
رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل الثلاثون30 بقلم اسماعيل موسي
في صباح اليوم التالي لرحيل نوح، استيقظت تقى قبل طلوع الشمس كما اعتادت، لكن شيئًا في القصر كان مختلفًا، فقد كان الصمت أثقل، والممرات أوسع، والغياب الذي تركه نوح في المكان واضحًا رغم أن كل شيء بقي في موضعه، وقفت تقى لحظات أمام النافذة تنظر إلى العزبة الممتدة أمامها، وشعرت بارتباك لم تستطع إنكاره، فالرجل الذي كانت تمشي إلى جواره في كل جولة أصبح بعيدًا، وكل قرار ستتخذه اليوم سيحمل اسمها واسم نوح معه، لكنها لم تسمح لذلك الارتباك أن يظهر على وجهها، ارتدت ثوبها بعناية، أخذت دفترها وخرجت إلى العزبة، وكانت تحاول منذ اللحظة الأولى أن تجعل كل شيء يسير كما كان في وجود نوح، تمر بين الحقول، تسأل عن الماء والزراعة وما يحتاج إلى إصلاح، تستمع إلى الفلاحين دون أن تقاطعهم، وتعيد عليهم ما فهمته من شكاواهم، ولم تكن تريد لأحد أن يشعر أن غياب نوح يعني غياب السلطة، فكانت تتحدث بهدوء وثبات، وتصدر ما تراه مناسبًا من القرارات، ثم تمضي إلى ما بعدها دون تردد ظاهر، ومع ذلك كانت في داخلها تتعلم شيئًا جديدًا كل ساعة، كيف تفرق بين الشكوى الحقيقية ومن يحاول استغلالها، وكيف تكون لينة حين يستحق الأمر اللين، وحازمة حين يصبح الحزم ضرورة، حتى بدأ الفلاحون يتعاملون معها بصورة طبيعية، وكأن وجودها بينهم لم يعد أمرًا غريبًا، وفي نهاية أحد الأيام، وبينما كانت عائدة من ناحية الحقول، وجدت محروس ينتظرها عند أحد الطرق المؤدية إلى القصر، وقف أمامها بطريقة تحمل شيئًا من الاستخفاف، وقال: «واضح إن الباشا وثق فيكِ أكثر من اللازم»، لم تجبه تقى، فأكمل وهو يبتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه: «العزبة مش سهلة يا تقى، واللي قبلك كانوا عارفين إن الكلام فيها له ناسه، مش كل واحد يمسك دفتر يفتكر نفسه بقى صاحب قرار»، رفعت تقى عينيها إليه، وظلت تنظر دون خوف، فأراد أن يزرع في نفسها الشك فقال: «وبعدين الباشا مش هنا، ومحدش عارف هو راجع إمتى، والأحسن لكِ ما تتعبيش نفسك في حاجات أكبر منك»، بقيت صامتة لحظة، ثم قالت بهدوء واضح: «نوح لم يتركني لأخاف من كلام الناس، تركني مسؤولة عن العزبة»، تغيرت ملامح محروس قليلًا، لكنها تابعت دون أن ترفع صوتها: «وأنت واحد من رجال العزبة، ومسؤوليتك أن تؤدي عملك كما يجب، لا أن تخوفني أو تشككني في نفسي»، ثم تقدمت خطوة وقالت بحزم: «وأنا لن أسمح لك ولا لغيرك أن يعامل أي فلاح بسوء لمجرد أنه أضعف منه، لو عندك شكوى فقلها لي، ولو عندك حق خذه، أما أن تستقوي على الناس فلن أسمح به»، ظل محروس ينظر إليها وقد تغيرت الصورة التي كان يحملها عنها، فلم يجد أمامه الفتاة التي كان يستطيع أن يربكها بكلمة أو نظرة، بل وجد امرأة تقف في مكان تعرف أنه أُعطي لها بإرادة نوح، أما تقى فلم تنتظر منه جوابًا، تركته خلفها ومضت نحو القصر، وفي داخلها كان الارتباك الذي لازمها منذ الصباح قد بدأ يتراجع، لأنها أدركت أن أصعب لحظة في مسؤوليتها لم تكن حين غاب نوح، وإنما حين وقفت أمام أول رجل حاول أن يجعلها تشك في أنها تستحق المكان الذي تركها فيه.
