رواية خادمتي الصامته الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم اسماعيل موسي
في مساء اليوم التالي، اجتمع نوح وضيفتاه إلى مائدة العشاء، وكانت تقى قد حرصت منذ وقت مبكر على أن يكون كل شيء في القاعة مرتبًا كما ينبغي، ولم تترك الأمر للخدم وحدهم، بل أشرفت بنفسها على إعداد المائدة، تراجع موضع كل شيء أكثر من مرة، حتى جاءت اللحظة التي دخل فيها نوح وضيفتاه، فوجدوا المائدة معدة على نحو لم يعتادوا أن يروه من تقى من قبل. كانت الأطباق موضوعة في ترتيب دقيق، والأكواب في مواضعها، والمناديل مطوية بعناية، وأدوات الطعام مرتبة بحسب استخدامها، وكل شيء موضوع في مكانه دون ازدحام أو مبالغة، وكانت تقى تتحرك بهدوء بين أطراف المائدة، تصلح موضع شيء صغير، وتعدل آخر، ثم تتراجع خطوة لتنظر إلى المائدة كلها قبل أن ترضى عنها، وقد كانت قد تعلمت من الكتب التي قرأتها ومن ملاحظاتها الطويلة لما اعتاده نوح في القصر طريقة مختلفة في ترتيب المائدة وآداب تقديم الطعام، وحفظت تلك التفاصيل واحدة واحدة حتى صارت تؤديها دون تردد، وحين جلس نوح وضيفتاه، بدأت تقى في تقديم الطعام، فكانت تعرف متى تقدم الطبق، ومتى ترفع ما انتهى منه، وأين تضع الكأس، وكيف تتحرك حول المائدة دون أن تقاطع حديث الجالسين أو تقترب أكثر مما ينبغي، وكانت كل حركة منها هادئة ومحسوبة، لا ارتباك فيها ولا عجلة، حتى إن ابنة الباشا رفعت عينيها إليها أكثر من مرة وهي تتابعها في صمت، أما نوح فظل يراقبها من مكانه دون أن يقول شيئًا، فقد كان يعرف أنها كانت تتعلم، لكنه لم يتوقع أن تبلغ هذا القدر من الدقة، ولم تكن تقى تنظر إلى وجه أحد منهم لتعرف إن كانوا راضين عما تفعل، بل واصلت عملها كأنها تحفظ في ذهنها ترتيب المائدة قطعة قطعة، وحين انتهت من تقديم ما كان عليها تقديمه، وقفت على مسافة قريبة تنتظر ما قد يحتاج إليه الجالسون، فالتفتت إليها الفتاة وقالت بالفرنسية: «Elle sait vraiment ce qu’elle fait.» فهمت تقى العبارة كاملة، لكنها لم تبد أي رد فعل، بينما ابتسم نوح وقال: «Elle apprend vite.» فقالت الفتاة وهي لا تزال تنظر إلى المائدة: «Ce n’est pas seulement ça. Regardez comme elle arrange tout.» ثم التفتت إلى والدتها وكأنها تريد أن تشركها في دهشتها، وكانت الأم تتابع تقى منذ بداية العشاء، حتى قالت بعد لحظات لنوح: «أعترف أنني لم أكن أتوقع منها كل هذا.» ابتسم نوح ابتسامة خفيفة وقال: «هي لم تكن تترك شيئًا تتعلمه إذا أرادت أن تتقنه.» فقالت المرأة وهي تنظر إلى تقى: «اختيارك لها كان موفقًا يا نوح، لقد أحضرت إلى قصرك خادمة تتصرف وكأنها نشأت في بيت فرنسي، بل إنني رأيت من خدم كثيرين في أوروبا أقل دقة منها.» لم يجب نوح فورًا، وإنما نظر إلى تقى التي كانت ترتب أحد الأطباق بهدوء، ثم قال: «هي لم تأتِ إلى هذا المكان وهي تعرف شيئًا من ذلك، لقد تعلمت بنفسها، وكانت تصر على أن تتعلم كل ما يقع تحت يديها.» رفعت المرأة حاجبيها في دهشة وقالت: «حتى هذا النوع من آداب المائدة؟» فقال نوح: «حتى هذا.» ثم عاد إلى حديثه مع ضيفته، بينما بقيت تقى واقفة في مكانها، وقد سمعت كل كلمة، ولم تعرف إن كان ينبغي لها أن تشعر بالرضا أم أن تتظاهر بأنها لم تسمع شيئًا، فاكتفت بأن خفضت عينيها قليلًا وعادت إلى عملها، لكن هذه المرة كانت خطواتها أكثر هدوءًا، وكأنها أرادت أن تثبت لنفسها قبل أي أحد أنها لم تتعلم تلك الأشياء لتثير دهشة الجالسين، وإنما لأنها أرادت منذ البداية ألا تبقى كما كانت، وأن تعرف ما يجهله من حولها، حتى لو كان عليها أن تتعلمه كلمة كلمة وحركة 

