رواية خادمتي الصامته الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم اسماعيل موسي
لم تكن الحياة في العزبة سهلة على أهلها، حتى في الأيام التي كانت الأرض فيها خضراء والماء يجري في القنايا، فالفلاح كان يبدأ يومه قبل أن تطلع الشمس، يخرج من بيته الطيني وفي يده فأسه أو محراثه، وقد سبقته إلى الحقول زوجته أو إحدى بناته تحمل الطعام القليل الذي أعدته للنهار، وكان العمل في الأرض لا ينتهي مع ارتفاع الشمس، بل يمتد حتى تميل إلى الغروب، ثم يعود الرجل إلى بيته وقد التصق التراب بثوبه ويديه، لا ينتظر راحة طويلة، إذ عليه أن ينظر في شأن دابته أو ما بقي من زرعه، وأن يعرف ما يحتاج إليه البيت من ماء وحطب وطعام، وكانت البيوت نفسها متواضعة، جدران من الطين وسقوف بسيطة، وفي كثير منها لا يجد أهل الدار إلا حصيرًا يفترشونه في الليل، وبعض الأواني القليلة التي تكفي حاجتهم.
وكان الطعام يتغير بحسب حال السنة، فإذا جاء المحصول جيدًا امتلأت البيوت بشيء من الطمأنينة، أما إذا شح المطر أو تأخر الماء أو أصابت الأرض آفة أفسدت الزرع، انقلب الأمر على الأسرة كلها، لأن ما ينتظره الفلاح من أرضه لم يكن مالًا وفيرًا يخزنه، وإنما كان قوتًا يبقي أبناءه أحياء، وغلالًا يسدد بها ما عليه من حقوق وديون، ولذلك كان المرض مصيبة ثقيلة، فالذي يمرض أيامًا طويلة لا يستطيع أن يعمل، ومن لا يعمل يقل محصوله، ومن يقل محصوله قد يجد نفسه مضطرًا إلى الاستدانة، ثم يحمل الدين معه من موسم إلى آخر، وكانت النساء يعانين من قسوة الحياة مثل الرجال، يخرجن إلى الحقول في الصباح، يساعدن في الزرع وجمع المحصول وحمل ما خف من أثقال العمل، ثم يعدن إلى البيوت ليطبخن ويجلبن الماء ويرعين الأطفال، ولا يكون لهن من الراحة إلا القليل، وكانت البنات الصغيرات يكبرن وهن يعرفن طريق الحقل أكثر مما يعرفن طريق اللعب، أما المرض فكان له خوف خاص في نفوس الجميع، إذ لم يكن الطبيب قريبًا من كل بيت، وكان الوصول إلى طبيب في دائرة المركز يحتاج إلى مال ووسيلة نقل ووقت لا يملكه الفقير بسهولة، وقد يضطر المريض إلى البقاء في فراشه أيامًا وهو ينتظر أن يخف عنه الألم، أو تلجأ أسرته إلى ما تعرفه من الأعشاب والوصفات التي توارثتها، دون أن يكون في يدها ما يضمن الشفاء، ولهذا كانت وفاة شخص واحد قادرة على تغيير حال بيت كامل، وكان موت الرجل الذي يعول أسرته يترك وراءه زوجة وأطفالًا يواجهون أيامًا أشد قسوة، أما موت المرأة التي تقوم على شؤون البيت فكان يترك فراغًا لا يقل ثقلًا، وكان الفلاح يعرف أن الأرض هي مصدر رزقه الوحيد تقريبًا، ولذلك كان متعلقًا بها رغم مشقتها، يفرح حين يرى السنابل تمتلئ، ويظل واقفًا أمام أرضه يتأملها كما يتأمل المرء شيئًا يخشى أن يفقده، وكان الماء من أعظم ما يشغل أهل العزبة، فالقنايا تحتاج إلى من يشقها ويطهرها، والأرض لا تنتظر طويلًا، ومن تأخر عنه الماء تأثر زرعه، ومن أخذ أكثر من حقه أضر بجاره، ولهذا كانت الخصومات تبدأ أحيانًا من شبر من الماء أو ساعة من الانتظار.
