رواية خادمتي الصامته الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم اسماعيل موسي
بعد أسابيع قليلة بدأت العزبة تتغير أمام عيني تقى، وكأن الأرض نفسها كانت تستجيب لما جرى فيها، فأزهرت حقول الذرة وارتفعت سيقانها الخضراء متراصة في صفوف واسعة تتمايل مع الريح، وبينها ظهرت حقول القطن وقد تفتحت أزهاره البيضاء فوق الأغصان في مشهد يشبه الثلج المتناثر على امتداد الأرض، أما حقول الفلفل فكانت أكثرها ألوانًا، خضرتها تمتد بين الخطوط، وثمرها يتدلى بألوانه المختلفة، حتى بدت أراضي العزبة من بعيد كأنها لوحة كبيرة رسمتها الطبيعة بيدها، وكان شق القنايا الجديدة قد جعل الماء يصل إلى أراضٍ لم تكن تعرفه من قبل، فكانت الجداول الصغيرة تتفرع بين الحقول، يلمع سطحها تحت الشمس ثم تختفي لمعتها كلما مر عليها ظل نخلة أو شجرة، وانتشر الفلاحون والفلاحات في كل ناحية من الأرض، هذا يحمل فأسه، وتلك تنحني بين الزرع، وأخرى تحمل سلة من المحصول فوق رأسها، وكانت ملابسهم المزركشة تزيد المشهد حياة، أثواب بألوان مختلفة، وأغطية رؤوس ملونة تتحرك مع الريح، وأصواتهم تتداخل مع صوت الماء وحفيف الزرع حتى أصبحت العزبة في الصباح كأنها استيقظت دفعة واحدة بعد سنوات من التعب، وكانت تقى تمر بينهم فوق مهرة سوداء أخرجتها من اصطبل الخيل، اختارتها من بين الخيل لأنها كانت هادئة قوية، فبدت تقى فوق ظهرها مختلفة تمامًا عن تلك الفتاة التي كانت تمشي قديمًا مطأطئة الرأس في أروقة القصر، كانت تمسك اللجام بيد ثابتة، وثوبها يرفرف خلفها كلما أسرعت المهرة قليلًا، والريح تعبث بطرفه وترفعه ثم تعيده إلى ظهرها، بينما كانت تمر بعينيها على صفوف الزرع والقنايا والعمال، تتوقف أحيانًا عند أحد الفلاحين، تسأله عن الماء أو عن حال الأرض، ثم تتابع طريقها، وكانت الشمس تميل فوق الحقول فتغمر الذرة بضوء ذهبي، وتلمع قطرات الماء في القنايا كحبات صغيرة من الفضة، وتتحرك المهرة السوداء بين كل ذلك بخطوات منتظمة، حتى بدت تقى في قلب المشهد كأنها جزء من تلك الأرض نفسها، لا تمر عليها فقط، وإنما تعرف طرقها وقناياتها وحقولها وأصوات أهلها، وكلما رفرفت راية ثوبها في الهواء، التفت إليها بعض الفلاحين ثم عادوا إلى عملهم وهم يشعرون أن العزبة لم تعد كما كانت، وأن الأرض التي طالما أعطتهم تعبًا وخوفًا بدأت تمنحهم شيئًا آخر لم يعرفوه منذ زمن طويل، شيئًا يشبه الأمان، ويشبه الأمل.

في تلك الأيام لم تكن تقى تكتفي بما تتعلمه في النهار، فحين تهدأ العزبة ويغلق القصر أبوابه، كانت تعود إلى غرفتها وتجلس أمام المصباح ساعات طويلة، تفتح كتب اللغة الفرنسية التي وضعها نوح في مكتبته، وتعيد الكلمات والجمل بصوت خافت مرة بعد مرة، فإذا أخطأت أعادتها من البداية، وإذا استعصى عليها نطق كلمة ظلت تكررها حتى يثبت صوتها عليها، وكانت أحيانًا تقف أمام المرآة وتتصور أن أمامها شخصًا فرنسيًا جاء إلى القصر، فتبدأ الحديث معه، تسأله عن اسمه، ومن أين جاء، ثم تجيب عن نفسها، وتعيد الحوار كأنها تجريه للمرة الأولى، ثم تترك الغرفة وتمشي في أروقة القصر وهي تواصل حديثها مع أشخاص لا وجود لهم، مرة تتخيل أنها تستقبل ضيفًا، ومرة أنها تحدث شخصًا عن العزبة، ومرة تقف في الحديقة تحت الأشجار وتتصور أن أحدهم يسألها عن حياتها، فتجيب بهدوء، وكانت ضحكتها الخفيفة تظهر أحيانًا حين تتعثر في جملة ثم تكتشف خطأها بنفسها، فتعود وتصححه، ومع مرور الأيام بدأت الكلمات تتجمع في ذاكرتها، ولم تعد تحفظ مفردات متفرقة فقط، وإنما أتقنت مجموعة من الجمل الكاملة التي تستطيع قولها دون تردد، ثم جاء يوم جلست فيه أمام المرآة وأجرت لنفسها حوارًا كاملًا قصيرًا، عرفت فيه بنفسها، قالت اسمها، ومكانها، وما الذي تقوم به في العزبة، ومنذ متى بدأت تتعلم الفرنسية، وكانت كل جملة تخرج منها أكثر ثباتًا من التي سبقتها، حتى أنهت الحوار من أوله إلى آخره دون أن تتوقف إلا لحظة واحدة، فبقيت تنظر إلى انعكاس وجهها في المرآة وكأنها لا تصدق أن تلك الكلمات خرجت من فمها بهذه السهولة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وأغلقت الكتاب، وفي إحدى الليالي، بعد أن فرغت من درسها، صعدت إلى سطح القصر، وكانت العزبة قد غارقة في الظلام، لا يظهر منها إلا بضع نقاط ضوء متفرقة من بيوت الفلاحين، بينما امتدت الحقول كبحر أسود ساكن حتى النهر، وفوقها كانت السماء واسعة تملؤها النجوم، وقفت تقى وحدها عند حافة السطح، والريح تحرك ثوبها وشعرها، وظلت تنظر إلى الأرض طويلًا، إلى القصر الذي أصبحت مسؤولة عنه، وإلى الحقول التي صارت تعرف طرقها، وإلى الحياة التي تغيرت من حولها دون أن تشعر، ثم همست بالفرنسية، ببطء وثقة، بالجملة التي ظلت تكررها في خيالها مرات كثيرة: «Tout ira bien»، ثم أعادتها مرة أخرى بصوت أكثر ثباتًا، وكأنها لا تخاطب نفسها وحدها، وإنما تخاطب كل ما حولها: «Tout ira bien»، كل شيء سيكون بخير، وبقيت لحظات طويلة واقفة تحت السماء، قبل أن تعود إلى غرفتها، وهي تعرف أن ما وصلت إليه لم يكن نهاية الطريق، وإنما بداية امرأة جديدة تتشكل داخلها يومًا بعد يوم، وعندما يعود نوح إلى القصر، فلن يجد تقى التي عرفها يوم كانت تقف صامتة في أحد أركان قصره، وإنما سيجد امرأة تعلمت أن تتكلم، وأن تقرأ، وأن تدير العزبة، وأن تنظر إلى العالم بعينين لا تخفضهما أمام أحد، امرأة صنعت لنفسها مكانًا لم يمنحه لها أحد، وأصبحت تعرف أن صوتها الذي عاد إليها لم يكن مجرد صوت، بل كان أول باب فتحته نحو حياة لم تكن تتخيل يومًا أنها تستطيع الوصول إليها
تعليقات



<>