رفعت المرأة عينيها عن المائدة بعد أن فرغت من طعامها، ثم التفتت إلى تقى بابتسامة راضية وقالت بالفرنسية: «لقد كان الطعام شهيًا جدًا، وخدمتك كانت أنيقة ودقيقة. أحسنتِ يا تقى، لقد استمتعت كثيرًا بهذه الوجبة».
انحنت تقى قليلًا احترامًا، وظلت لحظة صامتة، كما اعتاد الجميع منها. ثم رفعت عينيها نحو المرأة، وقبل أن تتراجع عن فكرتها، خرج صوتها للمرة الأولى أمام نوح، هادئًا وواضحًا بالفرنسية: «J’espère n’avoir oublié aucun détail qui aurait pu vous déplaire ou vous mettre mal à l’aise.»
توقفت الكلمات على المائدة، وساد صمت مفاجئ. بقي نوح ساكنًا، ونظر إلى تقى دون أن يقول شيئًا، وكأن سماع صوتها بعد كل تلك السنوات قد باغته في لحظة لم يكن مستعدًا لها، رغم أنه كان يعرف أنها استعادت قدرتها على الكلام منذ زمن.
أما المرأة فحدقت في تقى بدهشة، ثم سألتها بالفرنسية: «Vous parlez français ?»
أجابت تقى ببساطة: «Oui.»
ابتسمت المرأة، وكأن المفاجأة تحولت في لحظة إلى إعجاب، ثم قالت وهي تنظر إليها: «Alors, demain, c’est vous qui nous ferez découvrir le domaine.»
ظل نوح صامتًا، بينما خفضت تقى عينيها قليلًا، ولم تقل شيئًا آخر

لم تكن المرأة وحدها التي بقيت مأخوذة بما سمعته، فقد كانت الفتاة تتابع تقى منذ اللحظة التي خرج فيها صوتها، تنظر إليها بدهشة لم تستطع إخفاءها. لم يكن غريبًا عليها أن ترى خادمة تجيد ترتيب المائدة وخدمة الضيوف، لكن أن تكون تلك الخادمة قادرة على الحديث بالفرنسية، ثم تتحدث بها بهذه الطلاقة والهدوء، كان أمرًا لم تتوقع أن تراه في عزبة بعيدة عن القاهرة.
مالت الفتاة قليلًا نحو تقى، وقالت بالفرنسية: «لم أتوقع أن أجد هنا فتاة خادمة تتحدث الفرنسية بهذه الطلاقة. هل قرأتِ شيئًا من الأدب الفرنسي؟»
أجابتها تقى دون تردد: «Oui. J’ai lu des œuvres de Victor Hugo, Alexandre Dumas, Alphonse de Lamartine et François-René de Chateaubriand. J’aime particulièrement la manière dont Hugo décrit les hommes et leurs souffrances, tandis que les récits de Dumas me plaisent par leur mouvement et leurs personnages.»
اتسعت عينا الفتاة قليلًا، ثم سألتها: «Et la peinture ? Quels peintres français connais-tu ?»
أجابت تقى: «Je connais Jacques-Louis David, Eugène Delacroix et Jean-Auguste-Dominique Ingres. J’ai beaucoup aimé les œuvres de David pour leur composition et leur force, et celles d’Ingres pour la précision de ses portraits.»
ظلّت الفتاة تنظر إليها لحظات، ثم التفتت إلى أمها قبل أن تعود بعينيها إلى تقى. لم تعد دهشتها من قدرتها على الكلام فقط، بل من أن فتاة جاءت إلى هذه العزبة في ثوب خادمة كانت تعرف أسماء الأدباء والرسامين وتتحدث عن أعمالهم بهذه الدقة.
ابتسمت أخيرًا، ثم قالت بالفرنسية وهي تلقي نظرة قصيرة نحو نوح: «Je comprends maintenant pourquoi Noé a choisi de vivre dans l’isolement et de rester dans son domaine. Il ne lui manque peut-être rien ici… pas même une âme française.»
ظل نوح صامتًا، بينما ارتسمت على وجه تقى ابتسامة صغيرة لم تستطع إخفاءها هذه المرة.
تعليقات



<>