وكان الفلاح الضعيف يخشى أن يدخل في خصومة مع رجل أقوى منه، لأن ميزان القوة في القرية لم يكن دائمًا إلى جانب من يملك الحق، وكان احترام صاحب الأرض جزءًا ثابتًا من حياة الناس، فالناس يعرفون من يملك الأرض ومن يعمل فيها، ويعرفون أن كلمة السيد لها وزنها، وأن مخالفتها قد تجر على الفقير متاعب لا يقدر عليها، ولهذا كان كثير من الفلاحين يبتلعون شكواهم قبل أن تصل إلى أفواههم، ويعودون إلى بيوتهم وهم يقولون لأنفسهم إن الصبر أهون من الخصومة، وكانت تقى ترى ذلك كله بعينيها منذ بدأت تمر بين الحقول، لكنها لم تعد تنظر إلى الأرض كما كانت تفعل من قبل، حين كانت تمر فيها خادمة تحمل ما يُطلب منها ثم تعود إلى القصر.
فقد أصبحت تعرف أن وراء كل قطعة أرض حكاية، ووراء كل رجل يعمل في التراب بيتًا ينتظر منه الطعام، ووراء كل امرأة تنحني بين الزرع أطفالًا يحتاجون إلى ما تعود به إلى الدار، ولذلك كانت تقف أحيانًا فوق فرسها السوداء عند طرف أحد الحقول، تنظر إلى الفلاحين وهم يعملون تحت الشمس، ثم تسأل عن أمر من أمور الأرض أو عن الماء، وتستمع أكثر مما تتكلم، وكلما عرفت شيئًا جديدًا أدركت أن مسؤوليتها لم تكن مجرد حفظ محصول العزبة أو متابعة الرجال الذين يعملون فيها، وإنما أن ترى هؤلاء الناس كما هم، بتعبهم وخوفهم وحاجتهم، وأن تعرف أن الأرض التي يراها صاحبها من فوق شرفة القصر ليست هي الأرض نفسها التي يراها الفلاح وهو واقف فيها طوال النهار حافي القدمين، ولهذا بدأت تقى تفهم شيئًا لم تكن قد أدركته في الأيام الأولى لمسؤوليتها؛ أن العزبة لا تستقيم إذا امتلأت مخازنها وامتلأت جيوب أصحابها بينما ظل أهلها يعيشون على حافة الحاجة، وأن إصلاح الأرض لا ينفصل عن إصلاح حال من يزرعها، وأن الكرامة التي افتقدها كثير من هؤلاء الناس لم تكن تحتاج إلى كلمات كبيرة، بقدر ما كانت تحتاج إلى أن يجد الفلاح من يسمع شكواه قبل أن يضطر.

لم تعد تقى تتعامل مع اللغة الفرنسية ككتاب تفتحه في آخر الليل ثم تغلقه قبل أن تنام، فقد مضت الأيام وصارت الكلمات التي كانت تتعثر فيها في بداية تعلمها أكثر قربًا منها، حتى بدأت تسمعها في رأسها قبل أن تنطق بها، وكانت تجلس كل ليلة إلى جوار المصباح، تفتح الكتاب على الموضع الذي توقفت عنده، ثم تقرأ الفقرة ببطء، تعيد الجملة مرة، ثم مرة أخرى، حتى تستقيم على لسانها، ولم تعد تكتفي بحفظ الكلمات منفردة، بل صارت تجمعها في جمل كاملة، ثم تربط جملة بأخرى حتى أصبح بإمكانها أن تجري حديثًا طويلًا دون أن تضطر في كل مرة إلى التوقف لتبحث عن كلمة، وكانت إذا فرغت من القراءة أغلقت الكتاب وبدأت محادثتها التي اعتادتها مع نفسها، فتجلس أمام المرآة أحيانًا، وأحيانًا تمشي في رواق القصر، وأحيانًا تتجول في الحديقة بين الأشجار وهي تتحدث بصوت منخفض، تتخيل سؤالًا ثم تجيب عنه، وتترك لنفسها لحظة لتفكر قبل أن ترد، ثم تغير الموضوع وتعود إليه كأن أمامها شخصًا حقيقيًا يحاورها، وكانت في الأيام الأولى تفعل ذلك