لم تكن تقى غافلة عما كان يدور خلف ظهرها، فالكلمات التي كان محروس يلقيها في المجالس لم تبقَ حبيسة الرجال، وكانت الفلاحات ينقلن إليها ما سمعنه منه كلما عدن من السوق أو الحقول، مرة تضحك تقى من كلامه وتتجاوزه، ومرة تصمت وكأنها لم تسمعه، فقد كانت تعرف أن الرجل يحاول أن يجد لنفسه مكانًا في غياب نوح، وأنه ينتظر منها خطأ واحدًا ليقول إن ما فعله الباشا كان خطأ منذ البداية، وكان يقول بين الرجال: «البلد مليانة رجالة، ونوح سابهم كلهم واختار حرمة تتولى العزبة؟ حرمة تمشي كلامها على رجال العزبة؟ هو فاكر إننا هنسمع كلامها لمجرد إنه قال كده؟» وكانت بعض كلماته تصل إليها محرفة وبعضها يصل كما قيل، لكنها تركته مرة بعد مرة، حتى نفد صبرها، وفي أحد الأيام وقفت تقى في شرفة القصر تنظر إلى الرجال المتفرقين في الساحة، ثم طلبت أن يُحضر محروس، ولم يكد يصل حتى أمرت بعض الرجال أن يمسكوه ويقيدوه إلى إحدى الأشجار في حديقة القصر، فانتشر الخبر بين أهل العزبة، وتجمع عدد منهم بعيدًا يراقبون ما يحدث، بينما وقفت تقى أمام محروس بثبات لم يعرفه منها من قبل، وقالت له إن ما قاله لم يكن مجرد اعتراض على عملها، وإنما تعدٍّ على السلطة التي منحها إياها نوح، ثم ذكّرته بكل كلمة بلغت إليها منه، وبكل مرة حاول فيها أن يقلل من شأنها أمام الرجال، ولم تجادله طويلًا، بل قالت له إن من يطعن في شرف امرأة تعمل باسم صاحب العزبة لا يملك أن يطلب الصفح بسهولة، ثم أمرت أن يُجلد بالسوط عقابًا على ما صدر منه من إساءة وتجاوز، وظل محروس يصرخ ويتوسل، لكنها لم تتراجع، ولم يظهر على وجهها تردد واحد، وكانت كل ضربة بالنسبة إليها إعلانًا بأن صمتها القديم لم يعد يعني ضعفًا، وأن المكان الذي وضعها فيه نوح لن تسمح لأحد أن يهدمه بكلمة، وحين انتهى العقاب اقتربت منه وقالت بصرامة إن ما حدث اليوم ليس إذنًا له بأن يكرهها أو يطيعها خوفًا منها، وإنما تذكير بحدود السلطة التي تجاوزها، ثم أمرت بفك قيوده، وأضافت أمام الرجال أن أي فلاح يعمل في أرض نوح له حق في الاحترام، وأنها لن تسمح لمحروس أو لغيره أن يسيء إلى أحد من أهل العزبة، ثم تركته ومضت، وبقي محروس عند الشجرة صامتًا، بينما كان رجال العزبة ينظرون إلى بعضهم، وقد فهموا جميعًا أن غياب نوح لم يترك مكانه فارغًا، وأن تقى لم تعد المرأة التي يمكن أن تُختبر حدودها بالكلام
بعد ما انكسرت سطوة محروس، بدأت أحوال العزبة تستقر شيئًا فشيئًا، وكأن الناس كانوا ينتظرون فقط أن يروا بعينهم أن الكلمة التي قالتها تقى لم تكن لحظة غضب عابرة، وأن الرجل الذي ظل سنوات يتصرف بينهم وكأن أمر العزبة لا يُراجع، أصبح الآن يعرف أن هناك من يسمعه ويحاسبه، فعاد الفلاحون إلى أعمالهم، وعادت القنايا إلى مجاريها، وهدأت المشاحنات التي كانت تشتعل عند توزيع المياه أو حساب ما عليهم من الغلال، لكن تقى لم تكتفِ بأن يسود الهدوء، ففي الأيام التالية بدأ بعض الفلاحين يأتون إليها واحدًا بعد آخر، وكان أكثرهم يقف أمامها مترددًا قبل أن يتكلم، كأنهم لم يعتادوا أن يجدوا من يصغي إلى شكواهم، أحدهم جاء يشكو أن جزءًا من محصوله ضاع لأنه لم تصله المياه في موعدها، وآخر كان يحمل في يده ورقة قديمة لا يفهم ما فيها ويقول إن