة وقال إنه لا يقصد شيئًا، وإن لكل إنسان عينيه ويرى ما يحدث حوله
ثم سكت قليلًا، وكأنه تردد في الكلام، قبل أن يقول وهو ينظر إلى ناحية القصر من بعيد، هي البنت دي مالهاش أب يغار على شرفه؟
كانت الجملة أثقل من أن تمر كما أراد لها أن تبدو، فقد التقطها الرجال بسرعة، ونظر بعضهم إلى بعض، بينما تابع محروس سيره كأنه لم يقل شيئًا، ثم عاد بعد خطوات وقال إن بعض الأمور إذا سكت عنها الناس ظن أصحابها أن السكوت رضا
لم يكن يشير إلى نوح صراحة، ولم يكن يحتاج إلى ذلك، فقد كان يعرف أن الرجل الذي يملك القصر هو المقصود، وأن مجرد وضع اسم تقى إلى جوار اسم الباشا في حديث واحد يكفي لكي يبدأ الخيال عمله
انتشرت الهمسات في العزبة قبل أن تغيب الشمس، وتغيرت الحكاية في كل مرة انتقلت فيها من مجلس إلى آخر، فهناك من قال إن تقى عادت إلى القصر رغم ما حدث، وهناك من زاد عليها كلامًا لم يقله أحد، وهناك من اكتفى بالنظر إلى القصر من بعيد وكأنه يبحث عن دليل يؤكد ما سمعه
وكان محروس يراقب كل ذلك من بعيد، لا يشارك في الحديث إلا بقدر ما يكفي لإبقاء النار مشتعلة، فإذا وجد رجلًا يبالغ في الكلام لم يعترض عليه، وإذا صمت آخر نظر إليه نظرة طويلة، كأن الصمت نفسه صار موضع اتهام
وبمرور الوقت بدأت بعض الأصوات التي اعتادت أن تنحني أمام كل ما يأتي من القصر تتحرك في الخفاء، وكان الخوف يمنع أصحابها من الكلام بصوت عال، لكن الغضب الذي زرعه محروس في صدورهم بدأ يخرج شيئًا فشيئًا
قال أحد الرجال وهو واقف بين رفاقه، الذي يحدث هذا لا يرضي الله
ورد آخر بعد تردد، نحن لن نستطيع أن نسكت ونرى العار أمام أعيننا
ساد الصمت بعد الجملة، فقد أدرك الجميع أن الكلام لم يعد مجرد حديث عابر، وأن ما بدأه محروس بكلمات مبهمة صار الآن شيئًا له وجه وصوت، وأن العزبة التي ظلت تنظر إلى القصر من أسفل بدأت تتجرأ للمرة الأولى على أن ترفع رأسها نحوه
أما محروس، فوقف بعيدًا عنهم يتابع المشهد، ولم تظهر على وجهه علامة واحدة تدل على رضاه، لكنه كان يعرف أن خطته بدأت تؤتي ثمارها
فهو لم يكن يريد أن يهاجم نوح باشا بلسانه، بل أراد أن يجعل الآخرين يتحدثون نيابة عنه، وأن تتحول الشائعة إلى غضب، والغضب إلى موقف، ثم يصبح وجود تقى في القصر أمرًا لا يخصها وحدها، بل قضية تتحدث عنها العزبة كلها