بتردد واضح، أما الآن فقد أصبح الحوار يجري منها بسلاسة، تسأل نفسها عن اسمها ومكانها، ثم تتحدث عن العزبة، وعن عملها، وعن الكتب التي تقرؤها، وعن مصر، وعن الأشياء التي تراها من حولها، ثم تضحك أحيانًا حين تكتشف أنها تحدثت عدة دقائق كاملة دون أن تعود إلى العربية في ذهنها، ولم تعد تحتاج إلى أن تترجم كل كلمة قبل أن تفهمها، فقد بدأت بعض الجمل تأتي إلى عقلها مباشرة، بمعناها وصوتها، وكأنها لم تعد كلمات غريبة تنقلها من لغة إلى أخرى، بل أصبحت طريقة أخرى للتفكير، وكانت تقى تلاحظ ذلك في أبسط الأشياء؛ فإذا أرادت أن تسأل نفسها عن موعد ما، جاءت العبارة الفرنسية أولًا، وإذا رأت شيئًا في الحديقة وصفته في سرها بالفرنسية، وإذا جلست إلى كتابها لم تعد تنظر إلى الصفحة كحروف أجنبية متراصة، وإنما بدأت تراها كلامًا يمكنها أن تدخل إليه وتفهمه، حتى أصبحت تمشي في القصر وهي تجري في ذهنها حوارات كاملة، تبدأها بنفسها وتنهيها بنفسها، وتغير نبرة صوتها بحسب المتحدث الذي تتخيله، دون مبالغة أو تصنع، فقط لتختبر قدرتها على متابعة الحديث، وفي إحدى الليالي بقيت واقفة طويلًا قرب نافذة غرفتها، ثم بدأت تتحدث بالفرنسية عن يومها، وما فعلته في العزبة، وما ينبغي أن تفعله في الغد، فمضت الجمل واحدة وراء الأخرى دون توقف، وحين انتهت سكتت قليلًا، ولم تشعر أنها كانت تستعرض ما تعلمته، بل شعرت بشيء أبسط وأعمق؛ لقد أصبحت اللغة قريبة منها إلى حد أنها لم تعد تحتاج إلى أن تستدعيها، كانت تأتي إليها وحدها، مثل كلمة اعتادت سماعها حتى ألفتها، ومع مرور الوقت توغلت الفرنسية في داخلها حتى صارت جزءًا من عالمها الجديد، لا تلغي لغتها الأولى ولا تمحو ما كانت تعرفه، وإنما أضافت إليها نافذة أخرى ترى منها الأشياء، وأصبحت تقى حين تفتح كتابًا فرنسيًا لا تشعر أنها تقف أمام باب مغلق، بل أمام طريق بدأت تعرف خطواته، طريق طويل لم تكن تعرفه من قبل، لكنها هذه المرة لم تكن خائفة من المضي فيه.

طال غياب نوح أكثر مما كانت تقى تتوقع، فقد مضت الأيام منذ رحيله إلى القاهرة، ثم تبعتها أيام أخرى، ولم يصل إلى القصر خبر يحدد موعد عودته، وكانت أحوال العزبة قد استقرت خلال غيابه، فلم تعد الشكاوى تتدافع كما كانت في الأيام الأولى، وصار الفلاحون يعرفون إلى من يذهبون إذا وقع بينهم خلاف أو احتاج أحدهم إلى أمر يتعلق بالماء أو الأرض، وكانت تقى تتابع شؤونهم بهدوء، تراجع ما يُعرض عليها، وتسأل عن الأمر قبل أن تقضي فيه، وقد بدأت وجوه الناس تألف وجودها بينهم، فلم يعد مرورها في الحقول يثير تلك النظرات القديمة التي كانت تلاحقها حين بدأت مهمتها، وكانت تمضي أيامها بين القصر والعزبة، ثم تعود في المساء إلى كتبها، لكن شيئًا واحدًا ظل ينقص تلك الأيام؛ حديث نوح، فقد اعتادت خلال الشهور الماضية أن تسمعه يتحدث عن الأرض، وعن القاهرة، وعن باريس التي عاش فيها زمنًا، وعن الكتب التي قرأها والأشياء التي رآها، وكانت تستمع إليه أكثر مما تسأله، ثم تحمل ما