عليه دينًا من الغلال لم يستطع سداده بعد أن أخذ المرض ابنه وأتلف ما بقي من زرعه، وثالث جاء يشكو أن رجلًا أقوى منه أخذ جزءًا من أرضه بالقوة لأنه يعرف أن الفلاح الفقير لا يملك من يدافع عنه، وكانت تقى تستمع إليهم جميعًا دون أن تقاطع أحدًا، وتسأل عن التفاصيل التي لا يفكر أحد في سؤالهم عنها، ثم تطلب من الكاتب أن يبحث في دفاتر العزبة، ومن الرجال أن يتأكدوا من الأرض والمياه قبل أن تصدر حكمًا، ولم تكن تقى تريد أن تتحول العزبة إلى مكان يخاف فيه الناس من العقاب فحسب، بل كانت تريد أن يصبحوا قادرين على العيش دون أن ينكسر أحدهم كلما أصابته سنة سيئة أو مرض أو نقص في المحصول، وفي تلك الليلة، بعدما هدأ القصر وغادر الجميع إلى غرفهم، بقيت تقى وحدها في الغرفة الصغيرة التي اعتادت أن تجلس فيها بعد انتهاء أعمال النهار، أشعلت المصباح، ووضعت أمامها دفاتر العزبة، وظلت تحدق في الأرقام والسطور طويلاً، ثم أخذت قلمها وبدأت تكتب، كانت تعرف أن ما يحدث للفلاحين ليس ظلمًا واحدًا يمكنها أن تمنعه، وإنما أشياء صغيرة تتراكم فوق ظهورهم حتى يصبح الحمل أثقل من قدرتهم على الاحتمال، تأخير في الماء، دين يتضاعف، محصول لا يكفي، خصومة لا يجدون من يفصل فيها، أو رجل أقوى يستغل ضعف جاره، وكل واحدة من تلك الأشياء كانت تبدو بسيطة لمن ينظر إليها من بعيد، لكنها كانت تعرف أن حياة الفلاح الفقير قد تضيع بسبب واحدة منها، لذلك ظلت حتى منتصف الليل تقلب الأوراق، ثم رفعت رأسها إلى نافذة الغرفة، فرأت ظلام الحقول ممتدًا حتى النهر، ولم يكن هناك سوى ضوء القمر يلمس أطراف الزرع، فعادت إلى دفاترها وبدأت تكتب من جديد، لم تنم تلك الليلة إلا قليلًا، وكانت كلما شعرت بالتعب تذكرت وجوه الذين وقفوا أمامها في النهار، وتذكرت كيف كان الرجل منهم يخفض عينيه وهو يحكي مظلمته، وكأنه اعتاد طوال عمره أن يشكو ولا يجد من يسمعه، وعند الفجر كانت أمامها صفحات امتلأت بخط يدها، ولم تكن قد وجدت حلًا لكل شيء، لكنها وجدت بداية الطريق، كانت تقى تعرف أن عليها أن تضع نظامًا جديدًا للعزبة، نظامًا لا يقوم على الخوف من محروس ولا على انتظار رحمة من أحد، وإنما على قواعد واضحة يعرفها الجميع، يكون فيها للماء موعد معلوم لا يستطيع قوي أن يمنعه عن ضعيف، وتُراجع فيها الديون والمحاصيل بعدل، ويُسمع فيها كلام الفلاح قبل أن يُحكم عليه، ومن يمرض أو تصيبه مصيبة لا يُترك وحده حتى يسقط تحت الدين، وكانت تعرف أن هذا لن يعيد ما ضاع من أعمارهم، لكنه قد يمنع أن يضيع ما بقي منها، وحين خرجت تقى مع أول ضوء للصباح، كان التعب ظاهرًا في عينيها، لكنها حملت أوراقها بيد ثابتة، ومشت بين الحقول التي بدأت الشمس تكسوها بلون ذهبي هادئ، وكانت تعرف أن مهمتها لم تعد فقط أن تحافظ على أرض نوح باشا، وإنما أن تجعل من هذه الأرض مكانًا يستطيع من يعمل فيها أن يرفع رأسه دون خوف، وأن يعود إلى بيته وهو يشعر أن تعبه له قيمة، وأن كرامته ليست شيئًا يستطيع رجل أقوى منه أن ينتزعه منه متى شاء، وأن الأمل الذي غاب عن بيوت كثيرة في العزبة يمكن أن يعود، ولو بدأ الأمر بورقة صغيرة كتبتها امرأة كانت بالأمس خادمة صامتة تقف في آخر القصر، وأصبحت اليوم تحمل مسؤولية قرية كاملة فوق كتفيها