بقي من حديثه إلى مكتبتها فتبحث عنه في الكتب، وكلما وجدت في كتاب شيئًا يذكرها بكلمة قالها ذات يوم، توقفت عنده طويلًا، وحين غاب صار الصمت في المكتبة أثقل مما كان، فكانت تجلس أمام الكتب وتفتح أحدها، ثم تجد نفسها ترفع عينيها إلى المقعد الذي اعتاد نوح أن يجلس عليه، وكأنها تنتظر أن تسمع صوته من ناحية الباب، ولم تكن تقى تقول لأحد إنها تشتاق إلى عودته، حتى إنها لم تكن تعترف بذلك لنفسها بسهولة، لكنها كانت كلما جاء رسول أو مسافر من جهة القاهرة تلتفت إليه دون أن تشعر، ثم تعود إلى ما كانت تفعله حين لا تسمع ما تنتظره، ومع اقتراب الشتاء أخذت العزبة تتغير ببطء، خفت حرارة النهار، وصارت الريح تمر بين الحقول ببرودة واضحة، وبدأت السماء تفقد صفاءها الذي لازم أيام الصيف، فتصير في بعض الصباحات ملبدة بالغيوم، ويغطي الضباب أطراف الحقول والقنايا قبل أن ترفعه الشمس شيئًا فشيئًا، وأصبحت الأرض في الصباح رطبة تحت أقدام الفلاحين، وكانوا يخرجون إلى أعمالهم بثياب أثقل مما اعتادوا، تلف النساء رؤوسهن جيدًا، ويشد الرجال عباءاتهم حول أجسادهم حين تهب الريح، أما في القصر فقد صارت تقى تقضي جزءًا من أمسياتها قرب النار، تراجع دفاتر العزبة ثم تفتح كتابها الفرنسي، ويختلط ضوء المصباح بنور النار على الصفحات، وفي الخارج كانت الأشجار قد بدأت تفقد شيئًا من خضرتها، وتتساقط أوراقها واحدة بعد أخرى في فناء القصر وحديقته، وكانت المهرة السوداء تقف في الاصطبل بعيدًا عن برد الليل، بينما أصبح صوت المطر حين ينزل على السقف والجدران جزءًا من ليالي العزبة، وفي الحقول تغيرت حركة الناس كذلك، فبعد أن كانت الأرض تضج بالحركة منذ الصباح حتى الغروب، صار الشتاء يفرض على الجميع إيقاعًا آخر، يعملون ما استطاعوا في ساعات النهار، ثم يعودون إلى بيوتهم قبل أن يشتد البرد والظلام، وكانت تقى حين تمر بينهم تلاحظ كيف يضم الفلاح يديه إلى صدره طلبًا للدفء، وكيف تحمل المرأة طفلها قريبًا منها وهي تعبر الطريق الموحل، فتتذكر أن استقرار العزبة لا يعني أن الحياة أصبحت سهلة، وأن الشتاء يكشف ما تخفيه الأيام الدافئة من حاجة وفقر، ولهذا ظلت تتابع أحوال الناس كما اعتادت، تسأل عن الغائب والمريض، وتراجع ما يصلها من أخبار الأرض، وفي المساء، حين يهدأ كل شيء، كانت تعود إلى القصر وتجلس في مكانها المعتاد، وقد صار صوت الريح في الخارج يملأ الفراغ من حولها، فتفتح كتابها وتبدأ القراءة، ثم تتوقف أحيانًا دون سبب واضح، وتنظر إلى الباب، وكأنها تنتظر أن يدخل نوح في أي لحظة، لكنها في كل مرة لا تجد أمامها إلا القصر الهادئ وليالي الشتاء الطويلة، فتعود إلى كتابها، وهي تحمل في داخلها ذلك الانتظار الذي لم تكن تعرف كيف تسميه، انتظار رجل اعتادت أن تسمع صوته كل يوم، ثم أدركت في غيابه أن بعض الحضور لا نعرف قيمته إلا حين يطول غيابه 

عاد نوح باشا إلى العزبة في ظهيرة شتوية هادئة، وقد سبقت عربته عربة أخرى تحمل ضيفتيه اللتين جاء بهما لقضاء بضعة أيام في القصر؛ ابنة باشا من معارفه ووالدتها، وكانت العربة تشق الطريق بين الحقول التي غطتها خضرة الشتاء، بينما تركت العجلات آثارها واضحة فوق الأرض الرطبة. وما إن توقفت العربتان أمام القصر حتى خرجت تقى لاستقبالهما، وبقيت على مسافة تحفظ لها مكانها، تراقب الخدم وهم يتقدمون لحمل الحقائب والصناديق الصغيرة التي جاءت بها الضيفتان، بينما نزلت الأم أولًا، امرأة تبدو عليها ملامح الوقار والاعتياد على مجالس القصور، ترتدي ثوبًا طويلًا من قماش ثقيل بلون داكن، تعلوه عباءة شتوية واسعة ذات حواف مزينة بخياطة دقيقة، وقد غطت شعرها بغطاء أنيق ثبتته عند جانبيه، ثم نزلت ابنتها بعدها، وكانت أصغر سنًا وأكثر خفة في حركتها، ترتدي ثوبًا على الطراز الفرنسي، مشدودًا عند الخصر ومتسعًا من أسفل، بلون هادئ تتخلله زخارف دقيقة، وفوقه معطف قصير يناسب برد الطريق، وعلى رأسها قبعة صغيرة مزينة بشريط وريش خفيف، وكانت تحمل في يدها مروحة صغيرة لم تكن بحاجة إليها في ذلك البرد، لكنها بدت جزءًا من هيئتها التي اعتادتها في المدينة، وقد انسدل من حول كتفيها شال ناعم تحرك مع الهواء كلما خطت خطوة، أما وجهها فكان يحمل ملامح شابة هادئة، وعيناها تتحركان في فضول بين القصر والحديقة والحقول الممتدة خلفه، كأنها ترى المكان للمرة الأولى.
رحب نوح بهما، ثم دخلوا القصر ليستريحوا من عناء الطريق، ولم تمضِ مدة طويلة حتى خرجت تقى لتتفقد ما تحتاجه الضيفتان في حجراتهما، ثم عادت إلى شؤون القصر، ولم يكن نوح قد نسي مسؤوليتها، فقد أوصاها أن يبقى كل شيء على حاله من النظام والعناية طوال إقامتهما، وكانت تقى تعرف أن وجود ضيفتين من هذا المقام يتطلب منها انتباهًا مضاعفًا، فظلت تتابع الخدم وتراجع إعداد الغرف والطعام وما يلزم للراحة، دون أن تتدخل في أحاديث الضيوف أو تقترب من مجلسهم إلا حين تُطلب.
وفي اليوم التالي خرج نوح مع ضيفتيه في جولة بين أراضي العزبة، وكانت الفتاة تسير إلى جواره وقد بدلت ثوبها بثوب آخر من الطراز الفرنسي، أكثر بساطة وملاءمة للمشي، لكنه ظل محتفظًا بذلك القصّ الذي يضيق عند الخصر ثم ينساب إلى أسفل، وارتدت فوقه عباءة خفيفة تقيها برودة الهواء، بينما بقيت والدتها خلفهما بخطوات أبطأ، تراقب الأرض والناس من حولها، وكانت تقى تسير على مسافة خلفهم، تتابع الجولة بحكم مسؤوليتها عن العزبة، فلا تسبقهم ولا تبتعد عنهم.
كانت الحقول تمتد أمامهم، وقد أخذ الشتاء من الأرض لونًا مختلفًا، فالخضرة أكثر هدوءًا، والهواء أبرد، والطرق بين الأراضي مبتلة من آثار المطر. مروا بجماعة من الفلاحين يعملون في إحدى القطع، فتوقفت الفتاة تنظر إليهم باهتمام، ثم التفتت إلى نوح وبدأت تسأله بالفرنسية عن طريقة عملهم، وعن المحاصيل التي تزرع في هذا الجزء من العزبة، وكيف تصل المياه إلى الأرض، وكان نوح يجيبها باللغة نفسها، بهدوء ومن غير استعجال، يشرح لها ما يعرفه عن أحوال الزراعة في أرضه، ويشير بيده إلى بعض الحقول والقنايا وهو يتحدث.
قالت الفتاة وهي تنظر إلى صفوف الزرع: «هل تتغير المحاصيل هنا مع تغير الفصول؟»
أجابها نوح بالفرنسية، موضحًا لها أن لكل موسم ما يناسبه من الزرع، وأن الفلاحين يعرفون الأرض وما تحتاج إليه من خلال خبرتهم الطويلة، ثم سألته عن القنايا التي تمر بين الحقول، فأخذ يشرح لها كيف تُفتح مجاري المياه وتُنظف حتى يصل الماء إلى الأراضي البعيدة، وكانت الفتاة تصغي إليه باهتمام، ثم تعود فتسأله عن شيء آخر، مرة عن الفلاحين، ومرة عن البيوت المتناثرة بعيدًا، ومرة عن اختلاف الحياة هنا عن الحياة في القاهرة، وكانت تقى تمشي خلفهما وتسمع كل كلمة.
لم تكن بحاجة إلى أن تخمن المعنى من حركة يده أو من نبرة صوته كما كانت تفعل قديمًا، ولم تعد الكلمات الفرنسية تصل إلى أذنها كأصوات غريبة متصلة لا تعرف أين تبدأ وأين تنتهي، بل أصبحت الجمل تدخل إلى عقلها واضحة، فتفهم السؤال والجواب معًا، وتدرك حين تتعجب الفتاة من أمر ما، وحين يحاول نوح أن يشرح لها شيئًا من طبيعة الحياة في العزبة. وكانت تتابع الحديث في هدوء، وعيناها أحيانًا تنزلان إلى الأرض أمامها، حتى لا يظهر على وجهها أنها تفهم كل ما يدور بينهما.
وفي أثناء سيرهم اقتربوا من مجموعة أخرى من الفلاحين، فسلّموا على نوح وانحنوا له باحترام، وسألته الفتاة عن علاقتهم به، فأجابها بالفرنسية أنهم يعملون في أرضه، وأن لكل واحد منهم ما يتولاه من العمل بحسب ما تحتاج إليه الأرض، ثم سألته عن حالهم، فأجابها بأن الحياة في الريف شاقة، وأن الأرض قد تعطي كثيرًا في عام وتقل في عام آخر، وأن الفلاح لا يستطيع أن يعرف دائمًا ما ينتظره الموسم القادم.
ظلت الفتاة تستمع إليه، ثم قالت شيئًا عن صعوبة أن يعيش الإنسان معلقًا بما تمنحه الأرض، فرد نوح عليها بكلمات قليلة، ونظر إلى الحقول أمامه قبل أن يقول إن من عاش هنا زمنًا طويلًا يتعلم أن ينتظر، وأن الصبر جزء من حياة الفلاح.

كانت تقى تفهم ذلك كله، وكانت بعض الكلمات تترك أثرًا خاصًا في ذهنها لأنها سمعتها من قبل في كتب نوح، أو لأنها صارت تعرف معناها من أحاديثها الطويلة مع نفسها. وحين انتقل الحديث إلى باريس، وتحدثت الفتاة عن شوارعها ومبانيها وما تعرفه عنها، أخذ نوح يجيبها ويضيف من ذكرياته القديمة، وكانت تقى تمشي خلفهما وتصغي باهتمام، فقد كانت باريس بالنسبة إليها مدينة لم ترها قط، لكنها دخلت إلى خيالها من خلال كتب نوح وحكاياته، ولذلك لم يكن حديثهما عنها عابرًا بالنسبة لها.

لم تتدخل تقى، ولم يلتفت إليها أحد ليختبر معرفتها باللغة، وظلت تسير خلفهم في صمت، لكن صمتها هذه المرة لم يكن صمت من لا يفهم، بل صمت امرأة تعرف تمامًا ما يقال أمامها، وتستطيع لو شاءت أن تدخل في الحديث، ثم تختار ألا تفعل، وحين انتهت الجولة وعادوا نحو القصر، كانت الفتاة لا تزال تتحدث مع نوح بالفرنسية، وكانت تقى تسمعها حتى آخر كلمة، ثم سبقتهم بخطوات قليلة لتتأكد من أن أبواب القصر قد فتحت وأن الخدم مستعدون لاستقبالهم، وعندما دخلوا، عادت إلى مكانها وكأن شيئًا لم يحدث، بينما بقيت اللغة التي سمعتها طوال الطريق تدور في ذهنها بسهولة، وقد أدركت في تلك اللحظة أن ما تعلمته خلال الشهور الماضية لم يعد درسًا تحفظه في الليل، وإنما أصبح شيئًا استقر فيها حتى صار جزءًا من قدرتها على فهم العالم من حولها

تعليقات



<>